70 المحصنات هنا هنَّ العفيفاتُ ]4[ ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ متزوجاتٍ أو غير متزوجات. نص في الإناث، ومن رمى رجلاً عفيفاً بالزنى ﴾ ﮎ﴿فلفظ فإنه يجُْلَد كذلك لأن علَّة الحكم واحدة وهي القذف بالزنا، لكن خرج الخطاب مخرج الغالب، لأن أكثر ما يُقذف النساء. وهذا التخريج ذكره شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، في مواضع من دروسه، وهو تخريج جيد معتبر. فالنفث في العقد هنا المراد به: السحر بإجماع السلف، والاستعاذة هنا تشمل سحر الرجال وسحر النساء بلا خلاف. وهو أن المراد وقد ذكر بعض المف بالنفاثات هنا بنات لبيد بن الأعصم على اعتبار أن السورة نزلت بسبب حادثة سَحْر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا القول ذكره النحاس ولم ينسبه لأحد معروف، ونسَبه الواحدي لأبي عبيدة معمر بن المثنى وتبعه على ذلك البغوي ثم كثر في التفاسير نسبةُ هذا القول لأبي عبيدة وبعضهم يذكره دون عزو، حتى إن ابن جزيء الكلبي رجَّح هذا القول في تفسيره، وهو قول لا أصل له، فالذي سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو لَبيدُ بن الأعصم وليس بناته، وليس في شيء من الأحاديث والآثار الصحيحة ولا الضعيفة أن الذي سحرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بناتُ لبيد. والمقصود أن القول الثاني وهو أن المراد بالنفاثات في العقد النساء السواحر هو قول جمهور المفسين.
عدد الصفحات ٧١71 ولعل سبب شهرة هذا القول أن ابن جرير صدَّره في تفسيره للآية، وقبله البخاري في صحيحه فسَّ النفاثات بالسواحر. : ﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴿ وقوله:قال ابن جرير: ( ). السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها وبذلك قال جماعة من أهل اللغة كأبي عبيدة والفراء وابن قتيبة والزجاج كلهم فسوا النفاثات بالسواحر. مع وجود أخطاء في نسبة هذا القول لمجاهد وعكرمة وقتادة والحسن البصري فأدى كل ذلك إلى شهرة هذا القول. ومما ينبغي لطالب العلم أن يتفطن له أن بعض التفاسير يقع فيها اختصار في حكاية الأقوال وخطأ في نسبة بعضها لقائليها ولا سيما في حال نسبة القول لجماعة دون ذكر نصوص أقوالهم. وهذا لا يدركه طالب العلم إلا بمعرفة الأقوال من مصادرها الأصلية ثم ينظر في حكاية المفسين لهذه الأقوال؛ فإن من المفسين من يكون القول ظاهراً عنده فيختصر حكاية الأقوال ويجمع بينها باختصار غير دقيق ثم قد يشيع عنه ذلك، وقد يكون لبعض العلماء ما يُعْذَرُ به لأن اختصاره كان لأجل نقل قَدْرٍ من المعنى لا إشكال فيه. ومن ذلك هذا المثال: قال مجاهد ﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴿ وقوله:قال ابن كثير: ( وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك ). رقين ونفثن في العقد
عدد الصفحات ٧٢72 وهذا الكلام إذا قرأه طالب العلم لأول وهلة قد يفهمُ منه إجماعَ المفسين على أن المراد بالنفاثات: النساء السواحر، لأنه نقل هذا التفسير عن هؤلاء الأئمة ولم يذكر قولاً غيره. وهذا الكلام اختصره ابن كثير من تفسير ابن جرير لكنه كان اختصاراً غير دقيق، ولعلَّ مما يعتذرُ له به أن ابن جرير صدر تفسيره للنفاثات بأنهن ). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلالسواحر ثم قال: ( ثم أورد آثاراً عن هؤلاء الأئمة، لكن هذه الآثار ليس فيها نصّ على أن المراد بالنفاثات السواحر إلا ما رواه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. . (السواحر والسحرة)فالحسن البصري قال: قال: ﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴿وقتادة لما تلا قوله تعالى: ). إيَّاكم وما خالط السحرَ من هذه الرُّقَى ( . (الرُّقَى في عُقَدِ الخيط) ومجاهد قال في تفسير النفاثات: الأُخَذ جمع أُخذة، وهي أخذة (الأُخَذُ في عُقَد الخيط) وعكرمة قال: السحر. فهؤلاء كلهم لم ينصوا على أن النفاثات السواحر. على أن الإسناد إلى مجاهد وعكرمة فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو رافض متهم بالكذب. ، خارجٌ عن (النفاثات: السواحر والسحرة)بل قول الحسن البصري هذا القول. ومجاهد وعكرمة وقتادة لا يصح أن يُنسب إليهم هذا القول.
عدد الصفحات ٧٣73 هذا نقل(إذا رقين ونفثن في العقد)وقول ابن كثير عن مجاهد أنه قال: بالمعنى، وفيه تجوّز أدَّاه إليه اختياره للقول ثم اعتماده وحكايته عن هؤلاء الأئمة ثم تغيير الضمير لأجل أن يتناسب مع سياق الكلام. (الرقى في ونصّ كلام مجاهد فيما رواه ابن جرير في تفسير النفاثات: .عقد الخيط) وابن جرير استدل بأقوالهم على أن هذه الآيات في الاستعاذة من شر السحر، وهذا القدر مجمع عليه لا خلاف فيه. ولعل هذا هو ما فهمه ابن كثير أيضاً، وبذلك يعتذر له فيه، فتكون مسألة شمول لفظ الآية للسحرة من الرجال مسألةً أخرى زائدة على القدر الذي وقع عليه الإجماع. فابن جرير استدل بأقوال من نقل أقوالهم على أن المراد بالآية الاستعاذة من شر السحرة، وهذا يخُرِج قول المعتزلة الذين ينكرون حقيقة السحر، وقول الفلاسفة الإسلاميين في تفسيرهم للآية كما سيأتي. وأما هل المراد بالنفاثات النساء السواحر فقط؟ أم هل يشمل اللفظ السواحر والسحرة؟ فهذه مسألة أخرى، وسيأتي بيانها بإذن الله. والخلاصة أن هذه المسألة وهي المراد بالنفاثات ليس فيها تفسير يُروَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة. اثنان هما:وأقدم من أُثر عنه أنه تكلم في هذه المسألة . (السواحر والسحرة)الحسن البصري، قال: :1 .(السواحر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: :2
عدد الصفحات ٧٤74 وقول الحسن البصري أرجح من قول ابن زيد من هذه الجهة لكن قول عبد الرحمن بن زيد اشتهر شهرة كبيرة. ويمكن الجمع بين القولين بالتخريجين المذكورين آنفاً. أن المراد: النفوس النفاثات، وهذا القول أول من القول الثالث: علمته ذكره الزمخشري في الكشاف، وذكره من باب الاحتمال حيث قال: النفاثات: النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في ( ). خيوط وينفثن عليها ويرقين ثم ذكره الرازي ثم ذكره عدد من المفسين من باب ذكر الأقوال التي قيلت في تفسير الآية، ورجحه ابن القيم في بدائع الفوائد ومحمد بن عبد الوهاب في اختصاره لتفسير المعوذتين. الجواب المحقق أن النفاثات هنا هنَّ الأرواح والأنفس قال ابن القيم: ( النفاثات لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها؛ فلهذا ذكرت النفاثات هنا ) ا.هـ.بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم فيكون الموصوف هنا محذوفاً، والتقدير: ومن شر النفوس النفاثات. وكون الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة مؤثرة في انعقاد السحر حق لا يُدفع، لكن هل هذا هو المراد باللفظ؟ لثلاثة أمور: الذي يظهر لي بعدُه -وإن كان اللفظ مؤنثاً- أن هذا غير المتبادر إلى الذهن، وإنما قاد إليه إرادة الهروب من أولها: إشكال ورود اللفظ بصيغة المؤنث.
عدد الصفحات ٧٥75 ولو كان متبادراً إلى الذهن لوجد من المفسين طيلة خمسة قرون قبل الزمخشري من يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى فيقول به أو يذكره، ثم إن الزمخشري ذكره احتمالاً فترقَّى القول بعد قرنين بأن رجَّحه ابن القيم وعدَّه القول المحقق، وابن القيم إمام له قدره في التفسير والعربية والإمامة في الدين لكن هذا القول لا تظهر لي صحته. أن النفث في العقد هنا نظير الحسد من جهة أن التأثير الأمر الثاني: فيهما من قبل الأنفس، ومع ذلك ورد لفظ (الحاسد) بصيغة المذكر، وورد النفث بصيغة المؤنث، فيكون في هذا ما يلزم من التفريق بين المتماثلين، وهو باطل. أن المعهود في خطاب الشرع إسناد الفعل للشخص لا الأمر الثالث: للنفس، وعند إرادة إسناده للنفس يصرح بذكر النفس كما في قوله تعالى: ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴿ ، وقوله:]14[ ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴿ .]23[ ﴾ﯲ ﯳ ﯴ الجماعات التي تنفث، والتأنيث لأجل ﴾ﭶ﴿القول الرابع: الجماعة مستعمل في اللغة صحيح، وأوّل من ذكر هذا القول الزمخشري في ). النفاثات: النساء أو النفوس أو الجماعات السواحرتفسيره حيث قال: ( فهو ذكر هذه الاحتمالات الثلاث لأنها هي المعاني التي يمكن أن يؤنث اللفظ لأجلها. لأنه كلما كان لكن هذا القول فسّه الرازي تفسيراً فيه بُعْد فقال: ( ). وهذا التعليل اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر كان التأثير أشد اشتهر في كتب التفسير المتأخرة التي تنقل كثيراً عن الرازي والزمخشري.
عدد الصفحات ٧٦76 ولا ينكر أن اجتماع السحرة على العمل من أسباب قوة تأثيره، لكن كون هذا هو المراد بعيد لأنه يخُرج إرادة عمل الفرد منهم وهو كثير جداً، وما يجتمع عليه السحرة من العمل قليل جداً في جنب ما ينفرد به كل ساحر. والأقرب منه أن يكون الجمع لأجل طوائف ما ينفث. فالسحرة الرجال ينفثون ويعقدون، والسواحر من النساء ينفثن ويعقدن، وسحرة الجن ينفثون ويعقدون، والشياطين تنفث وتعقد كما صحّ في الحديث، بل بعض الحيوانات تنفث ويستخدمها بعض السحرة في أعمال السحر. وهذه الطوائف التي تنفث يصح جمعها على (النفاثات) كما تقول: المخلوقات، والكائنات، وذوات الحوافر، وذوات الأظلاف، مع أن فيها الذكور والإناث، لكن لما أريد الجماعة أنّث اللفظ لذلك. وهذا القول الذي يظهر لي أنه صحيح لغةً، لكن لم أر من نصَّ عليه من المتقدمين في تفسير الآية، لكن يغني عن النص على ذلك اجتماعهم على أن هذه الآية تشتمل على الاستعاذة من شرّ كل سحر نفث فيه وعُقد. ولا شك أن الاستعاذة من شر النفاثات في العقد تشمل الاستعاذة من شرّ كل ما ينفث ويعقد، من سَحَرة الإنس، وسَحَرة الجن، والشياطين. أن الاستعاذة من شر النفاثات في العقد تشمل الاستعاذة والخلاصة: من شرور هؤلاء كلهم، وفي الآية دلالة على كثرة ما ينفث ويعقد، وأن لذلك شرا عظيماً يستدعي الاستعاذة بالله منه، وقد ذكرت فيما مضى شروط الاستعاذة الصحيحة وأنها تكون بالقلب والقول والعمل.
عدد الصفحات ٧٧77 النفخ اليسير مع ريق قليل متفرق في قطرات صغيرة جداًوالنفث هو: يدفعها النافث بفيه مع الهواء. فإن كان الريق كثيراً فهو التفل، وإن زاد فهو البصاق، وإن كان بلا ريق فهو النفخ، وكلها تستعمل في الرقية، والأكثر النفث. والسحرة ينفثون ويعقدون، وفي حديث الحسن البصري عن أبي هريرة «رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلَّم ثم نَفَثَ فيها فَقدْ سَحَرَ، ومَنْ سَحَرَ فَقَدْ أشرَكَ، ومَن تَعلَّق شيئا وُكِلَ إليهِ رواه النسائي وابن عدي والطبراني، ورواية الحسن عن أبي هريرة مختلف فيها، لكن للحديث شاهد من حديث عمران بن الحصين أخرجه البزار. والشياطين كذلك تنفث وتعقد، وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه «وسلم قال بكلِّ عُقْدَةٍ يضرب عليكَ ليلاً طوِيلاً، فإذا استيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدةٌ، وإذا توضَّأ انحلَّتْ عنهُ عُقْدتانِ، فإِذا صَلىَّ انحلَّتِ العُقَدُ، فأَصبَحَ نَشِيطًا .طيِّب النَّفْسِ، وَإِلاَّ أصْبَحَ خَبِيثَ النفْسِ كسْلانَ وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله «عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رَأْسِهِ جَرِيرٌ مَعْقُودٌ ثَلاَثَ عُقَدٍ حينَ يرقدُ فإِن استيقظَ فذَكرَ الله تعالى انحلَّتْ عُقْدَةٌ؛ فإِذَا قام فتوضَّأ انحلَّت عقْدةٌ؛ فإذا قامَ إلى الصَّلاة انحلَّتْ .عُقَدُهُ كلُّها
عدد الصفحات ٧٨78 «ورواه ابن حبان وزاد .وأصبح ثقيلاً كسلانا لم يُصِبْ خيرًا «ولابن خزيمة وابن حبان وأبي يع الحديث. أنثى إلا على رأسه جَريرٌ معقودٌ حينَ يرقد الجَرير: هو الحبل المفتول. التقييد بالثلاث إما للتأكيد أو لأنه يريد أن يقطعه قال البيضاوي: ( عن ثلاثة أشياء الذكر والوضوء والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكان تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم )ا.هـ.ومجال تصرفه وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته فيها أربع قراءات:بقي أن نبينّ أن النفاثات النَّفَّاثات، وهي القراءة المشهورة وهي قراءة الجماعة. القراءة الأولى: النافثات، وهي رواية لرويس عن يعقوب الحضرمي من القراءة الثانية: طريق طيبة النشر. قرأت روى أبو عل الأهوازي في الوجيز عن أبي بكر التماّر أنه قال: ( (ومن شر : على رُويس ليعقوب سبع ختمات، وأخذ علَّ في أربع منها ).النافثات) النُّفَاثات، وهي قراءة رواها أبو الكرم الشهرزوري القراءة الثالثة: القارئ عن رَوح. والنُّفَاثَة هي ما يخرج من الفم بالنفث، واحدتها نفاثة، والجمع نُفَاثات.
عدد الصفحات ٧٩79 النَّفِثات، وهي قراءة عزاها ابن الجزري في الن القراءة الرابعة: للحسن البصري وأبي الربيع. وقد تكلم ابن الجزري في النشر في توجيهها وشرح معانيها بما لا نطيل به. وذكر السمين الحلبي قراءة خامسة، وهي (النُّفَّاثات) على وزن التفاحات ونسبها للحسن البصري، ولا أصل لها. ولبعض المعتزلة أقوال في تفسير النفاثات في العقد بأنهن النساء ينقضن عزائم الرجال، وهذا تأويل لا يصح، وإنما قادهم إلى ذلك أنهم ينفون حقيقة السحر. وذكر الزمخشري قولاً آخر؛ وهو أن النفاثات في العقد النساء الكيَّادات تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد، أو اللاتي يفتنّ الرجال بتعرضهن لهم. وهذا القول محُْدَث باطل. وكذلك قول البيضاوي: (وقيل: المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل). قول محدث لا يصح. والمعتزلة لهم قول معروف في إنكار حقيقة السحر، ولذلك يؤولون ما يرد في النصوص من ذكر السحر بتأويلات تصرفها عن ظاهرها إلى استخدام الحيل والكذب وسقي العقاقير والإيهام ونحو ذلك. وابن سيناء -رئيس الفلاسفة في زمانه- له كلام في تفسير الغاسق والنفاثات -نقله الألوسي وقبله البيضاوي- بأن الغاسق: القوة الحيوانية وما فيها من الظلمة، والنفاثات: النباتات التي تزداد طولاً وعرضاً وعمقاً،
عدد الصفحات ٨٠80 فجعل هذه الأبعاد الثلاثة مرموزاً لها بالعُقَد، وهو قول ظاهر البطلان، ولا أصل له عن السلف، ولا تدل عليه اللغة، وهو قول محدث. م على ومثال فعَّالة يرد على وجهين: النفاثات جمعُ نَفَّاثة، على وزن فَعَّالة ، المبالغة، وعلى الجَمْع. فكما يقال: علامة وفهَّامة ونسَّابة، وهذه الصيغة فأما الوجه الأول: إذا أفردت صلحت للذكر والأنثى؛ فيصحّ أن تقول: امرأة نفَّاثة، ورجل نفَّاثة، للمبالغة. وجمع هذه الصيغة جمع تكسير لا إشكال فيه، ونظيره قول الراجز: لق أن لا ي كأنه جمع امرأة راقية أو رجل راقية بالهاء قال الجوهري في الصحاح: ( ).للمبالغة فَجَمْعُ مثالِ المبالغة الذي يصلح للذكر والأنثى جمع تكسير معروف مستعمل، لكن جمعه جمعَ الإناث المختوم بالألف والتاء غير معروف ولا فيما أعلم - إلا أن يكون جمَْعَ الجمع. – مستعمل والمعروف الشائع أن تجمع هذه الصيغة إذا أريد بها المذكَّر جمعَ ، وقوله: ]47[﴾ﯥ ﯦ ﯧ ﴿تصحيحٍ كما في قوله تعالى: أو جمع تكسير كما في ]42[ ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴿ المثال السابق.
عدد الصفحات ٨١81 وإذا أريد بها المؤنث جمُعت جمع المؤنث المختوم بالألف والتاء فتقول امرأة سحَّارة، ونساء سحَّارات. وهو أن يكون لفظ (نَفَّاثة) جمعاً على مثال فَعَّالة؛ وأما الوجه الآخر: فهو كما يقال: رَجَّالة وخيالة ونبَّالة وعسَّاسة وسيَّارة. تقول: هؤلاء قومٌ رَجَّالة، وهؤلاءِ قومٌ خَيَّالة، أي قال ابن السكيت: ( ). أصحاب خيل ويقال: خَيلٌ لا رَجَّالةَ فيها. والجموع التي على وزن فَعَّالة وفِعَالَة وفَاعِلَةٍ ومُفَعِّلَة ونحوها يصحّ أن تجمع جمعاً مختوماً بالألف والتاء؛ فتقول: فَعَّالات وَفِعَالات وفَاعِلات ومُفَعِّلات، تريد بذلك جمَْعَ الجَمْعِ. ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴿-قال الله تعالى: ، وفي قراءة سبعيّة ]33،32[ والجِماَلات جمع الجمع فهو الأيْنُقُّ (كأنّه جمِالاتٌ صُفْرٌ) فأما قوله تعالى :قال الخليل بن أحمد: ( السُّودُ من غير أن يُفرَد الواحد، ولكنْ يقال لكلِّ طائفةٍ منها جمَِالةٌ، والجميعُ . جمَِالاتٌ وجمَائلُ) ملائكة : ( ]11[ ﴾ﮠ ﮡ ﴿-وقال الفرَّاء في قوله تعالى: ).معقِّبةٌ. ومعقِّبات: جمع الجمع ﴾ﭶ﴿والقول بأن النفَّاثَاتِ جمع الجمع تجتمع به القراءتان: لأنهما جمع نَفَّاثَةٍ وَنَافِثَة، وكلا اللفظين يصحُّ أن يرادَ به الجمع، (النافثات)و
عدد الصفحات ٨٢82 كما تقول الخيَّالة والرجَّالة، وكما تقول: العادية والهادية للجماعة من الإبل أو الخيل، وتجُمع على العاديات والهاديات. فبهذا يصحّ أن يراد بالنافثة والنفاثة الجمع، ويراد بالنفاثات والنافثات جمع الجمع. والمتأمّل في هذا التخريج اللغوي يجده موافقاً لشمول معنى اللفظ لطوائف كثيرة تنفث وتعقد؛ فكثير من أصحاب الديانات الوثنية وهم طوائف كثيرة يستعملون السحر ويتقربون للشياطين وينفثون ويعقدون، وكذلك اليهود والنصارى فيهم سحرة، وهم طوائف كثيرة، وكذلك بعض الفرق المنتسبة للإسلام يشيع فيها عمل السحر ككثير من الطرق الصوفية الغالية، وطوائف من الرافضة، والفِرق الباطنية، وكذلك بعض الجهلة من المنتسبين للسنة، وهذه الطوائف الكثيرة المنتشرة في الأرض يشيع فيها عمل السحر، وفي الجنّ سَحرة كما روى ابن أبي شيبة بإسناده عن ، (لهم سحرة كسحرتكم)عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في الجن: رواه (الغيلان سحرة الجنّ) ويسنده مرسل عبد الله بن عبيد بن عمير: ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وذكر النووي في المنهاج أن السَّعَاليِ من سَحَرَةِ الجنّ. وكذلك الشياطين تنفث وتعقد وهي كثيرة جداً وهذا النفث يكون لكل مسلم ومسلمة حين يرقد كما سبق بيانه. فبذلك تعلم أن الطوائف النفاثات في العُقَدِ كثيرة جداً؛ وورود هذا اللفظ بصيغة جمع الجمع أدلّ على الكثرة، وبناء مفرده على المبالغة فيه زيادة دلالة على كثرة وقوع ذلك.
عدد الصفحات ٨٣83 فاجتمعت الكثرتان: كثرة العدد، وكثرة وقوع الفعل والخلاصة أن الاستعاذة بالله رب الفلق من شر النفاثات في العقد تشمل الاستعاذة من جميع طوائف السحرة من الجن والإنس، وأنه لا يحلّ عُقَدَ السحر إلا ربّ الفلق جلَّ وعلا.
عدد الصفحات ٨٤85 المراد بالحا • أقوال: في المراد بالحاسد في هذه الآية المراد كلُّ حاسد، وهذا مفهوم قول قتادة وعطاء القول الأول: الخراساني، ونص عليه ابن جرير. أُمِرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شر كل قال ابن جرير: ( ). حاسد إذا حسد وقال بهذا القول جمهور المفسين. المراد بالحاسد هنا اليهود، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد القول الثاني: ومقاتل بن سليمان، واختاره البغوي في تفسيره، وأما في شرح السنة فاختار القول الأول. المراد به لبيد بن الأعصم، لأنه هو الذي سحر النبي صلى القول الثالث: الله عليه وسلم حسداً وبغياً، وهذا قول الفراء، وذكره بعض المفسين بعده. ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴿والقول الأول هو الأولى بالصواب؛ فقوله تعالى: هنا نكرة، والتنكير فيه لإرادة العموم، أي: ومن شر ﴾ﭼ﴿؛ ﴾ﭾ كل حاسدٍ. ﴾ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴿تف
عدد الصفحات ٨٦86 معنى ا• والحاسد هو الذي يتمنّى زوال النعمة عن المحسود أو دوام البلاء عليه؛ فيحسده على النعمة الحادثة أو يحسده على النعمة التي يحتاجها، وكل ذلك من الحسد. الحسد على نوعين: ولذلك فإن تمنّي زوال النعمة الموجودة. أحدهما: تمنّي دوام البلاء. والنوع الآخر: فهو يكره أن يحُْدِثَ قال ابن القيم في صاحب هذا النوع من الحسد: ( الله لعبده نعمة، بل يحبّ أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله، أو قلّة دينه، فهو يتمنّى دوام ما هو فيه من نقص ) ا.هـ.وعيب معنى التقييد بالظرف: • والحسد أصله صفة كامنة في كثير من النفوس، وإذا بقي الحسد كامنا أي: إذا فَعل هذا الفعل وهو الحسد؛ فإنه ﴾ﭽ ﭾ﴿فإنه لا يضر، لكن يضر بإذن الله تعالى. ولذلك أمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد. ولتقريب هذا المعنى أمثّله بمثال: يقال في شأن المرأة: هي مرضع؛ أي إذا كان لها ولد في سِنّ الرَّضاع، ولها ما ترضعه به.
عدد الصفحات ٨٧