المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرة العينين بتفسير المعوذتين

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٧ من ١٠

103 أن يكون المؤمن وسطاً بين الغلاة والمفرّط الأصل السادس: -فمن هوَّل شأن الحسد والعين وغلا فيهما حتى يغفل قلبه عن التوكل على الله والرضا به والثقة في حفظه ووقايته وإعاذته لمن يستعيذ به؛ فهذا على غير الهدى الصحيح، بل يخُشى عليه أن يناله شرّ لمخالفته هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وضعف تعلّق قلبه بالله جل وعلا، ورضاه به. -ومَن هوَّن من شأن الحسد والعين، وفرّط في تحصين نفسه بما وصَّ الله به، وأرشد إليه، لم يأمن أن يصيبه بسبب هذا التفريط ما يصيبه من الشر والبلاء. وكلٌّ من الغالي والمفرّط عاقبتهما سيئة إلا أن يعفو الله عنهما عفواً من عنده؛ فإن المسلم ما دام باقياً على الإسلام فإنه تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه. لكن السعيد الموفّق من يتبع هدى الله تعالى في عافيته وبلائه؛ فهذا إن عوفي وإن ابتل كانت عاقبته حسنة، لأن له عهداً من الله لا ينقضه، وَوَعْدًا لا يخلفه. وبذلك تعلم أن من الناس من يكون مفرّطا في الأذكار وتحصين نفسه، وهو فيما يرى الناس معافى من البلاء. ومنهم من يكون شديد المحافظة على الأذكار بلسانه، ويصيبه مع ذلك من البلاء ما يصيبه. فسلامة المحسود لها أسباب كثيرة، وذلك نظير الآفات الكثيرة في الهواء والطعام والشراب والزحام، وهي آفات يسلم منها كثير من الناس،

عدد الصفحات ١٠٤

104 ويصيب بعضهم من ذلك ما يقدّره الله عليهم فمن استدلّ بسلامة بعض أصحاب النعم مع تفريطهم في الأذكار على أن الحسد لا أثر له؛ فهو كمن يستدل بسلامة من يتعرض لتلك الآفات وهو غير متحصن على عدم وجودها. كلاهما قد يسلم، لكنها سلامة قد تغرّ، ومن يتعرضْ للبلاء ويغشَ مظانه فلا يأمننَّ أن يصيبه منه شيء، فليست سلامته دليلاً على عدم وجود البلاء، وليست سلامته في أوقات تقتض سلامته في غيرها. كما أن عدم تحصّنه ليس موجِباً لحصول البلاء والآفات؛ لكنه وقاية نافعة بإذن الله، ومن فرَّط في وقايته لم يأمن أن يصيبه شر وبلاء. أن الحسد في الأصل من التأثيرات الروحية التي تنطلق الأصل السابع: من الأرواح فتصيب الأرواح بالأصل وتؤثر في الأجساد تبعاً، ولها تعلُّق بالقَدَر من جهة تقدير البلاء وأسبابه، وهذا له تقرير آخر، وشرح قد يطول. وإنما المقصود هنا أن الحسد إذا أصاب نفساً غير محصنة أثر فيها بإذن الله تعالى. والنفس كالبدن في بعض الأمور؛ فكما أن في الأجسام ما هو صحيح قويّ لا يتأثر بالآفات اليسيرة، بل ربما لو أُصيب بمرض ظاهر بقي في جسده قوة تقاوم البلاء وتدفعه بإذن الله حتى يُشفى منه. ومن الناس من يكون جسمه ضعيف تمرضه أدنى آفة تصيبه، وإذا أصابه مرض يسير أنهكه وربما أقعده طريح الفراش أياماً معدودة، وذلك لضعف مناعة جسمه في مقابل ما أصابه من الداء.

عدد الصفحات ١٠٥

105 فكذلك أرواح الناس، منها أرواح قويّةٌ، وفيها عزيمة على المقاومة؛ ف تستسلم لكثير من الآفات، بل تبقى فيها قوة تقاوم البلاء حتى تدفعه بإذن الله أو تخفف أثره. ومن الناس من يكون في نفسه وَهْنٌ وَضَعْف فإذا أصابته أدنى آفة تأثر بها وتأذى وتضرر، بل ربما سمع الكلمة تؤذيه فيمرض بسببها. بل ربما رأى من أحد الناس تصرفاً ففهمه على غير وجهه فتأثر بذلك وتضرر. فَمِثْل هذا إذا أصابته آفاتٌ من العين والسحر والحسد والوسوسة كان أثرها فيه أسرع وأبلغ إلا أن يحصّن نفسه بالأذكار. وسبب ذلك وهن نفسه وضعف احتمالها، فإن للروح قوة وطاقة كما للجسد، وفي الروح قوة تدافع البلاء وتمانع الآفات كما في الجسد. ولعلنا نكتفي ببيان هذه الأصول السبعة في هذا المقام، وعسى الله أن ييس مقاماً آخر يبسط فيه بيان هذه المسائل بسطاً حسناً لحاجة الناس لبيان الهدى في هذا الباب، وكثرة ما يُلحظ من ازدياد هذه الآفات ومعاناة الناس منها، وما يحصل من لبس وتخليط في بعض المسائل من بعض من ينتسب للرقية الشرعية فيحدث بكلامه وهناً في النفوس وضعفاً وتهويلاً للشياطين والجنّ وأمر العين والسحر والحسد، ويعظّم بعض الطرق العلاجية والأسباب المادية حتى تتعلق بها بعض القلوب وتغفل عن الله جل وعلا.

عدد الصفحات ١٠٦

106 الفرق بين ا • أهل العلم فرقوا بين الحسد والغبطة في تفسير قول النبي صلى الله «عليه وسلم . متفق عليه من في الحق، ورجل آتاه الله الحكم فهو يقضي بها ويعلّمها حديث ابن مسعود رضي الله عنه. فهذا الحسد هو الغبطة وهو أن يتمنّى مثل النعمة التي أعطيها أخوه المسلم من غير أن يتمنى زوالها عنه. *** أن هذه الأفعالمن اللطائف اللغوية في سورة الفلق: و وَيَغْسُقُ، وَنَفَثَ يَنْفِثُ وَيَنْفُثُ، وَحَسَدَ يحَْسِدُ وَيحَْسُدُ.

عدد الصفحات ١٠٧

107 الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أصالةً، ولأمته تبعاً؛ فكلهم ﴾ﮀ﴿ مأمورون بهذه الاستعاذة. أي: ألجأ وأعتصم، فمقصود المستعيذ هو العصمة من شر ﴾ﮁ﴿ المستعاذ منه. قال الحصين بن الحمام المري: وع يع فالمستعيذ ملتجئ معتصم بمن يرجو منه العصمة مما يخافه؛ والعصمة ﴾ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴿هي المنَعَة والحماية، قال الله تعالى: . ]27[ ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴿، وقال: ]43[ والاستعاذة فيها معنى الإقرار بالذل والضعف والافتقار إلى عزة المستعاذ به ورحمته، وقدرته على عصمة من يستعيذ به. فهذه العبادة تستلزم عبادات جليلة أخرى، وتستلزم الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا؛ فيؤمن بعلم الله وسمعه وبصره وعزته ورحمته وقدرته ولطفه وملكه وغير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تقتضيها عبادة الاستعاذة. تف ﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴿

عدد الصفحات ١٠٨

108 وقيام هذه المعاني التعبدية في قلب المؤمن خالصةً لله جلّ وعلا هو مظهر من مظاهر العبودية لله جل وعلا، ودليل من دلائل التوحيد وبهذا تعلم شيئاً من الحكمة من وجود الأشياء الضارة والمؤذية، وأن من مقاصد ذلك أن يلتجئ العباد إلى ربهم جل وعلا ويستعيذوا به. ولو قُدِّر خلوُّ العالم الدنيوي من الشرور التي يُستعاذ منها لَفَات على العباد فضيلة التعبد لله تعالى بالاستعاذة به، وفاتهم من المعارف الإيمانية الجليلة ما يناسب ذلك. فحياة العباد وما يعترضهم من الحوادث والابتلاءات هي ميدان عظيم ليتعرفوا على ربهم جل وعلا ويؤمنوا به وبأسمائه وصفاته، وليجدوا ما أخبرهم به وما وعدهم به على لسان رسله صدقاً وحقاً. وهذا الأمر العظيم بالاستعاذة بالله جل وعلا يتضمن وعداً كريماً من الله جل وعلا بأن يعيذ من استعاذ به. وذكر هذه الصفات الجليلة (رب الناس)، (ملك الناس)، (إله الناس) دليل على إرشاد العبد إلى استحضار ما تتضمنه من المعاني الجليلة. فيقوم في قلب المستعيذ عند استعاذته من المعاني التعبّدية الجليلة ما يدلّ على صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وتعظيمه ومحبته وإجلاله، فهي مظهر من مظاهر العبودية، وعلامة من علاماتها. وأنت إذا تأملت أحوال العباد وجدتهم محتاجين بل مضطرين إلى من يلجؤون إليه ويستعيذون به؛ فلا يخلو عبد من الحاجة إلى الاستعاذة بمن يعيذه.

عدد الصفحات ١٠٩

109 فأما المؤمنون فيخلصون هذه العبادة لله تعالى ليلاً ونهاراً؛ فلا تلتجئ قلوبهم إلى غير الله جلّ وعلا. فتكون هذه العبادة في قلوبهم عبادةً دائمة لأنهم ما بين استصحابها واستصحاب حكمها. وأما المشركون فاستعاذتهم فيها شرك بالله جل وعلا؛ لأنهم يستعيذون بالله وبغير الله، كما هو حال من يستعيذ بالأوثان والأولياء فيشركهم مع الله جل وعلا في هذه العبادة العظيمة. فلذلك تجد كثيراً منهم تتعلق قلوبهم بأوليائهم ليدفعوا عنهم الضر ويحموهم من العين والحسد والأذى ويعلّقون التمائم الشركية لدفع البلاء، وهم بذلك مشركون مستحقّون لسخط الله جل وعلا. ولذلك تتسلط عليهم الشياطين بسبب شركهم فتزيدهم عذاباً ورهقاً وضلالاً بعيداً؛ لأنهم خرجوا من النور إلى الظلمات باتباعهم للطواغيت والتجائهم إلى غير الله تعالى، وإعراضهم عن ذكر الله جل وعلا. ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿ وقد قال الله تعالى: .]37،36[ ﴾ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ .]27[ ﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴿ وقال تعالى: .]83[ ﴾ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴿ وقال: وتسلط الشيطان على العبد سببه اتباعه وتولّيه والإشراك به؛ فإن من ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴿اتبع الشيطان أرداه الشيطان؛ كما قال الله تعالى: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ

عدد الصفحات ١١٠

110 .]4،3[ ﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ فهذا أمر مكتوب على من تولىّ الشيطان. وتولي الشيطان هو مرتبة في اتباعه من وصل إليها فهو قد عَبَد الشيطان من دون الله جلّ وعلا. فشر الشيطان يبدأ بالوسوسة وما يتبعها من النزغ والهمز والنفخ والنفث وغيرها؛ يريد بذلك أن يستزل العبد ليتبع خطواته؛ فإذا اتبع الإنسانُ خطوات الشيطان كان للشيطان نصيب من التسلط عليه بسبب هذا الاستزلال، وخرَق الإنسانُ من جُنَّته ووقايته بمقدار ما مكّن للشيطان من التسلط عليه. فإذا أراد الله به خيراً عصمه وقذف في قلبه التوبة والإنابة إليه فيتذكر ﮉ ﮊ ﮋﮌﮍ ﮎ ﮏ ﴿ويستبصر؛ كما قال الله تعالى: ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ .]23،22[ ﴾ﮜ (طيف من وفي القراءة الأخرى ﴾ﮎ ﮏ ﮐ﴿فالمتقي إذا مسَّه أي ألمّ به شيء من كيد الشيطان استزلَّه به؛ فإنه يتذكّر؛ فإذا تذكَّر الشيطان) أبصر وعرف طريق الهداية، وعرف ما يجب عليه أن يفعله، وما يجب عليه أن يتركه، فيتبع رضوان الله جل وعلا؛ وهذا هو حال المؤمن المتقي. وبهذا تعلم أن التذكر نجاة للعبد من كيد الشيطان: العبدُ ما ينبغي لله تعالى من المحبة والطاعة والتسليم؛ فينفعه - فيتذكر هذا التذكر؛ فيترك ما يُسخِط اللهَ محبةً لله تعالى.

عدد الصفحات ١١١

111 ما أعدَّ الله من الثواب لمن أطاعه واتبع رضوانه؛ فينفعه هذا - ويتذكر التذكر؛ فيترك معصية الله رجاء ثواب الله وعوضه. ما أعد الله لمن عصاه وأعرض عن ذكره من العذاب الأليم - ويتذكر في الدنيا والآخرة؛ فينفعه هذا التذكر؛ فيترك معصية الله خوفاً من عذاب الله. وكلما كان تذكر العبد أحسن وأسرع كان نصيبه من البصيرة أكمل وأعظم. وبهذا يتبينّ أن مدار التذكر على العبادات القلبية الثلاث: المحبة والخوف والرجاء. فهذا هو حال المؤمن، يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، وأحسن بصيرة، وأعظم هداية. وأما إخوان الشياطين الذين لازموا اتباع خطواتهم وتمادوا في صحبتهم حتى عُدّوا إخوانهم فإن شياطين الإنس والجن تمدّهم أي تزيدهم من مدد الضلال والطغيان والغواية حتى لا ينتهوا في ذلك عن حد من حدود الله جل وعلا؛ بل يكونوا من أولياء الشيطان. وسنأتي بإذن الله تعالى على بيان درجات كيد الشيطان، وأنواعه، وأسباب العصمة من كيده بعد تمام تفسير السورة بإذن الله تعالى. أن الاستعاذة عبادة عظيمة يجب إخلاصها لله جل والخلاصة مما تقدّم وعلا، وأنها تستلزم ما تستلزم من الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العليا فالمستعيذ يؤمن بسَعَة علم الله عز وجل وسمعه وبصره وقدرته

عدد الصفحات ١١٢

112 ورحمته وعزته وملكه وغيرها من الصفات الجليلة التي يجد المؤمن الذي يحسن الاستعاذة أن الإيمان بها ضروري لتحقيق معنى الاستعاذة. وهي تقتض من العبد محبة الله تعالى وحسن الظن به والإنابة إليه والتوكل عليه واعتقاد أن النفع والضر بيدِه وحدَه جل وعلا؛ فيحصل للعبد بذلك من السكينة والطمأنينة والثقة بالله جل وعلا ما لا تقوم له وساوس الشيطان ولا الشرورُ كلها؛ لأن الله تعالى مع عباده المؤمنين المتقين، وهو وليّهم الذي ينصرهم ويؤيدهم ويحفظهم، ويحبهم ويحبونه؛ فلا يخذلهم ولا يتخلى عنهم، ولا يعجز عن نصرهم، ولا يُشقيهم بعبادته وتوحيده، بل يُرِيهم أن السعادة والفوز والفلاح في الإيمان به واتباع رضوانه. أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم. ﴾ﮂ ﮃ﴿ المتصرف فيهم بما يشاء، فلا يخرج أحدٌ منهم عن ﴾ﮅ ﮆ ﴿ ملكه وتصرفه. معبودهم الذي يألهونه ويخضعون له ويتقربون ﴾ﮈ ﮉ ﴿ إليه، فيحبونه غاية المحبة، ويعظمونه غاية التعظيم، ويخضعون له غاية الخضوع، وهو إلههم الذي لا إله لهم سواه. فهو مُنشئُهم من العدم، ومدبر أمورهم، والمتصرف فيهم، وهو منتهى حاجاتهم وآمالهم. وهذه الصفات الثلاث قد رتبها الله جل وعلا أحسن الترتيب، والاستعاذة بها تكشف للمؤمن اللبيب أصولاً عظيمة تنتظم كثيراً من المسائل في الخلق والأمر.

عدد الصفحات ١١٣

113 وأسأل الله تعالى أن يعين على بيان ذلك بياناً حسناً يتضمن الدلالة على فأقول: تخصيص الاستعاذة بهذه الصفات الجليلة أمور عظيمة: أنها تضمنت المبدأ والولاية والغاية؛ فالله تعالى هو ربُّ الأمر الأول: الناس الذي أنشأهم من العدم؛ وأنعم عليهم بالنعم، وهو الملك الذي يتولى أمورهم ويملك نفعهم وضرّهم، وهو المتصرف فيهم لا يعجزه أحد منهم، وهو إلههم الذي يجب أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يتوجهوا إليه بقلوبهم ودعائهم ومحبتهم وخشيتهم ورجائهم. فهو تعالى: (رب الناس) (ملك الناس) (إله الناس). فمنه مبدؤنا بخلقه وإنعامه وفضله، وهو الملك المتصرف الذي يملكنا ويدبر أمورنا، وإليه غاية قصدنا ومبتغانا. أن هذه الصفات الثلاث حُجّة قاطعة على وجوب الأمر الثاني: التوحيد؛ فالله تعالى هو الذي خلق الناس وأنعم عليهم ولم يخلقهم غيره وما بهم من نعمة فمنه جل وعلا، وهو ملك الناس لا يملكهم غيره ولا يملك ضرهم ونفعهم إلا هو جل وعلا، فيجب أن يكون هو إله الناس لا يعبدون غيره. فالله تعالى ليس له شريك في ربوبيته، وليس له شريك في الملك، فيجب أن لا يكون له شريك في الألوهية. أن أصل بلاء الناس إنما هو في الشرك بالله جل وعلا الأمر الثالث: في هذه الأمور الثلاثة (الربوبية، والملك، والألوهية)، وضعف التعبد لله تعالى بها.

عدد الصفحات ١١٤

114 وكل شرك فيها فإنما حصل بوسوسة الشيطان، وهذا هو حظ الشيطان من الناس. وهذه الأمور الثلاثة يقع فيها الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ويقع فيها الشرك الجل والشرك الخفي. فالمشركون بالله الشركَ الأكبر منهم مَن يقع في الشرك في الربوبية بنسبة بعض الخلق أو النعم إلى غير الله جل وعلا. ويقع منهم شرك في الملك باعتقاد النفع والضر والتصرف في غير الله جل وعلا. ويقع منهم الشرك في عبادة الله جل وعلا بدعاء غيره والتقرب إليه بأنواع العبادات. ومِن عُصاة المسلمين مَن يقع منه الشرك الأصغر في هذه الأمور؛ إما بالغفلة عن نسبة النعم لله عز وجل والغفلة عن شهود إنعامه بها، ونسبة ذلك لأحد من الخلق مع هذه الغفلة؛ فيقول: لولا الطبيب الفلاني لهلكت، ويقول: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، ونحو ذلك من أنواع الشرك في الربوبية. وإما بتعظيم بعض الخلق بشهود الظاهر من تصرفه وتسببه في النفع والضر حتى يغفل عن مُلْك الله عز وجلّ وتدبيره للأمور؛ ويغلب على قلبه شهود تصرف بعض الخلق حتى يطيعه في معصية الله جل وعلا إن كان فاجراً أو يغلوَ فيه إن كان صالحاً، وهذا من الشرك في ملك الله جل وعلا. وإما بتعلق القلب بغير الله جل وعلا فيكون في القلب نوع تألّه وتعبّد لغير الله تعالى.

عدد الصفحات ١١٥

115 وكل ذلك إنما هو من الشيطان؛ لأن عبادة غير الله عز وجل إنما هي ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴿عبادة للشيطان كما قال الله تعالى: ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ .]62-60[ ﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﴿وقال إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه آزر: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ .]46-44[ ﴾ﮰﮱ ﯓ ﯔ فجعل إبراهيم عليه السلام عبادة أبيه للأصنام التي سماَّها آلهةً عبادة ﮄ ﴿للشيطان؛ لأن الشرك في حقيقته عبادةٌ للشيطان كما قال تعالى: ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ .]119-116[ ﴾ﯤ ﯥ ﯦ وكل شرك في أيّ نوع من هذه الأنواع له آثارُهُ السيئة على العبد، من تسلّط الشياطين، ومن عقوبات الذنوب والمعاصي. أن التعبد لله جل وعلا بما تقتضيه هذه الصفات الثلاث الأمر الرابع: أمرٌ واجب، والتقصير في ذلك ظلم من العبد لنفسه، وهذا الظلم هو منشأ شقاء العبد وضلاله وتسلط الشياطين عليه وإضلالهم له.

عدد الصفحات ١١٦

116 وإذا أحسنَ العبدُ التعبّدَ لله تعالى بهذه الصفات الثلاث فاز فوزاً عظيماً وسَعِد سعادة عظيمة في الدنيا والآخرة. والتعبد لله تعالى بهذه الصفات الجليلة له مقتضياته وآثاره: فيقتض التصديق بأنه خالقهم - فأما الإيمان بربوبية الله تعالى للناس؛ ومُنشِئُهم من العدم، ومصوّر صُوَرهم ومقدّر أرزاقهم وأقدارهم وآجالهم، وهو المنعم عليهم بالنعم كلها؛ فما من نعمةٍ دقَّت ولا جلّت إلا والله تعالى هو المنعم بها المتفضل بها على عباده من غير استحقاق سابق؛ فيؤثر هذا في قلب المؤمن الاعتراف بنعم الله جل وعلا وشكرها بالقول والعمل. فيقتض التصديق الجازم بأن - وأما الإيمان بملك الله جل وعلا للناس؛ الله تعالى هو الذي يملك الناس كلَّهم، لا يخرج أحدٌ منهم عن ملكه، بل هو مالكهم الذي له جميع معاني الملك، فهو يملك أجسادهم وأرواحهم وجميع أعضائهم ومنافعهم، ويملك تصرفاتها، ويملك تدبيرها والتصرف فيها، فلا تتصرف إلا بإذنه، ولا ينطبق جفن على جفن إلا بإذنه، ولا يتنفّس متنفّس إلا بإذنه، وهو الذي يملك بقاءهم وفناءهم؛ فيبقيهم متى شاء، ويفنيهم إذا شاء، ويعيدهم إذا شاء، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. -ولا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه جل وعلا، فلا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا الله، ولا يجلب النفع إلا الله، ولا يدفع البلاء ولا يرفعه إلا الله تبارك وتعالى. وهذا مما يوجب إخلاص العبادة لله وحده، ولذلك أنكر الله تعالى على ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿من يعبد غيره فقال:

عدد الصفحات ١١٧

117 ﴾ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ .]3[ فتقتض إخلاص العبادة - وأما الإيمان بألوهية الله تعالى للناس؛ وحده؛ واجتناب جميع ما ينقضُ الإخلاص أو ينقصه. أن الاستعاذة بربوبية الله وملكه وألوهيته تقتض الأمر الخامس: تعظيمها وأن لها شأناً عظيماً وآثاراً جليلة في الخلق والأمر، فكل ما في الكون مبني على هذه الصفات الثلاث العظيمة. فكله من خلق الله وإيجاده، وكل مخلوق يأتيه إمدادُه من الله جل وعلا بما يحتاج إليه وما يقدره له. وكل مخلوق فهو تحت تصرّف الله وملكه لا يملكه أحد إلا الله جل وعلا. ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴿وكل شيء فهو عابد لله يسبح بحمده: .]44[ ﴾ﮡ ﮢ ﮣ فهذا في عالم الخلق بدؤه وملكه وغايته لله تعالى وحدَه لا شريك له. وكذلك عالم الأمر: فالله تعالى هو رب الناس، وهو الذي يأمرهم بما يشاء، وينهاهم عما يشاء، ويحلّ لهم ما يشاء، ويحرم عليهم ما يشاء؛ كل ذلك من آثار ربوبيته لهم. وهو تعالى ملك الناس: يثيب من يشاء، ويعاقب من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويقرّب من يشاء، ويبعد من يشاء. وهو سبحانه الحكم العدل في كل ذلك، فله المثل الأعلى، وله الأسماء الحسنى.

عدد الصفحات ١١٨

118 أن مدار عمل الشيطان على إخلال العباد بهذه الأمورالأمر السادس: الثلاثة؛ وتأمل ما يقدح في التوحيد تجده راجعاً إلى هذه الأمور الثلاثة؛ فمن الناس من يكون عنده شرك في الربوبية يقل أو يكثر، ومنهم من يشرك في الملك، ومنهم من يشرك في الألوهية، كما سبق بيانه. فميدان الصراع مع الشيطان هو في هذه الأمور الثلاثة؛ فمن أخلصها لله جل وعلا؛ فقد خلص من شر الشيطان وشركه، وكان من عباد الله المخلصين. أن هذه السورة تضمنت إيجازاً بديعاً لمدار الابتلاء الأمر السابع: والامتحان؛ فبينَّ الله للناس فيها أنه ربهم وملكهم وإلههم، وأن عدوهم هو الشيطان الرجيم، وأن سلاحه هو الوسوسة، وأنه يريد منهم يتبّعوا خطواته حتى يشركوا بالله جل وعلا في ربوبيته وملكه وإلهيته ليكون مصيرهم إلى عذاب الله وسخطه. ولو تأملت المناسبة بين أول المصحف وآخره لوجدته يصدّق بعضُه بعضًا؛ فقد ذكر الله تعالى في أوَّلِ سورة البقرة أصل نشأةِ جنس الإنسان في هذه الحياة الدنيا لما أهبط الله أبوينا وإبليس إلى الأرض، وأخبرهم أن بعضهم عدو لبعض، وضَمِنَ لمن اتبع هداه أن لا يخاف ولا يحزن؛ فهذا مما ذكره الله تعالى في سورة البقرة، وذكر في هذه السورة مصداق ذلك، وميدان وسوسة الشيطان، وسلاحه، وسبيل النجاة من كيده وشره. وأنه إنما يكون بالاستعاذة بالله جل وعلا بالقلب والقول والعمل، وهذه هي الاستعاذة الصحيحة كما سبق بيانه في أوَّل هذه الدروس.

عدد الصفحات ١١٩