المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حديث ابن مسعود في التخليق والتقدير دراسة حديثية تحليلية مقارنة

قاسم علي سعد

صفحة ١ من ٥

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 435 حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير دراسةٌ حديثيةٌ تحليليةٌ مُقارَنةٌ

عدد الصفحات ١

430 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ

عدد الصفحات ٢

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 432 حديثُ ابنِ مَسعودٍ  في التَّخْليق والتَّقْدير دراسةٌ حديثيةٌ تحليليةٌ مُقارَنةٌ ملخص البحث يقدِّم هذا البحثُ دراسةً حديثية تحليلية لحديث عظيم من جوامع الكَلِم، وهـو حديثُ ابنِ مَسعودٍ  عن الصادق المصـدوق في أطـوار التَّخْليـق وأمـر التَّقْـدير، المشتمل على معان دقيقة حافلة، والكاشف عن حقائق جليلة خافية. حديث تكلّم فيه النبي  عن مراحل التخلق المتعاقبة، وكتابة التقادير المتنوعة، ونفخِ الروح التي لا يُدرِك كُنْهَها إلا خالقها، كل ذلك بلسان الوحي المـب،، الـذلا لا يمكن لبشر أن يأتي به من تلقـا نفسـه، فكـان الحـديث روعـة في الإعوـاة، و يـة في الإيجاة، خشع لهيبته العلما الأفذاذ، وخضع لعظمته الأطبا المهرة. وقد ربط هذا الحديث الجليل النهايات بالبـدايات، وبـي ن أن ااـواتيم مـ ا ُ السوابق، فكان مدرسة للإصلاح، وتهذيب النفوس، فيه خوف ورجا ، وعمل وأمل، وعلم ووعظ. وحَرَص البحث على الجمع ب، الأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب، نافيـاً عنها كل دعاوى التعارض، وقد استفاد في ذلك من خلاصـة مـا وصـل إليـه ال ـب الحديث في أمر تخلق الجن، وما يتعلق به.

عدد الصفحات ٣

432 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ Abstract Hadith of Ibn Masoud on Creation: An analytic and comparative study This paper is an analytic study of a great Prophetic Hadith that was narrated by Ibn Ma soud “May Allah be pleased with him.” It explains the stages of creation and determination that include precise meanings and reveal significant and hidden facts. In this Hadith, Prophet Mohammed (PBUH) explains the consecutive stages of creation and the determination of several aspects of the human life. In addition, it talks about the process of blowing the soul into the creature, a matter that only Allah Knows. This Hadith is a miracle that impressed scholars and physicians. The Hadith connects the beginnings with the endings and it shows that the results or ends are the outcomes of earlier acts. Therefore, it is considered as a school of reformation and discipline. This hadith introduces the concepts of fear, hope, education, knowledge and preaching. The paper examined all the relevant Prophetic Hadiths and proved that there is no contradiction among them in light of the recent findings of research in medicine in the field of embryos and the stages of their creation.

عدد الصفحات ٤

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 432 الافتتاحيـة الحمد لله رب العالم،، والصلاة والسلام على سيِّد الأو لـ، واخخِـرين، نبينـا محمد بن عبد الله، وعلى له ال يِّب، الأطهار، وصحابته الميام، الأخيار، ومن اقتفـى أثرهم، وانتهج سبيلهم إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه دراسة حديثية تحليلية في حديث عظيم، هو من جوامـع الكَلِـم، وعيون الحِكَم، اشتمل على معان دقيقة حافلة، وكشـف عـن حقـائق جليلـة خافيـة، تخلّلته روعة الإعواة، وصَبغته بلاغة الإيجاة، فهو بديع الوَضْع، مَهيب الوَقْـع، ربـط النهايـات بالبـدايات، وتحــد عـن عـاا الأجســاد والأرواح، وتكلّـم عـن التخليــق والتقدير، وجعل القلوب مُعلّقةً ب، السوابق وااواتيم. حديث تشهد كلماته بأنه عَلَم من أعلام النبوة، لا يمكن لبشر أن يأتي به من تلقا نفسه، فهو في الدين أصلٌ قويم، وهو في العلم ركنٌ رَك،، خشع لهيبته العلما الأفذاذ، وخضع لعظمته الأطبا المهرة. وأثره في النفس يدركه كل متدبر لمعانيه فيما يَختم به ويُبدلا، فهو يَسُر ويُبكي، ويُخيف ويُرجي، وهو يحض على العمل ويفتح أبواب الأمل، ويدعو إلى التواضع وترك العُوْب، ويحمل على القناعة ونبذ الحرص، ويُزهِّد في الدنيا ويُلوئ إلى الله، وهو خ واعظ ومُعلِّم، وهو من كنوة الهُدى. كلُّ ذلك وغ ُه في حديث ابن مسعود ، عن الصادق المصدوق، الذ ين ق عن الهوى، ولا يأتي إلا بالرشاد. وبحثي هذا يحاول أن يُظهر عظمة هذا الحديث، ويَكشف عن أسراره، ويتأمل في إعواةه، ويقف على فوائده ودُرره، ويُوفِّق بينه وب، غ ه من الأحاديث الواردة في الباب، مع الاستفادة من االاصات ال بية في هذا المجال. سائلاً الله تعالى أن يُمكِّنني من ذلك، وأن يُلهمني الصواب، إنه أكرم مسؤول وخ مأمول.

عدد الصفحات ٥

426 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ المبحث الأول حديثُ ابنِ مسعود  ومنزلتُه وتحليلُ ألفاظه الحديث وتخريجــه: الحديث: عن عبدالله بن مسعود(3)  قال: "حدثنا رسولُ ا  -وهو الصادقُ المَصْدُوقُ- أن أحدَكم يُوْمَع خَلْقُه في ب ن أمه أربع، يوماً، ثم يكونُ في ذلك عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ في ذلك مُضْغَة مثلَ ذلك، ثم يُرْسَلُ المَلَكُ فيَنْفُخُ فيه الروحَ، ويُؤْمَرُ بأربعِ كلماتٍ، يُكْتَبُ رةقُه وأجلُه وعملُه وشقيٌّ أو سعيدٌ. فو الذلا لا إله غ هُ، إن أحدَكم ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجن ةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذِراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الن ار، فيَدْخُلُها. وإن أحدَكم ليعملُ بعملِ أهل الن ار حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذِراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجن ةِ، فيَدْخُلُها". تخريج الحديث مختصراً: أخرجه البخارلا في صحيحه: كتاب بَدْ ااَلْق، باب ذِكر الملائكة (3462)، وكتاب الأنبيا صلوات الله عليهم، باب خَلْق دمَ صلوات الله عليه وذُري تِه (3334)، وكتاب القَدَر، باب3 (0522)، وكتاب التوحيد، باب ﭽﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﭼ الصافات: 323 (2252.) وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القَدَر، باب كيفية خَلْق اخدمي في ب ن أمه...(4023)، واللفظ له. واعتمدت نسخة مكتبة كُوْبْريلِّي، وهي مضبوطة ومقابلة ومصح حة ومقرو ة على أئمة 433ب-432أ. وقد روى مسلم الحديث عناعة من شيوخه، واخْتَارَ اللفظَ المُثْبَتَ، الذلا سمعه من شيخه محمد بن عبدالله بن نُم الهَمْداني، قال: حدثنا أبي وأبو معاوية ووكيع، قالوا: حدثنا الأعمش.

عدد الصفحات ٦

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 423 كما أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السُّن ة، باب في القَدَر2020)، والترمذ في جامعه: أبواب القَدَر، باب ما جا أن الأعمال بااواتيم (4423) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجَهْ في السنن: أبواب السُّن ة، باب في القَدَر (20.) وأخرجه أيضاً النَّسَائي في السنن الكبرى: كتاب التفس ، قولهﭨ ﭽ ﯜ ﯝ ﯞﭼ هود: 365 (33324)، مختصراً كلهم أخرجه من طريق سليمان الأعمش عن ةيد بن وَهْب عن ابن مسعود . لكن النَّسَائي أخرجه من طريق، عن ةيد بن وهب: طريقِ الأعمش المذكور، وطريق سَلَمَة بن كُهَيْل(4). منزلة الحديث وضلالات بعض منكريه اشتمل حديث ابن مسعود  على مهمات جليلة، ومعان جامعة سديدة، يدركها اجتهاد بشر في ذلك الزمان، بل في كل ةمان بصورتها الجامعة، إذ تكلم عن تخليق الجن، ومراحله ومسم ياته بصورة معوزة أدهشت العلما والأطبا ، وتحد عن التقدير الأول والتقدير في ب ن الأم بلسان الوحي، وألمع إلى ةمان نفخ الروح. فكشف عن البدايات والغايات، وعلم المبدأ والمعاد، واتصال الأجسام بالأرواح، وربط ب، السوابق وااواتيم، قال ابن المُلَقِّن: "هذا حديث عظيمٌ...جليلٌ، حفيلٌ"(3) . وقال نجم الدين ال ُّوْفي: "وهذ الحديث يتعلّق بمبتدأ االق ومنتهاه، وأحكام القَدَر المبدأ والمعاد"(2) . لذا عُد هذا الحديث أصلاً من أصول العلم، وقاعدة في الدين، وكلّية من كلّياته، قال ابن رجب: "وقال الحاكم: حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، أنه ذَكَرَ قولَه عليه الصلاة والسلام: (الأعمال بالنيات)، وقولَه: (إن خَلْق أحدِكم يُومع في

عدد الصفحات ٧

424 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ ب ن أم ه أربع، يوماً)، وقولَه: (من أحد في ديننا ما ليس منه فهو رَد )، فقال: ينبغي أن يُبدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف، فإنها أصول الحديث. وعن إسحاق بن راهُويه قال: أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن)، وحديث: (إن خَلْق أحدكم يُومع في ب ن أمـه)، وحديث: (من صنع في أمرنا شيئاً ليس منه فهو رَد )"(5). وإلى جانب جلالة المعنى، وضخامة المضمون، ومهابة الوَقْع، فإن الحديث حوة عند النقاد، قال ابن رجب: "هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول"(0). ثم استأنس ببعض الرُّؤَى في ذلك ولابن حور جز مفرد في طرق هذا الحديث، قال: "وكنت خر جته في جز من طرق نحو الأربع، نفساً عن الأعمش، فغاب عني اخن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك"(2). ولا قيمة لقول المبتدعة في هذا الحديث، الذين دأبوا على رد ما خالف أهوا هم من الأحاديث، ولو بلغ في الصحة كل مبلغ، قال بدر الدين الزركشي: "ولا التفات إلى إنكار عمرو بن عُبيد من المعتزلة لهذا الحديث"(2). ودونك ألفاظَ هذا المعتزليِّ الضالةَ الزائغة، التي يترسم خ اها كث ممن تسمى بالعقلانية اليوم، قال مُعاذُ بنُ معاذٍ العَنْبَرلا: "سمعت عمرو بن عُبيد يقول -وذَكَر حديث الصادق المصدوق، فقال: لو سمعتُ الأعمش يقول هذا لكَذ بته، ولو سمعت ةيد بن وهب يقول هذا ما أحببته، ولو سمعت عبدالله بن مسعود يقول هذا ما قَبِلته، ولو سمعتُ رسول الله  يقول هذا لرددته، ولو سمعتُ الله تعالى يقول هذا لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"(2). وقد عَلّق ابن الملقن على هذا الكلام الشنيع السَّمِيج بقوله: "فهذا قد ارتكب في مقالته هذه خَ ْباً جسيماً، نعوذ بالله من الضلال،

عدد الصفحات ٨

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 423 ونسأله الفوة من الأهوال(36). وقال ابن حَوَر الهيتمي: "وإنكار عمرو بن عُبيد-من ةهاد القدرية- له، من ضلالاته وخرافاته، وحماقته وجهالاته"(33). وأما ما نُقل عن عمر بن عبدالعزيز من إنكاره للحديث، فقد شَكّك صحته بعض العلما ، ومنهم من أو ل كلامه وحمله المحمل اللائق، قال ابن حَوَر العسقلاني: "وحَكَى ابن التِّ، أن عمر بن عبدالعزيز لما سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره ال اعة ثم لا يدخل الجنة؟! انتهى. وتوقف شيخنا ابن الملقِّن في صحة ذلك عن عمر، وظهر لي أنه إن ثبت عنه حُمل على أن راويه حَذَف منه قوله في خره: (فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الن ار، فيَدْخُلُها)، أو أَكْمَل الراولا لكن استَبْعد عمر وقوعه وإن كان جائزاً، ويكون إيراده على سبيل التخويف من سو اااتمة"(34). وعوداً على بد ، أود أن أنقل هنا كلام أحد كبار الأطبا المعاصرين لأرسخ مكانة حديث ابن مسعود ، قال الدكتور مأمون شقفة-الاستشارلا في التوليد وأمراض النسا ، وعضو كلية المولِّدين والنسائي، في لندن-: "أعترف أني فهمت علم الجن، لأول مرة في حياتي ح، فهمت حديث الأربعينات، وأعترف أني ا أفهم علم الجن، كما يجب ح، دَرَسْته ك الب في ال ب، ولولا أن أساتذتنا هم اخخرون ا يفهموه أيضاً كما يجب لما نجح فيه أحد من ال لاب، وأعترف أني ا أقصِّر في الدراسة باللغت، العربية والإنكليزية، وأعترف أنني وجدت دراسة هذا العلم صعبة جداً ومعقدة جداً لسبب بسيط، هو أن الذين يكتبونه ما ةالوا حتى اخن -(ألا قبل أكثر من خمس وعشرين سنة)- متلبك، به، وما أظنهم سيست يعون عرضه على الناس بأسلوب مبسط يجعل طالب ال ب والإنسان العادلا يفهمه ويحيط به إلا إذا اتبعوا أسلوب حديث الأربعينات"(33).

عدد الصفحات ٩

422 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ وأردف قائلاً: "إن حديث الأربعينات يقدم التقسيم العلمي والعملي الوحيد الواقعي والمبسط لعلم الجن،، وذلك دون إهمال ألا حقيقة من حقائق هذا العلم، فهو من جوامع الكلم الشاهدة إلى قيام الساعة على نبوة الصادق الأم،...ولو أتيح لي أن أُدَرِّس علم الجن، لأحد...لقدمناه ل لابنا على ال ريقة النبوية الشريفة، وسيفهمونه على الفور"(32). تحليل ألفاظ الحديث حدثنا: معنى هذه الكلمة كما قال نجم الدين ال ُّوفي: "أنشأ لنا خبراً حادثاً"(35). وهو الصادقُ المَصْدوق: وصفٌ اشتُهر للنبي ، وقد استعمله فيه عدد من الصحابة سوى ابن مسعود ، كعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي ذر والمغ ة بن شعبة رضي الله عنهم، وغ ِهم. وهذه الجملـة الأشبه فيها أن تكون اعتراضية، قـال شرف الدين ال ِّيْبي: "الأَولـى أن تُوعل...اعتراضية لا حالية، ليعُم الأحوال كلَّها، وأن يكون من عادته ودَأْبه ذلك"(30). ومعناها كما قال محيي الدين النوولا: "الصادق في قوله، المَصْدوق فيما يأتي من الوحي الكريم"(32). وقال نجم الدين ال ُّوفي: "فالص ادق اختي بالصِّدق، وهو اا الم ابِق، والمصدوق الذلا يأتيه غ ه بالصِّدق، وعلى هذا القياس الكاذب والمكذوب...والنبي  صادق فيما أَخ بر به، مصدوق فيما أُخبر، لأن جبريل مُخبره"(32). ونحوهما عند ابن حور العسقلاني مع ةيادة إيضاح وتوجيه، قال "والصادق معناه المُخْبِر بالقول الحق، ويُ لق على الفعل، يقال: صَدَق القتال وهو صادق فيه. والمَصْدوق معناه: الذلا يُصْدَق له في القول، يقال: صَدَقْتُه الحديثَ إذا أخبرته به إخباراً جاةماً، أو معناه الذلا صَدَقه الله تعالى وعده"(32). وقال الكَرْماني

عدد الصفحات ١٠

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 425 شرح الكلمة الثانية خاصة مؤكداً بعض تلك المعاني، ومضيفاً بعض الفوائد "والمَصْدوق: ألا المُخْبَر به -بلفظ المفعول- صِدقاً، ألا ما أخبر به جبريلُ عليه السلام كان صِدقاً، ويحتمل أن يراد المُصَدَّق من جهة الناس"(46). واّص بدر الدين العي جملة ما سبق بقوله: "الصادق ألا في نفسه، والمصدوق من عند الله"(43). ولابن المُلَقِّن لمحات مزيدة، قال: "ومعنى وصفه بالصادق عصمته، لا يقول إلا حقاً، وبالمصدوق أن الله صدقه فيما وعده به، وهذا تأكيد"(44). وسببُ ذِكر تلك الجملة ما بينه الكَرْماني بقوله: "فإن قلتَ: ما الغرض من ذكر الصادق المصدوق، وهو إعلام بالمعلوم؟! قلتُ: لما كان مضمون اابر أمراً مخالفاً لما عليه الأطبا ، أراد الإشارة إلى صدقه وب لان ما قالوه، أو ذَكَره تلذ ذاً وتبر كاً وافتخاراً"(43). وكذا ما سبقه به ابن العربي بقوله: "قولـه: (حدثنا الصادق المصدوق)، وهي صفته ، ذكرها تجديداً للإيمان بها، وتأكيداً في قلبه لها، وتنبيهاً للسامع على وجوب قبولها"(42). أَن أحدَكم: بفتح همزة (أن ) كما في النسخة اا ية من صحيح مسلم(45) ال سبقت الإشارة إليها. وذكر شهاب الدين القَسْ َلاّني في شرحه لهذا الحديث من كتاب القَدَر في صحيح البخارلا أنها بالفتح في هذا الموضع من النسخة اليُونينية التي اعتمدها، فقال: "في اليُونينية مضبوطة (أن ) بفتح الهمزة، وقبلها (قال) مخرجة مصحح عليها، فالله أعلم هل الضبط قبل تخريج (قال) أم بعده؟، كذا رأيته في الفرع كأصله"(40). وقد جزم بفتح الهمزة أيضاً أبو البقا العُكْبَر-من غ ذكر كلمة (قال) في الحديث-، فقال: "لا يجوة في (أن ) ههنا إلا الفتح، لأن قبله: (حدثنا رسول الله  وهو الصادق)، فأن وما عملت فيه، معمول (حدثنا)، ولو كُسرت لصار مستأنَفاً منق ِعاً عن (حدثنا)"(42). لكن تعقّبه ااُوَيِّي بأن الرواية جا ت بالفتح والكسر، ف

عدد الصفحات ١١

420 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ اعتبار لرد الكسر(42). وقد ق ع النوولا في شرحه لصحيح مسلم بالكسر فقال "فبكسر الهمزة على حكاية لفظه  "(42). وقوله: (أحدكم) ألا واحدكم، قال تاج الدين الفاكهاني: "وأحد هنا بمعنى واحد، فلذلك استعملت في الثبوت، ويجوة استعمالها أيضاً في النفي، بخلاف أحد التي هي للعموم، فإنها لا تستعمل إلا في النفي، نحو: لا أحد في الدار، وما جا ني من أحد. والأصل في أحد: وَحَد، فقُلبت الواو المفتوحة همزة، وهو سماع لا قياس"(36). يُوْمعخَلْقُه في ب ن أمه: ألا يُضم ويُحْرَة ما يُخلق منه الإنسان من ما في محل الولادة من رحم الأم بعد أن يكون منتشراً، قال شرف الدين ال ِّيْبي: "قوله: (إن خَلْق أحدكم...) ألا ما يُخلق منه أحدكم يُقر ر ويُحرة في ب نها"(33). وقـال نجم الدين ال ُّوفي: "قوله: (يُومع خَلْقُه في ب ن أمه) ألا مادة خلقه، وهو الما الذلا يُخلق منه، ويُومع ألا يُضم ويُحفظ"(34). وقال ابن حور العسقلاني: "والمراد بالجمع ضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار، وفي قوله: (خَلْق) تعب بالمصدر عن الجُث ة، وحُمل على أنه بمعنى المفعول(33)...أو على حذف مضاف ألا مايقوم به خلق أحدكم، أو أطلق مبالغة كقوله: (إنما هي إقبال وإدبار) جعلها نفس الإقبال والإدبار لكثرة وقـوع ذلك منها"(32). وقال شهاب الديـن القَسْ َلاّني: "يُومع...ألا يُخزن(35) . وةاد أبو العباس القُرطبي المعنى إيضاحاً فقال: "يع-والله تعالى أعلم- أن المني يقع في الرحم ح، انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثاً متفر قاً، فيومعه الله تعالى في محل الولادة من الرَّحِم في هذه المدة"(30). مستدلاً-في الجملة- بتفس ابن مسعود  -وهو راولا الحديث- لجمع خَلْق الإنسان في ب ن أمه، قال عم ار بن رُةَيْق: "قلت للأعمش: ما يُومع في ب ن أمه؟ قال: حدثني خَيْثمة قال: قال عبدالله: إن الن فة إذا

عدد الصفحات ١٢

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 422 وقعت في الرَّحِم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً، طارت في بَشَر المرأة تحت كل ظُفُر وشَعَر، ثم تمكُث أربع، ليلة، ثم تنزل دماً في الرَّحِم، فذلك جمعها"(32). وقد ذكر مجد الدين بن الأث تفس ابن مسعود ، ثم قال: "كذا فس ره ابن مسعود فيما قيل. ويجوة أن يريد بالجمع مُكْثَ الن فة في الرحم أربع، يوماً تتخم ر فيه حتى تتهيأ للخلق والتصوير، ثم تُخْلَق بعد الأربع،"(32). وبعد أن نقل شرف الدين ال ِّيْبي ما سبق عن ابن مسعود اعتماداً على ااَ ّابي، ق ع ال ريق على ألا تفس خر فقال: "والصحابة أعلم الناس بتفس ما سمعوه، وأحقهم بتأويله، وأولاهم بالصدق فيما يتحدثون به، وأكثرهم احتياطاً للتوقي عن خلافه، فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم"(32). وقد ضي ق ال ِّيْبي واسعاً هذا المقام، لاسيما وأنه قد رُولا عن النبي  ما يُخالف بعض ذلك، ففي كلام ابن مسعود أن الجمع يكون بعد الأربع،، وفي الحديث اختي يكون في السابع، فعن مالك بن الحُوَير  عن الن أنه قال: "إن الله تعالى إذا أراد خَلْق عَبْد، واقع الرجل المرأةَ، طار ماؤه في كل عِرْق وعُضو منها، فإذا كان اليومُ السابعُ جمعه الله عز وجل، ثم أحضره كل عِرْق له دون دمَ عليه السلام، في ألا صورة مـا شا ركّبه"(26). قال أبو عبد الله بـن منده عقب روايته لهذا: "وهذا إسناد متصل مشهور على رَسْم أبي عيسى والنَّسائي وغ ِهما"(23). وورد في بعض روايات الباب ذكر (الرَّحِم) بدل (ب ن)،والأمر سهل. قال الحافظ ابن حور: "واختلاف الألفاظ بكونه في الب ن، وبكونه في الرحم، لا تأث له، لأنه في الرَّحِم حقيقة، والرَّحم في الب ن، وقد فس روا قوله ﭨ ﭽ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭼ الزمر: 0، بأن المراد ظلمةُ المَشِيْمة وظلمة الرَّحم وظلمة الب ن، فالمَشِيْمة في الرَّحِم، والرَّحِم في الب ن"(24). وقال ابن حور الهَيْتَمي: "(في ب ن) ألا رحم(23).

عدد الصفحات ١٣

422 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ ورأى البعض تفس جمع االق في ب ن الأم من منظـور طـبي، فـذكر أن جمعـه يبدأ عند تلقيح الحيوان المنولا للبُويضة، فيكوِّنان معاً خلية الجن، الأولى، وهي الن فة الأمشاج (ألا البويضة الملقحة)، واالية الجسدية للإنسان تحتولا على 20 كروموسـوماً، فالحيوان المنولا يحتولا على نصف هذا العدد، ألا 43 كروموسوماً فقـط، والبويضـة تحتولا على النصف اخخر من الكروموسومات، (والكروموسومات هـي الصِّـبغيات أو الجسيمات الملونة التي تحمل الصفات الوراثية)، وبالتقائهما يكون الجمع(22). أربع، يومـاً: وفي بعض روايات هذا الحديث في الصحيح،: (أربع، ليلة)، قال ابن حور العسقلاني: "ويُومع بأن المراد يوم بليلته، أو ليلة بيومها"(25). وثم ة ةيادة كلمة (نُ ْفة) عند أبي عَوَانة الإسفراييني، ويبدو أن ذلك مستخرجه على صحيح مسلم، قال ابن حور: "ووقع عند أبي عَوَانة من رواية وَهْب بن جرير عن شعبة مثل رواية دم، لكن ةاد (ن فة) ب، قوله: (أحدكم) وب، قوله: (أربع،)، فبي ن أن الذلا يُومع هو الن فة، والمراد بالن فة المَنِي ، وأصله الما الصافي القليل(20) "(22) .وقد اشتهرت هذه الزيادة عند الناس، وبنوا عليها أحكاماً، مع أنها ا ترد في عامة روايات الحديث. وقام ابن حور الهَيْتَمي بذكر معناها في شرحه للأربع، النووية وجعلها من المتن، مع أنها ا تَثْبت عند النوولا، ففي الشرح المذكور: "(أربع، يوماً) حال كونه (ن فة) ألا مَنِي اً في مدة الأربع،"(22). بل إن جماعةمن العلما اعتمدوها في شرح الحديث مع عدم ذكرهم لها في المتن، فعلى سبيل المثال قال ابن المُلَقِّن: "وقوله: (في ب ن أمه أربع، يوماً) يريد ن فة"(22). ثم يكون في ذلك عَلَقة مثل ذلك: معناه كما قـال الحافظ ابن حور -مع ملاحظة أنه تكلم عن روايـةٍ بلفظ (تكون)-: "و(تكون) هنا بمعنى تص ، ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربع،،

عدد الصفحات ١٤

حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّخْليق والتَّقْدير د. قاسم علي سعد 422 ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويحتمل أن يكون المراد تصي رها شيئاً فشيئاً، فيخالط الدم الن فة في الأربع، الأولى بعد انعقادها وامتدادها، وتجرلا في أجزائها شيئاً فشيئاً، حتى تتكامل عَلَقة في أثنا الأربع،، ثم يخال ها اللحم شيئاً فشيئاً إلى أن تشتد فتص مُضغة، ولا تسمى عَلَقة قبل ذلك ما دامت ن فة، وكذا ما بعد ذلك من ةمان العَلَقة والمضغة"(56). وقد مي ز أبو العباس القرطبي ب، كلمتي (ذلك) الأولى والثانية، وغاير بينهما، واهتم بذلك لأن الأُولى وردت في صحيح مسلم وهو شارحه، وهي ا ترد في صحيح البخارلا ولا في كث من الأصول، قال القرطبي: "و(ذلك) الأول إشارة إلى المحل الذلا اجتمعت فيه النُّ فة وصارت عَلَقة، و(ذلك) الثاني إشارة إلى الزمان الذلا هو الأربعون. وكذلك القول في قوله: (ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك)"(53). كذا قال وسيأتي إن شا الله تعالى ما يدل على رجحان ما سوى هذا التفس . والعَلَقَة واحدة العَلَق، قال ال ِّيْبي: "وهي الدم الغليظ الجامد"(54)، وقال ابن المُلَقِّن: "والعَلَقة قِ عة دم قبل أن تيبس"(53). وقال أيضاً: "سُمِّيت بذلك لرطوبتها وتعلّقها بما تمر به"(52). ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد قوله في تفس العَلَقة: "هي دم لا يستب، فيها ااَلْقُ"(55). كذا قال علماؤنا من قبلُ في تفس العَلَقة، والأطبا اليوم أكثر دقة في تحديد المراد ب بيعة الحال، قال الدكتور محمد علي البار: "العَلَقة هي المرحلة التي تلي تَكَوُّن الن فة الأمشاج، وتبدأ منذ تعلّق الن فة الأمشاج (مرحلة التُّوتة) بالرحم، وتنتهي عند ظهور الكُتل البدنية التي تعتبر بداية المضغة"(50). ثم اعتذر الدكتور البار عن وصف العلما السابق، للعَلَقة بالدم الغليظ المتومد، فقال: "فالعَلَقة لا تكاد ترى بالع، المجرَّدة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفس العَلَقة إذاً بالدم الغليظ

عدد الصفحات ١٥

456 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (06 ) صفر 3235هـ ناتج عن الملاحظة بالع، المجرَّدة"(52). ثم بي ن أن تسمية هذه المرحلة بالعلقة في غاية الدقة، لأن التعلق هو أهم ما يُميِّز هذه المرحلة(52). مُضْغَـة: قال نجم الدين ال ُّوفي: "والمضغة قِ عة لحم، قَدْر ما يُمضغ"(52) . كذا قال بعض علمائنا من قبلُ: إن المضغة سميت بهذا لأنها قَدْرُ ما يُمضغ والأمر ليس كذلك، ولو استعملوا كلمة الشكل مكان كلمة القَدْر لكان تعب هم دقيقاً، قال الدكتور البار: "وقد كان المفسرون القدامى يصفون المضغة بأنها مقدار ما يُمضغ من اللحم...أرى اخن أن وصف المضغة ين بق تمام الان باق على مرحلة الكُتل البدنية، إذ يبدو الجن، فيها وكأن أسناناً انغرةت فيه ولاكته ثم قذفته"(06). يُرسلُ المَلَك: ألا يُؤمر المَلَك الموكَّل بالرَّحِم بالتصرف المذكور، وقد جا في حديث أنس بن مالك  المرفوع: "إن الله قد وكّل بالرَّحِم مَلَكاً، فيقولُ: ألاْ ربِّ، ن فةٌ، ألاْ ربِّ، عَلَقَةٌ، ألاْ ربِّ، مُضْغةٌ..."(03). قال ابن حور في كلمة (المَلَك): "واللام فيه للعهد، والمراد به عهد مخصوص، وهو جنس الملائكة الموكَّل، بالأرحام"(04). وأما المراد بالإرسال فقد حَد ده الكَرْماني بقوله: "المراد بالبعث -(كما في رواية البخارلا)- الحكم عليه بالتصرف فيها"(03). وقال في موضع خر: "والمراد بالبعث الأمر بها"(02). وقد سَبَقَ القاضي عِياضٌ إلى هذا فقال "وما ذكره في الحديث من إرسال المَلَك له فمراده -والله أعلم بمراده- توجيهه للتصرف في هذه الأحوال وامتثال هذه الأفعال، وإلا فقد ذُكر في حديث أنس أنه موكّل بالرحم...وهو ظاهر حديث ابن مسعود"(05). وأي د ابن حور هذا التوجيه بقوله: "وهو الذلا ينبغي أن يُعَوَّل عليه(00). لكنه ذكر بعده توجيهاً خر وهو أن الملَك يُرسل إلى اللوح المحفوظ، قال: "وقد وقع في رواية يحيى بن ةكريا بن أبي ةائدة عن الأعمش: (إذا استقرت الن فة في الرحم أخذها

عدد الصفحات ١٦