المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرة العينين بتفسير المعوذتين

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٨ من ١٠

119 أن العبد المؤمن حينما يدعو ربَّه بهذا الدعاء الذي تلقَّاه منالأمر الثامن: ربِّه جلَّ وعلا ويتدبَّر معانيه يجد من نفسه التجاء ملحًّا واعتصاماً قويًّا بربه وملكه وإلهه ليعيذه من شر عدوه؛ فكأنه يقول: ربِّ أنت الذي خلقتني وأنعمت علَّ ولم يخلقني سواك، وأنت الملك المدبّر لأمري لا يملكني على الحقيقة سواك، وأنت إلهي الذي أعبده لا أعبد سواه، فأعوذ بك من شر هذا العدو الذي يريد أن يستعبدني له من دونك، وليس له نصيب في الربوبية ولا في الملك ولا يستحقّ شيئاً من الألوهية. وهذه المعاني الجليلة متى قامت في قلب المؤمن الموحّد وجَدَ من نفسه انحيازاً تاماً إلى حزب الله، ودخولاً في زمرة أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وبراءةً من حزب الشيطان وشركه، واستعاذة بالله منه، بل يقوم في قلبه من تفاصيل معاني الاستعاذة ولطائفها ما يوقن معه بأنه قد أَوَى إلى مَعَاذٍ منيع، وحصن حصين، وعزٍّ عزيز، وهو ما دام كذلك فهو في عصمة الله تعالى وضمانه وأمانه. وإذا وقع منه تفريط وتقصير بادرَ بالتوبة إلى الله تعالى، وأحسن الإنابة إليه وأتبع السيئة الحسنة فمحتها، وعاد إلى الحصن المنيع، وسَلِمَ من كيد عدوه. .﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴿فقوله تعالى: فيه أن من رضي بالله ربَّا، ورضي به ملكاً، ورضي به إلها، وأحسن التعبد لله تعالى بهذه الصفات الجليلة فقد حُفظ من كيد كل وسواس خناس، وكان في حفظ الله ورعايته ومعيّته، لا يخاف ولا يحزن، ولا يضلّ ولا يشقى.

عدد الصفحات ١٢٠

120 فيه إقرار منك بأن الله تعالى هو ربّ﴾ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿فقولك: الناس، وهذا الإقرار له ما يتبعه؛ فليس هو إقرار باللسان دون أن يكون لذلك أثرٌ على القلب واللسان والجوارح. فإذا كنت تؤمن بأن الله تعالى هو ربّ الناس فليظهر أثر هذا الإيمان على عامّ شأنك وخاصّه، وفي حال الشدة والرخاء، وحال العافية والبلاء. ومن تأمل أحوال العباد وجد أن تقصيرهم في هذا الأمر يكون في حاليَْ الرخاء والشدة؛ فمنهم من إذا كان في عافية وَدَعَة نس أن الله تعالى هو ربّ الناس، وهو وإن كان يقر بذلك بلسانه لكنّ قلبه في غفلة عن ذلك، وعملُه عمل الغافل اللاهي عن هذه الحقيقة العظيمة وآثارها؛ فتراه يعظّم ما حقّره الله، ويستهين بما عظّمه الله، ويقبل على ما أمر الله بالإعراض عنه من اللغو واللهو المحرم، ويعرض عما أمر الله بالإقبال عليه من ذكره وشكره وحسن عبادته، ومن حسن استماع آياته، والتفكر في مخلوقاته. بل تجد منهم من يحبّ مَن يبغضهم الله، ويعظّم ما أوتوه من متاع الحياة الدنيا ويتمنّى أن يكون له مثلُ ما أوتوا، كما حكى الله عمّن أعجبته زينةُ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴿قارون في قوله تعالى: ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ .]80،79[ ﴾ﮕ فهذا مثال لطائفتين: لم تقم بما تقتضيه ربوبية الله تعالى للناس، فعظّموا شأن الطائفة الأولى: الحياة الدنيا ومتاعها وزخرفها واغتروا بها وغفلوا عماّ خلقهم له رب الناس.

عدد الصفحات ١٢١

121 هم أهل العلم والإيمان الذين رغبوا فيما رغّب الله فيه والطائفة الثانية: من فضله وثوابه، ولم تلتفت قلوبهم لما أوتي أعداء الله من متاع الحياة الدنيا وزينتها. فكانت عاقبة هذه الطائفة المتقية حسنة، وأما الطائفة الأولى فندمت على مخالفتها وتقصيرها وتفريطها في جنب الله وتمنّيهم ما تمنوا. ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴿قال الله تعالى: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ .]83،82[ ﴾ﯲﯳ ﯴ ﯵ ثلاثة أقسام: وكذلك في حال الشدة ينقسم الناس إلى يتضرعون إلى الله ويوحّدونه ويمجدونه ويتوبون إليه - قسم ويستعيذون به؛ فينجيهم الله ويتوب عليهم. يلجؤون إلى غيره ويستعيذون بغيره فيحقّ عليهم الغضب. - وقسم يكون أصل لجوئهم إلى الله وأصل استعاذتهم بالله، لكن - وقسم يكون في تلك الاستعاذة من التفريط والتقصير وضعف التوبة ما يجعلهم متذبذبين بين الإساءة والإحسان متقلبين بين العافية والبلاء، وبين الطمأنينة والشقاء، وهم على درجات في ذلك. والمقصود أن إيمانك بأن الله تعالى رب الناس هو إقرار منك يجب أن تكون له آثاره، وكلما كان العبد أحسنَ قياماً بما يقتضيه التعبد لله تعالى بهذا كان نصيبه من السعادة بآثاره أعظم.

عدد الصفحات ١٢٢

122 وكذلك إيمانك بأنَّ الله تعالى هو ملك الناس، وهو الذي بيده النفع والضر، والعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، والبدء والإعادة، وهو الذي يعل من يشاء ويخفض من يشاء، ويقبض ما يشاء ويبسط ما يشاء، وهو الذي يملك القلوب ومحبتها وبغضها، فيحبب مَن يشاء إلى مَن يشاء، ويبغّض من يشاء إلى من يشاء، كما قال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿وسلم: ﭝﭞﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ .]63،62[ ﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ فمن شهد هذا حقيقةً علم أنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وأثمر له ذلك حسن التوكل على الله جلّ وعلا والرضا به، ولم يستعجل شيئاً قبل أوانه، ولم يطلب فضل الله بمعصية الله، بل يسير بنور من الله على هدى من الله، ويصبر على ما ابتلاه الله به حتى يفرج عنه، لا يتكلّف شيئاً قبل أوانه فيطلبه بمعصية الله، ولا يفرّط ويهمل ويترك ما أمر الله به من بذل الأسباب المشروعة لجلب النفع ودفع الضر. فإذا فعل العبد ذلك كان مهتدياً بالله متبعاً لرضوان الله في هذا. وكذلك إيمان العبد بأن الله تعالى هو إله الناس يثمر له اليقين بأنّ كل ما يُدعى من دون الله فهو باطل، وكلّ تعلّقٍ بغيره فهو عناء وشقاء، وكل ما يطلبه الناس لجلب النفع أو دفع الضر بغير هدى الله فإنما ذلك عليهم وبال وشقاء. وأنت إذا تأمّلتَ ما تقدّم كله تبينّ لك بيانا جلياً أن أسعد الناس هو من رضي بالله ربَّا ورضي به ملكاً ورضي به إلهاً؛ لأنه يستريح من العناء الكثير

عدد الصفحات ١٢٣

123 والشقاء العظيم الذي وقع فيه من لم يتبع هدى الله في كل ذلك فالذي يتسخط مما ابتل به لم يرض بالله ربّا. • والذي يصدّق السحرة والكهنة والجهلة فيما يزعمون من التصرفات • ويستعجل دفع البلاء أو جلب النفع بالذهاب إليهم واللجوء إليهم واتباعهم فيما يأمرون به مما يسخط الله: لم يرضَ بالله ملكاً. وإن من أكثر ما يضر بالناس استعجالهم دفعَ البلاء بالطرق المحرَّمة؛ فإنَّ هذا دليل ضعف الصبر وضعف اليقين وعاقبة ذلك عليهم سيئة، وقد جرت سنة الله على أن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولا يمكن أن ينال العبد أمراً يكون خيراً له بمعصية الله. والعبد إذا ابتل ببلاء فإن الله تعالى يبينّ له ما يتقي؛ كما قال الله تعالى: ﴾ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴿ .]115[ فإذا اتقى وصبر هُدي إلى ما يسلم به من شر بلائه، وكانت عاقبته حسنة وبيان ذلك: أن العبد إذا ابتل ببلاء فهو إما أن يتبع هدى الله أو يضل عنه؛ والذي لا يتّقي ما بيَّنه الله له وأوجب عليه أن يتقيه: متسببٌ على نفسه بالضلال. والذي لا يلجأ إلى الله تعالى في الساء والضراء ولا يدعوه ولا يرجوه • لم يرض بالله إلها. وفي الأدب المفرد للبخاري والسنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وفي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

عدد الصفحات ١٢٤

124 .«وراية عند الحاكم وتبينَّ بما تقدم مناسبة الاستعاذة بـ(رب الناس)، (ملك الناس)، (إله الناس) لحال الاستعاذة من كيد كل وسواس خناس، وسيأتي في الدرس القادم بإذن الله تعالى مزيد بيان لهذا.

عدد الصفحات ١٢٥

125 للجنس على الراجح من أقوال المفسين؛ ﴾ﮍ﴿التعريف في فيشمل كل وسواس. : صفة مبالغة من الخنوس، وهو الاختفاء، وهذا يعني ﴾ﮎ﴿و أنه كثير الخنوس أو شديد الخنوس، لأن المبالغة هنا تكون لأحد هذين المعنيين، الكثرة والشدة، والله تعالى أعلم. وكذلك الوسوسة تتفاوت كثرة وشدة. دليل على تلازمها، وهذا التلازم فيه شر واقتران الصفتين ببعضهما إضافي. ففي وسوسته شر، وفي خنوسه شر، وفي كثرة وقوع الوسوسة والخنوس وتتابعهما شر عظيم يستوجب الاستعاذة بالله تعالى من شره. والأمر بالاستعاذة من شره دليل على أن العبد لا يستطيع بنفسه أن يعصم نفسَه من كيد الشيطان، وكل موسوس خناس. وإنما يحتاج إلى الاستعاذة بمن يعصمه منه، وهو الله جل وعلا وحده. وإذا أحسنَ العبدُ الاستعاذةَ بالله تعالى بالقلب والقول والعمل -كما تقدم بيانه- لم يضرَّه كيد الوسواس الخناس. تف ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴿ ﴾ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮒ ﮓ

عدد الصفحات ١٢٦

126 بالفتح هو اسم للموسوسوالوَسواس بالكس مصدر؛ تقول: وسوس وِسواساً فهو وَسواس، والوِسواس وهو مشتق من الوسوسة، وهي التحديث بصوت خفيّ. قال الأعشى: تسمع للحي وسواساً إذا انصرفت ك قد تكون بصوت بخفيّ كما في الشاهد السابق، وقد تكون والوَسْوَسَة همساً يحسّ المرءُ أثرَهُ ولا يَسمع صوتَه، كما في وسوسة النفس ووسوسة الشيطان للإنسان. فهو إلقاء خفي للإنسان. قال ابن القيم: (ولما كانت الوسوسة كلاماً يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها؛ فقالوا: وسوس وسوسة؛ فراعَوا تكريرَ اللفظ ليُفهم منه تكرير مسماّه) ا.هـ. فعَّال من الخنوس وهو الاختفاء، وقيل: الاختفاء بعد والخناس: الظهور؛ وهو اختفاء فيه معنى الانقباض والتواري والرجوع. ما المراد بالو • في هذه المسألة قولان: المراد به الشيطان؛ وهو المشهور عن ابن عباس ومجاهد القول الأول: وقتادة والحسن البصري، وقال به جمهور المفسين. المراد كل موسوس من شياطين الإنس وشياطين الجن القول الثاني: ووسوسة النفس الأمارة بالسوء.

عدد الصفحات ١٢٧

127 :﴾ﮖ ﮗ ﮘ﴿قال ابن الجوزي في تفسير قول الله تعالى: الجِنَّة: الجن. ﴾ﮖ ﮗ ﮘ﴿ (قوله تعالى: وفي معنى الآية قولان: يوسوس في صدور الناس جِنَّتهم وناسهم، فسمَّى الجنَّ - أحدهما: [ ﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴿هاهنا ناساً، كما سماَّهم رجالاً في قوله تعالى: هذا قول ]1[ ﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴿، وسماهم نفراً بقوله تعالى: ]6 الفراء وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوساً للجن، كما يوسوس للإنس. أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من - والثاني: الجِنَّة، وهم من الجن. والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: ، والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر ﴾ﮍ﴿على ﴾ﮘ﴿ الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، هذا قول الزجاج) ا.هـ. (ولم يذكر ابن الجوزي رحمه الله تعالى-: –قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﮖ ﮗ ﴿إلا قولين، ولم يذكر الثالث وهو الصحيح، وهو أن قوله: لبيان الوَسواس أي: الذي يوسوس من الجنة ومن الناس في ﴾ﮘ صدور الناس؛ فإن الله تعالى قد أخبر أنه جعل لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، وإيحاؤهم هو وسوستهم، وليس من شرط الموسوِس أن يكون مستترًا عن البصر؛ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴿ بل قد يُشاهد، قال تعالى:

عدد الصفحات ١٢٨

128 ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ وهذا ]21،20[ ﴾ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯮ ا.هـ.كلام من يُعرف قائله ليس شيئًا يلقى في القلب لا يُدرى ممن هو) والخلاصة أن الوسواس قد يكون من الجِنَّة، وقد يكون من الناس، ونحن نستعيذ بالله من كل ما يوسوس من الجنة ومن الناس. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴿ كما في قوله تعالى: ونفس الإنسان توسوس؛ .]16[ ﴾ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ والنفس الإنسانية فيها شرّ وفيها قوّة أمَّارة، وإذا هويت ما حرم الله سوَّلت لصاحبها تعدّي حدود الله وارتكاب ما حرم الله وزينت له المعصية، فإذا نهى النفس عن الهوى كان موعوداً بالثواب العظيم، وإذا أطاعها في ﯪ ﯫ ﯬ ﴿اتباع الهوى كان متوعداً بالعذاب الأليم؛ كما قال الله تعالى: . ]41،40[ ﴾ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ فالذي يوسوس في صدور الناس: نفوسهم وشياطين قال ابن تيمية: ( الجنّ وشياطين الإنس، و ووسوسة الإنس، وإلا أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجنّ فقط مع أن وسوسةَ نفسه وشياطين الإنس هي مما تضره، وقد تكون أضر عليه من ).ا.هـ.وسوسة الجن وهذا القول أطال شيخ الإسلام في تقريره في رسالته في تفسير المعوذتين التي كتبها وهو في سجن القلعة في آخر حياته رحمه الله، وقد أحسن في هذا التقرير جداً، وتكلم بما لا تكاد تجده في كتب التفسير.

عدد الصفحات ١٢٩

129 ما• المشهور من كلام المفسين أنه إذا ذكر الله خنس، ورُوي عن ابن عباس (أن الشيطان يوسوس للعبد فإذا أطيع من طريق محمد بن سعد عن آبائه: ، لكن هذا الإسناد ضعيف لا يصح من حيث الرواية، وأما من خنس) حيث المعنى فهو محتمَل. فيكون لخنوسه سببان: ذكر الله عز وجل، وهذا قال به جمهور المفسين وممن السبب الأول: نص على ذلك: ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وقتادة. طاعته والاستجابة إليه، ولذلك يرتاح بعض الناس إلى والسبب الثاني: المعصية. ويكون هذا في كل شأن من الشؤون؛ يوسوس الشيطان للعبد ثم يخنس إذا ذكر الله وإذا أطيع. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله قال ابن جرير: ( -تعالى ذِكْرُه- أَمَرَ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله؛ فإذا أطيع فيها خنس، وقد يوسوس للنهي عن طاعة الله؛ فإذا ذكر العبد أمر ربه فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ خنس؛ فهو في كلتا حالتيه وسواس ) ا.هـ.خناس، وهذه الصفة صفته

عدد الصفحات ١٣٠

130 كيف يو • روى ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: .(الشيطان جاثم على قلب ابن آدم؛ فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس) وروى ابن جرير نحو ذلك عن مجاهد بن جبر. وأصح ما روي في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث الزهري عن عل بن الحسين عن صفية بنت حيي قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدَّثته ثم قمت فانقلبت؛ فقام معي ليقلِبَني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه و سلم أسرعا، فقال النبي صلى الله .«عليه و سلم فقالا: (سبحان الله يا رسول الله). «قال . « -أو قال في قلوبكما سوءا «وفي رواية عند البخاري .خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فهو يقذف في القلب، وهذا دليل على وجود اتصال له بقلب الآدمي ليقذف فيه، وأن القلب محلٌّ قابل لتلقّي ما يقذف به الشيطان من الوساوس، وإذا لم يعصم اللهُ العبدَ من شر ما يلقيه الشيطان ضل وشقي. وقد روى أبو يعلى والثعلبي والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم نحوه «من حديث أنس مرفوعاً

عدد الصفحات ١٣١

131 .فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس لكنه ضعيف الإسناد، وقد ضعفه ابن حجر في الفتح. يقال: الخناس له خرطوم، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ( ).كخرطوم الكلب يوسوس في صدور الناس، فإذا ذَكَر العبدُ ربَّه خنَس قال ابن حجر: (وقد ورد في خبر مقطوع أن رجلاً سأل ربَّه أن يُرِيَه موضع الشيطان، فرأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه الأيس حذاء قلبه له خرطوم كالبعوضة. أخرجه ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز؛ فذَكَره. وذكره أيضا صاحب الفائق في مصنفه في (مهى)، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي ولفظه: إن الشيطان واضع خطمه على قلب بن آدم، الحديث. وأورد بن أبي داود في كتاب الشريعة من طريق عروة بن رويم أن عيسى عليه السلام سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، قال: فإذا برأسه مثل الحية واضع رأسه على ثمرة القلب؛ فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل وسوس) ا.هـ. قال السهيل: وُضِعَ خاتم النبوة عند نغض كتفه وقال ابن حجر أيضاً: ( صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم من وسوسة الشيطان وذلك الموضع )ا.هـ.يدخل منه الشيطان

عدد الصفحات ١٣٢

132 في حديث عمر بن عبد العزيزوقال ابن قتيبة أَنه قال: (إن رجلاً سأَل ربَّه سنَة أَنْ يُرِيَه موقع الشيَطان من قَلْب ابن آدم فرأَى فيما يرى النائم جَسَد رجُلٍ ممَُهّى يُرى داخله من خارجه ورأَى الشيطان في صُورة ضِفْدع له خرطوم كخرطوم البَعُوضة قد أَدخله من ) ا.هـ.منكِبه الأَيس إلى قلبه يُوسْوِس إِليه فإِذا ذَكر الله خَنَّسَهُ) (أن عيسى عليه السلام دعا ربه تبارك وعن عروة بن رويم اللخمي وتعالى أن يريه موضع إبليس من بني آدم، فتجلى له إبليس، فإذا رأسه مثل رأس الحية، واضعاً رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه عز وجل، . رواه آدم بن أبي إياس خنس إبليس برأسه، وإذا ترك الذكر، مناه وحدثه) في تفسير مجاهد، ورواه أيضاً سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي. ﴾ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴿قوله تعالى: هذا فيه بيان محلّ الوسوسة، والصدور محل القلوب التي هي أصل صلاح الجوارح وفسادها. أي أن هذه الوسوسة محلها في الصدور، أو منتهاها إلى ما في الصدور. ﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﴿قوله تعالى: بيانية؛ لبيان أن الوسواس يكون من الجنة ويكون من الناس. (من) وهذا يبينّ أن الاستعاذة هنا تشمل الاستعاذة من كل وسواس خناس من الجنة ومن الناس.

عدد الصفحات ١٣٣

133 وأن الوسوسة محلها في صدور الناس فهل تشمل وسوسة النفس ووسوسة شياطين الجن ووسوسة شياطين الإنس. وتشمل أيضاً ما يوسوس به الإنسان لغيره فإن العبد قد يوسوس لغيره فيأمره بمعصية الله فيجر بذلك على نفسه وعلى أخيه المسلم شراً عظيماً يكون عليه وزره وتبعاته، وقد يتسلسل هذا الوزر وتعظم تلك التبعات فربّما ترتّب على الوسوسة في الأمر الواحد شروراً عظيمة. فهي تشمل الاستعاذة من شر وسوسة غيره له، وتشمل الاستعاذة من وسوسته لغيره. وتشمل أيضاً الاستعاذة مما يُوسوسُ به عنه؛ فإن العبد قد يوسوس عنه بأمور يكون بسببها ما يكون من الشر أو حجب الخير فيؤثر ذلك عليه، ومبدأ ذلك وسوسة من الشياطين لغيره عنه. فشملت السورة الاستعاذة من: وسوسة شياطين الإنس والجنّ إلينا وعنَّا. : 1 ووسوسة نفوسنا لنا ولغيرنا:2 وهذه الوسوسة يكون فيها من الشر العظيم بتزيين المعاصي والتصديق بالباطل، والصد عن فعل الطاعات والتصديق بالحق ما يقترف به العبد من السيئات ويحرم بسببه من الخيرات والحسنات، ويحل عليه العقوبات ويعرّضه للفتن، وهذه شرور عظيمة لمن تأملها.

عدد الصفحات ١٣٤

134 درجات كيد ال • كيد الشيطان للإنسان على درجات: الوسوسة وهي أول كيده وأصله، فإذا كفي العبد شرّها الدرجة الأولى: فقد سلم من بلاء وفتنة يُبتلى بها من يُبتلى. فالسعيد من وُقِيَ شرَّ وسوسة الشيطان، وأما الوسوسة نفسها فلا يسلم منها تقيّ ولا غيره؛ فإن هذا هو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا؛ أيطيع الإنسان ربه أم يطيع الشيطان؟ فالشيطان يوسوس للناس كلهم، بل جاء في صحيح مسلم من حديث «جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه فتأمّل هذا الحديث العظيم؛ الذي يدلّ على أمر جليل من أمور الغيب، وله أثر بالغ على الناس كلهم. فالشيطان يحضرُ ابنَ آدم عند أكله وشربه ونومه ويقظته ودخوله وخروجه وعباداته ومعاملاته؛ وله في كل ذلك وساوس يوسوس بها ثم يخنس، فهو كالمحارب يكر ثم يفر ثم يكر ثم يفر، ينتظر تأثر عدوه بضرباته وسقوطه صريعاً في أسره حتى ينقاد له فيقتاده ويورده المهالك، والعياذ بالله. فأما إذا اتبع العبد هدى الله تعالى في شأنه كله؛ فإنه يُعصم من كيد الشيطان، وهذا يدلك على أن حاجة الإنسان إلى اتباع هدى الله حاجة عظيمة متصلة دائمة ما دام حياً.

عدد الصفحات ١٣٥