المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرة العينين بتفسير المعوذتين

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٩ من ١٠

135 وهو هدى ميسّ لم يجعل الله فيه علينا مشقة ولا حرجاً، فكلمة (بسم الله) عند الدخول وعند الخروج وعند الأكل وعند الشرب وعند الجماع ونحو ذلك مما ورد من مواضع التسمية، وكثرة ذكر الله عز وجل كل ذلك مما يعصم الله به العبد من كيد الشيطان. وينبغي للعبد أن يحرص في شؤونه كلها على اتباع هدى الله جل وعلا، في عباداته ومعاملاته؛ وفي حبه وبغضه، وفي عطائه ومنعه، وفي سائر ما يعرض له من الحوادث والأحوال يحرص فيها على أن يتبع هدى الله لأن هذا هو الضمان الوحيد الذي يُعصم به العبد من كيد الشيطان، فلا يجد الشيطان عليه مدخلاً ليتسلط به عليه، والإفاضة في هذا المعنى تطول جداً، ويكفينا هنا التنبيه عليه. وهذه الدرجة الأولى وهي درجة الوسوسة هي ميدان الصراع والتمانع بين المؤمن المتقي والشيطان. وهذا يحصل لطائفتين: التسلط الناقص، الدرجة الثانية: عصاة المسلمين؛ الذين يتبعون خطوات الشيطان حتى الطائفة الأولى: يستزلهم بارتكاب ما حرم الله أو ترك ما أوجب الله؛ فيحصل للشيطان بذلك نوع تسلط على العبد قد يحرمه من خير كثير ويعرضه لفتنة وعذاب ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴿أليم، كما قال الله تعالى: .]155[ ﴾ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ فانظر كيف كانت الذنوب السابقة سبباً تسلَّط به الشيطان عليهم حتى ارتكبوا كبيرة من الكبائر.

عدد الصفحات ١٣٦

136 ولولا عفو الله عنهم لهلكوا بسبب ذلك، لكن الله تعالى من رحمته أن فتح لعباده بابَ التوبة وجعل للعباد ما يجبرون به تقصيرهم، ويكفرون به من سيئاتهم، ويعودون إلى حماية الله وحفظه. ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿قال الله تعالى: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ .]21[ ﴾ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ والمقصود أن الذي استزلّه الشيطان إنما كان سبب ذلك مخالفته لأمر ﮍ ﴿الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: .]63[ ﴾ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ فمن عقوبة العاصي العاجلة أنه يُعرّض بسبب معصيته لفتنة قد لا يوفّق فيها لاتباع هدى الله فيضل بذلك ضلالاً أعظم من ضلاله الأول، ويعصي معصية أعظم من معصيته الأولى؛ فيعاقب على ذلك عقوبة أشدّ من العقوبة الأولى؛ وهذا من الاستدراج، والعياذ بالله. ولولا عفو الله تعالى ولطفه وكثرة ما يتجاوز به عنا ولا يؤاخذنا به؛ لحُرمنا من خير عظيم ولما تزكّت نفوسنا ولا تطهرت مما بها. ومع هذا يجب على العبد أن يكون شديد الحذر مما يعرضه لسخط الله تعالى، وأن يعظم خشية الله في قلبه، ويتبع هداه؛ فيكون في أمان ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴿الله وضمانه؛ .]82[ ﴾ﭛ والخلاصة أن هذه الطائفة في هذه الدرجة وهي التسلط الناقص، على درجات متفاوتة لا يحصيهم إلا من خلقهم؛ فمنهم من يعظم تسلط الشيطان

عدد الصفحات ١٣٧

137 عليه حتى يرهقه جداً، ومنهم من يصيبه من ذلك تسلط وبلاء يذوق به عاقبة ما قصرّ فيه من طاعة الله عز وجل وتجرأ على غشيان ما حرم الله. وأصحاب هذه الطائفة هم عصاة المسلمين؛ فلا يتسلط الشيطان عليهم تسلطاً تاماً، ولا يسلمون منه سلامة تامة؛ بل هم وإياه في تصارع وجهاد؛ يقوى تسلطه عليهم ويضعف بقدر ما فرّطوا فيه من اتباع هدى الله جل وعلا. فما معهم من التوحيد والإسلام يمنعه من التسلط التام عليهم، وما في قلوبهم من حظ الشيطان باتباع خطواته سَببٌ لتسلط الشيطان عليهم. أهل البلاء من المؤمنين المتقين، وهؤلاء لا يتسلط عليهم الطائفة الثانية: الشيطان تسلطاً تاماً، لأنهم أولياء الله تعالى، والله معهم يؤيدهم وينصرهم ما داموا على ما يحب من الإيمان والتقوى، لكنهم قد يُبتلون ابتلاءً بأذية الشياطين وكيدهم لينظر الله كيف يعملون، وهذا الإيذاء قد تقصر مدته وهو الغالب، وقد تطول، ويكون طوله إذا طال مع ملازمة الصبر والتقوى من علامات بلوغ أهله مرتبة الإحسان. والفرق بين هذه الطائفة والطائفة التي قبلها، أن تلك الطائفة يقع التسلط عليهم عقوبة لهم على تفريطهم في اتباع هدى الله. وأما هذه الطائفة فيقع عليهم شيء من التسلط والأذى ابتلاء من الله عز وجل. هذا الأذى الشيطاني على المؤمنين وإذا أردت التفصيل في ذلك فيقال: ، ولكل نوع أمثلته وأدلته وأحواله، وحسبنا في هذا المقام التعريف له أنواع الموجز بذلك، وفهم يسير بإذن الله تعالى لظهور أدلته:

عدد الصفحات ١٣٨

138 إيذاء بالفزع والتخويف ومحاولة الإضرار، يجعل ا النوع الأول: لعباده المؤمنين معه سبباً يعتصمون به من ذلك فلا يصيبهم منه ضرر، وإنما قد ينالهم شيء من الأذى الذي يحُتمل ويذهب أثره من الخوف أو الفزع أو الرهبة التي تقتضيها بغتة الموقف؛ ثم يزول ذلك. ومن ذلك ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن كما في مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما من حديث أبي التيَّاح قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش رضي الله عنه وكان شيخاً كبيراً قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين كادته الشياطين؟ قال: (جاءت الشياطين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأودية، وتحدرت عليه من الجبال، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال: (فرعب؛ جعل يتأخر). قال: (وجاء جبريل عليه السلام؛ فقال: يا محمد قل). .«قال «قال: (قل شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يرج منها، ومن شر فتن الليل ؛ فطفئت نار والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن الشياطين وهزمهم الله عزَّ وجل).

عدد الصفحات ١٣٩

139 فهذه التعويذة نافعة لمن وجد شيئاً من أذى الشياطين وتبدّيهم له وتفلتهم عليه. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول وفي رواية ،«الله صلى الله عليه وسلم « أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم؛ فذكرت [ ﴾ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴿ قول أخي سليمان: .فرددته خاسئاً؛ ]35 وفي الباب أحاديث أخرى أن يجد المسلم شيئاً من أذية الشياطين وتسلطهم عليه، وفي النوع الثاني: هذا الباب حديث لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، وحديث لخالد بن الوليد أنه كان يفزع في منامه فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ثم علّمه تعويذة نحو تعويذة جبريل «فقال المذكورة في حديث أبي التياح. وحديث خالد رجاله ثقات لكن فيه انقطاع يسير في أصل الإسناد. ومثل هذا النوع يعرض لبعض أهل العلم وفي ذلك أخبار وآثار. النزَغات والهمَزات والنفَخات والنفَثات التي تكون من النوع الثالث: الشياطين ويكون لها شرور وآثار تستوجب الاستعاذة بالله تعالى منها. ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﴿كما قال الله تعالى: .]36[ ﴾ﯔ ﯕ

عدد الصفحات ١٤٠

140 ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ﴿ وقال: .]53[ ﴾ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ فالنزغ يستعاذ بالله من شره، وقد هَدى الله عباده لأن يقولوا التي هي أحسن؛ فإن ذلك يذهب عنهم شراً كثيراً من كيد الشيطان في النزغ بينهم. ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿وقال تعالى: .]98،97[ ﴾ﮥ ﮦ (الهَمَزَات: جمع همَْزَة وهي المَرَّة من فِعْلِ الهَمْز، قال الإمام الشنقيطي: وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين: نخساتهم لبني آدم ا.هـ.ليحثّوهم ويحضوهم على المعاصي) وفي مسند الإمام أحمد من حديث نافع بن جبير بن مطعمٍ عن أبيه أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً. اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان . الرجيم من همزه ونفخه ونفثه قال: قلت: (يا رسول الله ما همَْزُه؟). ، يعني يصرع. «قال . «قلت: (فما نفخه؟) قال . «قلت: (فما نفثه؟) قال وروى الأمام أحمد أيضاً بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: قال أبو سلمة [ .)«يقول

عدد الصفحات ١٤١

141 «قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ). الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه قالوا: (يا رسول الله! وما همزه ونفخه ونفثه؟). «قال .نفثه فالشعر مسنداً ومرسلاً وموقوفاً على أبي سلمة بن عبد الرحمن جاء تفسير الهمز وعمرو بن مرة وغيرهما بأنه المُوتة التي تأخذ بني آدم. قال الزَّبيديُّ: (المُوتَةُ بالضَّمِّ: الغَشْىُ، وفُتُورٌ في العَقْل، والجُنُونُ؛ لأَنّه يحَْدُث عنه سُكونٌ كالمَوْتِ)ا.هـ. وقال أبو منصور الأزهري: (قال أبو عبيد: المُوتَةُ: الجنون، سُمِّي همَْزا لأنه جعله من النخسُ والهمز والغمز، وكل شيء دَفَعته؛ فقد همزته. وقال ابن شميل: المُوتة: الذي يُصرعُ من الجنون أو غيره ثم يفيقُ. وقال اللحياني: المُوتَةُ شِبْه الغشية)ا.هـ. والخلاصة أن المُوتة لفظ يقع على أشياء متعددة، وتكون المُوتة في الجسد وفي الروح؛ فالموتة التي تأخذ الروح يكون بسببها الغَشيْ والجنون والصرع، والموتة التي تكون في الجسد يكون بسببها فتور الجسد وخموله ووهنه، ومن أسباب ذلك همز الشيطان، والعياذ بالله من همزه. فتفسيره بالكبر للتمثيل، وكل ما كان بسببه كبر أو عُجب أو وأما النفخ فخرٌ أو نحو ذلك فهو من نفخ الشيطان.

عدد الصفحات ١٤٢

142 ويكون له نفخ غير ذلك؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قَيْنة . رواه أحمد. «غَنَّت والقينة: هي الأَمَة المملوكة التي تُتَّخذ للتزيّن والغناء غالباً. إِنما قيل للمُغنّية قَيْنةٌ إِذا كان الغناءُ صناعةً قال أَبو منصور الأزهري: ( ).لها، وذلك من عمل الإِماء دون الحرائر إن الشيطان ليطيف بالرجل في صلاته ليقطع عليه وقال ابن مسعود: ( صلاته فإذا أعياه نفخَ في دُبُرِه فإذا أحسَّ أحدكم من ذلك شيئاً فلا ينصرفنَّ ). رواه عبد الرزاق والطبراني.حتى يجدَ ريحاً أو يسمعَ صوتاً وروى ابن أبي شيبة نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأما النفث فيكون بسببه قول الشِّعْر الذي فيه إغواء للناس كما قال الله ، فما يُلْقيه الشيطان على ]224[ ﴾ﯘ ﯙ ﯚ﴿ تعالى: قلوب بعض الشعراء وألسنتهم فيتكلَّمون به ويعبرّون عنه هو من معاني نفثِ الشيطان، وقد نطَق بذلك بعض الشعراء كما قال الفرزدق في توبته المشهورة: ألمَْ تَ لَبَ ولا خارِج �له ع فل م أَحادِي

عدد الصفحات ١٤٣

143 الرتاج المراد به باب الكعبة، والمقام مقام إبراهيم وقوله: وإن ابن إبليس قال عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب: ( الخ... أَلْبَنا: سَقَيَا اللَّبَن، يريد أن إبليس وابنه سقيا كلَّ غلام من الشعراء )ا.هـ.هجاءً وكلاماً خبيثاً فالشعر السَّيِّئ من نفث الشيطان، ولنفث الشيطان معانٍ أخرى وردت في النصوص وسبق بيان بعضها. التسلط الذي قد يَعْظُمُ أثره ويطول أَمَدُه ويقصر بحسب النوع الرابع: ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴿ما يقدره الله عز وجل من ذلك، كما قال الله تعالى: .(بنَصَب) . وقرأ يعقوب: ]41[ ﴾ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ وقال الفراء بأن النُّصْبَ والنَّصَب بمعنى واحد كالرُّشْد والرَّشَد، والمراد به: ما أصابه من العناء والضرر. ومن هذا النوع ما يحصل لبعض الصالحين من الابتلاء بالسحر والعين وتسلط الشياطين، وما يحصل لهم من الآفات التي تُضعف أبدانهم ويتسلط عليهم الشيطان بأنواع من الأذى. فهؤلاء إن قاموا بما أوجب الله تعالى من الصبر والتقوى كان ذلك رفعةً لهم واجتباء، ولم يضرهم كيد عدوهم شيئاً، وإنما هو أذى يتأذون به، ويصاحبه من لطف الله عز وجل بهم وتيسيره ما يخفف عنهم البلاء، ثم تكون عاقبتهم حسنةً بإذن الله تعالى. ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴿قال الله تعالى: فجعل الإحسان يُنال بالصبر والتقوى. ]90[﴾ﮢ

عدد الصفحات ١٤٤

144 والصبر الجميل هو الذي لا تسخط معه [ ﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴿وقال تعالى: .]120عمران ومن كان سائرا في بلائه على هدى من الله؛ فهو في أمان الله تعالى وضمانه ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﴿حتى تحصل له العاقبة الحسنة، وقد قال الله تعالى: . ]133[ ﴾ﯞ ﯟ﴿ وقال: ]49[ ﴾ﮪ وهؤلاء لا يتمكن الشيطان منهم تمكناً تاماً ما بقي معهم الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح، ومهما بلغ بهم الأذى فإن الله يجعل لهم مخرجاً وفرجاً، والله تعالى لا يديم البلاء على عبده. التسلط التام، والاستحواذ التام؛ وهذا هو تسلط الدرجة الثالثة: الشيطان على أوليائه الذين اتخذوه وليّا من دون الله جل وعلا، لأنهم اتبعوه وتولوه وأعرضوا عن ذكر الله جل وعلا واتباع هداه حتى خرجوا من النور إلى الظلمات، ومن ولاية الله إلى ولاية الشيطان، ومن حزب الله إلى حزب الشيطان. فكانوا بذلك من الخاسرين والعياذ بالله. ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴿قال الله تعالى: ﴾ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ .]120،119[ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴿ وقال تعالى: ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ

عدد الصفحات ١٤٥

145 ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ .]30،29[ ﴾ﰈ فجعل سبب ضلالتهم أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله. لأنها قد تفض بالعبد وهذا يبينّ لك خطورة اتباع خطوات الشيطان؛ إلى أن يتولىّ الشيطان فإذا تولىّ الشيطان استحوذ الشيطان عليه فصار وليّا من أولياء الشيطان، والعياذ بالله يصدّ عن سبيل الله، ويعادي أولياء الله، ويؤذيهم ويبسط لسانه ويده في أهل الحق بالسوء؛ ويدعو إلى الباطل بقوله وعمله، ويسكت عن بيان الحق، فهو بهذه الأعمال القبيحة قد صار ولياً للشيطان ومناصراً له، يحب ما يحبه الشيطان، ويبغض ما يبغضه الشيطان، وإن لم يصرح بأنه يحب الشيطان بل ربما لعنه في الظاهر، وأما في حقيقة الحال فمقاصده وأعماله هي مقاصد الشيطان وأعماله، وغايتهم واحدة، وهي إخراج الناس من النور إلى الظلمات، وصدهم عن سبيل الله عز وجل، وإن كانوا يحسبون أنهم مهتدون. فهذا بيان درجات تسلط الشيطان على الإنسان، وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث ويعقِدُ ويَعِدُ ويمنّي ويغرُّ ويسوّل ويحضر العبد في شأنه كله. وقد أمر الله بالاستعاذة من شر الشيطان وشركه. وبهذا تعلم أن هذا الأذى كثير متعدد متنوع، وأنه لا يُعصَمُ منه إلا من عَصَمَه الله، وأنه لا أمان للعبد إلا بالإيمان والتوكل على الله جل وعلا. ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿وقد قال الله تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ

عدد الصفحات ١٤٦

146 .]100-98[ ﴾ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ فالمؤمنون المتوكلون على ربهم لا تتسلط عليهم الشياطين بل هم في حفظ الله ورعايته، والله معهم يؤيدهم ويهديهم وينصرهم حتى تكون لهم العاقبة الحسنة. وبحسب ما يكون مع العبد من تحقيق للإخلاص يعظُم إيمانه ويعظُم توكله على الله جل وعلا حتى يكون من عباد الله المخلَصين، وينال بذلك ﯤ ﯥ ﴿أعظم تحصين من كيد الشيطان الرجيم، كما قال الله تعالى: .]65[ ﴾ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮄ ﮅ ﮆ ﴿وقال في قسم الشيطان لربه لما أبَى السجود لآدم: ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ .]42-39[ ﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ بل ربما بلغ العبد في كمال الإيمان وصدق التوكل والقوة في الحق مبلغاً عظيماً حتى يفرّ منه الشيطان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن «الخطاب . متفق عليه. فجاً غير فجك الفجّ: الطريق الواسع. ينبغي للمؤمن أن ويحسن بنا أن نذكّر بأصول عظيمة في هذا الباب يعتني بها، ويفقهها حقَّ الفقه، وهي مقررة في القرآن العظيم أحسنَ تقريرٍ وأبينَه، فإيَّاك ثم إيَّاك أن تغفل عنها وتستهين بها، بل خذها بقوَّة لتنجو من

عدد الصفحات ١٤٧

147 عذاب أليم وشقاء عظيم أن الشيطان عدو مبين؛ فهو بينّ العداوة كما قال تعالى: الأصل الأول: .]53[ ﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴿ وتُعرف عداوة الشيطان للإنسان بما يأمر به ويزينه وبما يحاول أن يصد عنه؛ فإن العاقل يعرف الأمور بمقاصدها، كما نبه الله تعالى إلى ذلك ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴿بقوله: ، ]170،169[ ﴾ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴿وقال: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴿ وقال:، ]268[ ﴾ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ .]175[ ﴾ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ فكل ما يوسوس لك به الشيطان فغايته أن يأمرك بما فيه هلاكك وشقاؤك. ﭯ ﭰ ﴿ أنه يجب علينا أن نتخذه عدوا كما قال تعالى: الأصل الثاني: .]6[ ﴾ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ فمن الناس من يعلم أن الشيطان عدوّ لكنه لا يتخذه عدواً، بل ربما أَنِسَ لوساوسه وتزيينه الباطل والمعاصي وصدق ما يغره به من زخرف القول؛ ومن الناس من يلقّنه الشيطان دعوى التوبة بعد أن يقض نهمته من شهواته، وهي شهوات تتزايد وتتوالد ولا يزال العبد يتبع فيها خطوات الشيطان ويعرض عن ذكر الله حتى يضلّ ضلالا بعيداً إلا أن يتداركه الله برحمة من عنده. ولو تأملت أصل البلاء وجدته الاستهانة باتخاذ الشيطان عدواً.

عدد الصفحات ١٤٨

148 أن الله قد حرَّم اتباع خطوات الشيطان كما قال تعا الأصل الثالث: ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﴿في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: .]169[ ﴾ﯶ ﯷ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿ وقال تعالى: .]21[ ﴾ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴿ وقال الله تعالى: .]209[ ﴾ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ أنه لا ضمانَ للعبد ولا أمانَ له إلا أن يتبع هدى الله الأصل الرابع: جل وعلا، كما قال الله تعالى لما أهبط أبوينا وأهبط إبليس إلى الأرض عند ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﴿بدء هذه الحياة الدنيا: .]123[ ﴾ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ قال ابن جرير: (يقول: أنتما عدوّ إبليس وذرّيته، وإبليس عدوّكما وعدوّ ذرّيتكما). أن اتباع هدى الله يفض إلى العاقبة الحسنة، ومهما يكن الأصل الخامس: على العبد من كيد الشيطان ووسوسته وأذيته فإن العبد المؤمن يعان على ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴿ذلك ما دام متبعاً لهدى الله جل وعلا على ما يستطيع [ ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿، كما قال تعالى: ]286[ ﴾ﯛ ﯜ وهذا يدلك على يس الشريعة وسماحتها، فلا يكن في صدر المبتلى حرج ، ]16 من فوات بعض الأمور عليه، أو تعس بعض الطاعات عليه؛ فإن ذلك إذا كان عن غير تفريط ولا تقصير فإن نيته تبلغ، وأجره يكتب له كأنه عمله، ولا يؤاخذ العبد بما لا يطيق، وإن أطاقه غيره ممن هو في عافية من البلاء الذي هو فيه.

عدد الصفحات ١٤٩

149 أن الشيطان يحضر ابن آدم عند كل شيء من شأنه؛ فلهالأصل السادس: وسوسة في الشؤون كلها، وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث، ويخوّف، ويعد ويمنّي ويزيّن الشهوات المحرمة، ويثير الشبهات المحيرّة، بل له تصرفات في بعض أجساد الناس؛ كما صحَّ أن التثاؤب من الشيطان، والحلم من الشيطان، والاستحاضة من الشيطان، وصراخ الطفل إذا استهل من الشيطان، والغضب من الشيطان، والعجلة من الشيطان، والالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وأن الشيطان يوهم بعض الناس أنه خرج منه ريح وهو لم يخرج، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي «الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءه الشيطان فأبسّ به، كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له أضرط بين أليتيه ليفتنه عن صلاته، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فلا ينصرف حتى .يسمع صوتا أو يجد ريحا لا يشك فيه وورد أنه يبيت على خياشيم بني آدم، ويبول في آذان بعضهم إلى غير ذلك مما ورد من تصرفات الشيطان وما أقدره الله عليه. بل قد يكون له تأثير على الناس في تصرفاتهم، في منازلهم وسفرهم وذهابهم وإيابهم بسبب وسوسته، كما في سنن أبي داوود والنسائي من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: (كان الناس إذا نزلوا تفرقوا «في الشعاب والأودية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان إلا انضم بعضهم إلى بعض).

عدد الصفحات ١٥٠

150 فالتصرفات التي تكون أقرب إلى تحقيق مقاصد الشيطان من التفرق والتنازع والتنافر وإيذاء بعض الناس لبعض: سببه نزغ الشيطان ووسوسته وتزيينه. وقد ورد في النصوص أيضاً بيان ما لا يقدر عليه الشيطان: فهو لا يفتح باباً مغلقاً، ولا يحلّ وكاءً، ولا يكشف إناء، ولا يرى من يسمي إذا دخل الخلاء، ولا يأكل مع من يسمي عند أكله، ولا يدخل مع من يسمي عند دخوله، ولا يشارك الرجل في أهله إذا سمى عند الجماع، ولا يتمثل في صورة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. أن العبد لا يُعذر في مخالفته هدى الله جل وعلا فيما ينزغ الأصل السابع: له به الشيطان فيطيعه على ذلك؛ كما في الصحيحين من حديث همام عن أبي «هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .بالسلاح، فإنه لا يدري لعلَّ الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار وهذا دليل على أن نزغ الشيطان لو كان عذراً للعبد لما أوجب له هذا العذاب؛ فمن خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ورفع السلاح على أخيه ولو مازحاً فنزغه الشيطان فأصاب أخاه المسلم فلا ينفعه أن يقول: نزغني الشيطان. وهكذا في سائر المسائل، لا يُعذر العبد بترك فريضة واجبة أو عمل محرم بحجة نزغ الشيطان له، ما دام العبد حاضر العقل مختاراً. أما ما يفعله العبد في حال رفع القلم عنه بذهاب العقل أو النوم أو كان مكرهاً أو معذوراً أو بنسيان أو خطأ أو جهل يعذر في مثله فإن المؤاخذة ترتفع عنه إذا كان غير مفرط ولا متعدّ.

عدد الصفحات ١٥١