المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حديث ابن مسعود في التخليق والتقدير دراسة حديثية تحليلية مقارنة

قاسم علي سعد

صفحة ٣ من ٥

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 402 النسا : أن الجن، يُخَلَّق بعد الأربع،...وهذا يُقد م على قول من قال من الفقها : إن الجن، لا يُخَلَّق في أقل من واحد وثمان، يوماً، فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مُضغة، ولا يكون مُضغة إلا بعد الثمان،، والتخليق ممكن قبل ذلك، وقد أخبر به من أخبر من النسا ، ونفس العَلَقة يمكن تخليقها. والله أعلم"(324). وقد جعل ابن القَيِّم في تهذيبه لسنن أبي داود ما ذكره ابن تيمية أولاً احتمالاً في الجمع، ووسَّع الكلام فيه فقال: "ويَحْتمل وجهاً خر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما عند ابتدا تعلق التحويل والتخليق في النُّ فة، وهو إذا مضى عليها أربعون، ودخلت في طَور العَلَقة، وهذا أول تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكراً أو أنثى من ااارج وسعادته. فلا تنافي ب، الحديث،، والحمد لله رب العالم،. ويكون التقدير الأول: تقديراً لما يكون للن فة بعد الأربع،، فيقدر معه السعادة والشقاوة والرةق والعمل، والتقدير الثاني: تقديراً لما يكون للون، بعد تصويره، فيقد ر معه ذلك ويكتب أيضاً، وهذا التقدير أخص من الأول. ونظ هذا: أن الله سبحانه قد ر مقادير االائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمس، ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون في العام لمثله، وهذا أخص من التقدير الأول العام"(323). وألمع ابن رجب إلى هذا الجمع القائل بوقـوع الكتابة مرت، للون، الواحد- ولـم يُرجحه-، مع تلميحه إلى جمع خر تختلف فيه أحوال الأجن ة في الكتابة، فبعضها تكون الكتابة في حقها أوائل مرحلة العلقة، وبعضها بعد المضغة، قال ابن رجب: "وقد جمع بعضهم ب، هذه الأحاديث واخثار، وب، حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة

عدد الصفحات ٣٣

402 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ مرت،...والأظهر -والله أعلم- أنها مرة واحدة، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجن ة، فبعضهم يُكتب له ذلك بعد الأربع، الأولى، وبعضهم بعد الأربع، الثالثة"(322). وكما جمع ابن القيم ب، الحديث، بأن الكتابة كتابتان، كذلك أتم الجمع بينهما بأن التصوير تصويران، تصوير خفي يعوز الحس عن إدراكه وذلك بعد الأربع، الأولى، وتصوير جلي يناله الحس يتم بعد الأربع، الثالثة، فقال -بعد أن غمز في الرأي، الذاهب، إلى أن التصوير في حديث حُذيفة محمول على كونه بعد الأربع، الثالثة، أو أنه تصوير علمي لا خارجي-: "والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث، من أن ذلك -(ألا التصوير)- في الأربع، الثانية، ولكن هنا تصويران: أحدهما تصوير خفي لا يظهر، وهو تصوير تقديرلا، كما تصور ح، تُفصِّل الثوب أو تَنْوُر الباب مواضع الق ع والتفصيل، فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل"(325). ويبدو أن هذا التصوير اافي الذلا ذكره ابن القيم، هو الذلا أشار إليه ابن رجب -مع عدم ارتضائه له- بقوله: "وقد تأول بعضهم ذلك على أن المَلَك يقسِّم الن فة إذا صارت علقة إلى أجزا ، فيوعل بعضها للولد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدِّر ذلك كله قبل وجوده. وهذا خلاف ظاهر الحديث، بل ظاهره أنه يصو رها ويخلُق هذه الأجزا كلها"(320). وأشار بعض العلما إلى أن التصوير يكون بعد الأربع، الأولى كما في حديث حُذيفة بن أَسِيد ، وأن هذا لا يُعارض غلبة وصف العَلَقة على الأربع، الثانية كما في حديث ابن مسعود ، لأن غلبة الوصف لا تعني عدم وجود شي خر معه، لاسيما وأن حديث ابن مسعود ا يذكر وقت التصوير. قال ابن رجب: "وقد حمل بعضهم حديث ابن مسعود على أن الجن، يغلِب عليه في الأربع، الأولى وصفُ المني ،

عدد الصفحات ٣٤

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 402 وفي الأربع، الثانية وصفُ العَلَقة، وفي الأربع، الثالثة وصفُ المضغة، وإن كانت خلقته قد تمّت وتم تصويره، وليس في حديث ابن مسعود ذكرُ وقت تصوير الجن،"(322). وقد ألمح الحافظ ابن حور إعامة الأقوال السالفة في الجمع ب، الحديث،، ومال إلى ظاهر حديث ابن مسعود  من أن التصوير إنما يكون في الأربع، الثالثة مدة المضغة أو بعدها، قال: "فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تص مُضْغة...فيقوى ما قال عِياض ومن تبعه...والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربع، الثالثة"(322). خلاصة أقوال فقهاء أهل الحديث إن أكثر هؤلا اعتمد الجمع ب، الحديث،، ومال بعضهم إلى الترجيح، فرج ح حديث ابن مسعود على حديث حُذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما. فأما من ارتضى الجمع فقد اختلفت طرائقهم فيه على مسارين رئيس،، كل واحد منهما مشتمل على أكثر من قول أو اتجاه: فالمسار الأول: في التوفيق ب، الحديث، من غ حمل أحدهما على اخخَر، وأن كل واحد منهما له معنى لا يُناةعه فيه اخخَر. وتحته أقوال: 3- تكون الكتابة أوائل مرحلة العَلَقة، وأما التصوير فيتم بعد مرحلة المُضْغة. قاله الجمهور. 4- تكون الكتابة مرت،، مرة بعد الأربع، الأولى، ومرة بعد مرحلة المُضْغة عند التصوير. ةاد بعضهم أن التصوير هو تصويران أيضاً، فكل كتابة تقترن بتصوير. 3- اختلاف الأجنة في ةمن الكتابة، فبعضها تكون الكتابة في حقه بعد الأربع، الأولى، وبعضها بعد مرحلة المُضْغة. وأما التصوير فلا يكون إلا خر الأمر.

عدد الصفحات ٣٥

426 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ وأما المسار الثاني: ففيه التوفيق ب، الحديث، بحمل أولهما على اخخِر، أو حمل اخخِر على الأول، وأن المراد فيهما واحد، ولا معارضة بينهما في الحقيقة. وتحته اتجاهان: 3- حمل حديث ابن مسعود على حديث حُذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما، بقولهم: التصوير والكتابة يكونان في مرحلة العَلَقة كما هو صريح حديث حُذيفة الغِفارلا ، وا يتعرض حديث ابن مسعود لوقت التصوير، كما ا يخالف-حقيقة- في ةمن الكتابة. 4- حمل حديث حُذيفة الغِفارلا على حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، بقولهم الكتابة والتصوير لا يكونان إلا بعد طَوْر المُضْغة. ومنهم من جعل الكتابة في الأربع، الثالثة. فيكون بذلك حديث ابن مسعود مفسِّراً لحديث حذيفة رضي الله عنهما، ومقيِّداً لإطلاقه. ةمن التخليق عند الأطبا والقوابِل من النسا : اطلعنا من قبل على را فقها المحدث، في ةمن التخليق والتصوير، من خلال فهمهم للأحاديث النبوية الشريفة، ولما كانت المسألة وثيقة الصلة بالأطبا وكذلك القوابِل من النسا ، لكونهم أهل اابرة فيها، لزم استكشاف ما توصل إليه هؤلا المختصون واابرا ، حتى يتمكن الباحث في هذه المسألة من استخلاص رألا علمي سديد، ويقدِّم التفس الأمثل للأحاديث الشريفة. فأما القوابِل من النسا فقد سبق عن تقي الدين بن تيمية موافقتهن لصريح حديث حُذيفة الغِفارلا  في أن التخليق يظهر عقب الأربع، الأولى، وذلك بنا على مشاهداتهن، قال ابن رجب: "وما ذكره الأطبا يدل على أن العلقة تتخلّق وتَتَخَ َّط، وكذلك القوابِل من النسوة يشهدن بذلك"(322).

عدد الصفحات ٣٦

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 423 وأما الأطبا فأبدأ بالقُدامى منهم، الذين نَقَل شُر اح الحديث أقوالهم دون أن يستسيغوها في الجملة، لأنهم وجدوها بعيدة عما تدل عليه ظواهر الأحاديث، قال ابن حور: "وقد نقل الفاضل علي بن المهذب الحمولا ال بيب اتفاق الأطبا على أن خلق الجن، في الرحم يكون في نحو الأربع،"(356). وقال الكَرْماني: "قال ال ب: إنما يتصو ر الجن، فيما ب، ثلاث، يوماً إلى أربع،"(353). وقال ابن رجب الحنبلي: "يمكن التخليق في العَلَقة، وقد رُولا ما يدل عليه، والأطبا تعترف بذلك"(354). وفصل ابن رجب في موضع خر عملية التخليق عند الأطبا بمراحلها اليومية وتفاصيلها الدقيقة، فقال: "وقد ذكر علما أهل ال ب ما يُوافق ذلك -(يعني مضمون حديث مالك بن الحُوير السابق ونحوِه)-، وقالوا: إن المني إذا وقع في الرحم، حصل له ةَبَدية ورغوة ستة أيام أو سبعة، وفي هذه الأيام تُصَوَّر الن فة من غ استمداد من الرحم، ثم بعد ذلك تَستمد منه، وابتدا اا وط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدم يوماً ويتأخر يوماً، ثم بعد ستة أيام -وهو ااامس عشر من وقت العُلوق- ينفذُ الدم إلى الجميع فيص علقة، ثم تتمي ز الأعضا تميزاً ظاهراً، ويتنحى بعضُها عن مُماس ة بعض، وتمتد رطوبة النُّخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصلُ الرأسُ عن المنكب،، والأطرافُ عن الأصابع، تميزاً يتب، في بعضٍ، ويخفى في بعض. قالوا: وأقلُّ مدة يتَصَوَّر الذكر فيها ثلاثون يوماً، والزمان المعتدل في تَصَوُّر الجن، خمسة وثلاثون يوماً، وقد يتصو ر في خمسة وأربع، يوماً. قالوا: وا يوجد في الأسقاط ذكر تَم قبل ثلاث، يوماً، ولا أنثى قبل أربع، يوماً. فهذا يوافق ما دل عليه حديث حُذيفة بن أَسِيد في التخليق في الأربع، الثانية، ومص ه لحماً فيها أيضاً"(353).

عدد الصفحات ٣٧

424 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ فأقوال الأطبا القدامى هذه، وكذلك مشاهدات القوابِل، متفقة على أن تخلق الجن، يكون في نحو الأربع، يوماً، وبذلك تبعد الشُّقَّة ب، ما ارتضاه جماه فقها أهل الحديث من جهة، وما خبره جماه الأطبا وشاهدته القوابِل من النسا من جهة أخرى، وليس مَنْ را كمن سمعا. وأتحول اخن لبيان موقف ال ب الحديث، الذلا قادته التِّقنيات المت ورة اليوم للفصل في هذه القضية ال بية، ﭧ ﭨ ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ فاطر: 32. فال ب الحديث المواكب للتِّقنيات قريب جداً من طبنا القديم في االاصات، مع تميز الحديث بالتدقيق والتحديد ب بيعة الحال. وسأعتمد هنا على كتاب فذ في هذا الموضوع، وهو كتاب خلق الإنسان ب، ال ب والقر ن للدكتور محمد علي البار استشارلا أمراض باطنية وعضو الكليات الملكية للأطبا بالمملكة المتحدة، والحاصل على ةمالة الكلية الملكية للأطبا بلندن، ومستشار ال ب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحو ال بية وجامعة الملك عبدالعزيز بجُد ة، ومستشار المجامع الفقهية فيما يختص بالعلوم ال بية. وأستخلص من هذا الكتاب الرائد مما يتعلق ببحثي ما يأتي: يمر الجن، في ب ن أمه بأطوار متعاقبة: أولهـا: طَور الن فة الأمشاج (البويضة الملقحة): وهذه النُّ فة تحتاج من خمسة أيام إلى سبعة على الأكثر حتى تصل إلى الرحم، وذلك عبر القناة الرَّحِمية، وتنقسم قبل دخولها الرحم انقساماً متتابعاً حتى تكون كثمرة التُّوتة، وتسمى في نهاية طَور النُّ فة بالكُرة الجُرثومية(352).

عدد الصفحات ٣٨

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 423 ثانيهـا: طَور العَلقة: في اليوم السابع من التلقيح أو في اليوم الذلا قبله، تلتصق الكُرة الجُرثومية (الن فة الأمشاج) في الجدار االفي لأعلى الرحم، فتنغرة فيه شيئاً فشيئاً، ويكتمل هذا الانغراة بعد يوم،، وتُغلق الفتحة التي دخلت منها تلك الن فة بجل ة دَموية، ثم بعد يوم، خرين تغ ى تلك الفتحة بخلايا طِلائية بدل الجل ة، ومدة هذا ال َّور أسبوعان(355). ثالثهـا: طَور المُضْغة: في نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح يبدأ هذا ال َّور، ويُسمى عند الأطبا بمرحلة الكُتل البدنية، وهذه الكُتل تظهر شيئاً فشيئاً ابتدا من اليوم العشرين أو الواحد والعشرين من التلقيح، وتنتهي باليوم الثلاث، أو بعده(350). رابعهـا: طَور تكو ن الأعضا والأجهزة: تبدأ هذه المرحلة المهمة في الأسبوع الرابع وتنتهي في الثامن. وفي الأسبوع، ااامس والسادس تتحول تلك الكُتل البدنية (المضغة) إلى ق اع عظمي وتظهر براعم الأطراف، ثم في الأسبوع، التالي، تُكْسى العظام بالعضلات، ويمكن حينئذ التعرف على الغُد ة التناسلية للون، فيميز ب، الذكر والأنثى. وفي هذه المرحلة يتكون الجهاة الهيكلي والجهاة العضلي، ويُصَو ر الوجه ويُشَق السمع والبصر، ويُكَو ن الجلد واللحم والعظم(352). خامسهـا: طَور نمو الأعضا والأجهزة وتكاملهما: ويبدأ هذا النمو والتكامل من أول الشهر الثالث ويستمر إلى الولادة. ولا يكاد يوجد تخليق في هذه المرحلة، وإنما هو نمو لما كان قد تخلّق من قبل(352). وخلص الدكتور محمد علي البار بعد ذلك إلى القول: "االق كله يُومع في الأربع،...وأن النُّ فة والعَلَقة والمُضْغة والتخليق كلها تكون في الأربع،"(352).

عدد الصفحات ٣٩

422 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ الترجيــح: اختلفت اجتهادات العلما في تحديد ةمن التخليق والتصوير، وتعي، وقت الكتابة والتقدير، وذلك بنا على ما تضمنته الأحاديث النبوية الواردة في هذا الموضوع، لاسيما حديث ابن مسعود وحديث حُذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما. ولما كان أمر التخليق والتصوير ألصق بالمراقبة ال بية، كان لزاماً على من تعانى الترجيح في هذه المسألة أن يقف على ما بلغه ال ب الحديث من اكتشافات في هذا المجال، لأن الأطبا في هذا الأمر من أهل الذِّكْر الذين ينبغي الرجوع إليهم. وقد توصل الأطبا اليوم بالدليل القاطع والبرهان الساطع إلى أن عملية التخليق لا تحتاج إلى عدة أربعينات، لأنها تتم في الأربع، الثانية، وأن اكتمال الأطوار الثلاثة: النُّ ْفة والعَلَقة والمُضْغة، لا تتواوة الأربع، يوماً. وهذا ليس مجرد تنظ ، وإنما هو حقيقة علمية ثابتة كما سبق. لذا يترجح حمل حديث ابن مسعود على حديث حذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما، من أن الأربع، الثانية، بل النصف الأول منها، تتم فيه عملية التخليق والتصوير، وأن الأربع، الأولى تكتمل فيها الأطوار الثلاثة. وأما ما ذُكر من أربعينات ثلاثة لتلك الأطوار الثلاثة، فهو محض اجتهاد في حديث ابن مسعود ، يُؤجر عليه أصحابه، وليس في الحديث تصريح به، وما ورد من تصريح في بعض الأحاديث الأخرى فلا حوة فيه لضعف تلك الروايات(306). ورواية مسلم لحديث ابن مسعود -وهي التي أثبتُّها أول البحث- فيها دلالة غ خافية، على أن النبي  يتحد عن أربع، واحدة للأطوار الثلاثة، وهو ما يتوافق مع حديث حُذيفة  الذلا فيه أن الكتابة والتصوير يتحققان بعد استقرار الن فة في الرحم بأربع، ليلة أو نحوها، والكتابة والتصوير يكونان بعد تلك الأطوار الثلاثة.

عدد الصفحات ٤٠

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 425 وكلمة (في ذلك) عند مسلم من حديث ابن مسعود، تنبئ بتلك الأربع، الواحدة، خلافاً لما فس رها به بعض علمائنا السابق،، وعذرهم أن ال ب في ةمانهم ا يمتلك الوسائل المقنعة المتوافرة لأطبا اليوم، وأقرب تفس لتلك الكلمت، في الحديث: (في ذلك) و(مثل ذلك) ما ذكره الدكتور الفاضل شرف القضاة بقوله: "فالحديث معناه من غ تكلف: ثم يكون في ذلك الوقت مثل ذلك الجمع، فهناك شَبَه ب، العَلَقة والمُضْغة وب، الجمع الأول وهو النُّ فة، وقد يكون عدم وجود الروح وهو الذلا أراه راجحاً، أو عدم كتابة قدره، أو أن ذلك يحد تدريجياً لا مرة واحدة، أو أنه يكون ناقص ااِلقة في كل هذه المراحل. والله أعلم"(303). ثم قال: "وهكذا فالحديث الأول يحتمل أكثر من وجه، أما الأحاديث الأخرى -(ومنها حديث حذيفة الغِفارلا )- فهي صريحة ومتعددة، ومروية عن أكثر من صحابي، ولا شك أن المحتمل يُرَد إلى الصريح وليس العكس، فلا يمكن حمل الصريح على المحتمل. والله أعلم"(304). وبذلك تجتمع الأدلة، وتتآلف النصوص، وتتوافق الأحاديث وأما من مال من علمائنا السابق، إلى ترجيح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة الغِفارلا  فيعذر أيضاً-وإن كان ينبغي التأني في أحاديث الصحيح،-، لأنه ا يتب، له وجه قولا للومع، في وقت ا يكن فيه لل ب ذاك الت ور والاشتهار، ومعلوم في فن مختلِف الحديث أن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وقد أمكن ولله الحمد، ومن عَرَف حُوة على من لا يعرف. والله أعلم. ترتيب الكتابة والنفخ في الروح: ا يتعرض حديث حُذيفة بن أَسِيد  برواياته المتعددة في صحيح مسلم إ مسألة النفخ في الروح. وأما حديث ابن مسعود  فقد اختلفت رواياته في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي صحيح البخارلا: "ثم يُبعث إليه المَلَك فيؤذَنُ بأربع كلمات،

عدد الصفحات ٤١

420 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ فيَكْتُبُ رةقَه وأجلَه وعملَه وشقي أم سعيد، ثم يَنْفخ فيه الروح"(303). ورواية مسلم التي اعتمدتها في إثبات ألفاظ هذا الحديث لا تخالفها في حقيقة الأمر، ولفظها: "ثم يُرسل المَلَك فينفُخُ فيه الروحَ، ويؤمر بأربع كلمات...". فالواو في قوله  (ويؤمر تفيد ترتيباً كما نص جمع من الأئمة، قال ابن حور: "ويُومع بأن رواية دم -(يعني عند البخارلا)- صريحة في تأخ النفخ للتعب بقوله: (ثم)، والرواية الأخرى -(يعني رواية مسلم)- محتملة، فترد إلى الصريحة، لأن الواو لا ترت ب، فيووة أن تكون مع وفة على الجملة التي تليها، وأن تكون مع وفة على جملة الكلام المتقدم، ألا يُومع خلقه في هذه الأطوار ويؤمر الملك بالكتْب. وتوس ط قوله: (ينفخ فيه الروح) ب، الجمل، فيكون من ترتيب اابر على اابر، لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها. ونقل ابن الزَّمَلْكاني عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك: أن العرب إذا عب رت عن أمر بعدة أمور متعددة ولبعضها تعلّق بالأول، حسن تقديمه لفظاً على البقية، وإن كان بعضها متقدماً عليه وجوداً، وحسن هنا لأن القصد ترتيب ااَلْق الذلا سيق الكلام لأجله"(302). لكن ما عند مسلم رُولا خارج الصحيح، بالع ف بثم بدل الواو، فيكون معارضاً لرواية البخارلا، وقد عَرَض هذا الأمر ووج هه ابن رجب الحنبلي بقوله: "واختلفت ألفاظ روايات هذا الحديث -(يعني حديث ابن مسعود )- في ترتيب الكتابة والنفخ، ففي رواية البخارلا في صحيحه: (ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح)(305)، ففي هذه الرواية تصريح بتأخر نفخ الروح عن الكتابة. وفي رواية خر جها البيهقي في كتاب القَدَر(300): (ثم يُبعث الملك فينفخُ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات). وهذه الرواية تُصر ح بتقدم النفخ على الكتابة. فإما أن يكون هذا من تصر ف الرواة برواياتهم بالمعنى الذلا يفهمونه، وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط، لا ترتيب ما أَخْبر به"(302).

عدد الصفحات ٤٢

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 422 زمن النفخ في الروح لا شك أن نفخ الروح في الجن، يكون بعد تصو ره، وقد حد د أكثر العلما ةمانه عقب الأربع، الثالثة، بل ادعى بعضهم الاتفاق على ذلك، قال القاضي عِياض: "وا يُختلف أن نفخ الروح فيه بعد مئة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في ااامس، وهذا قد جُرِّب بالمشاهدة، وعليه يُعَوَّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام، في الاستلحاق عند التناةع، وفي وجوب النفقات على حمل الم لقات، وذلك لتيقنه بحركة الجن، في الجوف. وقد قيل: إن الحكمة في عد ة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول في ااامس، ليتحقق برا ة الرحم ببلوغها هذه المدة"(302). وقو ى ابن رجب ذلك بما رُولا عن بعض الصحابة وجماعة من الأئمة، قال "فأما نفخ الروح فقد رُولا صريحاً عن الصحابة أنه إنما يُنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود"(302). ثم قال متمِّماً: "وبنى الإمام أد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود، وأن ال فل يُنفخ فيه الروح بعد الأربعة أشهر، وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صُلِّي عليه، حيث كان قد نُفخ فيه الروح ثم مات. وحُكي ذلك أيضاً عن سعيد بن المسيب، وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق"(326). ولصعوبة تحديد ةمننفخ الروح بصورة دقيقة من خلال الاستنتاجات العقلية والمختبرات ال بية، لجأ العلما إلى نصوص الوحي في ذلك، قال ابن حور: "وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي"(323) .ففهموا من حديث ابن مسعود أن ذلك يكون بعد تمام الأربع، الثالثة، ألا بعد مئة وعشرين يوماً من تلقيح الحيوان المنولا للبويضة، وأكدوا ذلك بأقوال بعض الصحابة وجماعة من السلف، بل ةادوه تأكيداً

عدد الصفحات ٤٣

422 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ بما يصدر عن الجن، في الوقت المذكور من حركات إرادية وإحساس، وعن تلك الحركات والأحاسيس يقول الدكتور محمد علي البار: "وهو أمر لا يَحْد ُ في الجن، إلا بعد نمو الدماغ، وبالذات المخ، بحيث تتحكَّم المناطق المخية العليا في الجهاة العصبي. فقد اكتشف البروفيسور جوليوس كورين أستاذ الأمراض العصبية في جامعة نيويورك بعد تشريح العديد من الأجنة المُسْقَ ة في مراحل مختلفة من أعمارها: أن المناطق العليا من المخ، والتي تتحكَّم فيما تحتها من المراكز، تكونُ غ َ موصولة كهربائياً بالمناطق التي تحتها، ولا يبدأ الاتصال والتشابك وإرسال الإشارات إلا بعد مرور (346) يوماً منذ التلقيح...وفي تلك المرحلة يحس الجن، بالأا إذا وُخِز بإبرة، وتبدأ الحركات الإرادية التي تتحكم فيها المناطق العليا من قشرة الدماغ"(324). ثم ذكر الدكتور البار أن الدكتور كورين أعلن عن ذلك سنة3222م، وعلّق بقوله: "وهذا الاكتشاف الحديثُ مذهلٌ، ويوضِّح إعواة حديث المص فى  في نفخ الروح وتكوين الجهاة العصبي"(323). إلا أن الدكتور البار نفسه سرعان ما ألقى إشارات قد تدل على أن نفخ الروح يكون قبل ذلك بكث ، قال عقب إيراده لحديث حذيفة بن أَسِيد : "وعند بلوغ الجن، (24) يوماً أو ما حولها، يتكوَّن فيه جِذْع الدِّماغ، ويبدأ في التحكم في المناطق الأسفل منه (ألا النخاع الشوكي)، وقد سو ل العلما نشاطاً كهربائياً لجِذْع الدِّماغ في هذه الفترة"(322). وبنا على هذه الإلماعات ال بية الأخ ة التي ألقاها الدكتور البار، مع إيحا ات حديث حُذيفة بن أَسِيد ، رج ح بعض العلما المعاصرين نفخ الروح في الأربع، الثانية، لا بعد الأربع، الثالثة، قال الدكتور شرف القضاة: "العلم يؤكد أن الحركات الإرادية التي تدل على وجود الروح تبدأ في الشهر الثالث، بل في نهاية الثاني...وهكذا فيكون نفخ الروح بعد الأربع، الأولى"(325). ثم ةاد الدكتور القضاة

عدد الصفحات ٤٤

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 422 الأمر بياناً فقال: "الروح تُنفخ في الجن، بعد الليلة الثانية والأربع،...من استقرار الن فة في الرحم -كما في الحديث الثالث(320)- لا منظة التلقيح للبويضة، ألا من بداية مرحلة العَلَقة، لا من بداية مرحلة النُّ فة، لأن النُّ فة لا تستقر إلا في اليوم السابع تقريباً عندما تتعلق بجدار الرحم، وعلى هذا فيكون نفخ الروح بعد الليلة التاسعة والأربع،، ألا في بداية الأسبوع الثامن. والله أعلم. وهذا هو الرألا الذلا أراه راجحاً، لأنه وفّق ب، الروايات"(322). وهذه النتيوة ما ةال الكث من العلما والأطبا يتحرجون من ترجيحها ةمن نفخ الروح، لاسيما وأن الأحاديث التي اعتمد عليها الدكتور القضاة ا يُذكر فيها نفخ الروح، لذا فإن الأمر يحتاج إلى مزيد بحث من قِبَل علما الشرع، وإلى مواصلة التوارب والمراقبة السريرية من قبل الأطبا . مكان الكتابة وموضع المكتوب: تعرَّضَت الروايات لذكر المكان الذلا تَحْدُ فيه الكتابة، هل هو داخل الرَّحِم أو خارجه؟ وكذلك تحدَّثَت عن الموضع الذلا يُكتب عليه، هل يكون ذلك على صحيفة أو ب، عيني الجن،، وللعلما في هذا اجتهاد وتفصيل: فأما مكان الكتابة: فإن الناظر في حديث ابن مسعود  يتبادر له أن الكتابة تكون ب ن الأم داخل الرحم، وإن ا يُذكر ذلك صراحة، وأقرب منه فيه حديث حُذيفة بن أَسِيد ، وثَم ة حديث رفعه أنس بن مالك فيه تصريح بكون ذلك في ب ن الأم وليس خارجه، فعن أنس  عن الن أنه قال: "إن الله قد وكّل بالرَّحِم مَلَكاً، فيقول: ألاْ ربِّ، ن فةٌ، ألاْ ربِّ، عَلَقَةٌ، ألاْ ربِّ، مُضْغَةٌ. فإذا أراد الله عز وجل أن يَقْضِيَ خَلْقاً، قال المَلَك: ألاْ ربِّ، ذكرٌ أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرةق؟ فما الأجلُ؟ فيُكتَبُ كذلك في ب ن أمه"(322).

عدد الصفحات ٤٥

426 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ وبعض من أثبت الكتابة مرت،، مرة بعد الأربع، الأولى، ومرة بعد الأربع، الثالثة، أبقى احتمال كون إحداهما في السما ، قال ابن رجب: "وقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السما ، والأخرى في ب ن الأم"(322). وأما موضع المكتوب: فقد تقدم في روايات حديث حُذيفة بن أَسِيد الغِفارلا  أن الموضع الذلا يَكْتُب فيه المَلَك هو الصحيفة، ففي خر رواية أبي الزب المكي عن أبي ال ُّفيل عن حُذيفة مرفوعاً: (فَيَقْضي ربك ما شا ، ويَكْتُبُ المَلَك، ثم يخرج المَلَك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمر ولا يَنْقص). وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي ال ُّفيل عن حُذيفة رفعه: (ويُكْتَبُ عملُه وأَثَرُه وأجلُه ورةقُه، ثم تُ وى الصحف، فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَص). وثم ة حديث خر اقتصر على ذكر الكتابة ب، عيني الجن،، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "إذا أراد اللهُ أن يَخْلُق نَسَمَة، قال مَلَك الأرحام مُعْرِضاً: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيَقْضي الله أمره، ثم يقول: يا ربِّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيَقْضي الله أمره، ثم يَكْتُبُ ب، عينيه ما هو لاقٍ حتى النَّكْبَةَ يُنْكَبُها"(326). ولا تعارض ب، هذا الحديث وحديث حُذيفة  في حقيقة الأمر، لذا فإن ابن حبان أعقب حديث حُذيفة بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقد م للحديث الأخ بقوله: "ذِكْرُ خبر قد يوهِمُ الرَّعَاع من الناس أنه مُضَادٌّ للأخبار التي ذكرناها قبلُ"(323) . وقال ابن رجب جامعاً ب، الحديث،: "وحديث حُذيفة بن أَسِيد المتقدم صريحٌ في أن المَلَك يَكْتُبُ ذلك في صحيفة، ولعله يَكْتُبُ في صحيفة، ويَكْتُبُ ب، عيني الولد"(324) . وقد رج ح ابن حور هذا الجمع الذلا ذكره ابن رجب مع إشارته إلى احتمال خر، فقال -متحدثاً عن مكان الكتابة وموضع المكتوب-: "وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرت،: فالكتابة الأولى في السما والثانية في ب ن المرأة. ويحتمل أن تكون إحداهما في

عدد الصفحات ٤٦

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 423 صحيفة والأخرى على جب، المولود، وقيل: يختلف باختلاف الأجن ة، فبعضها كذا وبعضها كذا، والأول أولى"(323). الأعمال بالخواتيم المحكومة بالأقدار هذه الكلمات هي عنوان الش ر الثاني من حديث ابن مسعود ، وهذا الش ر هو قوله : "فوالذلا لا إله غ ُه، إن أحدَكم ليعملُ بعملِ أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الن ار، فيدخُلُها. وإن أحدَكم ليعملُ بعملِ أهل النار حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجن ة، فيدخُلُها". والفقرة الأولى من العنوان المذكور هو من كلام النبي ، قال عليه الصلاة والسلام: "إن العبدَ ليعملُ عملَ أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعملُ عملَ أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بااواتيم"(322). وفي لفظ خر: "إن العبد ليعملُ فيما يرى الناسُ عملَ أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعملُ فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها"(325). وقد أجمل ابن العربي معنى الش ر الثاني من حديث ابن مسعود بقوله "وتفس ه أن العباد على أربعة أقسام: مؤمن عمره كله، وكافر عمره كله، ومؤمن في أول أمره ثم يكفر، وكافر في أول أمره ثم يؤمن. واابر في هذا الحديث إنما وقع على القسم، اخخرين الذين تختلف حالهما ب، الابتدا والانتها ، وتغاير فيهما الأول واخخر، وتغاير عليهما حكمة الله وتدب ه"(320). وقد م ابن حور المعنى من منظار خر فقال: "وقد ذكر في هذا الحديث أهل اا صِرْفاً وأهل الشر صِرْفاً إلى الموت، ولا ذكر للذين خل وا وماتوا على الإسلام، لأنه ا يقصد في الحديث تعميم أحوال المكلَّف،، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار باااتمة"(322).

عدد الصفحات ٤٧

424 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ واختصر القاضي عِياض معنى هذا الش ر بقوله: "هذا راجع إلى أن الأمر بااواتيم، فإن كل أحد يُتوفى على ما سبق له في أم الكتاب"(322). وهذا الكلام بحاجة إلى توضيح، فقد ذُكرت فيه ااواتيم والسوابق معاً، فهل العبرة بهما أم بأحدهما؟ والجواب ذكره أبو العباس القرطبي في شرحه لهذا الش ر من حديث ابن مسعود ، قال: "ظاهر هذا الحديث: أن هذا العاملَ كان عمله صحيحاً، وأنه قرُب من الجنة بسبب عمله حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابق القَدَر الذلا يظهرُ عند اااتمة، وعلى هذا فااوف -على التحقيق- إنما هو مما سبق، إذ لا تبديل له ولا تغي ، فإذاً الأعمال بالسوابق، لكن لما كانت السوابق مستورة عنا، واااتمة ظاهرة لنا، قال : (إنما الأعمال بااواتيم)، ألا عندنا، وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال. وأما العاملُ المذكور في حديث سهل...فإنه ا يكن عملُه صحيحاً في نفسه، وإنما كان ريا وسُمعة، ولذلك قال : (إن الرجل ليعملُ عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار)"(322). ثم جا النوولا ليخفِّف من شدة وقع حديث ابن مسعود على القلوب المؤمنة، فقال: "والمراد بهذا الحديث أن هذا قد يقع في نادر من الناس، لا أنه غالب فيهم، ثم أنه من ل ف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى اا في كثرة، وأما انقلابهم من اا إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة...ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يُخَلَّد في النار، والعاصي الذلا مات موحِّداً لا يُخلّد فيها"(326). وقد أورد ابن رجب كلاماً مفيداً في مدى غلبة تعلـق القلوب بااواتيم أو تعلقها بالسوابق، فقال: "وفي الجملة: فااواتيم م ا السوابق، وكل ذلك سبق في

عدد الصفحات ٤٨