حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 453 الملك بكفه فقال: ألاْ ربِّ، أذكر أو أنثى؟..الحديث)، وفيه: (فيقال: ان لق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه الن فة، فين لق فيود ذلك)، فينبغي أن يفس ر الإرسال المذكور بذلك"(02). فيَنْفُخُ فيه الروحَ: قال أبو العباس القرطبي: "ونفخُ المَلَك في الصورة سببٌ يخلق الله عنده بها الروحَ والحياة، لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا يلزم منه عقلاً ولا عادة في حقنا تأث في المنفوخ فيه، فإن قُدِّر حدو شي عند ذلك النفخ، فذلك بإحدا الله تعالى، لا بالنفخ"(02). وقال قبل ذلك: "إنما ينفخُ -(يعني المَلَك)- الروحَ فيها بعد أن تتشكَّل تلك المضغة بشكل ابن دم، وتتصو ر بصورته، كما ﭧ ﭨ ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﭼ المؤمنون: 32 ... قال أبو العالية وغ ه: وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربع، يوماً، وحينئذ يُنفخ فيه الروح، وهو المعنيُّ بقوله ﭨ ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖﭼ المؤمنون: 32 "(02). وقد بي ن ابن حور المراد بإسناد النفخ إلى المَلَك وإسنادِه إلى الله تعالى، فقال "ومعنى إسناد النفخ للمَلَك أنه يفعله بأمر الله...والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له:كن، فيكون"(26). وأما الروح فقال نجم الدين ال ُّوفي: "وهو المعنى الذلا يحيا به الإنسان، وهو من أمر الله عز وجل كما أَخبر"(23). ويُؤمرُ بأربع كلماتٍ: ألا يُؤمر المَلَك بكتابة أربعة أشيا مُقَد رة من أحوال هذا المخلوق، كما ذكر الحافظ ابن حور(24) .وفس ر ال ِّيبي لفظة (الكلمات) بقوله "والكلمات القضايا المُقَدَّرة، وكل قضي ة تسمى كلمة، قولاً كان أو فعلاً"(23).
عدد الصفحات ١٧454 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ وقد وقف ابن العربي عند كلمة (ويُؤمر) منبِّهاً إلى معنى ل يف فيها، فقال: "قوله: (ويُؤمر): هذه الفائدة العظمى، لأنه لو أَخبر فقال: أجله كذا ورةقه كذا وهو شقي أو سعيد، ما تغي ر خبره أبداً، لأن خبر الله لا يجوة أن يوجد بخلاف مَخْبَره، لوجوب الصدق له، ولكنه يأمر بذلك كلِّه، ولله سبحانه أن ينسخ أمره ويقلب ويصرف العباد فيه من وجه إلى وجه. فافهموا هذا فإنه نفيس، وفيه يقع المحو والتبديل، وأما في اابر فلا يكون ذلك أبداً، وكذلك يقع المحو في صحائف المَلَك، ويُرفع إلى ما في أم الكتاب، وهو تأويل قوله: ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ الرعد: 32"(22) . وظاهر قوله: (ويؤمر بأربع كلمات) يفيد وجوده ابتدا من غ سؤال، لكن حديث حُذيفة بن أَسِيد الغِفارلا اختي مصرح بأن المَلَك يسأل ربه عن ذلك، فيويبه رب العزة سبحانه بأمره، قال أبو العباس القرطبي: "ظاهر هذا اللفظ أن المَلَك يؤمر بكَتْب هذه الأربعة ابتدا ، وليس كذلك، بل إنما يؤمر بذلك بعد أن يسأل عن ذلك، فيقول: يا رب، ما الرةق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وهل شقي أو سعيد؟ كما تضمنته الأحاديث اختية بعد -(يعني حديث حذيفة بن أَسِيد برواياته، وحديثاً خر لأنس بن مالك )-. بل قد روى يحيى بن ةكريا بن أبي ةائدة قال: حدثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعن ابن عمر: (إن الن فة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفِّه، وقال: ألا رب ، أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بألا أرض تموت؟ فيقال له: ان لق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه الن فة، فين لق فيود قصتها في أم الكتاب...)"(25). يُكْتَبُ: ضُب ت هكذا في النسخة اا ية التي اعتمدتها من صحيح مسلم، لكن النَّوولا قي د الحرف الأول بالبا فقال: "قوله: (بكَتْبِ رةقه) هو بالبا الموحَّدة في أوله
عدد الصفحات ١٨حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 453 على البدل من أربع(20). وأما في صحيح البخارلا فضب ت الكلمة بالوجه،، قال ابن حور: "وضبط (بكتب) بوجه،، أحدهما بموحَّدة مكسورة وكاف مفتوحة ومثناة ساكنة ثم موح دة، على البدل. واخخر بتحتانية مفتوحة بصيغة الفعل المضارع، وهو أوجه، لأنه وقع في رواية دم -(يعني عند البخارلا)-: (فيؤذن بأربع كلمات فيكتب)، وكذا في رواية أبي داود وغ ه"(22). وا ترد هذه الكلمة في ال بعة السل انية من صحيح البخارلا بالبا الموح دة، ووردت بالتحتانية في موضع،، ضُبط الأول منهما هكذا: (فَيَكْتُبُ) وهكذا: (فيُكْتَبُ)، على الوجه،، وضبط اخخر: (فيَكْتُبُ) على وجه واحد. وكتابة المَلَك لا تُعارض التقدير الأةلي -الذلا لا بداية له- من الله تعالى، كما أنها غ الكتابة في اللوح المحفوظ، قال القاضي عِياض في شرح كلمة: (فيقضي ربُّك ما شا ، ويَكْتُبُ المَلَك) من حديث حذيفة بن أَسِيد الغِفارلا: "ألا يُظْهر ذلك للمَلَك ويأمره بإنفاذه وكتابته، وإلا فقضاؤه سابق، وعلمه بما يكون من ذلك وإرادته فيه متقدمة أةلية لا أول لها"(22). وقال ابن رجب الحنبلي في شرح حديث ابن مسعود : "فهذه الكتابة التي تُكتب للون، في ب ن أمه غ ُ كتابة المقادير السابقة الق االائق المذكورة في قوله ﭨ ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﭼ الحديد: ٢٢"(22). رةقُه وأجلُه وعملُه: بي ن العلما ُ المراد من كتابة الرةق والأجل والعمل، قال نجم الدين ال ُّوفي: "الرةق، وهو: ما يتناوله الإنسان في إقامة بدنه من مأكول ومشروب وملبوس وغ ه. والأجل: مدة الحياة"(26)، وقال الكَرْماني: "قوله (برةقه) وهو الغذا حلالاً أو حراماً، وقيل: هو كل ما ساقه الله تعالى إلى العبد لينتفع به، وهو أعم، لتناوله العلم ونحوه. والأجل ي لق لمعني،: لمدة العمر من أولها إلى خرها، وللوز الأخ الذلا يموت فيه"(23). وقال ابن حور: "والمراد من كتابة الرةق تقديره
عدد الصفحات ١٩452 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ قليلاً أو كث اً، وصفته حراماً أو حلالاً، وبالأجل هل هو طويل أو قص ، وبالعمل هو صالح أو فاسد"(24). وهذه الكلمات الثلا تُضبط بالرفع، وهي نائب فاعل، لأن الفعل المضارع قبلها مبني لما ا يُسَم فاعله، ولو اعتبرنا رواية فتح الحرف الأول من الفعل، لكانت تلك الكلمات منصوبة على المفعولية، وأما على الضبط الشائع: (بكتب) وهو رواية أيضاً كما سبق، فتكون تلك الكلمات مجرورة بالإضافة. وشقيٌّ أو سعيدٌ: عَدَل في هات، الكلمت، عن ظاهر السياق -وظاهره أن يقال: (وشقاوته أو سعادته)-، لأن الكلام قبلُ متوجه إليهما، كما أن ما بعدهما صادر عنهما، وهذا صنيع البلغا ، قال ال ِّيْبي: "قوله: (شقيٌّ أو سعيد): كان من حق الظاهر أن يقال: (تُكْتب سعادته وشقاوته)، فعَدَل إما حكاية لصورة ما يكتبه، لأنه يكتب: شقي أو سعيد، أو التقدير أنه شقي أو سعيد، فعدل لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما"(23). ويُكتب لكل إنسان أحدُ الأمرين فقط كما هو ظاهر اللفظ، قال ابن حور "والمراد أنه يَكْتُب لكل أحد إما السعادة وإما الشقا ، ولا يكتبهما لواحد معاً، وإن أمكن وجودهما منه، لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب، وإذا ترتبا فللخاتمة، فلذلك اقتصر على أربع، وإلا لقال: خمس"(22). والشقي ضد السعيد، والمراد هنا شقاوة اخخرة وسعادتها(25)، وقال الراغب الأصفهاني: "السعادة مُعاوَنة الأمور الإلهية للإنسان على نَيْل اا ، ويُضَادُّه الشَّقاوة"(20). وجزا السعدا الجنة، كما أن جزا الأشقيا النار. وفي الإعراب قال ابن حور: "وقوله: (شقي أو سعيد) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف"(22). وسبقه إليه النوو-مع ملاحظة اعتماد الأخ لرواية (بكَتْب) بالبا
عدد الصفحات ٢٠حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 455 الموحَّدة أول الحروف-، قال النوولا: "وقوله: (شقي أو سعيد) مرفوع، خبر مبتدأ محذوف، ألا هو شقي أو سعيد"(22). وقد تعقّب بدر الدين العيني القائل بالرفع-مع اعتبار اعتماده لرواية البدلية- فقال: "قلت: ليس كذلك، لأنه مع وف على ما قبله، الذلا هو بدل عن أربع، فيكون مجروراً، لأن تقدير قوله: (فيؤمر بأربعٍ) أربع كلمات: كلمة تتعلق برةقه، وكلمة تتعلق..."(22). فوالذلا لا إله غ ُه، إن أحدَكم ليَعْملُ: هذه الكلمات وما بعدها في الحديث من كلام النبي ، وليست مُدْرجة في اابر من كلام ابن مسعود، خلافاً لما قد ظُن (26). وقد قام ابن حور بتوضيح هذا الأمر، وقال في أثنائه: "فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحب ال برلا"(23). ثم بي ن ابن حور ما في تلك الكلمات المذكورة من تأكيدات، مع ذكر سبب التأكيد فقال: "وقد اشتملت هذه الجملة على أنواع من التأكيد بالقسم ووصف المقسم به وبإن وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكِر أو المستبعِد أو من يُتوهم فيه شي من ذلك، وهنا لما كان الحكم مستبعَداً، وهو دخول من عمل ال اعة طول عمره النار وبالعكس، حَسُن المبالغة في تأكيد اابر بذلك. والله أعلم"(24). وقال تاج الدين الفاكهاني في الحلف المذكور: "وسِرُّه -والله أعلم- التعوب من وقوع ذلك، والعرب إذا تعوبت من شي أقسمت عليه"(23). ليعملُ بعملِ أهل الجَن ة ليعملُ بعملِ أهل النار: فالجملة الأولى فس رها الحافظ ابن حور بقوله: "يعني من ال اعات الاعتقادية والقولية والفعلية، ثم يحتمل أن الحفظة تكتب ذلك ويُقبل بعضها ويُرد بعضها، ويحتمل أن تقع الكتابة ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على اااتمة"(22). ونقل ابن
عدد الصفحات ٢١450 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ المُلَقِّن عن الداودلا قوله في معناها: "يقول: قد يعمل أحدُكم العمل الصالح إلى قرب موته، وقرب معاينته الملائكة الذين يَقْبضون روحه، ثم يعمل السيئات التي تُوجب النار، وتُحبِط ذلك العمل، فيدخل النار، والإيمان لا يُحب ه إلا الكفر"(25). وتعقبه ابن حور بقوله: "واستدل الداودلا بقوله: فيدخل النار، على أن اابر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يُحب ه إلا الكفر، وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث تعرض للإحباط، وحمله على المعنى الأعم أولى، فيتناول المؤمن حتى يُختم له بعمل الكافر مثلاً ف تد فيموت على ذلك، فنستعيذ بالله من ذلك، ويتناول الم يع حتى يُختم له بعمل العاصي فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يُخَلَّد فيها أبداً، بل مجرد الدخول صادق على ال ائفت،"(20). وأما الجملة الثانية فاعتنى الحافظ ابن حور فيها من ناحية الإعراب، وما ذكره فيها ين بق أيضاً على الجملة الأولى، قال: "قوله: (بعمل أهل النار): البا ةائدة، والأصل يعمل عمل أهل النار، لأن قوله (عمل) إما مفعول م لق، وإما مفعول به، وكلاهما مستغن عن الحرف، فكان ةيادة البا للتأكيد، أو ضَم ن (يعمل) معنى يتلب س في عمله بعمل أهل النار، وظاهره أنه يعمل بذلك حقيقة ويُختم له بعكسه"(22). حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذِراعٌ: والذِّراع كما قال الف وةاباذلا: "من طرف المِرْفَق إلى طرف الأصبع الوس ى"(22). وقد مَث ل الن في هذا الحديث لقرب حال ذاك الإنسان من الموت بالتعب بالذراع، قال القاضي عِياض: "على طريق التمثيل للقرب من موته، ودخولها بأثره، مثل من وصل إلى شي بينه وبينه هذا القَدْر، ثم مُنع منه"(22). وقال تاج الدين الفاكهاني: "والذراع تمثيل على جهة الاستعارة(366). وقال ابن حور: "والتعب بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت، فيُحال من بينه وب، المكان المقصود بمقدار ذراع...من المسافة، وضابط ذلك الحسي الغَرْغَرة التي جُعلت علامة لعدم قبول التوبة"(363).
عدد الصفحات ٢٢حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 452 وأما جانب الإعراب فقد قال ال ِّيْبي: "قوله: (حتى ما يكون): حتى هي الناصبة، و(ما) نافية، ولفظة (يكون) منصوبة بحتى، و(ما) غ مانعة لها من العمل"(364). وعلّق ابن حور على كلام ال ِّيبي بقوله: "وأجاة غ ه أن تكون (حتى) ابتدائية، فتكون على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضاً"(363). وقد ضُب ت النون بالضم في روايات هذا الحديث في ال بعة السل انية من صحيح البخارلا، كما ضُب ت بذلك في النسخة اا ية المشار إليها من صحيح مسلم. فيَسْبِقُ عليه الكتابُ: تتابع العلما على تحليل هذه الألفاظ وذِكر معانيها، فقال ال ِّيْبي: "والفا في (فيسبق) للتعقيب، يسبق معنى يغلب، ألا يغلب عليه الكتاب وما قُدِّر عليه سبقاً بلا مهلة، فعند ذلك يعمل عمل أهل الجنة أو أهل النار"(362). وقال الكَرْماني: "و(الكتاب) ألا ما قَد ر ا في الأةل وكَتَب فيه"(365). وقال ابن حور العسقلاني: "وقوله: (عليه) في موضع نصب على الحال، ألا يسبق المكتوب واقعاً عليه...والمراد بسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف، أو المراد المكتوب. والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضا السعادة والمكتوب في اقتضا الشقاوة، فيتحقّق مقتضى المكتوب، فعب ر عن ذلك بالسبق، لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمث ل العمل والكتاب شخص، ساعي، لظَفِر شخصُ الكتاب وغَلب شخصَ العمل"(360). وقال ابن حور الهَيْتمي: "(فيسبق عليه الكتاب) ألا المكتوب له في ب ن أمه، مستنداً إلى سابق العلم الأةلي فيه، ويصح بقاؤه على مصدريته"(362).
عدد الصفحات ٢٣452 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ المبحث الثاني الشرح التحليلي لمسائل حديث ابنِ مسعود جمع الخلق وبعض أحكامه لقد فهم أكثر العلما من حديث ابن مسعود ، أن مدة كل مرحلة من مراحل التخلق الثلا (النُّ فة والعَلَقة والمُضْغة) التي يتقلب فيها الجن، في ب ن أمه أربعون يوماً، قال ابن رجب: "فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مئة وعشرين يوماً، في ثلاثة أطوار، في كل أربع، منها يكون في طَوْر، فيكون في الأربع، الأولى نُ فة، ثم في الأربع، الثانية عَلَقة، ثم في الأربع، الثالثة مُضغة، ثم بعد المئة وعشرين يوماً يَنْفُخ المَلَك فيه الروح، ويَكْتب له هذه الأربع كلمات. وقد ذكر الله تعالى في كتابه المجيد في مواضع متعددة تقلُّب الجن، في هذه الأطوار...وفي موضع ذكر سبحانه أطواراً أخرى ةيادة على الثلاثة، فقال في سورة المؤمنون: ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ المؤمنون: 34 - 32 "(362). وادُّعي الاتفاق على أن مدة كل طَور من الأطوار الثلاثة أربعون يوماً، وبُنيت على ذلك الأحكام، قال القاضي عِياض: "اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، وا يُختلف أن نفخ الروح فيه بعد مئة وعشرين يوماً"(362). ثم صَر ح بعد هذه الإلماعة بقوله: "وذِكره أن لكل حالة وانتقال مدة أربع، يوماً، وأنه إنما ينتقل إلى العَلَقة بعد الأربع،، أصل في أنه لا يُعَوَّل في السِّقْط(336) إلا إذا كان عَلَقة...لأنه لا يتميز أنه سِقْط إلا بتخلُّقه إلى العَلَقة"(333). ألا أن التخليق يكون بالعَلَقة لا بالن فة(334).
عدد الصفحات ٢٤حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 452 وقد أي د أبو العباس القُرطبي عِياضاً في كلامه المذكور، ونَقَل القسم الأول منه على الموافقة، ثم قال معبِّراً عن القسم الثاني: "المرأة إذا ألقت نُ فة ا يتعلق بها حُكْم، إذ ا تجتمع في الرحم...إذ الرحم قد يدفع الن فة قبل استقرارها فيه، فإذا طرحته عَلَقة تحققنا أن الن فة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يُتحقّق به أنه ولد. وعلى هذا فيكون وضع العَلَقة فما فوقها من المُضغة وضع حملٍ يبرأ به الرحم، وتنقضي به العِد ة، ويثبتُ لها به حكمُ أم الولد، وهذا مذهب مالك وأصحابه. وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العَلَقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخ يط، فإن خفي التخ يط وكان لحماً فقولان"(333). فعلى هذا لا يكون جمع ااَلْق حقيقة-ألا أقل ما يتبي ن فيه ااَلْق- قبل ص ورة الن فة إلى عَلَقة عند المالكية. وأما الشافعية والحنابلة والجمهور فوعلوه في طور المُضْغة، قال ابن رجب الحنبلي: "وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي -بنا على أن ااَلْق لا يكون إلا في المُضغة-: أقل ما يَتَبَيَّن فيه خلق الولد أحد وثمانون يوماً، في أول الأربع، الثالثة التي يكون فيها مُضغة، فإن أُسق ت مُضْغة مُخَلَّقة انقضت بها العِد ة وعُتقت بها أم الولد. فأما الصلاة على السِّقط فالمشهور عن أحمد أنه لا يصلى عليه حتى يُنفخ فيه الروح، ليكون ميتاً بمفارقة الروح له، وذلك بعد مُضي أربعة أشهر، وهو قول ابن المسي ب وأحد أقوال الشافعي"(332). ثم قال: "ومذهب الشافعية والحنفية...الاعتبار عندهم في ذلك كله بما يتبي ن فيه خلق الإنسان"(335). ومع قول الحنابلة بأن التخليق لا يتب، إلا في طَور المُضْغة، فإنهم ا يُويزوا الإسقاط في مرحلة العَلَقة لأجل الانعقاد، قال ابن رجب -بعد أن ضع ف قول طائفة من الفقها رخ صت للمرأة إسقاط ما في ب نها ما ا يُنفخ فيه الروح-: "وقد صر ح أصحابنا بأنه إذا صار الولد عَلَقة ا يجز للمرأة إسقاطُه، لأنه ولد انعقد، بخلاف الن فة فإنها ا تنعقد بعد، وقد لا تنعقدُ ولداً"(330).
عدد الصفحات ٢٥406 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ ومن العلما من تشد د في هذا الأمر فلم يُوز إفساد المني بعد حصوله في الرحم، قال القاضي عِياض: "إذ ليس كل ن فة تكون ولداً، ولهذا رأى أهل العلم أنه ليس لها في الأربع، حكم السِّقط، ورأى بعضهم أنها ليست لها حرمة ولا لها حكم المراد في الأربع،. خالفه غ ه في هذا وا ير إباحة إفساد المني ولا سبب إخراجه بعد حصوله في الرحم بوجه قرُب أو بعُد، بخلاف العزل قبل حصوله فيه"(332). التخليق والتقدير بين حديث ابن مسعود وحديث حُذيفة بن أَسِيد : كث اً ما يُفَسَّر الحديث بالحديث، وحديث ابنِ مسعود فيه شبهة تعارض مع حديث لحُذيفة بن أَسِيد الغِفارلا ، وهو تعارض ظاهرلا لا حقيقة له، ويمكن الجمع ب، مدلولي الحديث، من غ تعسف، ويُسمى هذا عند المحدث، بمختلِف الحديث. وقد أشار إلى ذلك ابن حبان قبل إخراجه لحديث حُذيفة فقال: "ذِكْر خبرٍ قـد يُوهِم من ا ي لب العلم من مظان ه أنـه مضادٌّ ابر ابن مسعود"(332). وقال ابن القَيِّم "وكلام رسول الله يُصَدِّق بعضه بعضاً، ويُفَسِّر بعضه بعضاً، وي ابق الواقع الوجود ولا يخالفه، وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بإدراكه، لا بما يخالف الحس والعقل"(332). وحديث حُذيفة الغِفار رواه عنه أبو ال ُّفَيل عامر بنواثِلَة : فعن عمرو بن دينار: "عن أبي ال ُّفَيل، عن حُذيفة بن أَسِيد، يبلغُ به الن قال: يَدْخُل المَلَك على الن فة بعدما تستقرُّ في الرحم بأربع، أو خمس وأربع، ليلةً، فيقول: يا ربِّ، أشقيٌّ أو سعيد؟ فيُكتبان. فيقول: ألاْ ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيُكتبان(346)، ويُكتب عملُه وأَثَرُه وأجلُه ورةقُه، ثم تُ وى الصُّحف، فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَص"(343).
عدد الصفحات ٢٦حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 403 وعن أبي الزُّب المكي: "أن عامر بن واثِلَة حد ثه، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقولُ: الشقيُّ من شقي في ب ن أمـه(344)، والسعيد من وُعظ بغ ه. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله يقال لـه.حُذيفةُ بن أَسِيد الغِفارلاُّ، فحد ثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجلٌ بغ عمل؟! فقال له الرجل: أتعوبُ من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله يقول: إذا مر بالن فة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها مَلَكاً، فصو رها وخلق(343) سمعها وبصرها وجِلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ، أذكرٌ أم أنثى؟ فيَقْضي ربُّك ما شا ، ويَكْتُبُ المَلَك، ثم يقول: يا رب ، أجله؟ فيقولُ ربُّك ما شا ، ويكتبُ المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، رةقه؟ فيَقْضي ربك ما شا ، ويَكْتُبُ المَلَك، ثم يخرج المَلَك بالصَّحيفة في يده، فلا يز يد على ما أُمر ولا يَنْقص"(342). فالإشكال ب، حديث ابن مسعود وحديث حُذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما راجع أساساً إلى ةمن إتيان المَلَك للكتابة وغ ِها من المهمات، ففي حديث ابن مسعود بعد المُضغة، وفي حديث حُذيفة بعد أربع، يوماً. وقد بَي ن الكث من العلما أنه لا تعارض ب، الحديث، حقيقة. فومع بعضهم بينهما: بأن المَلَك يكتب ما يقضي الله عز وجل في هذا المخلوق بداية مرحلة العَلَقة -ألا بعد الأربع، الأولى عندهم-، ثم يقوم بالتصوير في مرحلة المُضغة أو بعدها، ثم بعد ذلك يَنْفخ فيه الروح. وما ذُكر في حديث ابن مسعود من قوله -كما في رواية مسلم-: (ويؤمر بأربع كلمات) بعد ذِكر التخليق والنفخ، فإنه ع ف بالواو، والع ف بها لا يفيد ترتيباً. قال القاضي عِياض: "يَظْهَر من مجموع هذه الأحاديث أن للمَلَك ملاةمة ومراعاة لحال النُّ فة، وإعلام الله تعالى بانتقال حالاتها -وهو أعلم-، وأن لتصرف
عدد الصفحات ٢٧404 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ المَلَك في أمرها أوقاتاً: أحدها عند تحركها من النُّ فة إلى العَلَقة، وهو أول انتقال أحوالها إلى حال الحمل، وعلمِ المَلَك بأنه ولد...وهو وقت سؤال المَلَك ربه حينئذ عن صفة خلقه ورةقه وأجله وشقاوته وسعادته، وذلك قبل تصويره وتخلقه، ألا تراه كيف قال: (أذكر أو أنثى؟ فيُكتبان، وت وى الصحف)، وفي الرواية الأخرى: (فيَقْضي ربك ما شا ، ويكتبه). وليس في حديث ابن مسعود ما يخالفه لذكر ذلك بعد نفخ الروح فيه، لأنه قال: (ويؤمر)، والواو لا تُع ي رُتْبة، فإنما أخبر -والله أعلم- عن حال تقدمت"(345). ثم تحد القاضي عِياض عن تصر ف خر للمَلَك في وقت متأخر عن الأول، فقال: "ثم ولحمه وعظمه، وكونه ذكراً أو أنثى، وذلك إنما يكون بعد كونه مُضغة في الأربع، الثالثة، قبل تمامِ خَلْقِها ونفخ الروح فيه، إذ لا ينفخ في الروح إلا بعد تمام صورته"(340). وعند شرح القاضي عِياض لهذا التَصرُّف الثاني أورد حديث حُذيفة الغِفارلا الذلا رواه أبو الزُّب المكي-لكن القاضي نسبه خ أ لابن مسعود(342)- وفيه التصوير بعد الأربع،، وعلق بقوله: "فحملُ هذا على ظاهره لا يصح ، لأنه قد ذَكر أن ذلك ما يَقْضي الله فيه ما شا ويُكتب، فدل أنه يُوجد بعدُ، وإنما هو كتاب كما قال: (ثم خرج المَلَك بالصحيفة في يده)، ولأن التصوير بأثر الن فة وأول العلقة وفي الأربع، الثانية غ موجود ولا معهود، وإنما التصوير في الأربع، الثالثة في مدة المُضغة"(342). وثَم ة تصرف ثالثللمَلَك في وقت لاحق، قال القاضي عِياض: "ثم يكون للمَلَك فيه تصرف خر وهو وقت نفخ الروح فيه"(342). وهذا النفخ يكون بعد أن يتصوَّر الجن، بصورة الإنسان، قال أبو العباس القرطبي: "وظاهر هذا السِّياق: أن المَلَك عند مجيئه يَنْفخُ الروح في المضغة(336)، وليس الأمر كذلك، بل إنما ينفخُ الروحَ
عدد الصفحات ٢٨حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 403 فيها بعد أن تتشكَّل تلك المُضْغةُ بشكل ابن دم، وتتصوَّر بصورته، كما قال تعا {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً}(المؤمنون41)"(333). وعوداً على ما ذكره القاضي عِياض في كلامه الأول، من أن الواو في قوله في رواية مسلم من حديث ابن مسعود: (ويؤمر) لا تقتضي ترتيباً، فإنه لا يُزيل الإشكال عن روايات البخارلا لهذا الحديث، وفيها: "ثم يكون مضغةً مثلَه، ثم يُبعث إليه المَلَك فيؤذَنُ بأربع كلمات، فيَكْتُبُ رةقَه وأجلَه وعملَه وشقي أم سعيد، ثم يَنْفخ فيه الروح"(334). فدل هذا على أن كتابة المَلَك تكون بعد مرحلة المُضْغة-لأن (ثم) تقتضي التراخي-، وليس في أوائل طَوْر العَلَقة كما يُفهم مـن حديث حُذيفة بن أَسِيد . وقد أجاب عن هذا الإشكال ابن الصلاح بأن قوله: (ثم يُبعث إليه المَلَك مع وف على قوله عليه الصلاة والسلام أول الحديث: (يُومع خَلْقه)، قال: "فقوله: (ثم يُبعث إليه المَلَك) بحرف (ثم )، تقتضي تأخ كتب المَلَك الأمور الأربعة إلى ما بعد الأربع، الثالثة، وحديث حُذيفة بن أَسِيد قاض بتقديم كتب المَلَك لذلك عقيب الأربع، الأولى، وسبيل ااروج عن إشكال ذلك أن يُوعل قوله: (ثم يبعث الله إليه الملك فيؤذنُ فيَكْتُب) مع وفاً على قوله: (يُومع في ب ن أمه أربع، يوماً)، ومتعلقاً بهذا لا بالذلا يليه قبله، وهو قوله: (ثم يكون مُضْغةً مثله)، ويكون قوله: (ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله)، اعتراضاً وقع ب، المع وف والمع وف عليه، والاعتراض بأمثال ذلك في كلام الله تبارك وتعالى وكلام العرب غ قليل...إذا عرفت هذا فقوله: (ثم يَنْفخ فيه الروح) متصل بقوله: (ثم يكون مُضغةً مِثلَه)، لأنه في نية التأخ لما ذكرناه، فافهم ذلك واعرفه، فإنه مُشْكِل عويص جداً، لا أحد نعلمه تقدم بحلِّه"(333).
عدد الصفحات ٢٩402 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ ثم أتى ابن رجب بمثل هذا الجواب بصيغة تقولا المعنى، وعزاه إلى بعض المتأخرين، ولعله أراد به ابن الصلاح أو بعض من تبعه، قال ابن رجب: "ومن المتأخرين من رج ح أن الكتابة تكون في أول الأربع، الثانية، كما دل عليه حديث حُذيفة بن أَسِيد، وقال: إنما أخ ر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة -وإن ذكرت بلفظ (ثم)-، لئلا ينق ع ذكرُ الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجن،، وهي كونه نُ فة وعَلَقة ومُضغة، فإن ذِكْر هذه الثلاثة على نَسَق واحد أعوبُ وأحسن، فلذلك أخ ر المع وف عليها، وإن كان المع وف متقدماً على بعضها في الترتيب"(332). وقد م ابن رجب على هذا في الذكر قوله: "وقد يقال: إن لفظة (ثم) في حديث ابن مسعود إنما أريد به ترتيب الأخبار، لا ترتيب المُخْبَر عنه في نفسه"(335). وكان ابن الصلاح قد اعتمد قبل كلامه السابق جواب القاضي عِياض الجمع ب، الحديث، في أصل المسألة، لكنه مَه د له بقوله: "حديث حُذيفة بن أَسِيد هذا ا يخرجه البخارلا في كتابه، ولعل ذلك لكونه ا يجده يلتئم مع حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، ووجد حديث ابن مسعود أقوى وأصح، فارتاب بحديث حُذيفة الذلا مداره على أبي ال ُّفَيل عامر بن واثِلَة عنه، فأعرض عنه، وأما مسلم فإنه خر ج الحديث، معاً في كتابه فأحوجنا إلى ت لب وجه يلتئمان به ولا يتنافران"(330). وقُصارى القول: إن القاضي عِياضاً جمع ب، حديث ابن مسعود وحديث حُذيفة الغِفارلا رضي الله عنهما بجعل الأخ محمولاً على الكتابة لا الفعل، وعلى التصوير اللفظي لا الحقيقي، والتخليق العِلْمي لا ااارجي، وجعل مهمة الملك تختلف من وقت خخر، ووافقه على ذلك ابن الصلاح، وةاد عليه دفع إشكال عن رواية البخارلا كما سبق. واعتمد النوولا(332) ما ذكره القاضي عِياض وما ةاده ابن الصلاح.
عدد الصفحات ٣٠حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 405 وقد نحا أبو العباس القرطبي وغ ه نحواً خر في الجمع، وهو أن حديث حُذيفة الغِفارلا تكلم عن إتيان للمَلَك موافق لما في حديث ابن مسعود، وذلك مرحلة تمام المُضغة، وليس قبلها، قال القرطبي: "وحاصله أن بعثَ المَلَك المذكور في هذا الحديث -(يعني حديث حُذيفة )- إنما هو في الأربع، الرابعة التي هي مُدة التصوير...وسم ى المُضْغة نُ فة بمبدئها، ألا ترى قوله: (بعث الله إليها مَلَكاً فصو رها وخلق سمعها وبصرها وجِلدها وعظامها)، فع ف بالفا المُرَتِّبة، وهذا لا يكون حتى تصل الن فة إلى حال نهاية المضغة...وبهذا تتفق الروايات ويزول الاض راب المتوهَّم فيها. والله أعلم"(332). وممن ارتضىنحو هذا الجمع، وةاده بَسْ َة في البيان والتوجيه -مع إيراده لاحتمالات أخرى ضَع ف بعضها- ابنُ القَيِّم في تهذيبه لسنن أبي داود، قال: "فدل حديث حُذيفة على أن الكتابة المذكورة وقتَ تصويره وخلق جلده ولحمه وعظمه، وهذا م ابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في ال َّور الرابع، وفيه وقعت الكتابة. فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربع، ليلة؟ قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يُتعرض لها، ولا يَتَعَلَّق بها تخليق ولا كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود، وجاوةت الأربع، وقعت في أطوار التخليق، طَبَقاً بعد طَبَق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود صريح في أن وقوع ذلك بعد كونه مُضغة بعد الأربع، الثالثة، وحديث حُذيفة فيه أن ذلك بعد الأربع،، وا يوقِّت البعدية، بل أطلقها، ووقّتها في حديث ابن مسعود"(332). فعلى هذا يُحمل حديث حُذيفة على حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، ويكون الأخ مفسِّراً للأول، ومقيِّداً لإطلاقه. ولما ذكر ابن القَيِّم هذا الوجه من الجمع في كتابه طريق الهورت، وباب السعادت، وصفه بقوله: "وهذا وجه حسن جداً"(326).
عدد الصفحات ٣١400 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ لكن ابن القَيِّم في كتابه التبيان في أقسام القر ن ا يقو هذا الرألا، وا يمل إليه، وقال: "وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حُذيفة إنما هو بعد الأربع، الثالثة، قالوا: وأكثر ما فيه التعقيب بالفا ، وتعقيب كل شي بحسبه... ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال"(323). ثم ذكر ما ر ه صواباً وقد سئل تقي الدين بن تيمية عن الجمع ب، حديث ابن مسعود وحديث حُذيفة بن أَسِيد رضي الله عنهما، فدقّق في روايات الحديث، مع استظهاره بأحاديث أخرى في الباب، وا يمنع من وقوع الكتابة مرت،، مرة بعد الأربع، يوماً كما في حديث حُذيفة بن أَسِيد ، ومرة بعد المئة وعشرين كما في حديث ابن مسعود برواياته، لكنه ا يجزم بذلك، إذ ترك الباب مفتوحاً أمام ترجيح حديث ابن مسعود على حديث حُذيفة بن أَسِيد رضي الله عنهما، ثم قارب الواقع عندما ذكر إمكانية التخليق في طور العَلَقة -وهذه منه لفتة نفيسة، وسأوسع الكلام فيها بعدُ إن شا الله تعالى-، ودونك قوله بلفظه: "أحدُ الأمرين لاةم: إما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربع،، ثم تكون عقب المئة وعشرين، ولا محذور في الكتابة مرت،...أو يقال: إن ألفاظ هذا الحديث -(يعني حديث حُذيفة )- ا تُضبط حق الضبط، ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه، ولهذا أعرض البخارلا عن روايته، وقد يكون أصل الحديث صحيحاً، ويقع في بعض ألفاظه اض راب، فلا يصلح حينئذ أن يعارض بها ما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه، الذلا ا تختلف ألفاظه، بل قد صَد قه غ ه من الحديث الصحيح. فقد تلخ ص الجواب: أن ما عارض الحديث المتفق عليه: إما أن يكون موافقاً له في الحقيقة، وإما أن يكون غ محفوظ، فلا معارضة، ولا ريب أن ألفاظه ا تُضبط...وغاية ما يقال فيه: إنه يقتضي أنه قد يُخَلّق في الأربع، الثانية، قبل دخوله في الأربع، الثالثة، وهذا لا يخالف الحديث الصحيح، ولا نعلم أنه باطل، بل قد ذكر
عدد الصفحات ٣٢