المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرة العينين بتفسير المعوذتين

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ١ من ١٠

حقوق الطبع محفوظة اإلا ممن اأراد طباعته لتوزيعه مجانا الن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رم

عدد الصفحات ٣

5 وصحبه آله وعلى، دَّ محم ناّنبي على الله وصلى، مَّوعل أنعم الذي لله الحمد : بعد أما، مَّوسل الهدايات من فيهما ما وبيان ذتينّ المعو تفسير في ةَّميس دروس فهذه على ذتينّ المعو اشتمال وبيان، العظيمة الجليلة والفوائد، الكريمة ةّالرباني وما، ودرجاته الشيطان كيد أنواع وبيان، كلها الشرور أنواع من ذّ التعو به ذَّ تعو ما أفضل كونهما ومعنى ذتينّ المعو بفضائل والتذكير، منه يعصم وبيان، وسلم عليه الله صلى النبي عن بذلك الحديثّ صح كما ذونِّ المتعو . المؤمن على وآثاره، النافع الصحيح ذّ التعو معنى ، والصفات الأسماء بأصول التعريف من ذتانّ المعو عليه تَّدل ما بيان وفيها ، والامتحان الابتلاء دار في العبد حال على ذلك وأثر، والأمر الخلق في وآثارها . المردية الشرور من المنجية العظيمة المقاصد على التنبيه على ودلالتهما عام من الحجة ذي عشر لَّ أو في الدروس هذه إلقاء تعالى الله َّيس وقد وأراجعها العلمية المادة أجمع أن واستشارة لّتأم بعد رأيت ثم، هــ1433 العمل هذا يتقبل أن الله وأسأل، نفعها زيادة رجاء، كتاب في وأخرجها . مجيد حميد إنه عنده من بركة فيه يبارك وأن، حسن بقبول المطيري داخل بن العزيز عبد الرياض هـ1433 الحجة ذي من 28 توطئة

عدد الصفحات ٦

7 كلمته تّوتمً، وعلما رحمة شيء كل وسع هو إلا إله لا الذي لله الحمد َ شاء ما، لفضلهَّ راد ولا، لسنته مغير ولا، لكلماته مبدل لاً، وعدلاً صدقا ولكلً، أجلا رَ قد ولكلً، راْ قد شيء لكل جعل، يكن لم يشأ لم وما كان كل ملكوت بيده، هدى ثم خلقه شيء كل وأعطى، حكمة منه تقدير ، المشركون يشرك عما وصفاته بأسمائه تعالى، قدير شيء كل على وهو، شيء شأن يشغله ولا، شيء يعجزه ولا، شيء عليه يخفى لا، الجاهلون ويظن ولا، النفوس وساوس عليه تخفى فلا، وأخفى الس يعلم، شأن عن . سيكون ما ولا، كان ما ولا، القلوب خطرات ولا، هِ رْعَق في ماٌ بحر ولاً، أرضاٌ أرض ولاً، سماءٌ سماء منه تواري لا هِ رْ عَ و في ما جبل في ظلم وا م اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. مقدمات في تف

عدد الصفحات ٨

8 اللهم اهدنا بالقرآن، وبما آتيت نبيك من التبيان، واجعل لنا من لدنك فرقاناً ونوراً نمشي به على صراط مستقيم. اللهم أدخلنا في رحمة منك وفضل، واهدنا إليك صراطاً مستقيماً، وارزقنا من لدنك رزقاً كريماً. ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير. اأما بعد: فهذه دروس ملخّصة في هدايات المعوذتين، نتدارسها في هذه الأيام الفاضلة، ونسأل الله عز وجلّ أن يمنّ علينا بحسن القصد والقول والعمل، وحسن الفهم والبيان، وحسن الدعوة إليه والجهاد في سبيله بما يحب، وكما يحب إنه سميع مجيب. ﮀ ﴿ ، و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿ سورتا الفلق والناس المعوِّذتان هما .﴾ﮁ ﮂ ﮃ وتسميتهما بالمعوذتين مشهورة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ففي (كان رسول الله صلى صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه ب . وبالمعوذتين جميعاً ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده) وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه والنسائي من حديث سعيد الجُريريّ عن أبي نضرة العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجانّ وعين الإنسان حتى ( . )نزلت المعوذتان؛ فلما نزلتا أخذ بهما، وترك ما سواهما

عدد الصفحات ٩

9 وفي هذه التسمية أحاديث أخرى وآثارٌ عن الصحابة والتابع الإخلاص والفلق والناس، كما في صحيح وإذا قيل المعوِّذات فالمراد: كان رسول الله صلى الله عليه (مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: وسلم إذا مَرِضَ أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات؛ فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظمَ . )بركةً من يدي وفي صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. .)فلماَّ اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (قالت: وقد ورد في الأحاديث ما يفيد مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة المعوذات والرقية بها؛ ففي صحيح البخاري أيضاً من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ﭤ ﴿، و ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿ليلة جمع كفَّيه ثم نَفَثَ فيهما؛ فقرأ فيهما: ؛ ثم يمسح بهما ما استطاع ﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿ ، و﴾ﭥ ﭦ ﭧ من جسده؛ يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات). وفي هذا اللفظ ما يفيد هذا الترتيب: يجمع كفيه، ثم ينفث فيهما، ثم يقرأ مباشرة، ثم يمسح جسده، فتكون الرقية على الكفين وما فيهما من الريق الذي نفثه. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عُقيل بن خالد عن ابن شهاب كان رسول الله صلى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (

عدد الصفحات ١٠

10 ﭑ ﭒ ﭓ﴿ الله عليه وسلم إذا أراد النوم جمع يديه فينفث فيهما ثم يقرأ ، ثم يمسح ﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿و ﴾ﭔ ).بهما وجهه ورأسه وسائر جسده قال عُقيل: (ورأيت ابن شهاب يفعل ذلك). وفي صحيح البخاري عن معمر أنه سأل الزهري: كيف ينفث؟ . (كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه)قال: وهذا كما تقدَّم بيانه لتبلغ الرقيةُ الريقَ الذي في الكفين، ثم يمسح جسده بما قد قُرئ فيه ونُفِث عليه من الريق وباطن الكفين. وقد ورد عن الصحابة العمل بالأمرين: تقديم النفث على القراءة وهو الأكثر، وورد تقديم القراءة على النفث، وفي ذلك آثار عن الصحابة لا نطيل بذكرها. فجاء عن ابن مسعود وحنظلة بن حِذْيَم وغيرهما تقديم النفث على القراءة. وجاء عن أبي سعيد الخدري وعِلاقَة بن صُحَار رضي الله عنهما تقديم القراءة على النفث. وأسأل الله أن ييس دورة أخرى في الرقية وأحكامها وطرقها وما روي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذلك فالحاجة ماسة إلى بيان الهدى في مسائل الرُّقَى التي عَمَّتْ بها البلوى. وأرجو أن تجلّ هذه الدروس جوانب مهمة تتعلَّق بما يحتاجه العبد في التعوذ من الشرور والآفات، وأنواع ما يحول بينه وبين الخير والفضل والبركات، وبيان الهَدْيِ النبويّ في التخلص من الآفات والشرور وكيف يحصّن العبد نفسَه منها، وكيف دلَّتِ المعوّذتان على ذلك كله.

عدد الصفحات ١١

11 ف المعوّذتان كرامة من الله تعالى لهذه الأمة، لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلهما. بل ثبت في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له .»﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿ و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿ مثلهنَّ قط؟! -وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه اتَّبَعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو راكبٌ فوضعت يدي قال: ( على قَدَمِه؛ فقلت: أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف. ﮀ ﴿و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿ «فقال ). »﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿«وفي رواية عند النسائي والحاكم: (قال فإنك لن تقرأ سورة أحبَّ إلى الله عز وجل وأبلغَ عنده منها؛ فإن ﴾ﭧ ).استطعت أن لا تفوتك فافعل ففي هذه الرواية تخصيص لسورة الفلق بمزيد فضل. - وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة بسند صحيح عن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه، قال: بينا أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم .«في نَقْب من تلك النقاب؛ إذ قال قال: فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركبَ مَرْكَبه. .«ثم قال

عدد الصفحات ١٢

12 قال: فأشفقت أن تكون معصية قال: فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم وركبت هُنيَّة، ثم ركب. «ثم قال .الناس؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. .﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿قال: فأقرأني ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما، ثم . «مرَّ بي؛ قال : أي كلما أردت النوم. «قوله بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله -وعن عقبة بن عامر أيضاً قال: عليه وسلم بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة؛ فجعل أعوذ برب ) و((أعوذ برب الفلقرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ب .«) ويقولالناس . )وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة(قال: وهذا الحديث رواه أبو داوود والطحاوي والطبراني وغيرهم كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبيه عن عقبة، وهذا إسناد حسن وعنعنة ابن إسحاق هنا محتملة لأنه موثق في سعيد المقبري، والحديث صححه الألباني. -وعن عبد الله بن خبيب الجهنيّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله . رواه النسائي.«عليه وسلم قال في المعوذت

عدد الصفحات ١٣

13 -وعن فروة بن مجاهد اللخمي عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول ا «صلى الله عليه وسلم فقال .من حرمك، واعف عمن ظلمك «قال: ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال .عامر! أَملِكْ لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك «قال: ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عامر! ألا أعلمك سوراً ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ﭑ ﭒ ﭓ ﴿ ولا في الفرقان مثلهن؟!! لا يأتين عليك ليلة إلا قرأتهن فيها .»﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿و ﴾ﭔ فما أتت عي ليلة إلا قرأتهن فيها، وحقَّ لي أن لا أدَعَهنَّ وقد (قال عقبة: .)أمرني بهن رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا فَرُبَّ من لا يملك وكان فروة بن مجاهد إذا حدث بهذا الحديث يقول: ( ). رواه أحمد وصححه الألباني.لسانه، أو لا يبكي على خطيئته، ولا يسعه بيته كانوا لا وفروة بن مجاهد هذا من العبَّاد الزهاد؛ قال عنه البخاري: ( ).يشكّون أنه من الأبدال فللمعوِّذتين شأن رفيع، وفضائل عظيمة، وهدايات جليلة، وبركات كثيرة، وحريٌّ بالمؤمن اللبيب أن يرغب فيما رغّب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يحرم نفسه من هذه الفضائل العظيمة. وأنت ترى الناس ينساقون إلى ما يُمدح لهم انسياقاً عجيباً، وربما تكلفوا فيه التكاليف، فكلام الله تعالى أحق أن يُعظّم، وثناء النبي صلى الله عليه

عدد الصفحات ١٤

14 وسلم أولى أن يُنساق إليه، فهو أصدق الناس وأعلم الناس، وما ينطق عن الهوى، وقد رغّب في المعوّذتين ترغيباً عظيماً، وكان يواظب على قراءتهما والرقية بهما ويأمر بذلك؛ فأولى بك أن تكون ممن استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته لما فيه حياتنا ونجاتنا، ومن ذلك ترغيبه المؤكّد في التعوذ بهاتين السورتين العظيمتين. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أحقّ من عرف قدْرَ المعوذتين، وقبل كرامة الله تعالى لهذه الأمة بهما، وأيقن بعظيم هذه المنّة، وبلّغ الأمة بفضلها أبلغ بيان. ولا ينبغي لعاقل تبلغه هذه الأحاديث في فضائل المعوّذتين ثم يزهد في دراستهما والتعرف على ما فيهما من الهدايات العظيمة. أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: . رواه أحمد والنسائي.أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة) .«ولهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن خبيب قال: ما أقول؟ والمعوِّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثاً ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿«قال .تكفيكَ من كل شيء وكان النبي صلى الله عليه وسلم ربما أوتر بالمعوذات، وكان يقرأ بهما في الصلاة. وفي الباب أحاديث عن عائشة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهم.

عدد الصفحات ١٥

15 فينبغي لنا أن نتعلمها ونتدبرها ونتفكر فيها حتى ننال من فضل الله عز وجل وبركاته خيراً كثيراً عظيماً مباركاً فيه، ونحصّن أنفسنا بإذن الله تعالى من شرور عظيمة وآفات كثيرة على نور وهدى من الله تعالى. نزول المعوذتين ويدل على ذلك حديثان صحيحان: الصحيح أن المعوذتين مدنيتان؛ حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم وسنن النسائي أن الأول: «رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له .»﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴿ و ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿ مثلهنَّ قط؟! وعقبة بن عامر الجهني ممن أسلم بعد الهجرة. يدل على حداثة «وقول النبي صلى الله عليه سلم له نزولها عند التحديث. حديث أبي سعيد الخدري المتقدم آنفاً أن رسول والحديث الآخر: الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذُ من الجانّ وعينِ الإنسانِ حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما. وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه من صغار الأنصار من لِدَاتِ أنس بن مالك وعبد الله بن عمر، قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهو غلام. أن المعوذتين مدنيتان، وقد قال بذلك من المفسين والقراء: فالصحيح الثعلبي وأبو عمرو الداني وأبو معشر الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم. وذهب بعض المفسين إلى أنهما مكيتان، وهو قول ضعيف لا يصح.

عدد الصفحات ١٦

16 وممن قال بذلك: الزجاج والواحدي وأبو المظفر السمعاني وابن عطية وابن عاشور. ومن المفسين من حكى الخلاف ولم يرجّح. وأما نزول المعوذتين بسبب حادثة سَحْرِ النبي صلى الله عليه وسلم ففيه خلاف؛ وقد فصَّلتُ القولَ فيه في كتاب جمهرة التفاسير؛ فليطالعْه من شاء. والخلاصة أنَّ الحادثة صحيحة لكن نزول المعوذتين بسبب تلك الحادثة فيه خلاف ولَبْسٌ، ينبغي توضيحه. وأَمْثَلُ ما يُستدلُّ به على ذلك هو ما رواه عبدُ بن حميد والطحاوي من طريق أحمد بن يونس عن أبي معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيّان عن (سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود. زيد بن الأرقم قال: قال: فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين، قال: إن رجلاً من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان. قال: فأرسلَ علياً فجاءَ بهِ. قال: فأمره أن يحلَّ العُقَدَ وتُقرأ آية؛ فجعل يقرأ ويحلّ حتى قام النبي . صلى الله عليه وسلم كأنما أُنشِطَ من عقال) وهذا الحديث رجاله ثقات، لكن ذكر نزول المعوذتين والرقية بهما من ذلك تفرد به أحمد بن يونس، وهو إمام ثقة، لكن خالفه جماعة من الأئمة الثقات رووا هذا الحديث من غير هذه الزيادة. فَذِكْرُ نزول المعوذتين هنا والرقية بهما من السحر، مما تفرّد بذكره أحمد بن يونس وهو إمام ثقة، لكنه خولف في هذه الزيادة فقد حدَّث بهذا الحديث

عدد الصفحات ١٧

17 عن أبي معاوية: أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وهناد بن السي ولم يذكروا هذه الزيادة. والحديث له نحو أربع طرق كلها ليس فيها ذكر هذه الزيادة. فمن اعتبر هذه الزيادة مخالفةً حكمَ عليها بالشذوذ لمخالفة أحمد بن يونس بقية الرواة عن أبي معاوية ثم مخالفة هذه الزيادة لطرق الحديث الأخرى، ومن اعتبرها من باب زيادة الثقة صححها كما فعل الألبانيّ رحمه الله. وأما حادثة سَحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم فهي صحيحة ثابتة، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة المعروفة من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني زُريق يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخُيَّل إليه أنَّه يفعل الشيءَ وما «فعله، حتى كان ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا؛ ثم قال أشعرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجي؛ فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجُفّ طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ .قال: في بئر ذروان

عدد الصفحات ١٨

18 فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء «فقال .الشياط قلت: يا رسول الله؛ أفلا أستخرجه. «قال فأمر بها فدُفِنَت. والحديث رواه جمَْع من الأئمة في مصنفاتهم وهو حديث صحيح لا مطعن فيه. سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: ( ). رواه أحمد وعبد بن حميد والطحاوي والطبراني؛ بإسناد رجلٌ من اليهود صحيح؛ وقد صححه الحافظ العراقي، وقال الألباني: هو على شرط مسلم. في الحديث الأول أن الذي سحره رجل من بني زريق. وفي الحديث الثاني: الذي سحره رجل من اليهود. ما بينته روايات صحيحة في الصحيحين وغيرهما عن والجمع بينهما سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ عائشة رضي الله عنها قالت: ( ).من يهود بني زريق وبنو زريق بطن مشهور من الخزرج وهم من الأنصار، وقد أسلم أكثرهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ١٩

19 وكان لهم مسجد معروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. وكان كل من الأوس والخزرج لهم حلفاء من اليهود في الجاهلية، وكان بعض الأوس والخزرج قد تهوّد. قال ابن عباس: (كانت المرأة تكون مِقْلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّدَه فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار؛ فقالوا: لا ندع أبناءنا؛ ]256[ ﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴿ فأنزل الله عز وجل: «[ ]فهم منكم، وإن اختاروهم، فهم منهم والطحاوي وما بين المعكوفين له، ورواه أيضاً البيهقي وابن حبان بألفاظ مقاربة. كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة فثبتوا وقال مجاهد: ( على دينهم؛ فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإسلام ). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ]256[ ﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴿ فنزلت فقول اليهود: (لا ندع أبناءنا) يريدون أبناءهم من الرضاعة، ممن أرضعوهم فتهودوا من الأوس والخزرج قبل مجيء الإسلام. فلذلك كان لبيد بن الأعصم يهودياً وهو من بني زريق. وفي رواية في صحيح البخاري أن الذي سحره لبيدُ بن الأعصم رجلٌ من بني زريق، حليفٌ ليهود، كان منافقاً.

عدد الصفحات ٢٠

20 فيكون هذا الخبيث قد جمع أوصاف الخبث؛ فهو يهودي منافق ساحر حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُيَّل إليه أنَّه وقول عائشة: ( ) جاء مفساً من رواية أخرجها البخاري في صحيحه يفعل الشيءَ وما فعله من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. وقد أنكر هذه الحادثةَ بعضُ المعتزلة، وزعموا أن الإقرار بها قدح في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ فيه موافقة للكفار في قولهم ﴾ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴿ فيما حكى الله عنهم: .]8[ عن إيراد المعتزلة بأن المسحور في هذه الآية المراد بهوأجاب أهل العلم الذي أصابه جنون بسبب السحر فخبَّله السحر وأذهب عقله، أمَّا الذي لم يؤثر السحر في عقله وإدراكه ومنطقه فغير مراد هنا ولا حجة لهم في المنع من تصديق قوله بسبب هذا السحر. والسحر الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم غير مؤثر في عقله وتبليغه الرسالة بلا خلاف بين أهل العلم. الحديث ثابت خرَّجه أهل الصحيح، ولا هـ): (581قال السهيل (ت مطعن فيه من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن العصمة إنما وجبت لهم في عقولهم وأديانهم، وأما أبدانهم فإنهم يُبتلون فيها، ويخُلَصُ إليهم بالجراحة والضرب والسموم والقتل، والأُخذة التي أُخِّذَها رسول الله

عدد الصفحات ٢١