العدد الثامن - السنة الرابعة 40 مــن أصول الإيمان ما أوجبــت أن النبي ﷺ كان يقرأ بهــا في المجامع العظام؛ فيقرأ بها في خطبة الجمعة، وفي صلة العيد، وكان من كثرة قراءته لها يقرأ بها في :(()"صلة الصبح، وكل ذلك ثابت صحيح لقــد كان تَنُّورنــا وتَنُّور فع ﭑﭒ ﭓرســول الله ﷺ واحدًا، ســنتين أو سنة وبعض ســنة، وما أخذت ﴿ ﴾ إلا عــن لســان رســول الله ﷺ يقرأهــا كل يــوم جمعة علــى المنبر إذا ﭔ .2( خطب الناس ﭑﭒ إن النبــي ﷺ كان يقــرأ في الفجر بـ ﴿ وع .)3( ﴾ وكان صلته بعدُ تخفيفًا ﭓ ﭔ قال: صلَّيت وصلَّى بنا رســول الله ﷺ، فقرأ: وع ﴾ قــال: فجعلتُ أُرددها، و ﮪ ﮫ ﴾ حتــى قرأ: ﴿ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﴿ .(() أدري ما قال أن عمر بن الخطاب وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن م ســأل أبا واقدٍ اللَّيثي: ما كان يقرأ به رسولُ الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال . [ ﴾ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾ و ﴿ ﭑﭒ ﭓ ﭔ كان يقــرأ فيهما بـ ﴿ .[ قال الفخر الرازي (ت [ ﴾ﯙ ﯚ ﴾ﮝ ﮞ ﮟ لقولــه تعالى فيهــا: ﴿ " 65 /(() درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية 3 /3( )52 :2( .)(0 /3( .)39 /(() رواه مسلم في الصلة (ح 2( /5(
عدد الصفحات ١٩العدد الثامن - السنة الرابعة 41 المَبْحث الثاني: التعريف بسورة (ق [ ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ وقوله: ﴿ الإنسان خروجَه إلى عرصات الحساب، ولا يكون في ذلك اليوم فرِحًا فخورًا، .(()"ولا يرتكب فسقًا ولا فجورًا المطلب الثالث: ترتيب ا سُــورة (ق) هي السُّــورة الخمســون برتيــب المصحف، وقبلها سُــورة الحجرات وبعدها سُورة الذاريات. وهي السُّورة الرابعة والثلثون .زيد، نزلت بعد سُورة المرسلت المطلب الرابع: المُنا :3( ا√ ﯞ﴾، وختمت به ﴿ ﭑﭒ ﭓ ﭔ بدأت سُــورة (ق) بذِكر القرآن ﴿ . ﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾، ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴿وكذلك بُدئت بذِكر البَعْث في قوله تعالى: .﴾ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ وختمت به في قوله تعالى: ﴿ ﮀ ﮁ ﴿ وكذلك ذِكر السماوات والأرض وما بينهما في أول السُّورة: ﴾ الآيــات، وقال في آخرها: ... ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ .﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴿ 5 /(() مفاتيــح الغيب، للرازي 2( /للبقاعي 273 /2( 3( .)(92 /28(
عدد الصفحات ٢٠العدد الثامن - السنة الرابعة 42 ا√ اعتن ولذلك تعدَّدت اأقوالهم فيها: ومُناسَــبتها لآخِر ما قبلها، "فق [ ﴾ ﮏأنه تعالى أخبر أن أولئك الذين قالوا: ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ حقًّا، وانتِفاء إيمانهم دليلٌ على إنكار نبوة الرَّسول ﷺ، فقال: ﴿ .(()"[ ﴾ﭚ مقصودها (أي: سُورة ق) الدلالة على إحاطة "وقال البقاعي (ت القدرة، التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات، من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد .2("من البَعْث ليوم الوعيد لمــا ختــم الله تلك السُّــورة بذِكر الإيمان "وق وشــرائطه للعبيد، افتتح هذه السُّورة بذِكر ما يجب الإيمان به من القرآن وأدلة .3("التوحيد ا√ ذكر في سُورة (ق) البَعْث والجزاء والجنة والنار، وافتتح سُورة الذاريات بالقســم بأن ما وعدوا من ذلــك صدقٌ وأن الجزاء واقع. وذكر في سُــورة (ق) إهــلك كثير من القرون على وجه الإجمال، وذكر ذلك على وجه التفصيل في .سُورة الذاريات(() 528 /(() تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي (()./ 2( .)(78 /3( 73 /(() انظر: تفسير المراغي
عدد الصفحات ٢١العدد الثامن - السنة الرابعة 43 المَبْحث الثاني: التعريف بسورة (ق ا√ المر تُعالج سُورة المرسلت موضوع المكذِّبين بيوم الدين بالرغيب والرهيب. وتُتابع سُورة (ق) موضوع معالجة المكذبين بيوم الدين بأسلوب آخر. وهذه المعالجات الفكريَّة والنفسيَّة التي اشتملت عليها سُورة (ق) إنما هي معالجات تكامليَّة لما جاء في سُورة المرسلت، وليست مكررة تكريرًا تطابقيًّا. وتضيف إليه سُــورة (ق) معالجة المكذِّبين برسالة محمد ﷺ بحجة أنه بشــر منهــم، ومعالجة نفس الرَّســول ﷺ وتثبيــت قلبه، تجاه مــا كان يلقاه من .تكذيب قومه، وما يواجهونه به من أقوال جارحة (() ا√ �( يدور موضوع سُورة البلد حول الابتلء الذي هو الغاية من خلق الإنسان، والذي يســتتبع باللزوم العقلي، التكليف، والمسؤوليَّة، ثم المحاسبة، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء. كذلــك جــاء في السُّــورة بيان بعــض صــوارف النفس عن الإيمــان بيوم الديــن، فســورة البلد تتابع اســتِكمال الإقناع بقانون الجــزاء الرباني، الذي دار .حوله موضوع سُورة ق ....::::::::::.... (()./ 5(6 /(() انظر: معارج التفكر ودقائق التدبُّر، لعبد الرحمن حسن الميدا 7(-(72 /2(
عدد الصفحات ٢٢العدد الثامن - السنة الرابعة 44 المَبْحث الثالث التدبُّر المَقا المطلب الأول: مق تُعالــج سُــورة (ق) -كغيرهــا من السُّــور المكيَّــة- موضــوعَ المكذبين برســالة محمد ﷺ، وبما جــاء به من نبأ البَعْث والحســاب، إلا أنها في معالجة . البَعْث أظهر(() مقصودها تصديق النبي ﷺ في الرِّســالة التي " ق .2("معظمها الإنذار وأعظمه الإعلم بيوم الخروج دلئل المق ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗقال تعالــى: ﴿ 1 .﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ والإضراب الانتِقالي من القَســم بالقرآن إلى عرض مقالة المشــركين في إنكار النُّبوة وإنكار المعاد، مُشعِرٌ بأهميَّة المنتقل إليه، وأنه محور الكلم. أن السُّورة افتُتحت بالقسم بالقرآن، 2 ثم عرضت شُــبهة المشركين في إنكار البَعْث، ثم عقبت الشُّبهة بتقرير قدرة ا في آيــات الكــون وفي إهلك المكذبيــن، وختمت كذلك بتقرير وقــوع البَعْث، والأمــر بالتذكير بالقــرآن، مبيِّنةً بذلــك أن القرآن المعجز هو مــن أوضح أدلة البَعْث، وأن التدبُّر في القرآن من أعظم الطرق الموصلة إلى معرفة الحق. 275 /5 /(() انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (()./ التفكر، للميدا 396 /2(
عدد الصفحات ٢٣العدد الثامن - السنة الرابعة 45 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق السُّــورة مكيَّة، والغالب في السُّــور المكيَّة أنها تُقرر : (()3 التوحيــد والعقيدة الســليمة، خصوصًا ما يتعلــق بتوحيد الألوهيَّــة، والإيمان . بالبعث؛ لأن غالب المخاطَبين ينكرون ذلك نزلت سُــورة (ق) بعد سُــورة المرســلت، وقد :3(4 عالجت سُورة المرسلت موضوع المكذِّبين بيوم الدين بالرغيب والرهيب، ومــا هذه السُّــورة إلا معالجــة تكامليَّة مع ســابقتها في إثبات المعاد بأســلوب الإقنــاع الفكري، إلا أن سُــورة (ق) تزيــد عليها في إثبات النُّبــوة، وبيان هلك المكذِّبين من الأمم السابقة. وقــد نزلت سُــورة البلد بعد سُــورة (ق)، وهــي تتابع اســتكمال الإقناع بقانون الجزاء الرباني. ختمت سُورة الحجرات5 الله ۵، وأكدت سُــورة (ق) ذلك أيضًا مع تقرير كمال قدرة الله ۵، (وهو من أظهر أدلة البَعْث)، ثم تلتها سُــورة الذاريات مبيِّنة حكمة الله من خلق الإنسان بعد التأكيد على عظيم قدرة الله سبحانه. كان النبــي ﷺ يواظب على قراءتها في المحافل الكبار، :(()6 والمجامع العظام، مما يدل على اشتمالها على أسس العقيدة الإسلميَّة، ومن أهمها: الإيمان بالبعث والمعاد. تناولت سُورة (ق) عددًا من قضايا العقيدة الإسلميَّة، 7 وكلها تَؤُول إلى قضيَّة البَعْث بعد الموت، وسيأتي بيانها في المطب التالي (() يراجع: المطلب الأول من المَبْحث الثاني. 2( 3( (() يراجع: المطلب الثاني من المَبْحث السابق
عدد الصفحات ٢٤العدد الثامن - السنة الرابعة 46 تكرَّر فيها حرف القاف ســبعًا وخمســين 8 فقد تكرَّرت فيها الكلمات التي تشتمل على حرف القاف بشكل ملحوظ وتأمَّل السُّــور التي اشــتملت على الحروف "قال ابن القيم (ت المفــردة، كيف تجد السُّــورة مبنيَّة على كلمة ذلك الحــرف، فمن ذلك: (ق)، والسُّــورة مبنيَّة على الكلمــات القافِيَّة: من ذِكر القرآن، وذكــر الخَلْق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقِّي الملَكين قول العبد، وذِكر الرقيب، وذِكر الســائق، والقريــن، والإلقاء في جهنم، والتقــدُّم بالوعيد، وذِكر مرتين، "القَبْل"المتقيــن، وذِكر القلب، والقــرون، والتنقيب في البلد، وذِكــر وتشقُّق الأرض، وإلقاء الرواســي فيها، وبسوق النخل، والرزق، وذِكر القوم، وحقوق الوعيد، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة. وهو أن كل معاني هذه السُّــورة مُناسِبةٌ لِما في حرف القاف من و 2("الشدة والجهر والعلو والانفتاح .3( المطلب الثاني: مو اشــتملت سُــورة (ق) علــى عــدة موضوعــات جزئيَّــة تخــص العقيدة الإســلميَّة، وكلها تتعلق بمعالجة موضوع البَعْث، والرِّســالة(()، وإليك بيانها فيما يلي: (() مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم، أحمد قوفي (ص 2(-((20 /2( 69 /علوم القرآن هي المعاني الجزئية التي تشــتمل عليها أجزاء السُّورة. أما مقصد السُّورة فهو موضوعات السُّــورة: 3( المعنى العام الذي يجمع هذه المقاصد الجزئية ويربط بينها 6-79 /(() انظــر: تفســير ابــن كثيــر 275 /37 /للفيروزآبــادي 5-(2 /للميدا
عدد الصفحات ٢٥العدد الثامن - السنة الرابعة 47 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق التنويــه بشــأن القرآن وإعجــازه، وتصديق من جاء بــه (محمد ﷺ)، وبما جاء به (ومنه البَعْث والحساب عرض شُبهات المشركين في التكذيب بالرِّسالة والبَعْث، والرد عليها .بتقرير كمال علم الرب سبحانه، وكمال قدرته، وكمال حكمته بيــان مظاهر قدرة الله في الســماوات والأرض، ومنها إنبات الأقوات والثمار بإنزال المطر. وهو من أوضح الأدلة على البَعْث بيان مظاهر قدرة الله في إهلك المكذِّبين للرســل من الأمم الســابقة، وتهديــد المشــركين المكذِّبين بالبَعْــث بالعذاب الدنيــوي، وتثبيت قلب النبي ﷺ، وتسليته. تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنُّبوة والإيمان بالملئكة. بيان رقابة الله تعالى وهيمنته على الإنسان التي تبدأ من ولادته، وتمر بالموت، ثم تنتهي بالبَعْث والحساب، ثم المصير إلى الجنة أو النار ذِكر النار وعذابها، والجنة ونعيمها، وبيان صفات أهل كلٍّ منهما. إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضادُّ كماله من النقائص والعيوب أن كمالَ الربِّ تعالى وكمال أســمائه وصفاتــه تقتضي المعاد "بيــان وتُوجبــه، وأنــه مُنَــزَّهٌ عمــا يقولُه منكِــروه كمــا يُنَــزَّهُ كمالُه عن ســائر العيوب .2("والنقائص تقرير كمال علم ]-1[ أن براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلثة أصول$ ذكر ابن القيم فائدة: (() وكمال حكمته. وذلك لأن شبه المُنكِرين للبعث تعود إلى ]-3[ وكمال قدرته،]-2[الرب سبحانه، إنكار علم الله بالأجزاء المتفرقة المختلطة بأجزاء الأرض على وجه لا يحصل به ]-1[ثلثة أنواع وإنكار قدرة الله على جمــع تلك الأجزاء المتفرقة، وإعادة ]-2[تمييز أجزاء مختلف الأشــخاص، 8- وإنكار الحكمة في إحياء الموتى. (انظر: الفوائد، لابن القيم، ص]-3[الأرواح إليها، 2(
عدد الصفحات ٢٦العدد الثامن - السنة الرابعة 48 المطلب الثالث: مَقاطِع ال يمكن تق ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ من أول السُّورة إلى قوله تعالى: ﴿ المقطع الأول: ﴾: وفيها عرضُ شُــبهة المشركين، والرد عليها بتقرير شمول ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ علمــه وكمال قدرته، وعَرْض بعــض مظاهر قدرته من آيات الله في الكون، وفي إهلك الأمم السابقة. ﰝ ﰞ ﴿ : ﴾ إلى قوله ۵ ﭑ ﭒ ﭓمن قوله تعالى: ﴿ المقطع الثاني: بيان رقابة الله تعالى وهيمنته على"]35-[ ﴾ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ الإنســان التي تبدأ من ولادته، وتمر بالموت، ثم تنتهي بالبَعْث والحساب، ثم ."المصير إلى الجنة أو النار ﴾ إلى آخر ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕمن قوله تعالى: ﴿ المقطع الثالث: ](5-السُّــورة المشــركين، وتقريــر البَعْــث. ويمكن القــول أن أغلبه تأكيدٌ لِمــا ورد في أوائل السُّورة تصريحًا أو تلميحًا في ترتيب معكوسٍ. المطلب الرابع: التدبُّر المَقا المقطع الأول◈ ((): هذه الآية واردةٌ في التنويه بشــأن القرآن الكريم، ﴾ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﴿ وبيــان إعجازه، وأنــه المصدر الأصيل لتلقي براهين البَعْــث ودلائل النُّبوة؛ فقد أقســم الله ۵ بالقرآن، الدَّال على شــرفه وعظيم منزلتــه ورفعته وعلوه على كل 9-(6 /276 /(() انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور
عدد الصفحات ٢٧العدد الثامن - السنة الرابعة 49 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق سائر الكلم؛ لأن التحدي بإعجاز القرآن الكريم، وعجز الكفار بل البشر جميعًا عــن معارضته بمثلــه- أقطعُ برهانٍ علــى كونه من عند الله، وأســطعُ حجةِ على صــدق محمــد ﷺ في ادِّعاء الرِّســالة، وعلى صدق ما جاء به من نبــأ البَعْث بعد المــوت والجزاء والحســاب. وفي هذا تشــنيعٌ للكفار وبيانٌ لقبــح موقفهم من النبي ﷺ، ومما جاء به من أمر البَعْث والحساب، وتأكيدٌ على أن القوة الحقيقيَّة هي قوة الحجة والبرهان التي بها أتى القرآن، وعلى أن القرآن هو محور الدعوة، .﴾ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢولهذا افتُتحت هذه السُّورة به، كما خُتمت به: ﴿ ﴾: هذه الآية واردةٌ في ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴿ عَرْض مقالة المشركين في إنكار الرِّسالة والتكذيب بالبَعْث، ففيها ذِكر تعجُّبهم الإنكاري من إرســال رســول من جنســهم البشــري، متعلِّلين أن كون الرَّسول بشــرًا ينافي الحكمــة الربانيَّة، وكذلك تعجُّبهم من إنــذاره ﷺ إياهم عذاب الله يوم القيامة، ودعوته إياهم للإيمان بعد البَعْث بعد الموت. تقبيح الممــاراة في الحق والتعمد في المعارضة "وفي الآيــة ما يؤكِّد على أنكروا "(()، فقد "اتباعًا للهوى وتقبيح التمسك بالتقاليد الموروثة غير الصائبة رســالته وفَضْل كتابه بألســنتهم نفاســة وحســدًا، وفي هذا دليلٌ علــى أن الكبر والحســد من موانع قبــول الحق، وأنه يفضي إلى الســفه...؛ لأنهــم عجبوا أنْ كان الرَّســول بشرًا واســتعظموا ذلك، وأوجبوا أن يكون الإله حجرًا، وعجبوا مــن أن يُعادوا من تراب، وتثبت لهــم الحياة، ولم يعجبوا أن يُبتدؤوا من تراب يقوم على سر الأدلة التي "2("ولم يكن له أصل في الحياة 30( /(() انظر: التفسير الحديث، لمحمد دروزة عزت 0( /2(
عدد الصفحات ٢٨العدد الثامن - السنة الرابعة 50 تثبــت الحق ببراهينه، بطرح الشــبهات، وإلقــاء عبارات التعجــب، وادِّعاء أن .(()"الأمر غير مقبول عقلً ﴾: هــذه الآية واردةٌ في بيان شُــبهة المشــركين ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴿ الســاذجة في إنــكار البَعْث واســتبعاد الحيــاة بعد الموت، وهي أن بِلى الأجســاد وصيرورتها رفاتًا، واختلطها بالراب، وتفرُّق أجزائها في مناحي الأرض ومهابِّ الريــاح لا تُبقي أملً في إمكان جمعهــا، لعدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذرَّاتها، ولو علمت مواقعها فكيف تُعاد إليها أرواحها، ذلك رجوعٌ يستبعد العقل وقوعَه، وتُحيله العادة . خَلْق ما يريد، المتضمِّن ذلك إنكار حكمة الله في خلق الإنسان ﴾: هــذه الآيــة ردٌّ موجــزٌ على ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴿ تقرير كمــال علم الله "شُــبهة المشــركين في إنــكار البَعْــث واســتبعاده، ففيهــا قد علم ما تنقصه الأرض "(() وتقرير قدرته ضمنًا، وبيان أنه سبحانه "ســبحانه من لحومهم وعظامهم وأشعارهم، وأنه كما هو عالمٌ بتلك الأجزاء، فهو قادرٌ . 5("على تحصيلها وجمعها بعد تفرُّقها وتأليفها خلقًا جديدًا . 6("تقريرٌ لعقيدة القضاء والقدر بتقرير كتاب المقادير "وفي الآية ﭭ ﭮ ﭯ ﴿ وفي التعب 2( /(() معارج التفكر ودقائق التدبُّر، لعبد الرحمن الميدا 280 /2( .)8-28 /3( (() الفوائد، لابن القيم (ص 5( .)(38 /6(
عدد الصفحات ٢٩العدد الثامن - السنة الرابعة 51 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق «﴾، دلالــةٌ على مــا ورد في حديثﭰ .(()عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾: هذه الآية واردةٌ في تقرير المعاد ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴿ ببيان بطلن موقف المشــركين من التكذيــب بالحق بذِكر دليل البطلن -وهو الاضطــراب موجٌب "الاضطــراب-، وبيان ســببه -وهو الاســتعجال-. لأن للختــلف، وذلك أدلُّ دليلٍ على الإبطال، كما أن الثبات والخلوص مُوجِب الجــزم الصحيح لا يتغير ولا "2("للتفــاق، وذلــك أدلُّ دليلٍ على الحقيقة 3("يتبــدل القرآن بأنه: سِــحر، وتارة كهانة، وتارة شِعر، وتارة كذب، وتارة ينفون الرِّسالة عن البشر، وأخرى يزعمون أنها لا تليق إلا بأهل الجاه والرئاسة(()). إنمــا هــو ناشــئٌ عــن اســتعجالهم في التكذيــب و بالقــرآن، وعــدم النظر والتأمــل في أدلته. وفي هــذا دعوةٌ للمشــركين وغيرهم عدم التــأني والتفكر مانع من "إلــى التأمل في القــرآن وبراهينه، وتأكيدٌ على أن كل فكرة أو دعوة جديدة "، فينبغي للإنســان أن يقابــل "موانــع الاهتداء للحق 5("بالتدبُّر والروي ويعصم -بإذن الله- من الزَّلل. ﴾، (ح ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ(() رواه البخــاري في صحيحــه، كتاب التفســير، بــاب ﴿ 283 /65 /6( .)(07 /2( .)(5( /3( 285 /07 /(() انظر: نظم الدرر، للبقاعي 53-(52 /المراغي 30( /5(
عدد الصفحات ٣٠العدد الثامن - السنة الرابعة 52 ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴿ هاتــان الآيتان واردتان في تقرير : ﴾ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ عقيدة البَعْث بمظاهر القدرة الإلهيَّة في الكون، وهي التي أنكرها المشركون في ســياق إنكارهم للبَعْث، فكما أن الآية الســابقة فيها دعوة إلى التفكُّر في القرآن وبراهيــن صِدقــه، فكذلــك هذه الآيــة فيها دعــوة الكافرين وســائر الناس إلى العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واســتوائه وحســنه والتئامه، ثم إلى "التأمــل في العالم الســفلي وهو الأرض، وكيف بســطها منها، وثبَّتها بالجبال، وأنبت فيها من كل صنفٍ حسن من أصناف النبات على .(()"اختلف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته فــكل ذلك دالٌّ على كمال قدرته ســبحانه، وعلمه المحيط بكل شــيء، وعلــى عظيــم حكمته، وبالِــغ إتقانه لكل ما خَلَــق، ودقيق صنعــه، وغير ذلك مــن صفات الكمال. وفي هذا دلالة على مشــروعيَّة النظر والاعتبار فيما يحيط بالإنســان من آيــات الله في الكون وما فيها من منافع، ليــزداد إيمانه ويصل إلى .رتبة اليقين، وليشكرَ نعمة ربه بعبادته، ولا يكفروها بعبادة غيره تذكيــرٌ لمُنكِــري البَعْــث، "﴾: هــذه الآيــة ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴿ 3( "وإيقــاظ لهم عن سِــنة الغفلة، وبيان لإمــكان ذلك، وعدم امتناعــه التَّبصرة والذكرى من جملة الحكم التي أوجد الله تلك المخلوقات "بيــان أن ((). لأن الله قــد جعــل في آياته الكونيَّــة وظيفتين: دنيويَّــة للنتفاع بها "لأجلهــا (() الفوائد، لابن القيم (ص / 37 /2( 288 /0-(39 .)96 /3( .)290 /(() التحرير والتنوير، لابن عاشور
عدد الصفحات ٣١العدد الثامن - السنة الرابعة 53 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق للمصالح الدنيا، وأخــرى أخرويَّة، من الدلالة على الله ۵ وصفاته التي ينتفع . بها العبد المنيب (() وفيــه إشــارةٌ إلى أن الوصــول إلى مقــام التَّبصــرة إنما هــو بالعُبوديَّة، " تشــريفٌ لجميع المؤمنين وبيانٌ لفضلهم إذ لا يخلون "2("والإنابة من تبصُّر وتذكُّر بتلك الأفعال على تفاوُتٍ بينهم في ذلك...، وتعريضٌ بإهمال . 3("الكافرين التبصُّرَ والتذكر (()، وفي هذا "اعتبار من لا ينتفع بالشــيء، عادمًا له"وفي هــذا دلالة على ما يؤكد على أنه ينبغي للمؤمن أن يتفكر في مخلوقات الله ويتأمل دقيق صنعه؛ كُلَّمــا كَرَّر شَــهِد المتفكِّرُ المتأمِّــلُ آياتِ الله في الكون، تعلَّم منها أشــياء "لأنَّــه 5( "جديدة، وزادته معرفة بحقائق عن خالقها ومبدعها عبثًــا، بــل لأجل حكمة جليلة وغاية ســامية، وعلم أنه محاســب على أعماله، وأنه لا بد من جزاء وحساب. ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴿ 6( ﴾ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ أبهر الآيات وأدلها عليه، والتي "دفع اســتحالة البَعْث وإظهار تقريبه 63 /(() انظر: معارج التفكر، للميدا 07 /2( .)29( /3( .)((( /(() نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي ((). / 5( ((()،/ 0-6( .)(2 /292 /والتحرير والتنوير، لابن عاشور 295 /7(
عدد الصفحات ٣٢العدد الثامن - السنة الرابعة 54 ، وهــي تكميلٌ لِما ســبق من تقرير كمــال قدرة ا "تتجــدَّد علــى مرور الدهر وشــمول علمه وجليل حكمته، ففيها قياس بعــث الناس للحياة الأخرى، بعد موتهم وفناء أجسادهم على إعادة حياة النباتات من بذورها، والامتنانُ بمظاهر الجمــال في خلــق الله، وبنعمة المطر ومــا يكون بإنزاله مــن الإنبات وحصول الإشــارة "الثمــار والأقــوات للآدميين والبهائــم، وإحياء الأرض بعد موتها. و إلى اختلف أحوال اســتِحصال ما ينفع الناس من أنــواع النبات؛ فإن الجنات تنبيهٌ ". وفيه (()"تستثمر وأصولها باقية، والحبوب تســتثمر بعد حصد أصولها علــى أن اللئــق بالعبد أن يكون انتفاعــه بذلك من حيث التذكُّر والاســتِبصار الرزق حاصل لكل أحد، "2("أقــدم وأهم من تمتعه به من حيث الــرزق .3("غير أن المنيب يأكل ذاكرًا شاكرًا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﴿ ﴾: انتقــل الكلم بعــد ذِكر آيات الله في الأكوان ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ والآفــاق إلى ذِكر آياته في الأنفُس من المكذِّبين للرســل من قبل، فهذه الآيات تقرير النُّبوة بأحسن تقرير، وأوجز لفظ، وأبعده عن كل شُبهة وشك؛ "واردةٌ في فأخبر ســبحانه أنه أرســل إلى قوم نــوح وعاد وثمود وقوم لــوط وقوم فرعون رســلً فكذَّبوهم، فأهلكهم بأنواع الهلك، وصدقَ فيهم وعيده الذي أوعدتهم به رسله إن لم يؤمنوا، وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلــم ذلك من معلِّــم ولا قرأه في كتاب، بل أخبر به إخبــارًا مفصلً مطابقًا 2 /(() نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي 23 /2( .)(58 /3(
عدد الصفحات ٣٣العدد الثامن - السنة الرابعة 55 المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق 2("في ذلك تشريفٌ للنبي ﷺ وللرسل السابقين "((). و"لِما عند أهل الكتاب وتقرير لوَحْدة العقيدة والرِّسالة. وفيه التعريضُ بالتهديد للمشــركين المكذِّبين بالرِّسالة والبَعْث، وتسليةٌ للرَّسول ﷺ، وتثبيتٌ لقلبه، بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، بل هو رسولٌ قد خلت . (()"المصيبة إذا عمَّت هانت "من قبله الرُّسل أن الاشــراك في العمــل يوجــب الاشــراك في "وفي الآيــة دلالــةٌ علــى 5("الجــزاء بالحق؛ فـــنعلم سنةَ الله الأزليَّة الكونيَّة في نصره رسلَه، وتعذيبه المكذِّبين، وأن العاقبة للمتقين، والبوار والخزي على الظالمين. تقريــر "﴾: هــذه الآيــة واردةٌ في ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴿ الاستدلال بقدرة الله "، والرد على شُبهة المشركين في إحالة البَعْث، ففيها "المعاد سبحانه على الخَلْق الأول، على قدرته على إعادة الخَلْق وإحياء الموتى والبَعْث . 7("لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البَدء". 6("في القيامة الكبرى وفي هــذا إنــكار علــى مُنكِــري البَعْــث، واتِّهــام لمداركهــم بالضَّحالــة . من إحالتهم البَعْث"تَوَرُّكٌ عليهم وتحميقٌ لهم وتوبيخٌ لهم "والسطحيَّة، و (() الفوائد، لابن القيم (ص 297 /2( .)7( /3( .)((( /(() نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي 36 /5( .)678 /89 /6( .)686 /7( .)298 /8(
عدد الصفحات ٣٤