37 هو القيام بأمر الله؛ فإذا قام العبد بأمر اوشرط ضمان الهداية والنصر ، فإن الله ]286[ ﴾ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴿ على ما يستطيع يضمن الله له الهداية والنصر. وأنت إذا تأملت هذا المعنى حق التأمل؛ تبينَّ لك أن الإنسان إذا لم يقم بأمر الله فإنه هالك لا محالة، ولذلك قال سفيان بن عيينة كما في صحيح ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴿البخاري: (ما في القرآن آية أشد عل من ). ]68[ ﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ فإذا كان العبد لا يقيم ما أنزل الله عليه فإنه ليس على شيء؛ فلا ضمان له من الله، ولا عهد له ولا أمان، ولا سبب له إلى النجاة، بل هو هالك لا محالة إلا أن يتوب إلى الله ويقوم بأمر الله. وعلى قدر ما يقوم به العبد من أمر دينه يكون نصيبه من الهداية ومن النصر. فمن الناس من يكون محسناً في القيام بأمر الله فهذا نصيبه من الهداية .]60[﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴿والنصر أحسن النصيب ومن كان في قيامه بأمر الله بعض الإساءة والتردد وضعف العزيمة تخلف عنه من الهداية والنصر بقدر ما فرط وضيَّع وأساء. أما من ضيَّع أمر الله جملةً كالكفار والمنافقين فهؤلاء ليسوا على شيء كما ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴿قال الله تعالى لكفرة أهل الكتاب: .]68[ ﴾ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ «وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل ا
عدد الصفحات ٣٨38 من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ورأس الأمر هو أصله، كما يقال: (رأس المال) ؛ فمن ذهب رأسُ ماله بقي مفلساً لا مال له، وكذلك من ذهب إسلامه فهو على غير شيء؛ لأن رأس أمره قد ذهب. أما من صح إسلامه فمعه العهد العظيم الذي بينه وبين ربه بأن يدخله الجنة وينجيه من النار فهو على شيء عظيم بهذا العهد. فالمسلم وإن عذب ببعض ذنوبه في الدنيا أو في قبره أو يوم القيامة فمآله إلى الجنة بإذن الله تعالى. ولكنَّ عذاب الله شديد، ومن يطيق عذاب القبر وعذاب النار ولو لحظات؟!. وأنتم ترون أن العبد إذا عذب على بعض ذنوبه في الدنيا اشتدَّ ذلك عليه جداً، وعرف أنه لا طاقة له به؛ فكيف يحتمل عذاب القبر وعذاب النار؟! نسأل الله العافية. لما يحتاجه الجسد والخلاصة التي نستفيدها من هذا التصوير المقتضب والروح، ولما تحتاجه الأمة، وما يحتاجه كل مؤمن، وبيان شرط ضمان الهداية والنصر، وهو القيام بأمر الله، وبيان نوعي الشرور: كلُّ ذلك مهم في فهم دلائل آيات هذه السورة العظيمة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلّم أصحابه إدارك المعاني وعقلها، وربما قرن في أذهانهم بعض الأمور المعنوية ببعض الصور الحسية ليؤثر ذلك في نفوسهم قوة استحضار المعنى وجلاءه ووضوحه؛ كما في مسند
عدد الصفحات ٣٩39 الإمام أحمد وصحيح مسلم من حديث عل بن أبي طالب رضي الله عنه أنه «قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ).واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم التي تضمنتها سورة الفلق مهم في الرقية بها واستحضار هذه المعاني وقوة التأثير بها؛ فإن الرقية كلام مؤثر، وتأثيره معنوي يخلص إلى الأمور الحسية بإذن الله بحسب ما يقدره الله من قوة هذا التأثير. وليس تأثير الرقية بكثرتها وطولها، وإنما بقوتها وقوة عقل المعاني واستحضارها، وقوة إرادة التأثير، ولا تنفع مع هذا إلا إذا أذن الله بنفعها. وأنا لا أعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين رقية مطولة كما يفعله بعض الناس اليوم. ا هذا الدرس تلخَّص منه بيان معنى الاستعاذة، ومعنى تخصيص الربوبية للفلق، ومناسبته للاستعاذة من أنواع الشرور كلها، وأن الله تعالى هو رب الفلق، لا رب له سواه، وأنه لا يملك الفلق إلا الله جل وعلا، وأنه يقع على معانٍ كثيرة متعددة في الخلق والأمر، وذكرت بعض آثار ربوبية الله تعالى للفلق في عالم الخلق وعالم الأمر، وأن تفسير بعض أهل العلم للفلق بأنه الصبح تفسير بالمثال، وهو مسلك من مسالك التفسير المعتبرة. ابن وممن نص على عموم معنى الفلق وأنه لا يقصر على فلق الصبح: جرير الطبري وأبو إسحاق الزجاج وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
عدد الصفحات ٤٠40 ولمَّا لم يكن -جلَّ ثناؤه- وضع دلالة على أنه عنى (قال ابن جرير: بعضَ ما يُدعى الفلق دون بعض، وكان الله ﴾ﭦ ﭧ ﴿بقوله: -تعالى ذكره- ربَّ كلِّ ما خلق من شيء: وجب أن يكون معنياً به كل ما ) ا.هـ. اسمه الفلق ومعنى الفلق: الخلق، (ه311وقال أبو إسحاق الزجاج (ت ﴾ﭔﭕﭖ﴿، ]96[ ﴾ﭧ ﭨ ﴿قال الله عز وجل: ، وكذلك فَلَقَ الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأمّلت ]95[ الخلق تبينّ لك أن خلقَه أكثره عن انفلاق؛ فالفلق جميع المخلوقات وفلق ) ا.هـ. الصبح من ذلك الفَلَق (وقال ابن تيمية: ). المقبوض، فكل ما فلقه الرب فهو فلق واعلمْ أنَ الخلْقَ كلَّه فَلَقٌ، وذلك أن فَلَقًا (وقال ابن القيم: مَفعولٍ: كقَبَضٍ وسَلَبٍ وقَنَصٍ بمعنى مَقبوضٍ ومَسلوبٍ ومَقنوصٍ. واللهُ -عَزَّ وَجَلَّ - فالِقُ الإصباحِ وفالقُ الحبِّ والنوَى وفالِقُ الأرضِ عن النباتِ، والجبالِ عن العيونِ، والسحابِ عن المطَرِ، والأرحامِ عن الأجنَّةِ، والظلامِ عن الإصباحِ، ويسمَّى الصبْحُ المُْتَصَدِّعُ عن الظُّلْمَةِ: فَلَقًا وفَرَقًا، يُقالُ: هو أبيضُ من فَرَقِ الصبْحَ وفَلَقِه. وكما أنَّ في خَلْقِه فَلْقًا وفَرْقًا؛ فكذلك أمْرُه كلُّه فرقانٌ يَفْرُقُ الحق والباطلَ فيَفْرُقُ بينَ ظلامِ الباطلِ بالحَقِّ كما يَفْرُقُ ظلامُ الليلِ بالإصباحِ، ولهذا سَمَّى كتابَه الفُرْقَانَ، ونصرَه فرقانا لتَضَمُّنه الفَرْقَ بينَ أوليائِه وأَعدائِه، ومنه فَلْقُه البحرَ لموسى فَلْقًا وسَماَّهُ، فظهرَتْ حِكمةُ الاستعاذةِ برَبِّ الفَلَقِ
عدد الصفحات ٤١41 في هذه المَْواضعِ، وظَهَرَ بهذا إعجازُ القرآنِ وعظمته وجَلالتُه، وأنَّ العبادَ ).]42[ ﴾ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ﴿لا يَقْدرون قَدْرَه، وأنه وتنبَّهْ إلى أن قول ابن القيم فيه النصّ على أن الفلق يعمّ الخلق والأمر، وهذا له ما يؤيده من الإطلاق اللغوي كما سبق نقله عن أبي منصور الأزهري، وقد تقدّم شرح ذلك. بل شيخ الإسلام ابن تيمية له كلام في أن الفلق يعمّ الخلق والأمر. والمقصود أن ربوبية الله تعالى للفلق ربوبيّة عظيمة القَدْرِ، عظيمة الآثار في الخلق والأمر، وأنها من معاني ملك الله عز وجل وتصرفه وتدبيره؛ فلا يكون فَلْقٌ إلا بإذنه، ولا يخرج شيء من شيء إلا بإذنه، ولا يكشف «حجاب عن حق إلا بإذنه، وهذا يعمّ الهداية العامة لدين الإسلام والهدايات التفصيلية في أهدكم شؤون العلم والعمل والدعوة، بل في شؤون الدين والدنيا. فإنه إذا لم يكشف الحجاب بين العبد وبين الحق لم يَره ولم يهتدِ إليه، وإذا لم يكشف له الحجاب بينه وبين ما ينفعه في أمور دنياه لم يهتدِ له، بل ربما أضاع الإنسان من جهده ووقته وماله شيئاً كثيراً في تحصيل ما يريد ويتعس عليه، وهو في حقيقة الأمر قريب المتناوَل لكنَّه لا يبصره ولا يهتدي إليه. ولا يملك هدايته لذلك إلا ربُّ الفَلَقِ جل وعلا، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده الله فلا مضلّ له. استراح من عناء كثير من جانب التعلق بالخلق والعبد إذا أيقن بهذا وما يترتب على التعلق بهم من آثار سيئة قد تفسد الدين والعقل والمروءة والخلق.
عدد الصفحات ٤٢42 تقتض منه استشعار مسؤولية القيام بأمر الله كما يحبومن جانب آخر الله عز وجل، وأن فلاحه وسعادته وضمان أمره إنما هو بالقيام بأمر الله: .]8[ ﴾ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿ ومن قام بأمر الله لم يضرَّه من خذله ولا من خالفه، بل له عهد الهداية والنصر من الله جل وعلا. كيف يقوم العبد بأمر الله؟فيكون الشأن كل الشأن؛ أن العبد لا يكلف من ذلك إلا ما يستطيع، وليبدأ بإصلاح والجواب: قلبه ونيته، فإنه إذا صلح القلب صلح سائر الجسد. ولذلك فإن العناية بالعبادات القلبية لها أثر عظيم في صلاح العبد. هذا يعمّ جميع الشرور، ويفيد بأن الشر ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿قوله تعالى: مختص بعالم الخلق دون عالم الأمر؛ فإن الله تعالى لا يكون في أمره شر، وإنما يكون الشر في بعض مخلوقاته. وفي هذه الآية استعاذة من جميع الشرور؛ فلا يخرج منها شرّ من الشرور؛ فهي تشمل شر النفس، وشر سيئات الأعمال، وشر الشيطان، وشر السحرة والحسدة والبغاة، وشرور كل دابّة، بل ما في الكون كله من شرور. الشرور تنقسم إلى قسمين: وقد ذكرتُ لكم أن حجب وإمساك للخير.شرور • عدوان وهجوم بالشر. وشرور • وأن الشرور منها شرور حسية، ومنها شرور معنوية.
عدد الصفحات ٤٣43 وأن الجسد والروح كليهما بحاجة إلى غذاء يقوّي، ووقاية تحمي، فإذا حجب الغذاء أو خرقت الوقاية لم يأمن العبد من الضرر والتعرض للآفات بسبب ذلك. وأن هذا كما يصدق على الفرد فهو كذلك يصدق على الجماعة، وعلى ما يكون بين أفرادها من الأواصر والروابط والمؤاخاة. وفهم هذه التقسيمات يعين على فهم كلام أهل العلم في تفسير هذه الآيات، ويعين على الترجيح بين ما اختلف فيه من الأقوال.
عدد الصفحات ٤٤45 لتنوين هنا للتنكير المفيد للعموم، أي: من شر كل غاسقٍ، ا ﴾ ﭰ﴿ وهذا يدل على أن الذي يغسق أشياء كثيرة. كلُّ غاسقٍ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يُؤمر جرير: ( قال ابن )ا.هـ.بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالح في تفسير الغاسق ما يدل على أنه يقع على أشياء متعددة يجمعها وصف الغسوق. ففُسَِّ الغاسق بالليل، وفس بالقمر، وفس بالكوكب، وفس بالثريا، وفسّ بغير ذلك. فأما تفسيره بالليل فعليه أكثر المفسين من التابعين وعلماء اللغة، ولا ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴿شك أن الليل يغسِق، وقد قال الله تعالى: . ]78[ ﴾ﭲ ﭳ دنوّها للغروب، ثلاثة وقيل:غروبها، وقيل: زوالها، دلوك الشمس: أقوال. أول ظلمته عند غروب الشمس، وغسق الليل فيه ثلاثة أقوال أيضاً: وأول العشاء عند غياب الشفق، وحين اشتداد ظلمة الليل واجتماعها، وذلك نصف الليل. ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿ تف
عدد الصفحات ٤٦46 وهذه الأقوال كلها صحيحة وهي تنتظم مواقيت الصلوات بدءا ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴿وانتهاء سوى صلاة الفجر، فقال تعالى: . ]78[ ﴾ﭺ ﭻ « فس بأنه ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿فقول الله تعالى: ، وهذا قول مجاهد بن جبر. دخل أي: ﴾ﭲ﴿ وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أن معنى . « أي﴾ﭲ﴿وروى عن معمر عن قتادة أن معنى فإذا صحَّ قول قتادة -وهو من أهل عصر الاحتجاج- فاللفظ من الأضداد، فيكون لليل وقوب عند دخوله ووقوب عند ذهابه. فكأن الوقوب وصف لحالة دخوله وحالة خروجه. ومما يقوّي هذا أن المعوذتين تسن قراءتهما عند الإصباح وعند الإمساء. ومن أهل العلم من أنكر معرفة المعنى الذي ذكره قتادة؛ قال ابن جرير: (ولست أعرف ما قال قتادة في ذلك من كلام العرب، بل المعروف من ). كلامها من معنى وقب: دخل ). وقول قتادةوقال أبو جعفر ابن النحاس: ( وقتادة من أهل عصر الاحتجاج والإسناد إليه صحيح؛ فلا يدفع كلامه بمثل هذا النفي. لكن هذه المسألة فيها لبس يزول بإذن الله تعالى إذا عرفنا أصل لفظ الوقوب عند العرب.
عدد الصفحات ٤٧47 وسيأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله وذكر ما يشهد لقول قتادة من كلام العرب، بعد تمام الكلام على معنى الغاسق. فالذين فسوا الغاسق بأنه الليل منهم من تكلم في عِلَّةِ وصف الليل واختلفوا في ذلك على أقوال: بالغسوق أن الليل سمي غاسقاً لأنه مظلم، وكل ما يُظلِم فهو القول الأول: غاسق، وكل ظلمة غَسَق. وهذا قول الفراء وابن قتيبة وابن جرير الطبري وجماعة من اللغويين منهم: الأخفش واليمان البندنيجي وابن خالويه وغيرهم. ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿ وقوله:قال ابن جرير الطبري في تفسيره: ( ) ا.هـ.يقول: ومن شرّ مظلم إذا دخل، وهجم علينا بظلامه وهؤلاء يذهبون إلى أن الغاسق هو كل ما كان فيه ظلمة من الليل وغيره، فكل ظلمة غسق. أن الليل سمي غاسقاً لأنه أبرد من النهار، وهذا قول والقول الثاني: قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار، والغاسق: البارد، الزَّجَّاج فإنه قال: ( ). والغَسَقُ: البرَْدُ ﯤ ﴿والزجاج ومن قال بقوله ممن أتى بعده يُستدل لهم بقول الله تعالى: ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴿ وقوله: ]57[﴾ﯥ ﯦ ﯧ قرئ بالتخفيف والتشديد. غسّاقاً وغساقاً. ]25،24[ ﴾ﯞ ﯟ فالحميم: الحار، والغسَّاق: البارد الذي يحرق من شدة برده على أحد الأقوال، ، وقال به: مجاهد وأبو العالية.«وهو قول ابن عباس في الغساق
عدد الصفحات ٤٨48 وذلك أن أهل النار يعذبون بشدة الحر وبشدة البرد، والعياذ بالله من عذابه. وعند هؤلاء أن كل بارد فهو غاسق؛ سواء أكان مظلماً أم غير مظلم. وعند الأولين: كل مظلم فهو غاسق؛ سواء أكان بارداً أم غير بارد. وقيل غير ذلك من الأقوال. وكل طائفة من الطائفتين أصابت بعض الحق. وهو ما ويجمع هذين القولين قول هو الصواب والتحقيق إن شاء الله، أصل الغسق: الجريان بالضرر، مأخوذ قاله الماوردي في تفسيره إذ قال: ( )ا.هـ.من قولهم: غسقت القرحة إذا جرى صديدها قوله: (الجريان بالضرر) لو قال: (بما يحتمل الضرر) لكان أدق في العبارة وأصوب. إذا تأملته وجدته - يجمع الأقوال التي قيلت في تفسير – وهذا المعنى الغاسق كلها، وهو معنى صحيح تدل عليه شواهد اللغة. ولذلك ينبغي لطالب علم التفسير إذا وصل إلى مرحلة المتوسطين فيه أن يحرص على معرفة إطلاقات اللفظ عند العرب، ثم يحاول أن يستخرج المعنى الكل للفظ من المعاني التي تحتملها تلك الإطلاقات؛ كما فعل القاضي الماوردي هنا، وقد أحسن في ذلك؛ فإن العرب تقول: غسَق الجرح، إذا سال صديده. وغسَقت العين: إذا جرى دمعها بما يخالطه من قذى العين وغمصها ورمصها.
عدد الصفحات ٤٩49 قال العوام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى يبكي على امرأة كان يريدها فماتت؛ فتصبرَّ عن البكاء عليها حتى سمع صوت حمامة تنوح؛ فهيَّجت ما في نفسه؛ فبكى، وأنشد يعاتب نفسه على البكاء: أأن س �تج بلي سواك ولم يعش أخو الصبر من كَفَّ الهوى وهو تَائِقب وهذه الأبيات ذكرها أبو عل القالي في أماليه، والشاهد منها قوله: (ماء عينيك غاسق) أي: جارٍ بالدمع وما يصحبه من قذى العين على إثر البكاء الذي جاشت به النفس. وغَسَقُ الطعامِ عند العرب هو: قُماَشُه وما يكون فيه من أخلاط يسمّونه غَسَقًا. وتقول العرب: غَسَقَ اللبنُ إذا انصبَّ من الضرع. وغسقت السماء إذا أمطرت وإذا أظلمت. وهذه المعاني مذكورة بشواهدها في كتب اللغة. (ولا تفطروا حتى يغسِقَ اللّيلُ على الظِّرابِ) وفي حديث عمر موقوفاً: أي: حتى تغشى ظلمةُ الليل الظرابَ وهي الجبال الصغار، وذلك إذا كانت الشمس متوارية بسبب غيم أو جبال ولم يتبينَّ غروبهُا، فلا يفطر الصائم حتى يغسِق الليل وهو أوَّل ظلمته. ، «وكان الربيع بن خُثَيمٍ الثوري يقول لمؤذنه يوم الغيم أي: لا تؤذن للمغرب حتى تبدوَ ظلمةُ الليل.
عدد الصفحات ٥٠50 وقال الحارث بن جَحْدَر الحضرمي وهو جاهل قديم من قصيدة له يمدح فيها الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي جدّ امرئ القيس: أق ولليل كِ أي: أن ظلمة الليل تجعل الأرض كأنها بيداء مستوية لأن الليل يغطي الجبال والشعاب بظلمته حين يغسق عليها. فتبينَّ بذلك أن الغَسَقَ شيء ينتقل ويجري، وربما يتغشَّى، وربما يكون فيه ما يكون من الأخلاط والآفات. ويجمع وصف حالة دخوله أنه يَقِبُ كما سيأتي شرحه إن شاء الله. وإذا تأملت هذا المعنى وجدته يصدق على جميع الأقوال: إذا غطَّى بظلمته، ويكون معه ما يكون من الفتن والآفات فالليل يغسِق والشرور، وفي الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: «(استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال أنزل الليلة من الفتن!! وماذا فتح من الخزائن!! ). أيقظوا صواحبات الحُجَر؛ فربَّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة وفي الصحيحين أيضاً من حديث أسامةَ بنِ زيد رضي الله عنهما قال: «(أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة ثم قال ).ترون ما أرى؟ إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر فظلمة الليل تغسِق أي: تتغشى الأفق بما يخالطها من الفتن والشرور والآفات، وذلك كل ليلة، ونحن نستعيذ بالله من شر غسوق الليل وما يكون فيه من الفتن والآفات والشرور.
عدد الصفحات ٥١51 لأنه يتغشَّى من يصيبه شيئاً فشيئاً، ويدخل إ والبرَْدُ كذلك يغسِق أعضائه دخولاً يكون فيه شرور وآفات، وقد قال عمر بن الخطاب رضي (فإنَّ البردَ عدوٌّ سريعٌ دخولُه، الله عنه في وصيته لرعيّته لما حضرََ الشتاء: . رواه ابن المبارك كما في لطائف المعارف لابن رجب. بعيدٌ خروجُه) إذا سال بصديده، ويكون غسوقه مصحوباً بأخلاط والجرح يغسق قد تُرى وقد لا تُرى، وقد يكون أثرها محسوساً، وقد يكون خفياً غير محسوس. والسِّحر يغسِق، والحسد يغسِق، والعين تغسق، وسائر الشرور تغسق على الإنسان فيحصل بسبب ذلك من الضرر والأذى ما يحصل مما يأذنُ الله به، ويعصمُ الله من شره من استعاذ به. فدلَّ هذا على أنَّ لفظ الغاسق يقع على أشياء متعددة ومن أشهرها ما ذكره المفسون من باب التمثيل لا الحصر. وأما تفسير الغاسق بالقمر؛ فقد ورد فيه حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والنسائي في السنن الكبرى وغيرهما من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة: (أخذ رسول الله صلى الله «عليه وسلم بيدِي فأراني القمر حين طلع؛ فقال ). الغاسق إذا وقب والحديث أخرجه أيضاً الترمذي والحاكم وأبو يعلى وغيرهم لكن هذا تفرَّدَ بهِ أبو داوودَ الحَفَرِي عن ابن أبي ذئب (فأراني القمر حين طلع)اللفظ عند أحمد والنسائي وفيه فائدة لغوية لم أجدها في الطرق الأخرى وهي معنى الوقوب في هذا الحديث.
عدد الصفحات ٥٢52 والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتح وقد أشكل هذا الحديث على بعض أهل العلم حتى أورده الطحاوي في شرح مشكل الآثار ولهم أجوبة عنه. وقد ذهب إبراهيم الحربي في غريب الحديث والطحاوي وشيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقهم إلى أن مناسبة ذكر القمر في الحديث للآية ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﴿أنه آية الليل واستدلوا بقوله تعالى: .]12[ ﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ وفي هذا التوجيه نظر. أي: القمر إذا خَسَف، ﴾ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿وقال بعضهم: وهؤلاء أرادوا أن القمر إذا خَسَف اسودَّ فيكون ذلك غسوقه؛ لأنهم فهموا من معنى الغسوق الإظلام، والقمر إذا كسف أظلم، وهذا التعليل ذكره ابن قتيبة في غريب القرآن والبغوي في معالم التنزيل، وهو خطأ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى القمر لم يكن منكسفاً. وقد ضعَّف هذا القولَ شيخُ الإسلام ابن تيمية وتلميذُه ابن القيم وأحسنا في ذلك. وأغرب منه قول ابن خالويه في توجيه هذا القول بأن الغاسق إذا وإنما يكون ذهابُ ضوئه أمارةً لقيام وقب: القمر إذا ذهب ضوءه، قال: ( ).الساعة إن القمر غاسق من جمُْلَةِ ما يغسق، ودلَّ الحديث والصواب أن يقال: على أن لغسوقه شرّا عظيماً لا نعلمه ولا ندركه بحواسنا؛ كما أن النبي
عدد الصفحات ٥٣53 صلى الله عليه وسلم يعلم من الشر في الليل والخلوة فيه ما لو علمناه ما سار راكب بليل وحده أبداً. فهذا يدل على أن الشرور التي يغيب عنَّا علمها وإدراكها كثيرة، وهي قد تصيب بعض الخلق بأمر الله تعالى. الشمس تطلع بين قَرْنيَْ شيطان وتغرب بين قرني وهذا نظير ما صحَّ أن كما في صحيح مسلم وسنن أبي داوود من حديث عمرو بن عَبَسَةَ شيطان السلمي رضي الله عنه. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم «قال . شيطان والشيطان يقارن الشمس عند طلوعها، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت في كبد السماء قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. وهذا الاقتران يكون معه شر وفتنة لبعض الخلق، ويعصم الله منه من اتبع هداه، وهذا يكون كلَّ يوم حتى يأتي اليومُ الموعود الذي تطلع فيه الشمسُ من مغربها، إلا ما ذكر في صبيحة ليلة القدر إن صحَّ فيه ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس موقوفاً: (إن الشيطان يطلع مع الشمس كل ليلة إلا ليلة القدر، وذلك أنها تطلع . يومئذ بيضاء لا شعاع لها) فطلوع الشمس وغروبهُا بين قرني شيطان دليل على اقتران شرٍّ بطلوعها وغروبها لا ندركه، وإنما نعلم منه ما دلَّ عليه الدليل.
عدد الصفحات ٥٤