81 فوصفه بالعلم والقوة, وجمال المنظر وحسن الصورة, وكمال الفهم والحصانة والذكاء – وفً هذا تعدٌل لسند الوحً : القرآنً والنبوي, وشهادة بصدق النبوة المحمدٌة , وأن الطٌور على أشكالها تقع , فلٌس هناك سحر ولا كهانة , وإنما هو كلام الله تعالى ووحٌه إلى رسوله صلى الله علٌه وسلم . ثم ذكر سبحانه استواء جبرٌل علٌه السلام فقال جلّ وعلا:{ فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسٌن أو أدنى فؤوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفإاد ما رأى}. فذكر سبحانه استواء جبرٌل علٌه السلام الذي هو واسطة التعلٌم والوحً إلى رسول الله صلى الله علٌه وسلم , ودنوّه وتدلٌه وقربه من رسول الله صلى الله علٌه وسلم بؤنه : قدر قاب قوسٌن أو أدنى من ذلك, ولٌس هذا من باب التردد والشك , ولكن من باب تحقٌق قدر المسافة, وأنها لا تزٌد على قاب قوسٌن أصلااً , كما قال تعالى:{ وأرسلناه إلى مابة ألف أو ٌزٌدون} فهذا من باب تحقٌق العدد, وأنهم لا ٌنقصون عن مابة ألف ألبتة. { ما كذب الفإاد ما رأى} وفً هذا ٌخبر سبحانه عن تصدٌق فإاده صلى الله علٌه وسلم لما رأته عٌناه, وأن القلب الشرٌف صدّق العٌن, فما رآه صلى الله علٌه وسلم ببصره صدقه فإاده وعلم أنه كذلك على الحقٌقة , ولٌس ذلك من باب التخٌٌل إلٌه أو الوهم, كمن رأى شٌبااً على خلاف ما هو به فكذب فإاده بصره , بل توافقت رإٌة القلب مع رإٌة البصر وطابقت لها , فهً رإٌة حق , ومعاٌنة صدق , فلا ٌنبغً للمعاندٌن أن ٌنكروا وٌكابروا فً ذلك , وٌجادلوا وٌماروا. قال تعالى:{ أفتمارونه على ما ٌرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المؤوى}. والمعنى أنّه صلى الله علٌه وسلم رأى جبرٌل علٌه السلام على صورته الحقٌقٌة التً خلقه الله تعالى علٌها – له ستمابة جناح, قد سدّ الأفق, وذلك دون السماء , ورسول الله صلى الله علٌه وسلم عند بطحاء مكّة فاستوى له جبرٌل:{ وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى} الآٌات. ورآه مرة أخرى فوق السماوات عند سدرة المنتهى , وجبرٌل على صورته الحقٌقٌة , وكان هذا لٌلة الإسراء والمعراج. وأما قوله تعالى:{ إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى ما زاو البصر وما طغى لقد رأى من آٌات ربه الكبرى } , فالظاهر من هذه الآٌات أنها تشٌر إلى رإٌته صلى الله علٌه وسلم رب العزة وأنه سبحانه تجلّى له صلى الله علٌه وآله وسلم عند سدرة المنتهى , كما تجلّى لموسى علٌه السلام عند الجبل,
عدد الصفحات ٨١82 غٌر أن الجبل لم ٌستقر بل جعله دكّا, وموسى علٌه السلام لم ٌثبت للرإٌة بل خرّ صعقااً , أما سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم فإنه ثبت بقوة من الله تعالى , حتى أنه صلى الله علٌه وسلم ما زاو بصره وما طغى , أي: ما حار بصره ولا دهش , وما طغى أي: ما جاوز المنظور إلٌه, كما ٌدل على ذلك الأحادٌث الواردة فً ذلك , وكما هو فحوى سٌاق الآٌات , وكما هو فحوى سٌاق المعراج الشرٌف. أما الأحادٌث : فمنها المرفوع ومنها الموقوف – ولكن له حكم المرفوع لأنه لا مجال للرأي فً ذلك , فقد جاء فً قوله تعالى:{ إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى } عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: ( ٌغشاها نور الخلاق سبحانه), وجاء عن الحسن أنه قال: ( غشٌها نور رب العزة جل شؤنه فاستنارت), وجاء عن ابن عباس رضً الله عنهما أنه قال: ( غشٌها رب العزة عز وجلّ ). وهذه الأقوال تشٌر إلى تجلًّ رب العزة بالرإٌة لرسوله الكرٌم صلى الله علٌه وسلم عند سدرة المنتهى , وقد تجلى بالنور الباهر , وٌشهد لذلك كله ما جاء فً ( صحٌح ) مسلم عن عبد الله بن شقٌق قال : قلت لأبً ذرّ رضً الله عنه لو رأٌت رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم لسؤلته , فقال : ( عن أي شًء كنت تسؤله ؟ ) , فقال : كنت أسؤله هل رأٌت ربك ؟ . قال أبو ذر رضً الله عنه :( قد سؤلته فقال صلى الله علٌه وآله وسلم : [ رأٌت نورا] -)أي: رأٌت ربً وقد تجلّى بالنور, ففً هذا إثبات رإٌته صلى الله علٌه وسلم ربّه, إذ لو لم ٌكن رآه لكان الجواب بقوله: لم أر ربًّ. وكان هذا التجلً النورانً عند السدرة فغشٌتها أنوار الرب عزّ وجلّ - كما تقدم عن الحسن وغٌره. وبناء على هذا ٌكون الظرف وهو { إذ} متعلقااً بما بعده من الجملة المنفٌة, ولا ٌضر التقدم على ما النافٌة , لأنه ٌتوسع فً الظرف ما لا ٌتوسع فً غٌره . أو ٌكون متعلقااً بفعل محذوف وهو : اذكر, وجاءت صٌغة الفعل المضارع وهو :{ إذ ٌغشى} لحكاٌة الحال الماضٌة استحضارااً لصورتها البدٌعة, وهذا لا ٌتنافى مع رإٌته صلى الله علٌه وسلم جبرٌل علٌه السلام؛ كما دلّت على ذلك الآٌات السابقة. انظر ذلك كله فً تفسٌر ابن كثٌر ,و ( الدر المنثور), والآلوسً – وغٌرها. انظر تفسٌر الألوسً وغٌره.
عدد الصفحات ٨٢83 والقول بإثبات رؤٌته صلى الله علٌه وسلم ربه لٌلة المعراج بالبصر؛ القول بذلك ثابت عن كثٌر من الصحابة رضً الله عنهم والتابعٌن فمن بعدهم. قال القاضً عٌاض رحمه الله تعالى : وروي عن ابن عباس رضً الله عنهما أنه صلى الله علٌه وسلم رأى ربه بعٌنً رأسه , ومثله عن أبً ذر وكعب رضً الله عنهما والحسن- ٌعنً البصري- رحمه الله تعالى؛ وكان – الحسن- ٌحلف على ذلك. قال القاضً : وحكً مثله عن ابن مسعود وأبً هرٌرة رضً الله عنهما , وأحمد بن حنبل, وحكى أصحاب المقالات عن أبً الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه صلى الله علٌه وآله وسلم رأى ربه.اهـ. وقد نقل ذلك أٌضااً الإمام النووي ثم قال: وأما صاحب التحرٌر فإنه اختار إثبات الرإٌة , قال والحجج فً هذه المسؤلة وإن كانت كثٌرة ولكنّا لا نتمسك إلاّ بالأقوى منها , وهو حدٌث ابن عباس رضً الله عنهما القابل : ( أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهٌم علٌه السلام, والكلام لموسى علٌه السلام, والرإٌة لمحمد صلى الله علٌه وآله وسلم ). قال: وعن عكرمة : سبل ابن عباس رضً الله عنهما : هل رأى محمد صلى الله علٌه وآله وسلم ربه؟, فقال: (نعم). قال: وقد روي بإسناد لا بؤس به عن شعبة عن قتادة عن أنس رضً الله عنه أنه قال: ( رأى محمد صلى الله علٌه وآله وسلم ربه). قال: وكان الحسن ٌحلف : لقد رأى محمد صلى الله علٌه وآله وسلم ربه.اهـ. قال صاحب التحرٌر: والأصل فً الباب حدٌث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إلٌه فً المعضلات, وقد راجعه ابن عمر رضً الله عنهما فً هذه المسؤلة وراسله: هل رأى محمد صلى الله علٌه وآله وسلم ربّه؟ فؤخبره أنّه رآه. ثم قال صاحب التحرٌر: وإذا صحّت الرواٌات عن ابن عباس رضً الله عنهما فً إثبات الرإٌة؛ وجب المصٌر إلى إثباتها , فإنها لٌست مما ٌدرك بالعقل؛ وٌدرك بالظن, وإنما ٌتلقى بالسماع, ولا ٌستجٌز أحد أن ٌظن بابن عباس أنه تكلم فً هذه المسؤلة بالظن والاجتهاد إلخ. قال الإمام النووي بعدما نقل ذلك: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم رأى ربه بعٌنً رأسه لٌلة الإسراء لحدٌث ابن عباس وغٌره مما تقدم, وإثبات هذا لا ٌؤخذونه إلاّ بالسماع من
عدد الصفحات ٨٣84 رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم– هذا مما لا ٌنبغً أن ٌتشكّك فٌه .اهـ. قال عبد الله غفر الله تعالى له: ولا شك أن نقل إثبات الرإٌة عن ابن عباس وغٌره هو أمر ثابت من طرق متعددة,ومن ذلك: ما رواه الإمام أحمد بسند صحٌح عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ رأٌت ربً عزّ وجلّ]. وأخرج الطبرانً فً(الأوسط ) بسند صحٌح عن ابن عباس رضً الله عنهما أنه كان ٌقول : (إنّ محمدااً صلى الله علٌه وآله وسلم رأى ربه مرتٌن: مرّة ببصره,ومرّة بفإاده). وأخرج الطبرانً أٌضااً عن ابن عباس أنه قال: ( نظر محمد صلى الله علٌه آله وسلم إلى ربه), قال عكرمة: فقلت له: نظر محمد صلى الله علٌه وسلم إلى ربه ؟, فقال: ( نعم؛ جعل الكلام لموسى علٌه السلام , والخلّة لإبراهٌم علٌه السلام , والنظر لمحمد صلى الله علٌه وسلم ). وأخرج البٌهقً فً كتاب (الرإٌة) عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: ( إن الله اصطفى إبراهٌم بالخلة, وآصطفى موسى بالكلام, واصطفى محمدااً صلى الله علٌه وسلم بالرإٌة). وأخرجه البٌهقً بلفظ آخر : ( أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهٌم علٌه السلام , والكلام لموسى علٌه السلام , والرإٌة لمحمد صلى الله علٌه وآله وسلم ). وأخرج ابن مردوٌه عن أنس رضً الله عنه قال: ( رأى محمد صلى الله علٌه وسلم ربه). وأخرج النسابً والحاكم وصححه وابن مردوٌه عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: ( أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهٌم , والكلام لموسى, والرإٌة لمحمد صلى الله علٌه وعلٌهم وسلّم تسلٌمااً ). وأما قول أم المإمنٌن السٌدة عابشة رضً الهً عنها لمسروق كما جاء فً (صحٌح) مسلم : (من زعم أن محمدااً صلى الله علٌه وسلم قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرٌة ), ثم قالت له : ( أو لم تسمع أن الله تعالى ٌقول :{ لا تدركه الأبصار وهو ٌدرك الأبصار وهو اللطٌف الخبٌر} ,فلٌس مقصودها نفً رإٌة النظر بالبصر , وإنما مقصودها نفً رإٌة الإدراك والإحاطة بالبصر , وهذا واضح من استدلالها بالآٌة الكرٌمة, فإن الآٌة تنفً الإدراك لا تنفً أصل الرإٌة بلا إدراك , لأن الرإٌة بالنظر بلا انظر (الخصابص الكبرى). انظر (الدر المنثور).
عدد الصفحات ٨٤85 إدراك هو الثابت بنص الآٌة قال تعالى:{ وجوه ٌومبذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ,فهذه الآٌة هً قول الله تعالى, وتلك الآٌة هً قول الله تعالى – ولا اختلاف بٌنهما؛ { ولو كان من عند غٌر الله لوجدوا فٌه اختلافااً كثٌرا } وبٌان ذلك أن الرإٌة نوعان: رإٌة نظر بالبصر , ورإٌة إدراك وإحاطة بالبصر أو البصٌرة ؛ فالأولى ثابتة وهً لا تستلزم إدراك الكنه ولا الإحاطة بما ٌرى, والثانٌة تقتضً ذلك, فالله تعالى لا ٌدرك ولا ٌحاط به علمااً , ولا ٌدرك ولا ٌحاط به قدرة, ولا ٌدرك ولا ٌحاط بصرااً بل هو المدرك والمحٌط بكل شًء علمااً وقدرة وبصرااً جلّ وعزّ . وإذا أردت ما ٌقرب لك ذلك- بلا مشابهه- فإنك ترى السماء ناظرااً إلٌها ببصرك , ولكنك لم ٌدرك بصرك حقٌقتها , ولم تحط بها رإٌة , فؤنت تراها نظرااً ولكن لم تدركها بصرااً , والله تعالى أجلّ وأعزّ و { لٌس كمثله شًء وهو السمٌع البصٌر }. فقوله تعالى:{ إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى} هو ٌشٌر إلى النور الذي تجلّى به على رسوله وحبٌبه صلى الله علٌه وسلم , وقد رأى الله تعالى بعٌنً بصره , ولكن { ما زاو البصر} ,أي: ما دهش ولا حار , { وما طغى} أي: ما جاوز المنظور إلٌه , والمتجلًّ علٌه بالنور الباهر القاهر , لأن الله تعالى أعطاه قوّة قوٌة خارقة للعادة فً سمعه صلى الله علٌه وسلم وبصره , حتى سمع ما سمع , وشاهد ما شاهد , ورأى رب العزة , وإلى هذا ٌشٌر بقوله سبحانه :{ لنرٌه من آٌاتنا إنه هو السمٌع البصٌر} ,فالله تعالى الذي لا ٌتناهى سمعه وبصره , أعطى حبٌبه الأكرم قوة فً سمعه وبصره فرأى الحق , وسمع الكلام من الحق جلّ وعلا, ولولا ذاك لزاو البصر وطغى, وذلك أن من شاهد النور الباهر فهو لا محالة إمّا: أن ٌحار بصره وٌكل وٌدهش , أو ٌلتفت ٌمٌنااً أو شمالااً لٌرٌح بصره , وٌخفف عنه سطوة النور أمامه , إذااً الذي غشً السدرة هو نور الله تعالى كما تقدم من الأدلة . وكما ورد فً رواٌة أحمد وغٌره :[ فلما غشٌها من أمر الله ما غشٌها تغٌّرت فما أحد من خلق الله تعالى ٌستطٌع أن ٌصفها من حسنها ] الحدٌث. وكما جاء فً رواٌة النسابً عن أنس رضً الله عنه فً حدٌث المعراج وفٌه :[ وأتٌت إلى سدرة المنتهى فغشٌتنً ضبابة– أي: سحابة من نور- فخررت ساجدااً , فقٌل لً:- أي: فقال الله تعالى لً- إنً ٌوم خلقت السماوات والأرض فرضت علٌك ] الحدٌث.
عدد الصفحات ٨٥86 وفً رواٌة ابن أبً حاتم عن أنس رضً الله عنه ما ٌفسر ذلك:[ ثم انطلق بً حتى انتهى إلى الشجرة – أي: سدرة المنتهى – فغشٌتنً سحابة فٌها من كل لون – أي: من ألوان الجمال والحسن – وخررت ساجدااً لله تعالى, فقال الهن تعالى : ٌا محمد إنً ٌوم خلقت السماوات والأرض فرضت علٌك وعلى أمتك خمسٌن صلاة ] الحدٌث– أي: فبعد ذلك خفّفها الله تعالى إلى خمس صلوات عملااً , ولها أجر الخمسٌن فضلااً وكرمااً . فالمتجلً عند السدرة هو الله تبارك وتعالى. وممل ٌدل على إثبات رإٌته صلى الله علٌه وسلم ربّه لٌلة الإسراء والمعراج – سٌاقات أحادٌث المعراج وفحواها , وذلك من وجوه متعددة : أولااً : قوله صلى الله علٌه وسلم فً حدٌث المعراج :[ فانطلق بً جبرٌل حتى أتى بً السماء الدنٌا فاستفتح, فقٌل : من ؟ فقال : جبرٌل, فقٌل: ومن معك؟, فقال: محمد صلى الله علٌه وسلم , فقٌل: وقد أرسل إلٌه؟,قال: , نعم, قٌل: فمرحبااً به فلنعم المجًء جاء ]. وهكذا كلما استفتح سماء بعد سماء قٌل له ذلك, وقال لهم جبرٌل علٌه السلام ذلك. فقوله:[ وقد أرسل إلٌه] معناه: وهل أرسل الله تعالى داعٌااً إلى محمد رسول الله صلى الله علٌه وسلم ٌدعوه إلى حضرة رب العزّة والجلال , وذلك الداعً هو أنت ٌا جبرٌل, وقد أرسلك إلٌه لتؤتً معه إلى رب العالمٌن ؟. وقد جرت عادة الملوك والعظماء؛ إذا دعوا من هو كرٌم علٌهم أن ٌكرموه بحسن اللقاء والاجتماع, وحسن الحدٌث معه وبحسن الإقبال علٌه,لا أنهم إذا دعوه فؤجاب دعوتهم, ودخل رحابهم , ألقوا الحجاب , وتحدثوا إلٌه من وراء الحجاب . فلا تشبٌه ولا تمثٌل فإنه سبحانه :{ لٌس كمثله شًء وه} ,ولكن له المثل الأعلى – أي: الوصف الأكمل والأحسن, والأنزه والأعز والأرفع, على وجه لا ٌتناهى فً حسنه وكماله. فهو سبحانه لما أرسل إلى حبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وسلم جبرٌل علٌه السلام ٌدعوه إلى حضرته سبحانه, وأمر جبرٌل علٌه السلام أن ٌصحبه فً مسٌره , وٌفتح له الأبواب, وٌعلم به الحجاب الموكلٌن بفتح الأبواب – أي: أبواب السماوات- لٌستقبلوا عظٌم الجناب صلى الله علٌه وسلم بكمال التحٌة والحفاوة والتكرٌم, وهكذا سماء فوق سماء, إلى سدرة المنتهى, إلى مستوى سمع فٌه صرٌف الأقلام, إلى مقام حٌّا فٌه ربّ العزّة وحٌّاه ربّ العزة وكلّمه, وأوحى إلٌه ووجه إلٌه أوامر؛وأهمها فرابض الصلوات الخمسة, وأتحفه بعطاٌا من كنوز العرش- كما قال صلى الله علٌه وسلم –
عدد الصفحات ٨٦87 وأكرمه بعطاٌا, ومنحه بخصابص: منها ما ٌرجع إلٌه, ومنها ما فٌه تكرٌم لأمته- كما فً حدٌث الدلابل. أترى أن ذلك كله من وراء الحجاب؟!, كلا بل كان ذلك من غٌر حجاب. ثانٌااً : جاء فً حدٌث المعراج قوله صلى الله علٌه وسلم :[ ففرض الله علًّ خمسٌن صلاة فً كل ٌوم ولٌلة, فنزلت حتى انتهٌت إلى موسى, فقال لً: ما فرض ربك علٌك وعلى أمتك؟ قلت: خمسٌن صلاة, فقال: ارجع إلى ربك فاسؤله التخفٌف, فإن أمتك لا تطٌق ذلك, فرجعت إلى ربً فقلت : ٌا ربً خفّف عن أمتً- فحط عنً خمسااً ] ,إلى أن قال صلى الله علٌه وآله وسلم :[ فلم أزل أرجع بٌن ربً وبٌن موسى, حتى قال: ٌا محمد إنهنّ خمس صلوات كل ٌوم ولٌلة , فكل صلاة عشر, فتلك خمسون صلاة] الحدٌث. فقوله صلى الله علٌه وسلم :[ فلم أزل أرجع بٌن ربً وبٌن موسى] ظاهر فً رإٌته صلى الله علٌه وسلم ربه فً جمٌع ذلك كما هو فحوى الحدٌث , ولٌس هناك شًء ٌنفً ذلك؛ لا من ناحٌة النقل ولا العقل. وقول موسى علٌه السلام:[ ارجع إلى ربك] ظاهر فً رإٌته صلى علٌه وسلم ربه حٌن ٌرجع إلٌه وٌكلمه, إذ لو كان الكلام من وراء الحجاب لقال له موسى : كلّم ربك من مكانك. ثالثااً : إن كان المقصود من معراجه صلى الله علٌه وسلم إلى الملأ الأعلى هو اطلاعه على عجابب السماوات والأرض وملكوتها – إذا كان هذا المقصود فحسب كان ٌكتفى باطلاعه صلى الله علٌه وسلم وإراءته ذلك وهو فً عالم الأرض كما حصل ذلك لسٌدنا إبراهٌم الخلٌل علٌه السلام , قال تعالى:{ وكذلك نري إبراهٌم ملكوت السموات والأرض ولٌكون من الموقنٌن}. وإن كان المقصود من المعراج هو تكلٌم الله تعالى من وراء الحجاب فحسب , فإن ذلك ممكن فً الأرض كما حصل لسٌدنا الكلٌم علٌه السلام؛ قال تعالى:{ ولما جاء موسى لمٌقاتنا وكلمه ربه} الآٌة. وإن كان المقصود هو اجتماعه بالأنبٌاء قبله فحسب, فلقد حصل له ذلك فً بٌت المقدس , ففً لٌلة إسرابه صلى الله علٌه وسلم لبٌت المقدس اجتمعوا به كلهم, وصلّى بهم إمامااً - كما ورد فً الصحاح. بل هناك مقصد أسمى, ومطلب أعلى, ألا وهو رإٌة رب العزة جلّ وعلا عند سدرة المنتهى. فما أكرم هذا الحبٌب الأكرم على الله تعالى, وما أعظم مقامه عند الله تعالى- لقد دعاه سبحانه إلٌه, ورفعه فوق الطباق, وفتح له الأبواب,
عدد الصفحات ٨٧88 وكشف له الحجاب, حتى عاٌن وشاهد رب الأرباب, بلا حٌرة ولا اضطراب:{ ما زاو البصر وما طغى} ,صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم حقّ قدره ومقداره العظٌم , فً كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله العظٌم , وعلٌنا وعلى والدٌنا والمسلمٌن أجمعٌن- آمٌن. مقام السٌادة العامّة ومن جملة المقامات التً خصه الله تعالى بها صلى الله علٌه وآله وسلم أنه سٌد ولد آدم أجمعٌن : روى مسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ أنا سٌد ولد آدم ٌوم القٌامة, وأوّل من ٌنشق عنه القبر , وأول شافع وأوّل مشفّع ]. وروى الشٌخان والترمذي عن أبً هرٌرة رضً الله عنه أن النبً رضً الله علٌه وآله وسلم قال : [ أنا سٌد الناس ٌوم القٌامة, وهل تدرون بم ذلك ؟ . ٌجمع الله الأولٌن والآخرٌن فً صعٌد واحد , ٌسمعهم الداعً وٌنفذهم البصر , وتدنو الشمس منهم, فٌبلغ الناس من الغم والكرب ما لا ٌطٌقون ولا ٌحتملون] الحدٌث ٌؤتً بتمامه. وإنما خصّ ٌوم القٌامة بالذكر فقال صلى الله علٌه وسلم :[ أنا سٌد الناس ٌوم القٌامة] ,من أن له السٌادة فً الدنٌا والآخرة, هذا لأن الناس كلهم على مختلف مللهم ٌقرون له بالسٌادة ٌوم القٌامة, وٌشهدون له بذلك, وأما فً الدنٌا فمنهم ومنهم. ومن وجه آخر: فإن السٌد هو الذي ٌرجع إلٌه فً مهامّ الأمور وعظابمها وشدابدها, ولٌس هناك أهمّ ولا أعظم ولا أشد من أمور الآخرة. وإلى هذا كله ٌشٌر بقوله صلى الله علٌه وسلم- بعد ما أعلن سٌادته وأعلم الأمة بها -: [ هل تدرون بم ذاك؟, ٌجمع الله الأولٌن والآخرٌن فً صعٌد واحد] وذكر من تلك المهام والشدابد لٌعلموا من ٌرجعون إلٌه إذا حلّ بهم ذلك. مقام لواء الحمد لقد ورد فً كثٌر من الأحادٌث النبوٌة, الواردة فً مناسبات مختلفة , ورد فً ذلك كله ما ٌثبت خصوصٌته صلى الله علٌه وآله وسلم بلواء الحمد الذي ٌدخل تحته جمٌع الأنبٌاء ؛ آدم فمن دونه صلوات الله علٌه وعلٌهم أجمعٌن.
عدد الصفحات ٨٨89 فمن ذلك ما رواه الترمذي عن أبً سعٌد رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ أنا سٌد ولد آدم ٌوم القٌامة ولا فخر, وبٌدي لواء الحمد ولا فخر ] الحدٌث. ومن ذلك حدٌث الترمذي والدرامً فً قوله صلى الله علٌه وسلم [ ألا وأنا حبٌب الله ولا فخر, وأنا حامل لواء الحمد ٌوم القٌامة ولا فخر ] الحدٌث. وقد تكلمت على بعض خصابص لواء الحمد فً كتاب : (الإٌمان بعوالم الآخرة) فارجع إلٌه. المقام المحمود قال الله تعالى:{ ومن اللٌل فتهجد به نافلة لك عسى أن ٌبعثك ربك مقاما محمودااً }. وهذا هو مقام الشفاعة العظمى العامّة لجمٌع أهل الموقف, فإنّه ٌشفع بهم صلى الله علٌه وسلم , وٌنقذهم من طول الموقف وكرباته وأهوالها, بعد أن ضجّوا وصاحوا واستغاثوا بالرسل , وطلبوا منهم الشفاعة فلم ٌستجٌبوا لهم, بل اعتذروا وقال كل واحد منهم : نفسً نفسً نفسً؛ لا تهمنً الٌوم إلاّ نفسً , اذهبوا إلى غٌري, حتى انتهوا إلى إمام المرسلٌن صلوات الله تعالى وسلامه علٌه وعلٌهم أجمعٌن فقال:[ أنا لها, أنا لها] ,وهناك ٌتقدم فٌشفع وٌشفّع , وٌنفضّ أمر الموقف, وكلهم ٌحمدونه صلى الله علٌه وسلم على موقفه المشرف, وٌثنون علٌه بقٌامه هذا المقام المحمود . روى البخاري عن ابن عمر رضً الله عنهما فً تفسٌر المقام المحمود قال: ( إن الناس ٌصٌرون ٌوم القٌامة جثى أو جثّااً – أي: جماعات- كل أمّة تتبع نبٌها, ٌقولون: ٌا فلان اشفع حتى تنتهً الشفاعة إلى النبً صلى الله علٌه وآله وسلم , فذلك ٌوم ٌبعثه الله المقام المحمود). وروى البخاري عن ابن عمر رضً الله عنهما قال: قال النبً صلى الله علٌه وآله وسلم :[ ما ٌزال الرجل ٌسؤل الناس– أي: ٌسؤلهم من المال تكثّرااً فوق الحاجة – حتى ٌؤتً ٌوم القٌامة لٌس فً وجهه مزعة لحم] , وقال: ( إن الشمس تدنو ٌوم القٌامة حتى ٌبلغ العرق نصف الأذن , فبٌناهم كذلك- أي: فً كربات الموقف – إذ استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم قال الزرقانً: جثى: بضم الجٌم وفتح المثلثة المخففة منوّنااً مقصورااً , قال الحافظ: جمع جثوة كخطوة وخطى , ثم قال: وقال ابن الجوزي : عن ابن الخشاب إنما هو جثّااً بفتح المثلثة وتشدٌدها جمع جاث مثل: غاز وغزااً – أي: جماعات,اهـ وهذا الموقوف له حكم المرفوع كما هو معلوم عند أهل الحدٌث .
عدد الصفحات ٨٩90 بمحمد صلى الله علٌه وسلم فٌشفع لٌقضى بٌن الخلق, فٌمشً حتى ٌؤخذ بحلقة الباب فٌومبذ ٌبعثه الله مقامااً محمودااً ). وروى الشٌخان واللفظ لمسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه أن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ أنا سٌد الناس ٌوم القٌامة, وهل تدرون بم ذاك ؟. ٌجمع الله ٌوم القٌامة الأولٌن والآخرٌن فً صعٌد واحد, فٌسمعهم الداعً, وٌنفذهم البصر, وتدنو الشمس , فٌبلغ الناس من الغم والكرب ما لا ٌطٌقون وما لا ٌحتملون , فٌقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فٌه؟, ألا ترون ما قد بلغكم؟, ألا تنظرون من ٌشفع لكم إلى ربّكم؟, فٌقول بعض الناس لبعض : ابتوا آدم- فٌؤتون آدم فٌقولون ٌا آدم أنت أبو البشر: خلقك الله بٌده, ونفخ فٌك من روحه, وأمر الملابكة فسجدوا لك- اشفع لنا عند ربك, ألا ترى إلى ما نحن فٌه ؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟. فٌقول آدم: إن ربً غضب الٌوم غضبااً لم ٌغضب قبله مثله , ولن ٌغضب بعده مثله, وإنه نهانً عن أكل الشجرة فعصٌته- نفسً نفسً اذهبوا إلى غٌري , اذهبوا إلى نوح. فٌؤتون نوحااً فٌقولون : ٌا نوح أنت أوّل الرسل إلى الأرض , وسمّاك الله عبدااً شكورااً ,- اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فٌه ؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟. فٌقول لهم: إن ربً قد غضب الٌوم غضبااً لم ٌغضب قبله مثله , ولن ٌغضب بعده مثله , وإنه قد كانت لً دعوة دعوت بها على قومً – نفسً نفسً اذهبوا إلى إبراهٌم صلى الله علٌه وسلم . فٌؤتون إبراهٌم فٌقولون : أنت نبًّ الله وخلٌله من أهل الأرض ؛ اشفع لنا عند ربك , ألا ترى إلى ما نحن فٌه ؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟. فٌقول لهم إبراهٌم : إن ربً قد غضب الٌوم غضبااً لم ٌغضب قبله مثله , ولن ٌغضب بعده مثله , - وذكر كذباته – نفسً نفسً اذهبوا إلى غٌري اذهبوا إلى موسى صلى الله علٌه وسلم . فٌؤتون موسى فٌقولون: ٌا موسى أنت رسول الله , فضّلك برسالاته وبتكلٌمه على الناس؛ اشفع لنا إلى ربك , ألا ترى إلى ما نحن فٌه ؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟, فٌقول موسى صلى الله علٌه وسلم : إن ربً قد غضب الٌوم غضبااً لم ٌغضب قبله مثله , ولن ٌغضب بعده مثله , وإنً قتلت نفسااً لم أومر بقتلها – نفسً نفسً اذهبوا إلى عٌسى صلى الله علٌه وسلم . كما فً (صحٌح ) البخاري: كتاب الزكاة.
عدد الصفحات ٩٠91 فٌؤتون عٌسى فٌقولون: ٌا عٌسى أنت رسول الله , وكلّمت الناس فً المهد , وكلمة منه ألقاها إلى مرٌم وروح منه- فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى إلى ما نحن فٌه ؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟. فٌقول لهم عٌسى صلى الله علٌه وسلم : إن ربً قد غضب الٌوم غضبااً لم ٌغضب قبله مثله, ولن ٌغضب بعده مثله – ولم ٌذكر له ذنبااً – نفسً نفسً إذهبوا إلى غٌري؛ اذهبوا إلى محمد صلى الله علٌه وآله وسلم . فٌؤتونً فٌقولون : ٌا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبٌاء, وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تؤخر – اشفع لنا عند ربك , ألا ترى إلى ما نحن فٌه؟, ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟. قال صلى الله علٌه وسلم : فؤنطلق فآتً تحت العرش فؤقع ساجدااً لربً , ثم ٌفتح الله علًّ وٌلهمنً من محامده وحسن الثناء علٌه شٌبااً لم ٌفتحه لأحد قبلً , ثم ٌقال: ٌا محمد ارفع رأسك , سل تعطه , اشفع تشفّع , فؤرفع رأسً فؤقول : ٌا ربّ أمتً أمتً , فٌقال: ٌا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب علٌه من الباب الأٌمن من أبواب الجنة ؛ وهم شركاء الناس فٌما سوى ذلك من الأبواب , والذي نفس محمد بٌده إن ما بٌن المصراعٌن من مصارٌع الجنة لكما بٌن مكة وهجر , أو ما بٌن مكة وبصرى ]. وهكذا ٌشفع النبً صلى الله علٌه وسلم شفاعة عامّة لجمٌع أهل الموقف, ثم ٌشفع الشفاعات الخاصة, كما بٌّنت ذلك مفصلااً مع الأدلة فً كتاب : (الإٌمان بعوالم الآخرة ) فارجع إلٌه تجد أنواع الشفاعات هناك . مقام قٌامه صلى الله علٌه وسلم عن ٌمٌن العرش روى الترمذي وصححه عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم :[ أنا أوّل من تنشق عنه الأرض , فؤكسى حلّة من حلل الجنة ,ثم أقوم عن ٌمٌن العرش – لٌس أحد من الخلابق ٌقوم ذلك المقام غٌري ]. وهذه خصٌصة شرّف الله تعالى بها حبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وآله وسلم لم ٌنلها أحد من الخلابق غٌره؛ ولا الملابكة علٌهم السلام – فإنها من جملة الخلابق . مقام الوسٌلة الوسٌلة فً اللغة: هً التً ٌتوصل بها إلى تحصٌل المقصود المحمود. وأما الوسٌلة التً خصّ الله تعالى بها سٌدنا محمدااً صلى الله علٌه وسلم فهً علم على أعلى منزلة فً الجنة, لٌس فوقها منزلة , وهً أقرب المصراعان : جانبا الباب .
عدد الصفحات ٩١92 منازل الجنة إلى العرش وأرفعها, فهذه منزلة رسول الله صلى الله علٌه وسلم وداره فً الجنة دلّت على ذلك الأحادٌث النبوٌة ومنها: ما رواه الترمذي والإمام أحمد عن أبً هرٌرة رضً الله عنه أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال:[ إذا صلٌّتم علًّ فسلوا لً الوسٌلة] ,قٌل: ٌا رسول الله وما الوسٌلة؟. قال: [ أعلى درجة فً الجنة, لا ٌنالها إلاّ رجل واحد , وأرجو أن أكون أنا هو ]. وروى ابن مردوٌه بإسناده عن أبً سعٌد الخدري رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ إن الوسٌلة درجة عند الله لٌس فوقها درجة, فسلوا الله أن ٌإتٌنً الوسٌلة على خلقه]. وروى ابن مردوٌه أٌضااً عن أبً هرٌرة رضً الله عنه رفعه قال: [ صلّوا علًّ صلاتكم , وسلوا الله لً الوسٌلة ] فسؤلوه أو أخبرهم– أي: سؤله الصحابة أو هو أخبرهم – فقال :[ إن الوسٌلة درجة فً الجنة, لٌس ٌنالها إلاّ رجل واحد , وأرجو أن أكون أنا ]. وقد أمر النبً صلى الله علٌه وسلم أمته أن ٌسؤلوا الله تعالى له الوسٌلة لٌنالوا الأجر العظٌم , والفضل الكبٌر المترتب على دعاء الوسٌلة. فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضً الله عنهما أنه سمع النبً صلى الله علٌه وسلم ٌقول: [ إذا سمعتم المإذن فقولوا مثل ما ٌقول: ثم صلّوا علًّ ؛ فإنّه من صلّى علًّ صلاة صلى الله علٌه بها عشرااً , ثم سلوا الله لً الوسٌلة فإنّها منزلة فً الجنة لا تنبغً إلاّ لعبد من عباد الله ؛ وأرجو أن أكون أنا هو, فمن سؤل الله لً الوسٌلة حلّت علٌه الشفاعة]. وروى الطبرانً عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ سلوا الله لً الوسٌلة, فإنه لم ٌسؤلها لً عبد فً الدنٌا إلاّ كنت له شهٌداُ أو شفٌعااً ٌوم القٌامة ]. وروى البخاري عن جابر رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ من قال حٌن ٌسمع النداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة, والصلاة القابمة, آت محمدااً الوسٌلة والفضٌلة , وابعثه مقامااً محمودااً الذي وعدته- إلا حلّت له الشفاعة ٌوم القٌامة]. انظر تفسٌر ابن كثٌر. انظر تفسٌر ابن كثٌر . كما فً تفسٌر ابن كثٌر.
عدد الصفحات ٩٢93 صاحب مقام الخلافة العظمى– صلى الله علٌه وسلم – قال الله تعالى مخاطبااً لحبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وسلم : [ إن الذٌن ٌباٌعونك إنما ٌباٌعون الله ٌد الله فوق أٌدٌهم فمن نكث فإنما ٌنكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد علٌه الله فسٌإتٌه أجرااً عظٌمااً ]. فسٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم هو خلٌفة الله الأعظم ؛ بمعنى أنه رسول الله الناطق عن وحً الله تعالى , المبلغ أوامر الله تعالى , والناهً عما نهى الله تعالى ,والحاكم بما أراه الله تعالى, المنتقم لأجل الله تعالى , والرامً بقوة الله تعالى , المحفوف بعٌن الله تعالى, المإٌد بنصر الله تعالى – الذي من أطاعه فقد أطاع الله تعالى , ومن عصاه فقد عصى الله تعالى , ومن باٌعه فقد باٌع الله تعالى , ومن أوفى بما عاهده فقد أوفى بعهد الله تعالى . ولقد استخلف الله تعالى أنبٌاءه صلوات الله تعالى علٌهم : قال العلاّمة البٌضاوي : جمٌع الأنبٌاء, استخلفهم الله تعالى فً عمارة الأرض , وسٌاسة الناس , وتكمٌل نفوسهم , وتنفٌذ أمره سبحانه فٌهم – لا لحاجة به تعالى إلى من ٌنوبه ؛ بل لقصور المستخلف علٌه – أي : وهم بنو آدم ممن لٌسوا بؤنبٌاء فإنهم قاصرون عن قبول فٌضه تعالى وتلقً أوامره بغٌر واسطة : ولذلك لم ٌستنبىء سبحانه ملكااً كما قال تعالى : { ولو جعلناه ملكااً لجعلناه رج} الآٌة. اهـ . ولكن لم ٌنل نبًّ مقام خلافته العظمى العامّة الشاملة بل هو فٌها متفرّد صلى الله علٌه وسلم . وبٌان ذلك أن الله تعالى قال فً آدم على نبٌنا وعلٌه الصلاة والسلام :{ إنً جاعل فً الأرض خلٌفة } الآٌة. وقال فً الخلٌل إبراهٌم على نبٌنا وعلٌه الصلاة والسلام :{ وإذ ابتلى إبراهٌم ربه بكلمات فؤتمهن قال: إنً جاعلك للناس إمامااً } الآٌة. وقال لداود على نبٌنا وعلٌه الصلاة والسلام :{ ٌا داود إنا جعلناك خلٌفة فً الأرض} الآٌة. وقال لحبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وسلم :{ إن الذٌن ٌباٌعونك إنما ٌباٌعون الله ٌد الله فوق أٌدٌهم } ,الآٌة. فهذه الآٌات القرآنٌة التً أعلن الله تعالى فٌها منشور خلافته صلى الله علٌه وسلم , وبٌان خلاقته وأهلٌته صلى الله علٌه وسلم لهذا المقام الرفٌع- لم تؤت هذه الكلمات الجامعات لأعلى مراتب الكمالات إلاّ لسٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم . وإن فً طٌات هذه الكلمات الطٌبات , والآٌات الكرٌمات من الأسرار والأنوار , والمعالً القدسٌة , والإشارات القرآنٌة؛ فً ذلك ما ٌضٌق
عدد الصفحات ٩٣94 نطاق النطق عن استٌفابه, وتعجز العقول عن إحاطته واستقصابه , ولا ٌتسع التعبٌر عن كنه حقٌقة المراد – بكلام سالم من الإٌهام والانتقاد إلاّ أن نقول: قال الله تعالى:{ إن الذٌن ٌباٌعونك إنما ٌباٌعون الله ٌد الله فوق أٌدٌهم}. فؤكّد معنى خلافته عن الله تعالى, ورفعة شؤنها وعلو مقامها بقوله : { ٌد الله فوق أٌدٌهم } على طرٌق الاستبناف لٌقرر أنّ عقد المٌثاق مع هذا الرسول الكرٌم صلى الله علٌه وسلم , هو عقد مٌثاق مع الله تعالى , ثم أكّد ذلك أٌضااً فقال سبحانه : { فمن نكث فإنما ٌنكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد علٌه الله فسٌإتٌه أجرااً عظٌمااً } لٌكونوا موقنٌن حقااً أنّ معاهدتهم مع رسول الله صلى الله علٌه وسلم هً معاهدة مع الله تعالى . ولقد جاءت هذه الآٌة الكرٌمة – أي : قوله تعالى : { إن الذٌن ٌباٌعونك} الآٌة جاءت على طرٌق الفصل, أي: من غٌر وصل بعاطف, جاءت بعد قوله تعالى :{ إنا أرسلناك شاهدااً ومبشرااً ونذٌرااً لتإمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصٌلااً . إن الذٌن ٌباٌعونك } الآٌة. جًء بذلك لٌتبٌّن للعاقل وجه السبب الموجب لتعظٌمه صلى الله علٌه وسلم وتوقٌره فوق كل معظم وموقر من المخلوقات , وأنّ حقااً على كل مسلم أن ٌعظم هذا الرسول الكرٌم صلى الله علٌه وسلم فوق كل معظم , وٌوقره فوق كل موقر ؛ لأنه خلٌفة الله الأعظم – وهذان هما المذكوران بقوله تعالى : { وتعزروه وتوقروه} . وقد أثنى الله تعالى على الذٌن آمنوا برسول الله صلى الله علٌه وسلم وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه , وبٌّن أنهم هم المفلحون – أي : الذٌن ظفروا بخٌر الدنٌا والآخرة , ونالوا سعادة الدنٌا والآخرة ؛ قال الله تعالى : { فالذٌن آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولبك هم المفلحون } . فتعظٌمه صلى الله علٌه وسلم ونصره وتوقٌره– ذلك مقتضى الإٌمان به – واجب على كل مسلم . ولقد كان أصحاب النبً صلى الله علٌه وآله وسلم ٌعظمونه فوق تعظٌم العظماء , وٌرون أن ذلك هو حق علٌهم ٌتطلبه إٌمانهم . فقد جاء فً الصحٌحٌن – من حدٌث صلح الحدٌبٌة – أن عروة بن مسعود –الذي جاء وقتبذ من قبل المشركٌن – جعل ٌرمق النبً صلى الله علٌه وآله وسلم بعٌنٌه – وقد أسلم عروة بن مسعود بعد وحسن إسلامه – قال : فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله علٌه وسلم نخامة إلاّ وقعت فً كف رجل منهم – أي : من الصحابة – فدلك بها وجهه وجلده , وإذا أمرهم
عدد الصفحات ٩٤95 رسول الله صلى الله علٌه وسلم بؤمر ابتدروا أمره, وإذا توضؤ كادوا ٌقتتلون على وضوبه , وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده , وما ٌحدّون النظر إلٌه تعظٌمااً له صلى الله علٌه وسلم . فرجع عروة بن مسعود إلى أصحابه فً مكة فقال : أي قوم : والله لقد وفدت على الملوك , ووفدت على قٌصر وكسرى والنجاشً , والله إن رأٌت – أي : ما رأٌت – ملكااً قط ٌعظمه أصحابه مثل ما ٌعظم أصحاب محمد محمدااً . والله إن تنخم – أي : ما تنخم – نخامة إلاّ وقعت فً كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده , وإذا أمرهم ابتدروا أمره , وإذا توضؤ كادوا ٌقتتلون على وضوبه , وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده , وما ٌحدّون النظر إلٌه تعظٌمااً له – وإنه قد عرض علٌكم خطّة رشد فاقبلوها . . . الحدٌث . وإذا أردت أن تعرف أدب الملابكة علٌهم السلام الذٌن هم عباد مكرمون وكٌف كان تعظٌمهم لسٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم وإجلالهم إٌّاه – فانظر إلى السٌد المكٌن والروح الأمٌن : جبرٌل على نبٌنا وعلٌه الصلاة والسلام حٌن جاء إلى النبً صلى الله علٌه وسلم بصورة رجل أعرابً ٌعلّم الناس مجامع أمور دٌنهم بسإاله وقاله وحاله , وكٌف كان موقف أدبه مع رسول الله صلى الله علٌه وسلم وتعظٌمه له , وإجلاله إٌّاه , حتى إنّ الصحابة جعلوا ٌقولون مرة بعد مرة : ما رأٌنا رجلااً أشدّ توقٌرااً لرسول الله صلى الله علٌه وسلم من هذا – أي : جبرٌل علٌه السلام - . وحدٌث جبرٌل علٌه السلام جاء فً الجوامع والسنن والمسانٌد , وقد رواه الإمام أحمد فً ( مسنده ) برواٌات وفٌها : عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضً الله عنه قال : بٌنما نحن عند رسول الله صلى الله علٌه وسلم – فجاء رجل – فذكر من هٌبته- أي : شدٌد بٌاض الثٌاب شدٌد سواد الشعر , لا ٌرى علٌه أثر السفر ولا ٌعرفه منّا أحد . وقال : [ أأدنو] ؟, فقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم : [أدنه] فدنا, فقال : [ أدنه] فدنا, فقال : [ أدنه] فدنا حتى كاد ركبتاه تمسّان ركبتٌه. فقال : [ ٌا رسول الله أخبرنً عن الإٌمان]. فقال صلى الله علٌه وسلم: [ تإمن بالله وملابكته وكتبه ورسله والٌوم الآخر وتإمن بالقدر ]. قال: [ فما الإسلام] ؟.
عدد الصفحات ٩٥96 قال: [ إقام الصلاة, وإٌتاء الزكاة , وحج البٌت , وصٌام رمضان,وغسل من الجنابة – هذه رواٌة , وفً رواٌة ذكر شهادة : أن لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ؛ كما فً رواٌة الصحٌحٌن - . ثم قال – كما فً رواٌة أحمد التً نحن فٌها - : [ كل ذلك]. قال– جبرٌل - : [ صدقت صدقت]. فقال القوم: ما أرٌنا رجلااً أشدّ توقٌرااً لرسول الله صلى الله علٌه وسلم من هذا , كؤنه ٌعلم أنه رسول الله - . ثم قال : [ ٌا رسول الله أخبرنً عن الإحسان] ؟. قال : [ أن تعبد الله كؤنك تراه, فإن لا تراه فإنه ٌراك ]. كلّ ذلك نقول: ما رأٌنا رجلااً أشدّ توقٌرااً لرسول الله صلى الله علٌه وسلم من هذا – فٌقول : [ صدقت صدقت]. قال: [ فؤخبرنً عن الساعة]. قال: [ ما المسإول عنها بؤعلم من السابل] . قال: [ صدقت]. قال ذلك مرارااً ما رأٌنا أشدّ توقٌرااً لرسول الله صلى الله علٌه وسلم من هذا – ثم ولّى – أي : ذهب - . فقال صلى الله علٌه وسلم : [ هذا جبرٌل جاءكم ٌعلمكم دٌنكم] الحدٌث– أي : ٌعلمكم دٌنكم بسإاله وبحاله . اختصاص الله تعالى نبٌه سٌدنا محمداً صلى الله علٌه وآله وسلم بأوّلٌات المعالً لقد اختصّ الله تعالى سٌدنا محمدااً صلى الله علٌه وآله وسلم بؤولٌات الكمالات والمعالً ؛ تشرٌفااً له على غٌره , نذكر طرفااً منها : الأول : فهو صلى الله علٌه وسلم أوّل من تنشق عنه الأرض : روى الترمذي عن أنس رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ أنا أول الناس خروجااً إذا بعثوا,وأنا خطٌبهم إذا وفدوا , وأنا مبشرهم إذا أٌسوا , لواء الحمد ٌومبذ بٌدي , وأنا أكرم ولد آدم على ربً ولا فخر ]. الثانً: وهو صلى الله علٌه وسلم أوّل من ٌنظر إلى ربه تبارك وتعالى : عن عبادة بن الصامت رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم : [ أنا سٌد الناس ٌوم القٌامة ولا فخر, ما من أحد إلا وهو تحت لوابً ٌوم القٌامة ٌنتظر الفرج , وإنّ معً لواء الحمد , أنا أمشً وٌمشً الناس معً حتى آتً باب الجنة فؤستفتح , فٌقال : من هذا ؟ فؤقول : محمد
عدد الصفحات ٩٦