174شيخُ الإسلام ابن تيمية ويقيسون الأحداث بعضها على بعض في وقتٍ يذهل فيه عقول الآخرين، خاصّة في أوقات المِحن والصعائب، فسبحانه يثّبت مَن يشاء فيهبه الفهمَ والمعرفة والفرقان الذي يستطيع أن يفرّق به بين الحقّ والباطل والخير والشر، فيرى الحقائق ماثلةً أمامه غيرَ خافية عليه، بينما تغيب عنْ غيره؛ ذلك لأنه ارتبط في كلّ حياته بالله هدفًا وعملاً وعبادة. ومظاهرُ الإخلاص عند هذا الشيخ- رحمه الله- تجلّت في حياته كلها؛ لقد عاش مجاهدًا بكلّ أنواع الجهاد: بالقلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبدروسه العلمية، ثمّ جهاده بالسيف، وتحمّله لبلاء السجن والظلم، وعدم مبالاته بما يجري له ما دام على طريق الحقّ؛ حيث يقول ولقد أفاضَ العلماء في ذكر هذه الصّفة كما بيّنا ذلك من قبل. - قوّة الفراسة: 5 تحدّث الكثيرون عن فراسة شيخ الإسلام، منهم: أبو حفص البزار وغيرُه من العلماء، ووضّحوا كيف أنّ الله - عز وجل - وهبَه هذه الصفة، والتي- أيضًا- نراها مِن خلال مؤلفاته وفتاواه المتنوّعة، فهو سريعُ البديهة، ثاقبُ الفهْم، تلوح له الأمور مِن بعيد، يرى الشّخص فيفهم ما يدور في وجْهه حتى لو بدا له لأوّل وهلة، يصف ذلك الشيخ محمد أبو زهرة بتعبيراتٍ رصينة فيقول الإحساس؛ فقد كان ينفذ نظره إلى قرارات النفوس فيدركها، وإلى بواطن الأمور فيكشفها، فكان الألمعي يظنّ الظنّ كأنه رأى وسمع، وبدتْ فرائسه واضحةً في كلّ أمرٍ تولاّه، رأى التتار وحالهم ففَهِم بذكاءِ نفسه أنهم تضعْضَعوا، ولم يكونوا عند غزوهم الشام كما بدءوا، بل أترفت نفوسُهم فذهب بأسُهم، ولكن ماضيهم يرعبُ مَن يغزونهم فيهزمون بالرّعب لا بفرط القوّة. رأى العبقري ذلك فكان يحلف أغلظَ الأيمان بأنّ جند مصر والشام لا محالة مُنتصرون، فإذا قال له الأمير: قل: إنْ شاء الله! قال: أقولها تحقّقًا لا معلّقًا، وهذا يدلّ على قوّة فراسته ونفاذ بصيرته.
عدد الصفحات ١٧٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 175 ورأى رجلاً في زيّ طالب العلم يسير في طرق دمشق محتارًا؛ لأنه لم يكن معه ما ينفعه، فناداه ابن تيمية ووضع في يدِه دراهم، وقال: (أنفقْ منها، وأخلِ خاطرك)، وما تحدّث الشابّ .)1(بحاجته، ولكنها فراسة المؤمن وكرمُه وفي هذا مِن الوعي بالسّنن وتوظيفها ما فيه؛ فهو يعرف بقوّة فراسته مدى تساقط التّتار وضعفهم، وأنّ لكل شيء إذا ما تمّ نقصانًا، وهذا مِن مكوّنات العلم بالسنن لديه. ــ قدرته على التقعيد:6 ويظهر ذلك جليًّا في ما كتبه من القواعد الفقهية، وقد سبق الحديثُ عن ذلك في الباب السابق. ثانيًا: تكاملُ العلوم الدينيّة والعقلية لديه: جمع شيخُ الإسلام- رحمه الله- بين المعرفة العميقة بالعلوم الدينية والعقلية بأنواعها مِن علومٍ كونيّة وفلسفية ومنطق وجغرافيا وتاريخ وفيزياء ورياضة وعلوم الأحياء وغيرها. وهو يرى أنّ هذه ﮥ ﮦ ﮧ في مواضع متعدّدة، وهذه الكلمات تنقسمُ إلى كلمات دينية مثل قوله تعالى: ﴿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ]124﴾ﮨ ﮩ ﮪﮫ ]137﴾ﯨ ﯩ ﯪ ، ولا « :ﷺوهي المقصود بدعائه يملك مخلوقٌ أنْ يخالف الكلمات الكونيّة التي تعني قوانين الكون والحياة والموت والخلق ومجريات الأحداث، وإنما تقع المخالفة في الكلمات الدينية؛ لأن الله امْتحن إرادةَ الإنسان بها، فالترابطُ هنا وثيقٌ بين الكلمات الدينية وبين العبادة الدينية من ناحية، ثمّ بين الكلمات الكونية .)2(والعبادة الكونية من ناحية أخرى ) بتصرف يسير.91 ابن تيمية حياته وعصره، محمد أبو زهرة، ص)1( .)118 الفكر التربوي، ماجد عرسان، ص)2(
عدد الصفحات ١٧٥176شيخُ الإسلام ابن تيمية وهكذا نجد أنّ العلم الديني يتكامل مع العلم الدنيوي؛ لأنهما يحقّقان معًا شرع ا ظهر هذا التكامل واضحًا جليًّا من خلال كتابات ابن تيمية؛ حيث وضح- أيضًا- ذلك مِن خلال حديثه عن العلوم، فيذكر أنّ العلوم نوعان: نوعٌ يتعلّق بتربية الإنسان وتعليمه وتهذيبه عقائديًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، وهذه يسمّيها ابن تيمية طريق الوحي والرسل، وهي تستلزم الصدقَ لعدالة الأنبياء والرسل وصدقهم ومعجزات ما جاءوا به. ونوعٌ يتعلّق بجسده وعقله كـ: الطبّ والهندسة والرياضيات والفلك، وهذه يسمّيها عقلية؛ لأنّ الشرع التقى بالدّلالة عليها والإشارة إليها، ثمّ ترك للعقل أن يخوض بها ويبحث ويفصّل. وكلا النوعين علوم شرعية؛ لأنّ ثمراتها واحدة، وهي الكشف عن آيات الله في الوحي .)1(والخلق ثالثًا: ثقافتُه الواسعة في جميع المجالات: كان شيخُ الإسلام ابن تيمية يمتلك العقلَ الموْسوعي، فلم يكن متخصّصًا في علم من العلوم- كما سبق-، ولكنّه حوى وجمع بين كلّ العلوم كما لو كان متخصّصًا في ذلك، وهذه المعرفة أهّلته لمعرفة السّنن واستنباطها؛ فهي القوانين التي تحكم الأمم والجماعات، ولا بدّ للإنسان كي يعرف قوانين أي أمّة أن يفهم منهجها وفكرها ولغتها وتاريخها الذي عاشته، ومدى فهمها للحياة ومعرفتها بالكون الذي تعيش فيه، ولذا كان شيخ الإسلام أهلاً لمعرفة السنن الإلهية. وقد سبق الكلام عند منزلته العلميّة، ولكن نشير فقط في هذا المبحث إلى هذه الثقافة عن طريق بعض ما كتبه في ذلك، ومِن هذه العلوم ما يأتي: - معرفته بقواعد اللغة العربية وإيحاءاتها. - معرفته بالفقه. ).33،32)، ص19 مجموع فتاوى ابن تيمية،)1(
عدد الصفحات ١٧٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 177 - معرفته بعلم البلاغة - معرفته بالفلسفة وعلم الكلام. - معرفته بالأنساب. - معرفته بالديانات الأخرى. وسنقدّم بعض الأمثلة الشاهدة على معرفته بهذه العلوم من خلال ما كتبه في كتاب الفتاوى: - معرفتُه باللغة العربية:1 أتقن الشيخُ- رحمه الله- قواعد اللغة العربية، ومِن ذلك يقول في أثناء شرحه لدرجات الإيمان بعد أن أجابه عن هذه الثلاث، )1(في الحديث الصحيح فبينّ أنهّا كانت كلها من ديننا، والدين مصدر، والمصدر يُضاف إلى الفاعل والمفعول، يقال: دان فلان فلانًا: إذا عبده وأطاعه كما يقال: دانه إذا أذلّه؛ فالعبد يدين الله، أي: يعبده ويطيعه، فإذا أضيف الدين إلى العبد فلأنه العابد المطيع، وإذا أضيف إلى الله فلأنه المعبود المطاع، كما قال .)2(»]193﴾ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽتعالى: ﴿ وأيضًا نجد معرفته باللغة العربية واضحة في أثناء شرحه لسورة الغاشية، حيث يقول في ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ قوله تعالى: ﴿ ]5-1﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ أحدهما: أنّ المعنى: وجوه في الدنيا خاشعة عاملة ناصبة تصلى يوم القيامة نارًا حامية، يعني بها عباد الكفار كـ: الرهبان وعباد البدور، وربما تؤولت في أهل البدع كالخوارج. والقول الثاني: أنّ المعنى: أنها يوم القيامة تخشع، أي: تذل وتعمل وتنصب. ).193/2 السنن الكبرى للنسائي،)1( .)158/10 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ١٧٧178شيخُ الإسلام ابن تيمية قلت: هـذا الحقّ لوجوه، أحـدهما: أنه على التقديـر يتعلّق الظرف بما يليه، أي: وجوه ﴾، ويكون قوله: ﭰيوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة، وعلى الأوّل لا يتعلق إلاّ بقوله: ﴿ ﴾ قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلّق بصفة أخرى ﭩ﴾ صفة للـ﴿ﭫ ﴿ متأخّرة، والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارًا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرارُ الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، وإنّما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أمّا مع اللّبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلومٌ أنه ليس هنا قرينة تدلّ على التقديم والتأخير، بل القرينة تدلّ على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير .)1(بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمر المخاطب بفهمه تكليف لا يطاق والأمثلةُ على معرفة شيخ الإسلام للغة العربية وإيحاءاتها وقواعدها كثيرة، سنجد الأمثلة مُتناثرة في ثنايا كلامه لكلّ مَن يتناول تراث هذا الرجل، ولقد تحدّث العلماء عن مكانته العلمية ذاكرين مكانتَه في اللّغة العربية، وكيف أنه كان بينه وبين سيبويه مناقشاتٌ كثيرة في علم النحو. - معرفتُه بالفقه وتميّزه فيه:( لعلّ من أهمّ المعينات على فهْم السنن وتطبيقها معرفةَ الفقه معرفة جيدة، خاصّةً ما يعرف بفقه المآلات وفقه الموازنات وفقه المقاصد وفقه الأولويات وفقه الواقع، والدارسُ لسيرة شيخ الإسلام وتراثه دراسةً متأنّية جيدة يجد كثيرًا من الإلماحات إلى هذه العلوم، وسنذكرُ هنا إطلالة بسيطة على هذه العلوم عند شيخ الإسلام ابن تيمية. فقهُ المآلات: - المعنى اللغوي: (ومعنى المآل عند أهل اللغة هو المرجعُ والمصير والعاقبة والمنتهى، ونحوه 1 من المرادفات، وفي مصطلح . )2(وآثارها وما تنتهي إليه من عواقب في الواقع ).218،217/16 الفتاوى،)1( - ص1دار الكتاب المغربي، دار الكلمة جـ– نظر فقه المآل مفهومه وقواعده، الدكتور سيد الدين العثماني)2( . 1436-2015 ط11
عدد الصفحات ١٧٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 179 - المعنى الاصطلاحي: (هو الفقه الذي ينظر إلى مآل الحكم الشرعي عند تنزيله في الواقع2 ويأخذه بعينِ الاعتبار، فإن كان الحكم سيؤدي إلى مقصده أمضاه، وإن كان لا يؤدي إلى مقصده عدّله أو غيرّه بحسب طبيعة المآل، وذلك يستلزم أيضًا معرفةَ فقه التوقّع . )1(والاسشراف للمستقبل ويتضّح مضمون فقه المآل من خلال ما وردَ عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في تعامله مع التّتار ووحشيتهم؛ حيث يقول: (مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التّتار بقومٍ منهم يشربون الخمر فأنكَرَ عليهم مَن كان معي، فأنكرت عليه وقلتُ له: إنّما حرم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدّهم الخمر عنْ قتل النفوس وسبْي الذرية وأخذ . )2(الأموال فدعْهم فالغاية مِن إنكار المنكر هو إزالته أو تحصيل المعروف، أمّا إذا كان مآل إنكار المنكر هو أن .)3(ينتج عنه ما هو أنكرُ منه؛ فإنّ إنكاره لا يسير على سنن الشريعة وفي موضعٍ آخر يتحدّث شيخ الإسلام فيه عنْ واقعية فقه المآلات، وأنه فقهٌ تزداد الحاجةُ إليه على قدْر ازدياد الفتنة (وقد نصّ تقي الدين ابن تيمية بأنّ باب التعارض بين المصالح والمفاسد النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلّما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك مِن أسباب الفتنة بين الأمّة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقعَ الاشتباه والتلازم؛ فأقوامٌ قد ينظرون إلى الحسنات فيرجّحون هذا الجانب وإن تضمّن سيئات عظيمة، وأقوامٌ قد ينظرون إلى السيئات فيرجّحون الجانب الآخر وإنْ ترك حسنات عظيمة، والمتوسّطون الذين ينظرون الأمرين قدْ لا يتبينّ لهم أو لأكثرهم مقدارُ المنفعة والمضرّة أو يتبينّ لهم فلا يجدون مَن يعينهم .)4(العمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكوْن الأهواء قارنت الآراء بتصرف15 السابق صـ)1( .5 صـ3 انظر إعلام الموقعين، جـ)2( 48 فقه المآلات، صـ)3( .71. وفقه المآل، ص58-57 صـ20 الفتاوى، جـ)4(
عدد الصفحات ١٧٩180شيخُ الإسلام ابن تيمية وفي موضعٍ آخر يبين شيخ الإسلام- رحمه الله- أهمية الوعي بفقه المآلات فيقول: (الواجبات والمستحبّات لا بدّ أن تكون المصلحة فيها راجحةً على المفسدة؛ إذْ بهذا بعثت الرّسل ونزلت الكتب، واللهُ لا يحب الفساد ؛ بل كلّ ما أمر الله به فهو صلاح. وقد أثنى اللهُ على الصلاح والمصْلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمّ المفسدين في غير موضعٍ، فحيث كانت مَفسدة الأمر والنهي أعظمَ من مصلحته لم تكنْ ممّا أمر الله به، وإن . )1(كان قد ترك واجبًا وفعل محرّمًا؛ إذ المؤمنُ عليه أن يتّقي الله في عباده، وليس عليه هداهم فقه الموازنات: لعلّ خيرَ دليل على معرفته بهذا العلم ما كتب عنه (رحمه الله) مِن دراسات في بيان معرفته بعلم الترجيح، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا عند الحديث عن الدراسات السابقة. ومِن هذه الإلماحات التي كتبها ابنُ تيمية فتحدّث فيها عن فقه الموازنات؛ قوله: (ليس العاقل مَن يعلم الخير والشرّ فقط، بل يجب أن يعلم خيرَ الخيرين وشرَّ الشرّين، ويعلم أنّ الشريعة مَبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلاّ فمَن لم يوازن ما في الفعل . )2(والترّك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية؛ فقد يدعُ واجباتٍ ويفعلُ محرمات وأيضًا مِن هذه الإلماحات الجميلة ما ذكَره في أثناء حديثٍ عن الاحتفال بالمولد النبوي مع تبديعه إيّاه- على صاحبه الصلاة والسلام- حيث يقول رحمَهُ الله: (تعظيمُ المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعضُ الناس، ويكون له فيه أجرٌ عظيم لحُسن قصده وتعظيمِه لرسول الله ﷺ كما قدّمته لك أنه يحَسن مِن بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدّد، ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض الأمراء إنّه أنفق على مصحفٍ ألفَ دينار ونحو ذلك، فقال دعْه؛ فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أنّ مذهبه أنّ زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأوّل بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخطّ. 126 صـ28 مجموع الفتاوى، جـ)1( 298 صـ1 اقتضاء الطريق المستقيم، جـ)2(
عدد الصفحات ١٨٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 181 وليس مقصودُ أحمد هذا، وإنّما قصده أنّ هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها، فهؤلاء إنْ لم يفعلوا هذا؛ اعتاضوا الفسادَ الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتابٍ من كتب الفجور ككتب الأسماء أو الأشعار أو حكمة فارس والروم، فتفطّن لحقيقة الدين، .)1(وانظرْ ما اشتملت عليه أمّا معرفته بعلم الواقع، فلا يخفى على أحدٍ جهادُ ابن تيمية في مواجهة المُبطلين من الخوارج والباطنة وأهل البدع من الفلاسفة والمتصوفة، ومعاركُه التي خاضها مع التّتار والصليبين، وكلّ الفتن التي تعرض إليها وتناولها العلماء في سيرته العطرة، وكيف أنّه واجهها بصبر وإيمان، وتحمّل فكان لهم القائدَ والمربي والداعية الأمين الناصح للأمّة في كلّ مصائبها وفي كلّ أفراحها، ورسائله التي كتبها ابن تيمية للأمراء ينصحهم فيها أو يهنّئهم على انتصارهم على الصليبيين والتتار لخيرُ دليل على فهْمه الرائع لواقع المسلمين، وكيف أنه أفاد مِن ذلك في دعوته الناس إلى الخير، وما كتبه في الفتاوى غالبًا ليس إلاّ شرحًا لواقع الناس من عللٍ وأدوية. فقهُ الأولويات: يظهر جيدًا- مِن خلال دراستنا لابن تيمية- أنّه كان يوظّف هذا العلم توظيفًا جيدًا فإنه عرف جيدًا كيف يوظّف أدواته المختلفة في الدعوة إلى الله- عزّ وجلّ- طبقًا لحاجة المجتمع واحتياجاته، فكان وقتًا معلّماً، ووقتًا قاضيًا، ووقتًا واعظًا، ووقتًا مجاهدًا بالسيف ومجاهدًا بالقلم، أو مجاهدًا بالمناظرات واللقاءات. كلّ شيء كما تمُليه الضرورة ويحتاجُه الناس، وخيرُ دليل على ذلك مصنفاتُه التي كتبها في داخل السجن؛ حيث ليس له مِن وسيلة ليستخدمها في نفع الناس في تلك الظروف العصيبة إلاّ عن طريق صرير الأقلام يسجّل بها خلجاتِ نفسه وما يجول بخاطره وعقله من علمٍ وفهْم حول كتاب الله وفتاوى يحتاجها الناس في حياتهم ومعادهم، رحم الله شيخَ الإسلام. فقهُ المقاصد: ولعلّ مِن أفضل الأمثلة على معرفة شيخ الإسلام بعلم المقاصد ما تناوله- رحمه الله- في أثناء حديثه عن الشرّ الجزئي، والحكمة من خلق الله للشرّ، وأنّه يجب على الإنسان التفكّر فيما .266 صـ14 مجموع الفتاوى، جـ)1(
عدد الصفحات ١٨١182شيخُ الإسلام ابن تيمية خلقه الله والبحثُ عن الحكمة مِن وراء ذلك، فيقول رحمه الله: (وأمّا الشرّ الجزئي الإضافي: فهو خيرٌ باعتبار حكمته. ولهذا لا يضاف الشرّ إليه مفردًا قط، بل إمّا أن يدخل في عموم المخلوقات ، وإمّا أن يحذف }مِن شرّ ما خلق {، وإمّا أن يضاف إلى السبب كقوله }وخلق كلّ شيء {كقوله .)1()}وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمَن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا {فاعله كقول الجنّ ولقد فهم شيخُ الإسلام- رحمه الله- المقصدَ من وراء العبادات التي أمرنا الله بها، فليس الهدفُ من العبادات المختلفة التعبَ والمشقة، ولكنْ هناك معنًى واضحٌ وهدفٌ عظيمٌ مِن وراء كلّ عبادة من العبادات، وعلى سبيل المثال تكلّم الشيخ- رحمه الله- عن المقصود مِن الصّيام بأنه . )2(التقوى، وعن المقصود من الزكاة بأنه التّطهّر - معرفتُه بعلم البلاغة:3 إنه لا بدّ لمَن يعرف علمَ السنن الإلهية معرفةً جيدة أن يكون ملماًّ بعلم البلاغة؛ حتى يستطيع تأمّل الآيات القرآنية، وفهمَ معاني الآيات والإيحاءات البلاغية التي تشير إليها الآيات، ومثالٌ ﭮ على معرفة الشيخ- رحمه الله- بعلم البلاغة ما وردَ في أثناء شرحه للآية الكريمة: ﴿ في هذه - عز وجل - ]217﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ) لم يستبدلْه بضمير وقال: (هو كبير).ﭶالآية لفظ: ( يقول عمومًا، ولو أتى بمُضْمر فقال: هو كبير لَتوهّم اختصاص الحكم بذلك القتال المسئول عنه، .)3(وليس الأمر كذلك، وإنّما هو عامّ في كلّ قتال وقعَ في شهرٍ حرام وتظهر معرفةُ الشيخ بعلم البلاغة في كثيرٍ من تفسيره للقرآن الكريم؛ حيث يظهر خصوصيات الكلام وعمومُه واختيارات الألفاظ القرآنية في مواضع بعينها دونَ غيرها. .266 صـ14 مجموع الفتاوى، جـ)1( .)200/16 الفتاوى،)2( ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾14 الفتاوى، جـ)3(
عدد الصفحات ١٨٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 183 - علمُ الفلسفة، وعلمُ الكلام 4 لقد تحدّثنا سابقًا عن ثقافة الشيخ، وكيف أنه اعتكفَ على آراء الفلاسفة كلّها يعرفها وينقدها ويمحّصها، ويظهر الغثّ فيها مِن السمين، ويدحض شبهاتهم التي تمسّ العقيدة وتضلّل فكرَ الآخرين من الناس، ويظهر لهم أنّ ما وصلوا إليه من الحقّ كانوا في غنى عنه لو اعتكفوا على كتابِ الله وسنة رسوله، وكتب في الردّ عليهم كتبًا ورسائل كثيرة، منها: درءُ تعارض العقل والنقل. ولقد سجلت سيرتُه مناظراتٍ كثيرةً بينه وبينهم؛ ليوضّح لهم الحقّ، ويبعدهم عن الباطل. ولعلّ بعضَ كلامه في كتب الفتاوى دليلٌ على معرفته الجيدة بهذا العلم، وفي ذلك يقول متحدّثًا عن الإدراك والعلم والذّكر الإدراك، والعلم والذكر يتأخّران عن الإدراك والعلم؛ ولهذا كان المتكلّمة في النظر المقتضي للعلم، وكان المتصوّفة في الذكر المقرّر للعلم؛ قدّم آلةَ النظر على آلة الذكر، وختمَ بهداية الملك .)1(الجامع الذي هو الناظر الذاكر ويقول في موضعٍ آخر متحدّثًا عن حقيقة الأشياء الخارج عنِ الذّهن، ثمّ يتصوّره الذّهن والقلب، ثمّ يعبر عنه اللّسان، ثمّ يخطّه القلم، فلَهُ وجود . )2(عيني، وذهني، ولفظي، ورسمي، وجود في الأعيان والأذهان واللّسان والبنان ثمّ يتحدّث عن الماهية والمقصود بها، ويبينّ أنّ الفلاسفة حاولوا إثبات وجود الله، وأنّ الإنسان مخلوق، وأنّ له خالقًا عن طريق التعريف بالماهية، وذكر أنّ هذه هي الطريقة المشهورة . )3(التي يسلكها الجهميّة والمعتزلة وخيرُ دليل على معرفته بالفلسفة وعلم الكلام ما كتبه فيهما مثلَ مختصراته كشرح الأصبهانية، ومطولاته تخليص التلبيس من تأسيس التقديس، والموافقة بين العقل والنقل، .)4(ومنهاج الاستقامة والاعتدال ).222/16 الفتاوى،)1( .)219/16 الفتاوى،)2( ) بتصرف219 انظر: الفتاوى، ص)3( .33 الأعلام العلية)4(
عدد الصفحات ١٨٣184شيخُ الإسلام ابن تيمية - علمُه بالأنساب: 5 بمعرفتهم للأنساب، وكان مِن أشهر هؤلاء - رضي الله عنهم - « سيدنا أبو بكر الصديق، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعُرف عنهما معرفتُهما العميقة لسنّة .)1(، وتوظيفهم إيّاها توظيفًا رائعًا - عز وجل - الله لذلك نجد أنّ من روافد السّنن عند شيخ الإسلام- رحمه الله- معرفته بأنساب العرب؛ ]13﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ حيث يقول في أثناء تفسيره للآية الكريمة: ﴿ يقول مِن قحطان، وأكثرُ الناس على أنهّم من ولد هود، ليسوا مِن ولد إبراهيم، وقيل: إنهّم مِن ولد إسماعيل؛ لحديث أسلم لمّا قال: (ارموا فإنّ أباكم كان راميًا)، وأسلم مِن خزاعة، وخزاعة من .)2(ولد إبراهيم إنّ المعرفة بالأنساب تتيح الفرصةَ الجيّدة لمعرفة معادن الناس وخصائصهم، وهناك مِن الصفات الموْروثة التي تناقلتها الأجيال مِن خلال الآباء لا تظهر ولا تعرف إلاّ عن طريق هذه المعرفة الجيدة بالناس، فيتيح الفرصة الجيدة للتعامل الجيد مع الناس، وحسن توظيفهم على النّحو الأمثل، كما أنّ المعرفة بالإنسان تساعد على معرفة الأحداث. - علمُه بالدّيانات الأخرى: 6 تظهر معرفةُ شيخ الإسلام جليّة واضحةً بالديانات الأخرى في أثناء حديثه عن اليهود والنّصارى، ودحضِه الشبهات التي ظهرت منهم، ومثالٌ على ذلك ما كتبه في ثنايا كتاب الفتاوى مِن آراء عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى. يقول في أثناء حديثه عن اليهود عرفوا أنهّم كاذبون أو لم يعرفوا، كما يقول النّصارى: إنا نعبدُ الله وحده وما نحن بمشركين، وهُم كاذبون؛ لأنهّم لو أرادوا عبادته لعبدوه بما أمر، وهو الشرع، لا بالمنسوخ المبَدّل. ) بتصرف.33،32 مفهوم السنن الربانية من الفهم إلى التسخير، د. رمضان خميس، ص)1( .)191/16 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ١٨٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 185 وأيضًا، فالربّ الذي يزعمون أنهّم يقصدون عبادته وهو عندهم ربّ لم ينزل الإنجيل و القرآن ولا أرسل المسيح ولا محمدًا، بل هو عند بعضهم فقير، وعند بعضهم بخيل، وعند بعضهم عاجز، وعند بعضهم لا يقدر أن يغيرّ ما شرعه، وعند جميعهم أنه أيّد الكاذبين المفترين عليه، الذين يزعمون أنهّم رسله وليسوا رسله، بل هم كاذبون سحرة قد أيّدهم ونصرهم، ونصرَ أتباعهم على أوليائه المؤمنين؛ لأنهّم عند أنفسهم أولياؤه دون الناس، فالربّ الذي .)1(يعبدونه هو دائماً ينصرُ أعداءه ويتّضح من هذا الكلام أنّ شيخ الإسلام- رحمه الله- على معرفةٍ جيّدة بصفات اليهود والنصارى وديانتهم وشبهاتهم الخاطئة، لذلك كان لتلك المعرفة أثرٌ في تعامله معهم أثناءَ الحروب الصليبية، ولم ينخدعْ بهم عندما كرّروا الهجماتِ على الدول الإسلامية، فهو يعرف .)2(جيدًا ولم ينخدعْ بمظاهرهم المختلفة التي يُبدونها للتخفّي وراء أغراضهم الخبيثة؛ لأنه يعرفهم جيدًا، فهُم قساةٌ بخلاء لا ينخدعون لدين، ولا يحترمون الشعوب. - معرفتُه بالعلوم الكونيّة:7 تظهر معرفةُ شيخ الإسلام بالعلوم الكونيّة مِن خلال شرحِه لآي القرآن؛ حيث وضّح معنى الينابيع، وأنهّا جمع ينبوع، وهو منبعُ الماء كالعين والبئر، فيقول السماء تنبع منه الأرض، والاعتبار يدلّ على ذلك، فإذا كثر ماءُ السماء كثرتِ الينابيع، وإذا قلّ قلّت. وماءُ السماء ينزل من السحاب، والله ينشئه مِن الهواء الذي في الجوّ وما يتصاعد من الأبخرة، وليس في القرآن أنّ جميع ما ينبع يكون مِن ماءِ السماء؛ فإنّ الماء قد ينبع مِن بطون الجبال، ويكون فيها أبخرةٌ ينبع منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل كما إذا أخذنا إناءً فوضع ).563/16 الفتاوى،)1( .)24 السنن النفسية لتطور الأمم، غوستاف لوبون، ص)2(
عدد الصفحات ١٨٥186شيخُ الإسلام ابن تيمية فيه ثلجٌ فإنه يبقى ما أحاط به ماء، وهو هواء استحال ماء، وليس ذلك مِن ماء السماء، فعلم أنه ممُكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء، فلا يجزم بأنّ جميع المياه من ماء السماء، وإن كان .)1(غالبها من ماء السماء، والله أعلم علم الشيخُ بطبيعة الأشياء يظهر- أيضًا- من خلال كلامه الذي تحدّث فيه عن الحركات صفتها وطبيعتها وأنواعها، وكيف أنهّا قد تكون قسية أو إرادية أو طبيعية، وصنف كلّ نوع، . )2(وعرّفه تعريفًا جيدًا، وبينّ كيف يكون منشؤه - معرفتُه بأحوال النفوس:8 لقد كان لشيخ الإسلام- رحمه الله- معرفةٌ جيدة بأحوال النفوس وطبيعتها، وكيفية التعامل معها، وخصائصها الربّانية التي منحها الله إيّاها، وخصائصها المكتسبَة من البيئات المختلفة والعادات والتقاليد الموروثة، فنجده يوضّح سببَ امتناع الناس عن الاستماعِ إلى الحقّ في ضوء ]20﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧقوله تعالى: ﴿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ إمّا عدم المقتضى فيكون عدمًا محْضًا، وإمّا وجودُ مانع من الكِبر أو الحسد في النفس ﴿ ]18﴾ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ .)3(فتعتاض عنه بالخيال الباطل وتظهر معرفتُه بأحوال النفوس من خلال رسمِه الطريقةَ المثلى لإصلاح النفوس حيث بينّ أنّ مِن الناس مَن إذا نصحته بأنْ يترك ما لديه من الفضل إلى ما هو أفضل منه فلا يستطيع أن يفعل الأفضل، ولا ما هو أفضل منه، فيجب علينا مراعاة النّاس في ذلك. ويرى- أيضًا- أنّ مِن الناس ما يضرّه إذا سلك سبيلاً مِن سبل السلام الإسلامية أنْ يرى غيرَه أفضل منها؛ لأنّه يتشوّق إلى الأفضل فلا يقدر عليه، والمفضول يعرض عنه، لذلك فإنّه ) بتصرف يسير.16/16 الفتاوى،)1( .)131/16 انظر: الفتاوى،)2( .)23/13 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ١٨٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 187 ليس من مصلحته أن يعرف أفضل مِن طريقته إذا كان يترك طريقته ولا يسلك تلك، فليس أيضًا- مِن الحقّ أنْ يعتقد أنّ طريقته أفضل من غيرها، بل مصلحته أنْ يسلك تلك الطريقة المُفضية به إلى رحمة الله تعالى. ويبينّ في ذلك أنّ النصيحة أو هذا العمل الدعوي مبنيّ على أربعة أصول في معالجة النفس: أحدهما: معرفة مراتب الحقّ والباطل والحسنات والسيئات، والخير والشرّ، فيعرف خير الخيرين وشرّ الشرّين. والثاني: معرفة ما يجب من ذلك وما لا يجب، وما يستحبّ من ذلك وما لا يستحب. والثالث: معرفة شروط الوجوب والاستحباب مِن الإمكان والعجز، وأنّ الوجوب والاستحباب قد يكون مشروطًا بإمكان العلم والقدرة. الرابع: معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم، ليأمرَ كلّ شخص بما يصلحه، أو بما هو الأصلح له مِن طاعة الله ورسوله، وينهى بما ينفع نهيُه عنه، ولا يأمر بخير يوقعه فيما هو شرّ مِن المنهي . )1(عنه مع الاستغناء عنه - علمُه بأهل البدع والمذاهب المنحرفة عن الشرع: 9 لا يخفى على أحدٍ عرفَ سيرةَ شيخ الإسلام- رحمه الله- مدى ما لاقاه في محاربة البدعة والمذاهب المُنحرفة عن الدين، ولم يكن ذلك إلاّ عن معرفةٍ جيدة بما تحتويه هذه المذاهب المُنحرفة من فساد. ومِن أجل ذلك كتب الكتبَ التي توضّح هذه المفاسد، وردّ عليها، وبينّ خطرها على العقيدة الإسلامية والأمة الإسلامية. ومِن كلامه الذي ذكره في كتاب الفتاوى ما يوضّح- أيضًا- تلك الخبرة؛ حيث يقول: « .)433/14 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ١٨٧188شيخُ الإسلام ابن تيمية الذنوب، ولا يمكنه ترك المحرمات إلاّ بذلك، وهذا يقع لبشرٍ كثير من الناس، منهم مَن يقول: إنه لا يمكنه أداء الصلوات واجتناب الكلام المحرّم من الغيبة وغيرها إلاّ بأكل الحشيشة. ويقول الآخر: إنّ أكلها يُعين على استنباط العلوم وتصفية الذّهن، حتى يسمّيها بعضهم: معدن الفكر والذكر ومحُرّكة العزم الساكن، وكلّ هذا مِن خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء وغيرهم، وإنهّا لعمًى للذّهن، ويصير آكلها أبكمَ مجنونًا لا يعي ما يقول. وكذلك مِن هؤلاء مَن يقول: إنّ محبته لله وحركته ورغبتَه في العبادة ووجْدَه وشوقَه وغير ذلك لا يتمّ إلاّ بسماع القصائد، ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم، وسماع الأصوات والنغمات، ويزعمون أنّ لسماع هذه الأصوات ورؤية الصور المحركات تتحرّك عندهم مِن دواعي الزهد والعبادة ما لا تتحرّك بدون ذلك، وأنهم بدون ذلك قد يتركون الصلوات ويفعلون له المحرمات الكبار، كـ: قطع الطريق وقتل النفوس، ويظنّون أنهم بهذا ترتاضُ نفوسهم وتلتذّ بذلك لذّة . )1(تصدّها عن ارتكاب المحارم والكبائر، وتحملها على الصلاة والصوم والحج ومِن خلال كلامه السابق يتّضح لنا مدى معرفته بتلك المذاهب وطرقها، مثل: الصوفية الفلسفية، والمعتزلة، والجهمية، والخوارج، وما تنطوي عليه تلك الطرقُ من أفكار ومعتقدات فاسدة. أمّا معرفته بالمواد الشرعيّة باعتبارها رافدًا من روافد السّنن من: الفقه والتفسير وعلوم القرآن؛ فلا يخفى على أحدٍ ما كتبه هذا الإمام خاصّة، وما أشاد به أصحابُه وأقرانه من تفوّقه في هذه العلوم، ولعلّ خيرَ شاهدٍ على ذلك كتب الفتاوى حيث نجدُها محتوية على: الفقه، والتفسير، والتصوف، والعقيدة، وأصول الفقه، وهذا واضح جدًّا في تراثه كلّه. - معرفتُه بالقصص القرآني:10 ولا يخفى أنّ القصص القرآني من أهمّ مواطن ومَظانّ وجود السنن الربانيّة، حتى لا تكاد تجدُ قصةً من القصص القرآني إلاّ وفيها سنة، أو عدد من سنن الله تعالى. ).469،468/14 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ١٨٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 189 رابعًا: التجاوبُ بين ابن تيمية وعصره ممّا لا شكّ فيه مدى تأثير البيئة على الإنسان في تشكيل مواهبه المختلفة، فإذا تهيّأت الظروف الصّالحة للإنسان استثمر تلك المواهب وظهرت نتائجها جليّة ظاهرة، وإن لم تجدِ الشخصية الراشدة الموهوبة هذا الاهتمامَ فقد تتأخّر في ظهور مواهبها، أو توجيه هذه المواهب إلى الشرّ، أو تتعثّر في إظهار ثمارها على النّحو الجيد المنتظر مِن هذه الموهبة، وخيرُ دليل على ذلك شخصية شيخ الإسلام- رحمه الله؛ فقد كان لعصره تأثيرٌ واضحٌ على اتجاهاته وأفكاره؛ حيث إنه- كما سبق- نشأ في ظلّ ظهور التتار وهجمتهم على الإسلام والمسلمين، وقد عاصر التهجيرَ لأهله حاملين كتبهم معهم، ومدى معاناتهم في ذلك، فنشأ على كراهية الحروب، وكراهية الأعداء، ومعرفة معادن الناس من خلال مواقفهم المختلفة في التعامل مع هذه المحنة. ولا شكّ أنّ لهذا أهميةً كبيرة في فهْم الحياة، وكيفية التعامل مع هذه المِحْنة إذا ما تكرّرت مرّة أخرى، وفهم أسباب النصر وأسباب الهزيمة، وإحاطته بتلك السنن الإلهية. فقد كان تأثيرُ البيئة (العلمية والسياسية) واضحًا في حياة ابن تيمية وما لها من تأثير على فكْره كلّه. يقول في ذلك الشيخ محمد أبو زهرة واصفًا بيئةَ هذا الإمام الربّاني شيخ الإسلام- رحمه الله: « يتأثر بالجوّ الذي يستنشق منه، والبيئة التي تظلّه، فإنّ البيئات تفعل في نفس الإنسان ما لا يفعله المربّون، ولذلك كان للعصر الذي يعيش فيه العالم الأثر الذي يوجّهه، وقد يكون الأثرُ من جنس حال العصر، فإن كان العصر فاسدًا فسدَ الرجل، وإن كان العصر صالحًا صَلح، وقد يكون التأثير عكسيًّا، فكثرة الفساد تحمل على التفكير الجدي في الإصلاح، وكثرة الشرّ تحمل على استحضار العزائم للخير، وقد تكون دافعةً للمُصلح لأن يفكّر في أسباب الشرّ فيقتلعها، وفي نواة الخير الكامنة فيغذّيها، وكذلك كانت المجاوبة بين ابن تيمية وعصره، تغذّت روحُه غذاءً صالحًا ممّا درس في صدر حياته، وما عكف عليه في كهولته وشيخوخته من رجوع إلى
عدد الصفحات ١٨٩