87 ويقال: هي مرضعة، إذا كانت تُرضِع بالفعل، فالصفة الأولى للقدرة على الفعل وقابلية الاتصاف به، والصفة الثانية للفعل نفسه. ولذلك تسمّى المرأة مرضعاً وإن لم تكن مرضعة في الحال. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿قال الله تعالى: ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ .]2،1[ ﴾ﭥ ﭦ ﭧ فالمرضعة هي التي ترضع ولدها بالفعل فهو يلتقم ثديها، إذا رأت الساعة ذهلت عن رضيعها. وهكذا الحاسد، حسده كامن في نفسه، فإذا رأى النعمة على غيره ظهر هذا الحسد، وخرج من نفسه وعينه سهام مسمومة على المحسود فتؤثر فيه بإذن الله، ومنهم من يحمله الحسد على الكيد والبغي. وأما من يكون في نفسه وطبعه حسد كامن وإذا رأى ما يعجبه من النعمة على غيره دعا للمنعم عليه بالبركة واستعاذ بالله من شر نفسه، فإن حسده لا يضره ولا يضر صاحب النعمة، ومن كان كذلك في معاملة نفسه بكفّها عن الحسد، بالدعاء بالبركة وسؤال الله من فضله فإن صفة الحسد تضعف عنده حتى تضمحلّ ويحلّ محلها إرادة الخير للناس ومحبة نفعهم، فيكون سليم الصدر طيب القلب، لا يحسد ولا يحقد. ويثاب على ذلك بأنواع من الفضل العظيم؛ والله تعالى يحبّ من عبده أن لا يحسد أحداً على فضل آتاه الله إياه؛ ولذلك فإن العبد قد يُبتلى بما يرى على غيره من النعم، فإن حسدهم فقد كره قسمة الله تعالى وتصريفه الرزق بين عباده.
عدد الصفحات ٨٨88 وبذلك تعلم أن الحسد من أعظم الذنوب، وأنه مما يقدح في التوحيد والمؤمن الصالح إذا رأى نعمةً على غيره وهو يحب مثلها لنفسه دعا لأخيه بالبركة، وسأل اللهَ من فضله، فكان حريّاً بأن يستجاب له. . ]32[ ﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴿وقد قال الله تعالى: وأما من أطلق لنفسه العنان في الحسد، وإذا رأى ما يعجبه من النعم حسد أصحابها، فإن هذه القوَّةَ الحاسدة تنمو لديه وتَعْظُمُ ويَعْظُمُ أثرَها حتى يكون حسوداً كثير الحسد شديد الأذى. وبهذا تعلم أن الحاسدين على درجات، وأن من أهل الحسد من يكون حسده كثيراً شديداً، ومنهم من يكون حسده دون ذلك، ومنهم من يحسد أحياناً. فقد يكون الحسد في طبع المرء، ويعرف من نفسه الحسد، لكنه لا يحسد كثيراً من الناس وإنما يقع حسده على فئة بعينها أو شخص بعينه. ﭽ ﴿ في الآية في قوله تعالى: فأظهر الأقوال في معنى التقييد بالظرف هو ما تقدم من العمل بالحسد سواء أكان العمل قلبياً أم بالجوارح. ﴾ﭾ قد يكون الرجل في طَبْعِه وقد عبرّ عنه ابن القيم تعبيراً حسناً فقال: ( الحسد، وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه، فإذا خطر على ذِكْرِه وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، ووَجّهت إليه سهامَ الحسد من قِبَله، فيتأذَّى ) ا.هـ.المحسود بمجرّد ذلك وبنحو هذا القول قال جماعة من المفسين. وقد أثار بعض المفسين سؤالاً عن معنى التقييد بالظرف في قوله ﴾ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴿وقوله: ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿تعالى:
عدد الصفحات ٨٩89 دون أن يكون هذا التقييد في النفاثات وقد اختلفت أجوبة المفسين على هذا السؤال، وأقرب الأقوال أن الغاسق يكون شره عند وقوبه فإذا كفي العبد شرّه عند وقوبه فقد سلم منه. ﭽ ﴿وكذلك الحاسد فإن حسده كامن في نفسه لا يضر أحداً إلا ، ولذلك قد يَرى الحاسد صاحب نعمة ولا يحسده، إما لأن نفسه ﴾ﭾ لا تتعلق بتلك النعمة أو لأنه لا عداوة بينه وبين ذلك المنعم عليه، فلا يضره. وأما النفاثات في العقد فإن النفث في العقد هو نفسه فعلٌ للسحر فيضرّ، فهو نظير فعل الحسد ووقوب الليل. اأنواع الحا • والحاسدون كثيرون، وقد أخبرنا الله بحسد بعضهم في كتابه الكريم، وحذرنا منهم؛ فمنهم إبليس وذريته من الشياطين، ومنهم الكفار من ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴿اليهود والنصارى وغيرهم؛ قال الله تعالى: ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ . ]109[ ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴿وقال تعالى: ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ .]105[ ﴾ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ
عدد الصفحات ٩٠90 وقد روى البخاري في الأدب في المفرد وإسحاق ابن راهويه من حديث «عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . اليهودُ على شيء ما حسدوكم على السلام والتأم «وفي رواية لابن خزيمة .شيء كما يحسدونا على السلام وعلى آم :الحسد منه حسد عام وحسد خاصوبذلك تعلم أن هو حسد الكفار للمؤمنين، وحسد الشياطين لبني آدم، فالحسد العام: وحسد المنافقين، وحسد السحرة. هو الحسد الذي يكون على الشخص نفسه أو على والحسد الخاص: طائفة بخصوصها. وكلا النوعين فيهما شر يُستعاذ منه، لذلك ينبغي أن يستحضر المستعيذ الاستعاذة من الحسد كله عامّه وخاصّه. � • وههنا مسألة مهمة تتعلق بتفسير الآية: وهي ما هو شر الحاسد؟ أن شر الحاسد على نوعين:والخلاصة: شرُّ نَفْسِهِ وشر عَيْنِه، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى: النوع الأول: . (من شرّ عينه ونفسه) قال:﴾ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴿ والفرق بين النفس والعين هنا أن العين: ما كان عن معاينة وحضور، فيصيبه بعينه بإذن الله فيؤثر فيه ذلك.
عدد الصفحات ٩١91 والنفس: هي تعلّق نفس الحاسد بالنعمة التي لدى المحسود فيؤثر فيه ذلك بإذن الله. ما ينشأ عن الحسد من الكيد والبغي وقول السوء بل النوع الثاني: ربما يصل الأمر ببعض الحسدة إلى استعمال السحر والعياذ بالله للإضرار بالمحسود؛ فهذا كله من شر الحاسد. وهذا الشر قد يكون في حَجْب ما ينفع المحسود، وقد يكون في جَلْب ما يضرّه، وكل ذلك من الحسد. فبعض الحسدة إذا ذكر عنده مَن يُرادُ نَفْعُه بشيء اجتهد في صرف ذلك النفع عنه حسداً وبغياً، وهو قد لا يسعى في الأذية والنكاية المباشرة وجلب الضرر، لكنه لا يودّ أن ينال هذا المحسود ما استحسنه من الخير. وبعض الحسدة يجاوز هذا إلى إرادة الإضرار والاجتهاد في إيقاع الأذى بما يستطيع من الوسائل والعياذ بالله. وأنت إذا تأملت هذا وجدت أن الحُسَّادَ على درجات وأنواع كثيرة في حسدهم. والاستعاذة بالله من شر الحاسد تشتمل على هذه الأنواع كلها: من شر نفسه وعينه، ومن شر بغيه وكيده، ومن شر سعيه في صرف الخير أو جلب الضر. وإذا كانت استعاذة العبد بالله من شر الحاسد استعاذة صحيحة فإن الله يعيذه؛ لأن الله قد أمر بالاستعاذة به من شر الحاسد إذا حسد، وهذا يتضمن وَعْدَه جلّ وعلا بالإعاذة، والله تعالى لا يخُلف الميعاد، وإنما يؤتى
عدد الصفحات ٩٢92 إنا لا نحمل همّالعبد من قبل نفسه، ولذلك كان بعض السلف يقولون: ( ). الإجابة، وإنما نحمل همّ الدعاء نسأل الله تعالى أن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا، ومن شرور أهل الحسد. أُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شر كل قال ابن جرير: ( ). حاسد إذا حسد؛ فعانه أو سحره، أو بغاه سوءاً وهي مسألة المراد بشر خرجوا بقولين في هذه المسألةوبعض المعتزلة الحاسد: شر كيده وبغيه. القول الأول: شر إثمه وسماجة حاله ورأيه، وقبح ما أظهر من الحسد. والقول الثاني: وهذان القولان ذكرهما الزمخشري في تفسيره، وسبب ذلك أن المعتزلة ينكرون الإصابة بالعين والنفس. فقولهم الأول حقّ، وهو جزء من المعنى المراد، لكن لا يُقصر عليه. وأما قولهم الثاني فإنا وإن كنا لا ننكر أن الحاسد آثم، وأنَّ عمله قبيح وحالَه سمجة بالحسد إلا أننا نرى أن هذا شر قاصر على الحاسد لا يتعدّى لغيره؛ والمناسب في هذه الحال هو سؤال العافية مما ابتل به لا الاستعاذة منه، والآية دلت على أن شر الحاسد متعدٍّ غيرُ قاصر. حكم ا • ونحن قد نهينا عن الحسد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي «صلى الله عليه وسلم أنه قال
عدد الصفحات ٩٣93 وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً، وَلاَ يحَِلُّ لمُِسْلِمٍ أنْ يهَْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ . رواه البخاري ومسلم، ولهما من حديث أبي هريرة نحوه. ثَلاَثٍ لا أحسب التدابر إلا الإعراضَ عن أخيك المسلم قال الإمام مالك: ( ). فتدبر عنه بوجهك وفي مسند الإمام أحمد ومصنف عبد الرزاق وجامع الترمذي وغيرها من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله «عليه وسلم هي الحالقة، لا أقول: تحَْلِق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما . يثبّت ذلك لكم، أفشوا السلام بينكم «وفي رواية .بينكم وفي سنن النسائي وصحيح ابن حبان وغيرهما من حديث أبي هريرة . «رضي الله عنه مرفوعاً الإيمان المنفي هنا: هو الإيمان الواجب، وليس أصل الإيمان. وفي النهي عن الحسد والتحذير منه أحاديث في بعضها مقال كحديث: . رواه « البخاري في التاريخ الكبير وأبو داوود في سننه قال البخاري: لا يصح، وضعَّفه الألباني. . في سنن أبي داوود، وفيه ضعف. «وحديث
عدد الصفحات ٩٤94 وما تقدم من الأحاديث الصحيحة في النهي عن الحسد والتحذير منه فيه كفاية وغنية. وقد نقل النووي إجماع الأمة على تحريم الحسد. اأ• الحاسد يعتبر إحسان الله تعالى إلى أخيه قال البيهقي في شُعَبِ الإيمان: ( المسلم إساءةً إليه، وهذا جهلٌ منه، لأنَّ الإحسانَ الواقع بمكان أخيه لا ). يضره شيئاً، فإن ما عند الله واسعٌ وقد تكلّم بعض أهل العلم في الأسباب التي تحملُ الحاسدَ على الحسدِ؛ أصله أمران: الحامل على الحسدفقال الشيخ عطية سالم رحمه الله: ( ازدراء المحسود.الأول: ) ا.هـ. إعجاب الحاسد بنفسهوالثاني: ولذلك ينبغي للمسلم أن لا يحقر مسلماً ولا يزدريه ولا يفخر عليه، وليعلم أن لبعض الناس خبايا من الأعمال الصالحة قد لا يدركها كثير من الناس، وإن لم يكن يُعرف عنهم كثرة عبادة وصلاة، ولا كثرة علم ولا ذكاء؛ فإن الأسباب التي يوفِّق الله تعالى بها عباده قد تكون خفيَّة على كثيرٍ من الناس. فمن أبصر هذا حقيقة لم يحَْقِرْ مسلماً ولم يَزْدَرِه، وبذلك يقض على نصف الحسد، ويبقى عليه النصف الآخر، وهو الإعجاب بنفسه واعتقاد فضيلتها وأنها تستحق أن تُكرم بما يرى أنه يليق بها، فيبتغي بذلك الشرف عند عامة الناس أو عند أهل العلم والدين، وإذا استؤثر عليه بشيء من
عدد الصفحات ٩٥95 التكريم أو كُرِّم مكانه غيره انبعثت نار الحسد من قلبه، وكرِه ذلك جداً، وتمنّى انتقال ذلك التكريم إليه وحرمانه من يحسده. فهذا ينبغي له أن يُعالج قلبه، ويعرف قدر نفسه، وأن فضل الله تعالى لا يُدرك بمعصية الله، وإنما يُطلب من الله بما هدى الله إليه. فإذا ذهب عنه إعجابُه بنفسه واعتقاده فضيلتها ولم يحتقر غيره: لم يحسدْ، وذلك لذهاب دوافع الحسد وأسبابه التي تثيره وتحمل عليه. لكن هذه الدرجة لا يبلغها إلا من وفَّقه الله، وكان بصيراً بعيب نفسه مشتغلاً به عن عيوب الناس، مقبلا على ما ينفعه ويقربه إلى الله، يعتقد أن الفضل لله وحده يؤتيه من يشاء، وأن الله ذو الفضل العظيم. اأ• وقد ذكر بعض علماء اللغة أن أصل لفظ الحسد مشتقٌّ من القَشرِْ؛ وذكروا أن القُرَاد سُمِّي حِسْدِلاً لهذا المعنى. ومنه أُخذ الحَسَد لأنه يَقْشرُِ ). قال: (الحِسْدِلُ: القُرَادُ قال ابن الأعرابي ( ).القَلْب كما يَقْشر القُراد الجلد فيمتصُّ دَمَه وهذا ذكَره أبو منصور الأزهري وغيرُه. الحسد يقشر القلب، كما يقشر القُراد وقال البغوي في شرح السنة: ( ) ا.هـ. الجلد، فيمص الدم فكأن الحسد يلصق بقلب صاحبه كما يلصق القراد بالجلد، حتى يكاد ُرَق يفعل به كما يفعل القراد بالجلد، فيمتص دم صاحبه ويودعه من الح
عدد الصفحات ٩٦96 والضيق ما تضيق به حاله ويتنكّد به عيشه؛ فهذا وَجْهٌ وَوَجْهٌ آخر: أن الحاسد تتعلَّق نفسه بصاحب النعمة كتعلّق القُراد بالجلد فهو دائم التفكير فيه والتذكر له، ونفسه نهمة شرهة تريد أن يُسلب هذه النعمة، وأن تُستخرج من صاحبها، كما يَستخرج القُراد الدم ويمتصه. اأ• وقد عرفنا بما تقدّم معنى الحسد لغة، وتعريف العلماء للحسد، وأنه تمنّي زوال النعمة عن المحسود، وعرفنا أنواع الحسد. وأما حقيقة الحسد ومصدر انبعاثه، وكيفية خروجه ووصوله إلى المحسود وتأثيره فيه، وما هو مبلغ أثره، وما الذي يصحّ أن يكون من أثره، وما الذي لا يصح؛ فهذه المسائل كلها فيها مواضع معلومة لا يخُتلف فيها غالباً، وفيها مواضع اختلف فيها أهل العلم. وأما حقيقة الحسد حتى قال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان: ( ). فيتعذر تعريفه منطقياً وذكر قولَ بعضهم في بيان حقيقته: إنه إشعاع غير مرئي ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود... إلخ ما ذكر رحمه الله. لكن ينبغي لطالب العلم أن يعرف أصولاً صحيحة في هذا الباب حتى يستقيم له فهم كثير من النصوص والآثار الواردة فيه، ويفهم مسائل الحالات التي تعرض له في الواقع فهماً سليماً مبنيّا على أصول صحيحة بإذن الله، ويسلم بذلك من كثيرٍ من الأخطاء الشائعة في هذا الباب.
عدد الصفحات ٩٧97 وما عدا ذلك من الأمور والتفصيلات الدقيقة فلا يضره الجهل بها بإذن الله، وبعضها من علم الغيب الذي لا يدركه الناس. ونحن إنما علينا اتباع هدى الله جلّ وعلا، وما نحتاج إلى معرفته من ذلك . ]12[ ﴾ﯥ ﯦ ﯧ﴿فإن الله تعالى قد تكفَّل ببيانه، كما قال تعالى: فإذا اتبعنا هدى الله أنجز الله لنا ما وعدنا به من السلامة من الضلال والشقاء والخوف والحزن، وهدانا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور. فلذلك ينبغي أن يكون عمَلُنا هو طلب هذا الهدى من الله جلّ وعلا، بما فصّله في كتابه، وبما بينه عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي هديه أحسن الهدي، وبما أوضحه أهل العلم والإيمان الذين هم ورثة الأنبياء والمؤتمنون على هذا العلم رواية ودراية ورعاية. وبيان هذه الأصول يستدعي بسطاً وتفصيلاً لا يحتمله هذا المقام، ولعل الله يوفق لحسن بيانه في مقام آخر. لكن من خلاصة ما ينبغي عِلْمُه في هذا الباب هذه الأصول التي أذكرها بإيجاز: أن الحسد عَملٌ قلبيّ، لاتفاق العلماء على أنه تمنّي زوال الأصل الأول: النعمة عن المحسود، والتمنّي عملٌ قلبي. وبعضهم ينسبه إلى النفس، فيقول الحسد من عمل النفس. كما قال الطَّرِمَّاح: فبيت اب ع
عدد الصفحات ٩٨98 ولا تعارض بين الأمرين لأن القلب لا حياة له إلا بالنفس التي هي الروح والقلب الميّت ليس له عمل، وإنما الذي يحسد قلب الحي لا قلب الميّت؛ فانبعاث الحسد هو من قلب الحاسد الحيّ. أن الحسد فيه شرّ متعدٍ، ولذلك أُمرنا بالاستعاذة من شرّ الأصل الثاني: الحاسد إذا حسد، وهذا الحسد شرّ في نفسه، وقد ينتج عنه شرور متعددة ذات أنواع كثيرة لا يحيط بها إلا الله جلّ وعلا. وهذا يدفع قول من يُنكر أن الحسد فيه شرّ متعدي. أن الحسد داء من الأدواء، وآفة من الآفات، يمكن أن الأصل الثالث: يتعافى منه الحاسد والمحسود إذا اتبعا هدى الله جل وعلا؛ فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله. أن من يُبتلى بالحسد، ويؤثر فيه شيئاً من الأذى في الأصل الرابع: جسده أو روحه أو أهله أو ماله؛ فإنَّ هذا البلاء في حقّه دائرٌ بين العقوبة والابتلاء، والعقوبةُ فيها تكفير للمسلم، فقد يكون حَسَدَ غيرَه؛ فسُلِّط عليه من يحسده، وقد يكون آذى أو ظلم فسُلّطت عليه آفات في نفسه وما يحبه. ولو تخلّص العبد من تزكيته لنفسه ومبالغته في إحسان الظنّ بها، وتأمّل كم حَسَدَ من مرة!! وكم تسبب في أذية مسلم ونكده!! وكم تسبب في صرف نَفْعٍ عن إخوان له بغياً وعدواناً وحسداً!! وكم سرَّه من بلاءٍ رآه على بعض من ينافسهم ويساميهم!!
عدد الصفحات ٩٩99 لو تأمَّل ذلك لَعَلِمَ أنه لو عوقب بكلّ ذلك، لكان في ذلك هلاكُه وشقاؤه وقد روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي راشد الحُبرْاني قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له: حدّثنا بما سمعت من رسول الله (هذا ما كتب لي النبي صلى صلى الله عليه وسلم، فألقَى إليَّ صحيفةً؛ فقال: .الله عليه وسلم) فنظرت فيها فإذا فيها: إنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل النبيَّ صلى الله .(يا رسول الله! علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت)عليه وسلم قال: «فقال والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر . هذا الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم لفظ البخاري في الأدب المفرد، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي. صححه الألباني، وفسّ قول الراوي كتب لي النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمر بالكتابة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب كما هو ثابت. فَمِماَّ ينبغي أن يحرص عليه المؤمنُ تزكيةَ نفسه وتطهيرَ قلبه من الحسد والغل والحقد، وأن يكفّ أذاه عن المسلمين. لأنه إن لم يفعل ذلك فلا يأمن أن يُعاقب على أذيته بما لا يحتمله. وكثرة الاستغفار وتكرار التوبة وفعل الخير من الأسباب التي يدفع الله عز وجلّ بها هذه العقوبات. فهذا في شأن من يكون هذا البلاء في حقهم عقوبة؛ هو شرّ من جهة، ومن جهة أخرى فتنة وابتلاء لهم لأنهم إذا أنابوا إلى الله وتضرعوا إليه
عدد الصفحات ١٠٠100 وتابوا توبة صحيحة من الظلم والعدوان رُفعت عنهم العقوبة لزوال موجبها. ويكون ما أصابهم من ذلك تكفيراً لسيئاتهم. وأما من استمرأ الحسد والأذى وهو يُعاقَب، فيحسد ويؤذي ويعرض عن ذكر الله واتباع هداه فإنه على خطر أن يُطبع على قلبه فلا يهتدي للتوبة. لكن ما دام المرء باقيا على الإسلام فإن ما يصيبه من العقوبات في الدنيا على ذنوبه تكفير لسيئاته، وما يعفو الله عنه أكثر، وقد يبقى عليه من العقوبات بعد موته عذاب لا يطيقه في قبره أو يوم القيامة أو في النار والعياذ بالله، حتى لا يدخل الجنة إلا وقد تطهّر قلبه وذهب ما فيه من الحسد والبغضاء للمسلمين. ومن المؤمنين المتقين من يصيبه شيء من ذلك ابتلاء واختباراً فإن اتبع هدى الله كان ذلك رفعة لدرجاته وإحساناً من الله إليه أن جعل له بذلك سبباً يحلّ عليه رضوانه. وأصل هذا كله أن يكون العبد راضياً بالله جل وعلا ربّا، وأن يحسن الظن بربه فيما أصابه من البلاء، وأن يحرص على الصبر والتقوى؛ فيكون بذلك من المحسنين الذين كتب الله لهم العاقبة الحسنة. ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﴿ وقال: ]132[﴾ﯞ ﯟ﴿قال الله تعالى: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴿، وقال: ]49[﴾ﮪ فجعل الإحسان لأهل البلاء ينال بالصبر ]91[ ﴾ﮡ ﮢ والتقوى.
عدد الصفحات ١٠١101 أن الحسد من البلاء، والعبد لا اختيار له في نوع البلاءالأصل الخامس: الذي يُبتلى به، بل الله تعالى هو الذي يبتل عباده بما يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء، والعبد لا يستطيع أن يدفع البلاء عن نفسه، ولا يكشف الضرَّ عنها، إنما مردّ ذلك إلى الله جل وعلا. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﴿قال الله تعالى: ﴾ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ .]107[ فمحاولات العبد وتكليفه نفسه رفع البلاء نوع من العناء ومكابدة الشقاء، فإنه لا يرفع البلاء إلا الله، وإنما يُطلب من العبد اتباع هدى الله؛ فيرفع الله عنه البلاء متى شاء، وكيف يشاء، وبما يشاء، لا اختيار للعبد في كل ذلك. فالعبد بما يبذله من الأسباب إنما يتعرض لنفحات الله ورحمته، فإن فعل ما يهدي الله إليه من الأسباب النافعة كان موعوداً بأن تكون عاقبته خيراً. فإذا ابتل العبد ببلاء فليكن أوَّل ما يفكر فيه هو التعرف على هدى الله في هذا البلاء خاصة، وما الذي يحُبّ الله من عبده أن يفعله؟ فإنه لا يخلو حال من أحوال العبد من هدى لله يحب أن يُتبع. وهذا الهدى من صدق في طلبه وَجَدَه، وله طرق تدل عليه وتبيّنه، أهمها ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴿وأولها صدق الإنابة إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴿ وقال: ]27[ ﴾ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ .]13[ ﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ
عدد الصفحات ١٠٢102 فمتى أناب العبد إلى الله فهو موعود بالهداية وإذا حصل عند العبد يقين أنه على طريق الهدى وكان لديه نور وفرقان يميز به بين ما يجب عليه أن يفعله وما يجب عليه أن يجتنبه اضمحلَّ عنه كثيرٌ من كيد الشيطان وتثبيطه وتحزينه وتيئيسه، وحل محلَّ ذلك السكينة والطمأنينة والرضا بالله بل الفرح بفضله والاستبشار بنعمته وهدايته. .]22[ ﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﴿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ .]175،174[ ﴾ﯸ ﯹ ﯺ يدل ]175[ ﴾ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴿قول الله تعالى: على أن الرحمة والفضل يحيطان بهم من كلِّ الجوانب حتى كأنهم منغمسون فيها، ومن كان داخلاً في رحمة الله هذا الدخول فلن يستطيع أحد من الخلق مهما كان أن ينزع عنه رحمة الله وفضله. وهذا وعد من الله متحقق لا يتخلف. والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، من تأمَّلها وعَقَل معانيها، وفقه هداياتها، أثمر له ذلك من العلم والإيمان وصفاء الحال خيراً عظيماً، ووجد بركات ذلك في شؤونه كلها. وأحسن مَنْ وجدته تكلم في بيان الهدى للأسباب التي يدفع الله بها شر الحاسد: ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه بدائع الفوائد؛ وهو جدير بالمراجعة، ولولا خشية الإطالة لأدرجته هنا.
عدد الصفحات ١٠٣