54 فكذلك اقتران طلوع القمر بشرّ لا نعلمه يكون له أثر على الخلق هو أمر من أمور الغيب نؤمن به ولا نتكلم في تعيينه ولا وصفه إلا بما دل عليه الدليل، وما ظهر لنا علمه. وقد حذَّر الله تعالى من الافتتان بالشمس والقمر وجمع بينهما في قوله ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴿تعالى: . ]37[﴾ﯢ ﯣﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ فدل هذا على أن من الناس من يسجد للشمس ومنهم من يسجد للقمر، وهذا من الفتنة بهما. وبعض الفتن تقع في الناس على التدريج؛ وتتنوَّع هذه الفتن أنواعاً كثيرة، ومن ذلك ما حذر منه العلماء مما يعرف بالرياضات الروحية كاليوجا وغيرها، فإن من أصحابها من يتحرّى في بعض التمرينات طلوع الشمس وغروبها ويتجهون إليها ويؤدّون حركات مصحوبة بخضوع وتأمل وصمت، ويزعمون بذلك أنهم يستلهمون الطاقة ويتخلَّصون من التوتّر، وهم إنما يتقربون للشياطين بذلك في حقيقة الأمر. وقد ذكر الرازي في تفسيره قولاً له حظ من النظر في معنى وصف القمر بأنه غاسق، وهو أنَّ القمر غاسق بطَبعه لأنه جسم مظلم غير مُنيرٍ بنفسه كما يقول أهل العلم بالفلك، وإنما تكون إنارته التي تظهر للناس بسبب عَكْسِهِ لإضاءة الشمس، وهذا ظاهر لأنَّ القمر لو كانت إنارته من قِبَلِ نفسه لما كان هلالاً أوَّل الشهر وآخره، ولأضاءَ جميعُ ما يرى منه. لكن الرازي قال إن الوقوب هو انمحاء نور القمر في آخر الشهر. وهذا التفسير لا تدل عليه اللغة.
عدد الصفحات ٥٥55 وقد ذكر الرازي من الفوائد أن السحرة يتحيَّنون لعمل سحر التمريض آخر الشهر لأجل ازدياد ظلمة القمر، والرازي له معرفة بالسحر وقد ألَّف فيه كتاباً ثم تاب من ذلك، فإن صحَّ ما ذكره فهذا نوع من أنواع السحر يتحينون فيه هذا الوقت، وقد يكون لأنواع أخرى منه أوقاتاً أخرى يتحينها السحرة وغيرهم من أصحاب الشرور. هـ) وكان 272بل إن المنجّم أبا معشر جعفر بن محمد البلخي (ت رئيس المنجمين زمن الخليفة العباسي المعتز بالله، وهو من المؤلفين في التنجيم والسحر وطرقه وأوقاته، ألَّفَ كتاباً سماَّه (مصحف القمر) قال ذكر فيه من الكفريات والسحريات ما فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ). يناسب الاستعاذة منه ونسأل الله السلامة والعافية والثبات على الدين فإن أبا معشر البلخي هذا كان في أوَّل أمره من أهل الحديث، وهو معاصر لأصحاب الكتب الستة، ثم اشتغل بكتب الجَبرْ والهندسة، ثم منها إلى كتب الفلك، ثم انحرف إلى التنجيم والسحر، والعياذ بالله. والمقصود أن القمر غاسق، وفي وقوبه شر عظيمٍ الله أعلم به؛ فما يجعله السحرة من مواقيت أعمالهم له تعلُّق بمنازل القمر، وما يكون من الآفات والشرور التي تُبث في الفضاء والتي تخرج من الأرض في مواقيتَ مقدرَّةٍ له تعلق بمنازل القمر، وما تتحينه الشياطين وبعض الحيوانات من أوقاتٍ مقدرة تنتشر فيها أو تخرج من بياتها له تعلق أيضاً بمنازل القمر ووقوبه من منزلة إلى منزلة. وقد رَوى ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الغاسق كوكب.
عدد الصفحات ٥٦56 (كانت العرب تقولورَوى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها . وترتفع عند طلوعها) ويُرْوَى في هذا المعنى حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: رواه ابن جرير في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة كلاهما (النجم الغاسق) من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عمِّه أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا الحديث لا يصحُّ رَفْعُه إلى النبيِّ صلى الله عليه قال ابن كثير: ( ) ا.هـ.وسلم وهذا التفسير إن صحَّ من جهة المعنى؛ فهو جزء من المعنى، وتفسيرٌ بالمثال للتنبيه عليه، والله تعالى أعلم بما يحُْدِثُ في خلقه من الفتن والشرور، ونحن علينا الإيمان واتباع هدى الله تعالى؛ فمن اتبع هدى الله فإن الله يضمن له أن لا يخاف ولا يحزن، وأن لا يضل ولا يشقى، ومن استعاذ بالله أعاذه. الليلُ إذا دخل في ظلامه: غاسق، والنجم إذا أفل: قال ابن جرير: ( غاسق، والقمر: غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك، بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بالاستعاذة من ) ا.هـ. شرّه إذا وقب هو النهار ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿وقال محمد بن كعب القرظي: إذا دخل في الليل. رواه ابن جرير.
عدد الصفحات ٥٧57 ). رواه ابن وهبالغاسق إذا وقب: الشمس إذا غربتوقال الزهري: ( في جامعه. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات، ووقبه: وقال الزمخشري: ( ). ضربه ونقبه وهذا القول لا يُؤثَر عن أحد من السلف، لكن يشمله المعنى العامّ للآية، لأن السمَّ يجري في الجسد بما يحتمله من الضرر. وأغرب ما ذكر في تفسير هذه الآية هو ما ذكره أبو المظفر السمعاني، عن أبي بكر النقاش المفسّ -وهو تلميذ ابن خزيمة-، أنه روى في تفسيره ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴿بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قالَ: . (مِن شرِّ الذَّكَرِ إذا دَخَلَ) :﴾ﭲ قالَ النَّقَّاشُ: فذَكَرْتُ ذلك لمحمَّدِ بن إسحاقَ ابن خُزيمةَ، وقلْتُ: هل يجَوزُ أن تُفَسَِّ القرآنَ بهذا؟ .«قالَ: نعم، قالَ النبيُّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا التفسير استنكره بعض المفسين واستشنعوه، وهو تفسير صحيح من جهة المعنى. وعلى كلٍّ فتفسير النقاش مفقود لكن إن صحَّ هذا التفسير عن ابن عباس فهو تنبيه منه على أن هذا مما يشمله اسم الغاسق. فإن الفرج من أكثر ما يدخل الناس النارَ، ويكون بسبب الوطء المحرم من الشرور شيء عظيم في الإثم وعقوباته وما يتبع الفاحشة من تبعات يكون فيها شرٌّ عظيم لمن لم يعصمْه الله ويرحمه، فإنه قد يجرّ إلى شرور
عدد الصفحات ٥٨58 عظيمة مِن الحملِ سفاحاً، والخزي والعار، وربما قتل النفس بغير الحق، وتسلط الشياطين، وإذلال بعض الناس لبعض، إلى غير ذلك من الشرور العظيمة التي كان مبدؤها إيلاجاً في فرج محرَّم، ودخول هذا الغاسق في وَقْبٍ محرم. بل حتى الوطء المباح في أصله قد يحصل بسببه شرور وإن كان العبد لا يأثم بها، لكن قد يحصل بسببه شرٌّ وأذى، ولذلك سُنَّ للزوجين أن يقولا . «عند الجماع وبهذا تعلم أن الأقوالَ المرويةَ عن السلف في تفسير الغاسق هي من باب التمثيل، وهذا كثير في تفاسير السلف. التنكير هنا ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿والخلاصة أن قوله تعالى: لإرادة العموم، أي: من شر كل غاسق، ما علمنا منه وما لم نعلم. والغاسق مقابل للفلق، فهو شر يغسق على العبد ويقب؛ فيمنع عنه ما ينفعه؛ فيحتاج العبد إلى أن يوقى شرَّ ما غسق عليه. وهذا الغاسق يكون في الأفق عامة، ويكون في جسد الإنسان، ويكون في روحه، ويكون على الفرد، ويكون على الجماعة. ويجمعه وصف الغاسق. وأشد ما يخشى شر الغاسق عند وقوبه؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكفِّ الصبيان عند بدء الإظلام كما في حديث جابر بن عبد الله «رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال . رواه البخاري في تذهب فَحْمَةُ -أو فورة- العشاء ساعةَ تهبُّ الشياط
عدد الصفحات ٥٩59 الأدب المفرد من طريق حماد بن سلمة قال: حدثنا حبيبٌ المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر، وصححه الألباني. ورواه الحميدي في مسنده قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزبير، أنه «سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صِبيانكم عند فَحْمَةِ العشاء، وإياكم والسَّمَرَ بعد هَدْأة الرِّجْل؛ فإنكم لا تدرون ما يبثُّ الله من خلقه؛ فأغلقوا الأبواب، وأطفئوا المصباح، وأَكْفِؤا . الإناء، وأوكوا السقاء هَدْأَةُ الرِّجل يريد به: انقطاع الأرجل عن قال أبو سليمان الخطابي: ( ).المشي في الطريق ليلاً، وأصل الهدوء: السكون وفي صحيح مسلم وسنن أبي داوود من حديث جابر بن عبد الله رضي «الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فَحْمَةُ العشاء، فإنَّ الشياطين . تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء ). الفواشي ما يفشو من كل شيءقال أبو داوود: ( قال أهل اللغة: الفواشي: كل منتشر من المال كالإبل وقال النووي: ( والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهى جمع فاشية لأنها تفشو أي: تنتشرُ في ).الأرض وفحمة العشاء هي: أوَّل سواده، وذلك بين الصلاتين. فهذا في وقوب أوَّل الليل، والليل له وقوب عند أوَّله، وله وقوب عند اشتداد ظلمته، لأن الإظلام يزداد شيئاً فشيئاً؛ فهو يغسق مرة بعد مرة.
عدد الصفحات ٦٠60 وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن «النبي صلى الله عليه وسلم .وحده بليلٍ أبداً وهذا يدلّك على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم في الليل والخلوة من الشرور ما لو يعلمه الناس لم يس راكب وحدَه بليل أبداً. وقد ذكر بعض أهل العلم أن لهذا الحديث سبباً؛ وهو ما أخرجه الإمام (خرج أحمد والحاكم وصححه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل من خيبر فتبعه رجلان، ورجلٌ يتلوهما يقول: ارجعا حتى أدركهما؛ فردَّهما. ثم قال: إن هذين شيطانان؛ فاقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم .السلامَ وأَعْلِمْهُ أنا في جمَْعِ صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه) (فلماَّ قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثه، فنهى عند ذلك قال: .عن الخلوة) والمقصود أنَّ غَسَقَ الليلِ يكون في الأفق بعامة؛ لأن الأفق يظلم بسببه ويحصل فيه من الشرور والآفات والفتن ما الله به عليم. ويكون الغسق على الفرد وعلى الجماعة، ويكون على جسد الإنسان، وعلى روحه، بل يكون على بعض أعضائه، فإنه يغسق عليه من أنواع الغواسق ما يكون معه من الشرور والأذى الذي يهجم عليه أو يمنع عنه أسباب ما ينفعه ما يحتاج معه إلى أن يوقى شرَّ هذا الغاسق، ويفلق عنه ما أحاط به من الشرِّ.
عدد الصفحات ٦١61 ومن ذلك: أن القلب له سحابة كسحابة القمر إذا غطَّتِ القلبَ نَسِ الإنسانُ ما شاء الله أن ينسى؛ فإذا تجلَّت هذه السحابةُ ذَكَرَ ما كان نَسِيَه. وقد روى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في معرفة الصحابة قصة مجلس مذاكرة جمع عمر بن الخطاب وعل بن أبي طالب رضي الله عنهما، وفيه أن .(مِمَّ يَذْكُرُ الرَّجُل؟ وممَّ ينسى؟) عمر سأل علياً: «فقال علّ: (سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول القلوبِ قَلبٌ إلا وله سحابةٌ كسحابةِ القمر، بينا القمرُ مضيءٌ إذ عَلَتْ عليه سحابة فأظلم، إذ تجلَّت عنه فأضاءَ، وبينا الرجلُ يحدّث إذ عَلَتْه ). والحديث حسنه الألباني رحمه الله. سحابة فنسي، إذ تجلَّت عنه فذكر ويُروى في معناه حديث مشتهر في كتب أهل اللغة رواه الحكيم (إن للقلب طَخَاة الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس مرفوعاً: .كَطَخَاة القمر) ولا يصح إسنادُه، لكن صح في معناه الحديث السابق، وقد تكلم أهل «اللغة في تفسيره، فقال الخليل بن أحمد: (وفي الحديث إذا غَشِيَه الشيّء، وكلُّ شيءٍ أُلبِسَ شيئاً فهو طَخاءٌ له، كطَخْأَةِ القَمَر والطَّخْياءُ: ظُلْمةُ الغَيْمِ). ا.هـ. يقال: طَخْأَةٌ، وطَخَاة بالتسهيل، ويقال: طَخْيَةٌ وطِخية وطُخية بتثليث الطاء، كما نصَّ عليه المبرِّدُ في الكامل. والعرب تسمي الظلمة الشديدة: الطِّخية.
عدد الصفحات ٦٢62 كما قال أعشى بني باهلة في رثائه المنتشر الباهل إما س فاذه ك فالطخية هنا: الظلمة الشديدة. والمقصود أن الطخية مما يشمله اسم الغاسق. وطخاء القلب هو نوع من أنواع الغسق، وذلك أن سحابة القلب تتغشاه فينسى العبدُ ما كان يذكره، وأشدُّ من ذلك الرَّين والطبع والختم فإنها إذا جعلت على القلب قسا وغفل عن الحق غفلة شديدة، وعَمِيَ عنه فلا يبصره ولا يريده من شدة إعراضه؛ فيكون العبد بذلك من الذين هم في طغيانهم يعمهون. وكلما استرسل العبد في المعاصي واتباع خطوات الشيطان وأعرض عن هدى الله ازداد الرَّين على قلبه حتى يُطبعَ على قلبه فلا يفقه ولا يهتدي للحق، والعياذ بالله. ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴿وهذا حال المنافقين الذين قال الله فيهم: .]4[ ﴾ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ (الإيمانُ يَبْدَأُ لمُْظَةً بيضاءَ في القلبِ، قال عَلُِّ بنُ أبي طَالِبٍ رضيَِ اللهُ عنهُ: كُلَّما ازدادَ الإيمانُ ازدادت بَياضًا حتى يَبْيَضَّ القلبُ كلُّه، وإن النِّفاقَ يَبْدَأُ . لمُْظَةً سوداءَ في القلبِ فكلما ازدادَ النفاقُ ازدادت حتى يَسْوَدَّ القلبُ كلُّه) رواه ابنُ أبي شَيْبةَ في كتابِ الإيمانِ، والبيهقيُّ في شُعب الإيمانِ. والُّلمْظَةُ هي كالنُّقْطةِ الصغيرةِ.
عدد الصفحات ٦٣63 وأصل علّةِ اسودادِ القلب وتسلّط الشياطين عليه: الإعراضُ عن ﭦ ﭧﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﴿ذكر الله عز وجل، وقد قال الله تعالى: ﴾ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ .]37،36[ فأخطر ما يكون على الإنسان أن يعرض عن ذكر ربه فإذا تليت عليه آيات الله نفر منها، وإذا وعظه واعظ الله في قلبه أعرض عنه وأقبل على غيّه؛ فهذا هو منشأ الضلال وسببه. وبذلك تعلم أن أصل الهدى والخير والفلاح هو الإنابة إلى الله تعالى فيكون العبد مقبلاً بقلبه على الله، معظماً لله، معظماً لذكر الله، ولآيات الله، يعلم أن اتباعه لهدى الله خير له وأحسن عاقبةً في الأمور كلها؛ فيوفَّق العبد بسبب الإنابة للهداية، ويُؤتَى من حسن التذكر وفهم القرآن العظيم ما لا يؤتاه غيره، ويُفتح له من أبواب التفكر فيه والانتفاع به ما لا يفتح لغيره. ، وقال: ]13[ ﴾ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴿ وقد قال الله تعالى: ، وقال: ]13[ ﴾ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴿ ، وقال: ]27[ ﴾ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﴿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴿، وقال: ]15[ ﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴿ .]17[ ﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ولا يندفع شر الشيطان بمثل الإنابة إلى الله تعالى، وطمأنينة القلب بذكره جل وعلا والإقبال عليه وعلى كتابه، وتعظيمه وتسبيحه وتمجيده والالتجاء إليه، فمن فعل ذلك فقد أوى إلى أعزّ مأوى، واستمسك
عدد الصفحات ٦٤64 بالعروة الوثقى التي لا أوثق منها فلذلك ينبغي للمؤمن إذا قرأ أذكاره أن يقرأها بقلب منيب إلى الله تعالى معظّم له، وبذلك يهدى إلى الصراط المستقيم، ويعصم من الشيطان الرجيم، ويكون من أهل العبودية الخاصة، الذين هم أولياء الله وصفوته من خلقه. والمقصود هنا بيان أن الغاسق له معنى كبير يقع على أشياء كثيرة متعددة؛ فيقع على الأفق عامة، كما في غسق الليل الذي يغسق على الأفق فيظلم ويكون في وقوبه -وهو أول دخوله- ما يكون من الشرور العظيمة والفتن والآفات التي يصيب الله بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء. ويكون الغسق أيضاً على الجماعة من الناس، فإنه قد يغشاهم شر أو فتنة تحيط بهم فتصرفهم عن الحق أو عن بعض ما ينفعهم، ويكون وقوبها عليهم وقوب شر وبلاء. ويكون الغاسق أيضاً على الواحد من الناس، فيغشاه من الشر في جسده أو روحه ما يحجب عنه ما ينفعه أو يكون معه فتنة أو شر يصيبه بما يضره بإذن الله، وقد يطول أمد هذا الغاسق، وقد يقصر، وقد تكثر عليه بسببه الفتن والآفات والشرور وقد تقل، وقد يعظم أثرها عليه جداً وقد يخف بحسب ما يقدّره الله عليه من ذلك كله. والخلاصة أننا نستعيذ بالله من شر كلّ غاسق إذا وقب، علمناه أو لم نعلمه. ولعل هذا الشرح والتفصيل يطلعك على بعض معاني عظمة هذا القرآن العظيم؛ فانظر ما دلت عليه هذه الكلمة من معانٍ عظيمة جامعة لأشياء كثيرة لا نحصيها.
عدد الصفحات ٦٥65 ﴾ﭱ ﭲ﴿قوله تعالى: تقدم تفسير الحسن وقتادة لهذا اللفظ، وأن الحسن فسَّ الوقوب بالدخول، وأن قتادة فسَّه بالذهاب. وقال بقول الحسن عامة المفسين، وأما قول قتادة فمن أهل العلم من نصَّ على أنه لا يُعرف كما فعل ابن جرير والنحاس. وقتادة هو ابن دعامة السدوسي من التابعين، يروي عن أنس بن مالك، وُلِدَ سنة ستين للهجرة تقريباً، فهو من أهل عصر الاحتجاج ولا يدفع قوله بمثل هذا النفي العام. ولقوله شواهد تشهد له؛ فإن العرب تقول: وَقَبَت الشمس إذا غابت؛ بل روي فيه حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو عبيد في غريب الحديث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أي: صلاة المغرب. «لما رأى الشمس قد وقبت قال ) ا.هـ.وقوله: (وَقَبَت) يعني غابت ودخلت في موضعها قال أبو عبيد: ( وتقول العرب: وقبت العينان؛ إذا غارتا. والوقوب في اللغة: هو الدخول في الوقبة. وأصل هذا اللفظ (الوقبة) يطلق على: النُّقْرَة التي تكون في الحَجَر أو َبَل يجتمع فيها الماء. الج قال الراعي النميري: وعين كماء الوق حِج
عدد الصفحات ٦٦66 .)الوقب: النقرة في الجبلقال الأصمعي: ( فهذا أشهر استعمالات هذا اللفظ عند العرب، ويطلقونه على غيرها، بل كل نقرة تكون في حَجَرٍ أو عظم أو غيرهما يسمونها وقبة. فالنقرة التي في كتف الإنسان تسمَّى وقبة، ووقب العين هو تجويف عظامها لأنه كالنقرة؛ وفي خبر سرية أبي عبيدةَ عامر بن الجراح في صحيح مسلم وغيره أنه أجلس ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة في وَقْبِ عين الحوت، . (ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه القلالَ من الدهن) وقال جابر: والكُوَّة التي تكون في الجدار ونحوه تُسمَّى وقباً، وجمعها أوقاب، وقريب منها في استعمالنا (النافذة). والمقصود أن الخرق المتسع الذي يكون في الجدار يسمَّى وقباً عند العرب. هـ) وهو تلميذ الخليل بن أحمد 195وقال أبو فيد مؤرج السدوسي (ت «الفراهيدي، في كتاب الأمثال له وفي الجبل، للشيخ الذي كَبرِ وانفتح دُبُره، وربما كان لغير الكِبرَ، إذا انفتح دبره؛ لخِلْقَة أو لداء، إلا أنه أكثرُ ما يصيب الدالِفَ من الهَرَم. وقال الأسود بن يعفر، يهجو بني نُجيح: أبَ بشِ فلم أسأل أحداً من عشيرته، إلا قال ما وصفت. ويقولون: قال أبو فيد: ) ا.هـ. «
عدد الصفحات ٦٧67 وذلك لأنه صار فيه مثل النقرة، وهذا إنما نذكره لمعرفة المعنى اللغوي لهذه اللفظة ومواضع استعمالها في لسان العرب، ولذلك فوائد كثيرة منها أن طالب العلم يعرف مناسبة اختيار هذا اللفظ على ما سواه من الألفاظ المترادفة والمتقاربة. فالوَقْبَةُ والوَقْبُ: اسمان، وَوَقَبَ - فِعْلٌ - أي: دخل في الوقبة. والوقوب مصدر؛ فهو وصف جامع لحال دخول الغاسق في وقبته. وهذا يدلك على أن للغاسق محلاً يقب من خلاله أو يقب فيه ويكون هو وقبه. فالوَقْبُ قد يكون مصمتاً غير نافذ مثل النقرة التي تكون في الجبل أو في العظم تسمَّى وقباً وهي غير نافذة لكنها تجويف قد يقب فيه ما يقب. وقد يكون الوقب نافذًا كالكوَّة التي في الجدار وغيره؛ فيكون الوقوب فيه الدخول من خلاله. ﮃ ﮄ ﮅ ﴿وعلى هذا؛ فالليل له وَقْبٌ يدخل فيه كما قال الله تعالى: ، فهذا الولوج هو وقوب الليل، أي: دخوله في وقبته، ]6[ ﴾ﮆ أي: الموضع الذي يتغشاه الليل. قال عنترة العبس: ف حتَّى رأيتُ الش وكلُّ ما فُسَِّ به الغاسق فله موضع يدخل فيه أو يدخل من خلاله هو وقبته التي يكون وقوبه فيها أو من خلالها.
عدد الصفحات ٦٨68 وأنت إذا تأملت أنواع الغواسق وما يكون معها من الشرور العظيمة علمت أن لها محلاً تقب من خلاله أو محلاً تقب فيه فإذا وقبت فيه أثرت وضرَّت بإذن الله. فالسحر الذي يتضرر به الإنسان له موضع يدخل فيه في جسد الإنسان وتتأثر به روحه، وكذلك العين، وكذلك الفتنة وغيرها من الشرور لها مواضع تدخل إليها فتؤثر بذلك ولا سيما إذا تمكَّنت. حتى الكلمة ربما دخلت موضعاً في قلب الإنسان فتمكنت منه فتأثر بها جداً. قال طرفة بن العبد: رأي تَضَي والنفاق ينبت في القلب كاللمظة الصغيرة ثم يكبر ويزداد حتى يستوليَ على القلب كله إذا لم يُنِبِ العبدُ إلى ربه ويعمل من الصالحات ما يُذهبُ النفاق من القلب أو يضعفه. ولذلك كان السلف يخافون النفاق على أنفسهم خوفاً شديداً، لأنهم يعلمون أن العبد إذا غفل عنه وأعرض عن ذكر الله وطال عليه الأمد: نَسَِ وازدادت قسوة قلبه وزاد إعراضه عن ذكر الله، فكان عُرْضَة لاستيلاء النفاق على القلب حتى يكون العبد منافقاً خالصاً، والعياذ بالله. ﭮ ﭯ ﭰ ﴿هذا ما تيس الحديث عنه في تفسير قول الله تعالى: وهي إضاءات تدلّك على ما وراءها من المعاني العظيمة حيث ﴾ﭱ ﭲ جمعت هذه الآية الاستعاذة من أنواع كثيرة جداً من الشرور لا يحيط بها إلا الله جل وعلا.
عدد الصفحات ٦٩69 على أقوالاختلف المفسون في المراد بـ أن المراد السواحر والسحرة، وهذا قول الحسن البصري القول الأول: رواه الطبري في تفسيره وصححه ابن حجر في فتح الباري. وهذا التفسير يقتض شمول دلالة اللفظ للذكور والإناث من السحرة. المراد النساء السواحر، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن القول الثاني: أسلم، ثم قال به مقاتل بن سليمان والفرَّاء وأبو عبيدة، ثم قال به محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، ثم صدَّر به ابن جرير تفسيره للآية. ثم اشتهر هذا القول شهرة كبيرة في كتب التفسير وشروح الحديث وكتب اللغة، فأكثر العلماء إذا فسوا النفاثات قالوا: هنَّ السواحر. وهذا القول له تخريجان: أنه تفسير بالمثال، وهذا مسلك من مسالك التفسير التخريج الأول: عند السلف، والتفسير بالمثال لا يقتض حصر المراد فيه. وعلى هذا فالسحرة من الرجال يدخلون في هذه الآية كما هو قول الحسن البصري. أن التأنيث هنا خرج مخرج الغالب، فيتعلَّق الحكمُ التخريج الثاني: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴿بالعلَّة لا بصيغة الخطاب، كما في قول الله تعالى: تف ﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴿
عدد الصفحات ٧٠