المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرة العينين بتفسير المعوذتين

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٢ من ١٠

21 )ا.هـصلى الله عليه من هذا الفنِّ، إنما كانت في بعض جوارحه دون بعض الأُخذَة: السحر. اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، قال ابن القيم: ( ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال ) ا.هـ.رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من المتكلمين يقصد بالمتكلمين: المعتزلة، وهم الذين اشتهر عنهم إنكار هذه القصة. ومِنَ المعتزلة ومَن وافقهم في بعض أصولهم من ينكر هذه الحادثة لإنكاره حقيقة السحر أصلاً كما فعل ذلك الجصاص والنحاس، ونُقِل ذلك عن القاضي عبد الجبار وأبي بكر الأصم. ومنهم من أعرض عن ذكرها في تفسيره كما فعل الزمخشري. والماوردي حكى القولين وتوقف، وهو موافق للمعتزلة في بعض أصولهم. ولا خلاف بين السلف في ثبوت هذه القصة، كما أنه لا خلاف في أنها غير مؤثرة في تبليغه صلى الله عليه وسلم للرسالة. مسحوراً فقد اختُلف فيها على وأما مدة لبث النبي صلى الله عليه وسلم أقوال، والصحيح ما رواه الإمام أحمد من حديث رباح بن زيد عن معمر ابن راشد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستةَ أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي...) وذكرت الحديث. ورجاله ثقات.

عدد الصفحات ٢٢

22 ووقع في رواية أبي ضمرة عند قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ( الإسماعيل فأقام أربعين ليلة، وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد ستة أشهر، ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، ) ا.هـ.والأربعين يوما من استحكامه وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه من طريق عطاء الخراساني عن يحيى حُبسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بن يَعْمَر البصريّ، قال: ( ). فلا يصح. سنة وروي في تفاصيل هذه الحادثة أمور لا تصحّ، وفيها زيادات منكرة اشتهرت في بعض كتب التفسير، كالحديث الذي يرويه محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة عند البيهقي في دلائل النبوة وغيره ولا يصحّ، فالعرزمي متروك الحديث، وكذلك الحديث الذي يرويه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عند البيهقي أيضاً، وقد جمعَ الثعلبيُّ هاتين الروايتين والرواية الصحيحة المعروفة من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وأدخل بعضها في بعض وساقها مساقاً واحداً اختصاراً، وشاع نقل ذلك في كتب التفسير بعده، وقد تضمن ذلك السياق زيادات منكرة نبّه عليها الحافظ ابن كثير رحمه الله وأعلى درجته.

عدد الصفحات ٢٣

23 سورة الفلق مدنية كما تقدَّم، وهي خمس آيات باتفاق أهل العدد ﴾ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿قوله تعالى: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أصالةً ولكل مؤمن بالتبع. أعوذ برب في التلاوة، ولم لا يبدأ القارئ بـ(﴾ ﭤ﴿فإن قيل: لمَِ أثبتت ).الفلق قيل: قال زرُّ بن حبيش رحمه الله: سألت أُبيَّ بن كعبٍ عن المعوِّذَتين « فقال: (سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). رواه البخاري. من القرآن الذي أُمِرْنا بتلاوته فهي من كلام الله، ولو ﴾ﭤ﴿فكلمة حذفت لأوهمَ ذلك استعاذة الرب جلَّ جلاله، وهو متنزه عن ذلك؛ فإن الله يعيذ ولا يستعيذ، وإنما أَمَر عباده بالاستعاذة به. .﴾ﭦ ﭧ﴿أي: ألتجئ وأعتصم وأستجير ﴾ﭥ﴿ وحقيقة الاستعاذة: طَلَبُ العصمة والأمان مما يخُاف منه، ويخُشى ضرره. أي: مالكه ومدبر أمره والمتصرف فيه، والفَلَقُ: اسم ﴾ﭦ ﭧ﴿ لكل ما يُفلَقُ أي: يُشق فيخرج منه ما شُقَّ عنه، كفَلَقِ الصبح الذي ينشق تف ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿

عدد الصفحات ٢٤

24 من جوف الليل بعد اشتداد الظلمة؛ فيخرج الصبح مشعاً منتشراً باسطاً نورَه على البسيطة، بعد ما كانت الظلمة بها محيطة، وكما تُفلَق الحبَّة المصْمَتَة التي لا مخرج فيها؛ فيفلقها الله فيخرج منها نباتُ الأرض الذي يأكل منه الناس والأنعام، وكما يَفلق النوى الذي ينبت منه النخلُ ذو الطلع .]95[ ﴾ﭓﭔ ﭕﭖ ﴿إنَّالنضيد،قال الله تعالى: وكما يَفلق للجنين الذي في بطن أمه مخرجاً يسهّل له به خروجه فيخرج حياً سليماً تبتهج بخروجه النفوس. وهذه آيات يشاهدها الناس في يومهم وليلتهم وفي طعامهم وأنعامهم وأنفسهم فيها عبرة وتذكير وتنبيه لأمور أرشد الله إلى التفكر فيها. : الصبح؛ فهو تفسير بالمثال ﴾ﭧ﴿ومن قال من أهل العلم: لتوضيح الصورة وتقريبها للذهن لا لحصر معنى الفلق في الصبح. فهو أحد معاني الفلق، لكن لا يقصر المعنى عليه؛ فإن اللفظ الواحد في لغة العرب ربما دلَّ على معان متعددة، ومنها لفظ الفلق فإنه يدل على معانٍ واسعة جليلة لمن تدبر وتفكر، فالذي يَفْلِقُ الصبحَ بعد اشتدادِ الظلمة فيشعُّ منه النور، ويفلق الحبة فيخرج منها النبات الذي هو أصل الطعام وعماده، ويفلق للأجنَّة في بطون أمهاتها مخرجاً فتخرج منه وتحيا بإذن الله: قادرٌ على أن يفلق لك مخرجاً من الشرور وإن أحاطت بك من كل جانب. وهذا من معاني تخصيص الاستعاذة بـ(رب الفلق) في هذه السورة واختيار هذه الربوبية الخاصة على ما سواها، لحسن مناسبتها لما يستعاذ منه. فالذي يفلق هذه الأمور العظيمة التي تتكرر كلَّ يوم في صور شتى لا تعد ولا تحصى؛ لا يعجزه أن يفرّج عنك كربك ويصرف عنك ما تخشى

عدد الصفحات ٢٥

25 من الشر والسوء، ويجعل لك فرجاً ومخرجاً وتأمل ما قَصَّهُ الله علينا من أنباء الرسل والصالحين وكيف فرَّج الله عنهم بعدما كاد أن يحيط بهم الكرب من كل مكان فجعل الله لأوليائه فرجاً ومخرجاً. ولكَ في قصة موسى وأصحابه مع فرعون وجنوده عظة وعبرة؛ فإنه لما تراءى الجمعان وقال أصحاب موسى إنا لمَدركون؛ وذلك لمَّا رأوا أن البحر أمامهم وفرعونَ وجنودَه خلفهم، ولم يبصروا طريقاً يسلكونه للنجاة؛ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﴿فقال موسى عليه السلام: ]61[ ﴾ﭗ ﭘ﴿فقالوا: ﭫ ﭬﭭ ﴿فهداه ربُّ الفَلَق؛ فَفَلَقَ له البحرَ ]62[ ﴾ﭟ ﭠ فخرج موسى وأصحابُه يمشون في طرق ]63[ ﴾ﭮ ﭯ يابسة وسط البحر حتى استتموا خارجين منه، وتبعهم فرعون وجنوده حتى استتموا داخلين في البحر فانطبق عليهم؛ فنجى الله موسى وأصحابَه وأهلك فرعون وجنوده وجعلهم عبرة وآية يعتبر بها المؤمنون فيوقنون بأنَّ الله ينجّي عبادَه المؤمنين مهما ادلهمَّت عليهم الخطوب وأحاطت بهم الكروب؛ فربُّ الفلق قادرٌ على أن يفلق لهم مخرجاً ينجيهم به. وبهذا تعلم المناسبة بين وصف المستعاذ به والمستعاذ منه؛ فإن الله تعالى هو رب الفلق أي: مالكه والمتصرف فيه فلا يكون فَلْقٌ إلا بإذنه، ولا يخرج شيء من شيء إلا بإذنه. وكل بلاء وشرٍّ يعرض للعبد فإنه لا ينجيه منه إلا ربُّ الفلق جلَّ وعلا؛ لأن العبد يحتاج إلى أن يُفلق عنه هذا الشر الذي أحاط به ليخرجَ منه سليماً، ولا يملك ذلك إلا ربُّ الفلق.

عدد الصفحات ٢٦

26 هذا عام لجميع الشرور، لا يخرج عن هذا العموم شيء منها ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿ والله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به إلا ليعيذك، والله تعالى يحبُّ أن يعيذ من استعاذ به؛ فهو الملك الجليل الذي يجير ولا يجار عليه، ولذلك قال ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ «النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر فإنك لن تقرأ سورة أحبَّ إلى الله عزَّ وجلَّ وأبلغ عندَه منها؛ فإن ﴾ﭧ . رواه النسائي والحاكم. استطعت أن لا تفوتك فافعل فإن الاستعاذة ولكن الشأن كلَّ الشأن في تصحيحِ الاستعاذةِ وإحسانها؛ الصحيحة هي التي تنفع العبد بإذن الله تعالى، وهي التي يكون فيها صدق التجاء القلب إلى الله تعالى، واتباع هداه فيما يأمر به العبد وينهاه، فإذا سلك العبد سبيل النجاة نجاه الله. وأما من يستعيذ بلسانِه وقلبُه معرضٌ عن صدق الالتجاء إلى الله، أو يستعيذ بلسانه ولا يتبع هدى الله فاستعاذته كاذبة. والمسلمون يتفاضلون في إحسان الاستعاذة، ومن كملت استعاذته .«كملت إعاذته وكان له عهد ربا ولذلك فإنَّ الاستعاذة على درجات: الاستعاذة الباطلة، وهي الاستعاذة التي تخلَّف عنها الدرجة الأولى: أحد شرطي القبول من الإخلاص والمتابعة. فالاستعاذة الشركية باطلة لا تنفع أصحابها، لأنهم يستعيذون بالله وبغيره؛ فيشركون بالله تعالى، ويدعون من دون الله أنداداً، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.

عدد الصفحات ٢٧

27 وكذلك الاستعاذة البدعية مما يحدثه بعض الناس من التعويذات المبتدعة فإنها مردودة على أصحابها؛ فلا تنفعهم، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الاستعاذة الناقصة، وهي استعاذة خلت من الشرك الدرجة الثانية: والبدعة، لكنها استعاذة ناقصة ضعيفة لما فيها من ضعف الالتجاء إلى الله، وضعف الاستعانة به، والتفريط في اتباع هداه؛ فيستعيذ أحدهم وقلبه فيه غفلة ولهو عن الاستعاذةِ. والاستعاذةُ نوع من أنواع الدعاء وقد رُوي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث حسَّنه «قال الألبانيّ رحمه الله. قال ابن القيّم رحمه الله في الجواب الكافي كلاماً معناه: الدعاء دواء نافع مزيل للداء لكن غفلة القلب عن الله تضعف قوَّته. وكذلك من يستعيذ بقلبه لكن في اتباعه لهدى الله عز وجلَّ ضعف وتهاون وتفريط فتكون استعاذته ناقصة بذلك، والاستعاذة الناقصة تنفع أصحابها بعضَ النفع بإذن الله تعالى. استعاذة المتقين، وهي الاستعاذة الصحيحة المتقبَّلة التي الدرجة الثالثة: تنفع أصحابها بإذن الله، وهي التي تكون بالقلب والقول والعمل: فأما تصحيح الاستعاذة بالقلب؛ فذلك بأن يكون في قلب صاحبها التجاء صادق إلى الله جل وعلا، فيؤمن بأنه لا يعيذه إلا الله، ويتوكل على الله وحده، ويحسن الظنَّ به، ويصبر على ما يصيبه حتى يفرج الله عنه، ولا ينقض

عدد الصفحات ٢٨

28 استعاذته ولا يضعفها بالاستعجال وترك الدعاء أو التسخط والاعتراض وأما الاستعاذة بالقول؛ فتكون بذكر ما يشرع من التعويذات المأثورة، وما في معناها مما يصحّ شرعاً. وأما الاستعاذة بالعمل؛ فتكون باتباع هدى الله جلَّ وعلا، ولا سيما فيما يتعلق بأمر الاستعاذة. ولتوضيح هذا الأمر يقال: مَن استعاذ بالله جل وعلا من شر الشيطان، فيجب عليه أن يتبع هدى الله بأن لا يتبع خطوات الشيطان، وأن يذكر الله ويسميه في المواضع المأثورة، ونحو ذلك مما هدى الله إليه للعصمة من شر الشيطان وكيده؛ فمن اتبع هدى الله كانت استعاذته صحيحة. ومن كان يستعيذ بالله من الشيطان وهو يتبع خطوات الشيطان ويُعرِضُ عن هدى الله فاستعاذته غير صحيحة. والمقصود أن استعاذة المتقين هي التي جمعت شروط الصحة وهي التي يترتب عليها أثرها بإذن الله تعالى. استعاذة المحسنين، وهي أعلى درجات الاستعاذة الدرجة الرابعة: وأحسنها أثراً، وأصحاب هذه الدرجة هم ممن أوجبَ الله تعالى على نفسه أن يعيذهم إذا استعاذوه، وهم الذين حققوا صفات ولاية الله تعالى كما في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال «رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه؛ فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمعُ

عدد الصفحات ٢٩

29 به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، . »ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه وهؤلاء هم الذين أحسنوا الاستعاذة بقلوبهم؛ حتى إنهم يستعيذون بالله كأنهم يرون الله جل وعلا، ويكثرون من ذكر الله، ويحسنون اتباع هدى الله تعالى؛ فتراهم يسارعون في الخيرات، ويتورعون عن الشبهات، ويحسنون التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. فهؤلاء أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واستعاذتهم سريعة الأثر في الغالب، كما كانت استجابتهم لله تعالى سريعة لا تردد فيها ولا توانٍ. وبهذا يتبينَّ أن الناس يتفاضلون في الاستعاذة، بل أصحاب كلّ درجة يتفاضلون فيها، وكلما كان العبد أحسن استعاذةً كانت استعاذته أنفعَ وأحسنَ أثراً بإذن الله تعالى. فإنَّ ذِكْرَ ربوبية الله تعالى ﴾ﭦ ﭧ ﴿ وتأمَّلْ معنى الاستعاذة بـ للفلق لها أثر عظيم في نفس المستعيذ المؤمن، ومن تفكر في آثار ربوبية الله تعالى للفلق في عالم الخلق والأمر أورثه تفكّره من التبصرّ ما يزداد به اليقين ويطمئنّ به القلب. فإنَّ الفلَق اسم جامع لكلِّ ما يُفلق، ومنه فلق الصبح، وفلق الحبّ والنوى، وفلق الأرض بالنبات، وفلق الأرحام بالأجنة، وفلق الشدائد بالمخارج؛ فلا يملك هذا الفلق إلا ربّ الفلق جل وعلا، فلا يكون فَلْقٌ إلا بإذنه، ولا يُفرَّج همٌّ إلا بإذنه، ولا يُفتح للعبد طريق يصل إليه به خير إلا بإذن ربّ الفلق الذي فلق له هذا الطريق.

عدد الصفحات ٣٠

30 والذي فلق للأجنّة مخرجاً من غير قوّة منها على ذلك ولا معرفة و تدبير لا يعجزه أن يفلق لك مخرجا مما أحاط بك من الهموم والشدائد وأنت تلجأ إليه، فهذا من آثار ربوبية الله تعالى للفلق. أنه يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويخرج ومن آثارها: أولياءه المؤمنين من الظلمات إلى النور؛ فيفلق لهم نوراً يبصرون به سبل السلام؛ فيتجلىَّ لهم الحقُّ كما يتجلىَّ الصبح بانفلاقه من ظلمة الليل. والعبدُ إنما يمنعه عن رؤية الحقّ ما يجُعل على بَصرَِه من الغشاوة؛ وهذه الغشاوة قد تكون بسبب الجهل الأصلّ للإنسان، كما قال الله تعالى عن وقال تعالى في الحديث ]72[ ﴾ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴿الإنسان: .«القد ولا يتجلى الحقُّ للعبد إلا بأن يفلق الله له الحجاب الذي يحول بينه وبين رؤيته؛ فإذا فلق الله له الحجاب أبصر الحق وعرفه، فإن آمن وشكر زاده الله هدى ومعرفة بالحق، وجعل له فرقاناً يلازمه ويفلق له الحُجُبَ التي ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﴿تحول بينه وبين رؤية الحق كما قال تعالى: ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ .]29[ ﴾ﮎ (فرقانٌ يَفْرِق في قلوبهم بين الحقّ والباطل، قال عبد الرحمن بن زيد: .. رواه ابن جريرحتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان) ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﴿وقال تعالى: .]28[ ﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ

عدد الصفحات ٣١

31 وقد ذكر جماعة من أئمة اللغة كأبي منصور الأزهري وغيره أن من معاني الفلق في اللغة: بيان الحق بعد إشكاله، ومن شواهد هذا المعنى حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوَّل ما بدئ به من أمر الوحي الرؤيا الصادقة في المنام فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. رواه البخاري. أي: واضحة بيّنة كوضوح الصبح لا تلتبس عليه. فبيان الحق للمؤمنين المتقين هو من آثار ربوبية الله تعالى للفلق. فإذا وُفِّقَ العبدُ لشُكْر نعمةِ الله واتباع هداه؛ لم يزل يزدادُ من الهدى ومعرفة الحق حتى يبلغ الدرجات العالية؛ نسأل الله من فضله. وأما إذا كفَر العبد بالحق ولم يشكر نعمة معرفته وأعرض عن هدى الله، فإنه يعاقب بالغشاوة الشديدة على بصره والختم على قلبه، ويكون ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴿كالذين ذكر الله مَثَلهم في سورة البقرة ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ .]18،17[ ﴾ﭦ ﭧ ﭨ فالمنافقون والكفار الذين يَسألُون عن الحق كالذي يستوقد النار، أي: حتى عرفوا الحقَّ وتبينََّ لهم كما ]17[ ﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴿ يعرف من تُضِءُ له النار ما حولها، ثم كفروا به وأعرضوا عنه بعد هذا فكانت ]17[ ﴾ﭚ ﭛ ﭜ ﴿التبينّ؛ فجعل الله عقوبتهم أن الظلمة الثانية أشدَّ عليهم من الظلمة الأولى، وهي ظلمةٌ لا يعذرون فيها، بخلاف الظلمة الأصلية فإنها ظلمة جهل لا يؤاخذون به، وهي ظلمة أخف من الثانية، لأن الظلمة الثانية ظلمة عقوبة وغضب، والعياذ بالله.

عدد الصفحات ٣٢

32 ولا يزالون يتمادَون في الإعراض عن هدى الله تعالى ويدخلون في ظلمة بعد ظلمة بعد ظلمة، ويبعدون عن الحق جداً؛ فلا يرونه، ولا يسمعونه، . ]18[ ﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴿ولا ينطقون به؛ فهم في أمور الحق فهذا حال المنافقين والكافرين والعياذ بالله. وأما المؤمنون فإن الله يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ فيرون الحق ويعرفونه ويتكلمون به ويعملون به ويتبعون هدى الله، ولا يزالون يتخلصون من الظلمات ظلمةً تلو ظلمةٍ حتى يتمحَّضوا للنور التام، ويكون من جزائهم أن يجعلَ الله نورهم تامًّا يوم القيامة؛ نسأل الله من فضله. وأما المسلم الذي يكون لديه نور الإسلام وظلمات المعاصي فإنه يبقى صاحب نور وظلمة، قد خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فليس من الكفار الذين هم في ظلمات لا يبصرون، وليس من أهل النور التام من المؤمنين المتقين، ويكون توفيقه على قدر ما معه من النور. وهذا نور معنوي يجعل الله أصله في قلب عبده المؤمن فيضء له حتى يميّز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والسنة من البدعة، وإذا وردت عليه الفتن التي تلتبس على المنافقين والذين ظلموا أنفسهم جعل الله له نوراً يهديه به؛ فيثبت في وقت الفتنة، ولا ينخدع بغرور الباطل، وزخرف قول المضلين، وتزيين الشياطين، بل يسير بنور الله على هدى من الله سوياً على صراط مستقيم، حتى يلقى اللهَ عز وجل وهو راضٍ عنه، نسأل الله من فضله. والمقصود بيان أن العبد إنما يحول بينه وبين الهداية وفعل الصواب في أموره كلها ما يجُعل أمامه من الظلمات والحجب إما فتنة له أو عقوبة له

عدد الصفحات ٣٣

33 على بعض ما اكتسب من الإثم، ولذلك فإنَّ المؤمنَ أخوفُ ما يخاف من (لا يافنَّ العبدُ إلا ذنبه، الذنوب كما قال عل بن أبي طالب رضي الله عنه: .ولا يرجُو إلا ربه) وهذه الظلمات لا يفلقها له إلا رب الفلق جل وعلا. فتلخَّص من هذا البيان أن الفلق عام في الخلق والأمر، وأن الشرور الحسية والمعنوية بأنواعها قد تحيط بالعباد ولا يفلقها لهم إلا ربُّ الفلق تبارك وتعالى، وإذا فلق الله لعبده المؤمن مخرجاً سار فيه آمناً مهتدياً سوياً على صراط مستقيم. ﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿قول الله تعالى: أي: من شر جميع المخلوقات؛ وهذا يعمُّ الشرور كلها؛ فهي استعاذة عامة من كل شر. والشرور على نوعين: - شرور حَجْبٍ وإمساك. - وشرور هجوم واعتداء. فهي ما يحُجب بسببه عن العبد ما يحتاج إليه؛ فيقف فأما شرور الإمساك هذا الشر حائلا بين العبد وبين ما ينفعه. وهذا يكون في الأمور الحسية والأمور المعنوية. فهي الشرور التي تهجم على العبد فتؤذيه وتضرُّه وأما شرور الاعتداء وربما تمرضه وتقتله.

عدد الصفحات ٣٤

34 فقد يكون في بعض المخلوقات ما يغلب عليه النوع الأول من الشرور، ومنها ما يغلب عليه النوع الثاني، ومنها ما يجمع النوعين، والعياذ بالله من كل شر. والجسد والروح كلاهما بحاجة إلى غذاء يقوِّي، ووقاية تحمي؛ فغذاء الروح ما تستمد به قوَّتها من العلم النافع والسلوك الحسن، وأصل ذلك الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح. وتحتاج إلى وقاية تحميها مما يضرها من كيد أعدائها من شياطين الإنس والجن، ومن علل النفس وأدوائها؛ فإذا حصلت لها هذه الحماية والوقاية، وحصل لها الغذاء الذي يقوّيها: زكت النفس وقَوِيَت واستنارت بنور الله؛ فأبصرت الحقائق، وأدركت المعالي، وتخلصت من الرذائل، وتطهرت من الأدناس. وكذلك الجسد يحتاج إلى غذاء نافع ينمّيه، وَوِقاية تحميه من الآفات، بل كل عضو من أعضاء الجسد يحتاج إلى مادة تُغَذِّيهِ وَوِقايةٍ تحميهِ، وأيما عضو من الأعضاء ضعفت وقايته كان عرضةً للآفات، وأيما عضو أحاطَ به من الشر ما يعوِّق وصول الغذاء إليه ضعف وأنهك وربما تلف. والعبد يخشى من نوعي الشر على جسده وروحه: الشر الذي يحجب عنه ما ينفعه، والشر الذي يهجم عليه بما يضره. فما يحجب عن النفس ما ينفعها هو الشرور المعنوية من الجهل والضلال وعقوبات الذنوب التي ترين على القلب فتحجب عنه معرفة الهدى بعدما كانت تبصره؛ فيدخل العبد في أنواع من الظلمات ويخرج من أنواع من النور كلما أوغل في الغيّ والضلال والإعراض عن هدى الله.

عدد الصفحات ٣٥

35 فتكون حاجة العبد ماسة إلى أن يُفلق عنه هذا الحجاب الذي يحول بينه وبين ما ينفعه من العلم والهدى؛ ليخرج من الظلمات إلى النور. وكذلك الجسد إذا أصيب عضو من أعضائه بآفة تمنع عنه ما يمدُّه من الغذاء وأسباب القوة ضعف ذلك العضو واشتكى؛ فإذا كثرت الإصابة في أعضائه أنهك ذلك الجسد وضعف؛ فلا يفلق عنه هذا الحجاب إلا رب الفلق جل جلاله. فإن كل عضو من أعضاء الجسد إذا وصل إليه ما يحتاجه من الغذاء، ووُقي من نوعي الشر السابقين كان صحيحاً سليماً معافى بإذن الله. والضرر الذي يخشاه الناس راجع إلى هذين النوعين: شر يحجب عنهم ما ينفعهم، وشر يهجم عليهم بما يضرهم، ومن وُقِي هذين الشرين فقد وُقِي. وهذا أمر عام يقع على الفرد وعلى الجماعة أيضاً، ويبينّ هذا المعنى «ويزيده وضوحاً قولُ النبي صلى الله عليه وسلم قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله . رواه الشيخان من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله وهم على ذلك عنهما، وهذا لفظ البخاري. المخالفات فالخذلان يحُجب به سبب النصر، والمخالفة آفة تهجم عليهم، على درجات، وتكون من أنواع من الأعداء كل يخالف على درجته. ومن أصحاب الشرور من يجمع الآفتين: الخذلان والمخالفة، كأهل الحسد والبغي الذين كان يُظَنُّ فيهم النصر والتأييد فإذا هم أهل خذلان ومخالفة.

عدد الصفحات ٣٦

36 فضمن الله تعالى لمن يقوم بأمره أن لا يضره من يخذله ولا من يخالفه مهما كانت درجة الخذلان ومهما كانت درجة المخالفة. وَفِقْهُ هذه المسألة يفيد كل مؤمن قائم بأمر الله، وكل جماعة قائمة بأمر الله كأصحاب الأعمال الدعوية وغيرهم؛ فكل مؤمن قائم بأمر الله فإنه يبتلى بالخذلان ويبتلى بالمخالفة؛ فإذا قام بأمر الله كما يحب الله لم يضره من خذله ولا من خالفه؛ فإن الله تعالى يهديه، وينصره، ويفلق له سبباً لنجاته وعزته. ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴿كما قال تعالى: .]31[ ﴾ ﯭ ، وقال:]8[ ﴾ﮔﮕ ﮖﮗ﴿وقال تعالى: .]139[ ﴾ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴿ والمؤمنون هم أتباع الأنبياء ينالهم من جنس ما ينال الأنبياء من الابتلاء، وقد جعلهم الله أسوة لنا وأمرنا أن نقتدي بهم. وقد تكفل الله لأوليائه بالهداية والنصر، فبالهداية يسيرون في الطريق الصحيح، وبالنصر يتغلبون على أعدائهم ممن خذلهم وخالفهم. في الآية من باب تقديم العلم على العمل، وتقديم الهداية على النصر لأن الهدايةَ من ثمرات العلم، والنصرَ من ثواب العمل. والنصر له معانٍ وأسباب؛ ونَصرُْ اللهِ لعبادِهِ المؤمنين حَقٌّ وَعَدَ اللهُ به كما .]47[ ﴾ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴿قال تعالى: فهو وعد صدق لا يتخلف، لكن قد يعجّل الله به، وقد يؤخره لحكمة.

عدد الصفحات ٣٧