65 لا ٌتناهى, وقدرته لا تتناهى, فما الحاجة إلى وجود الثانً أو الثالث, ثم ما هو وجه الحصر العقلً بؤن معه ثانٌااً أو ثالثااً ولٌس معه ثلاثمابة, نعم لا دلٌل على ذلك, قال تعالى:{ ومن ٌدع مع الله إلهااً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه...} الآٌة, وهناك الدلٌل الإٌجابً على وحدانٌته تعالى تقدم مفصلااً . وأما الدلٌل على أنه سبحانه متصف بالكمال المطلق ومنزه عن النقائص: فقد قال سبحانه :{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} ,وقال:{ الله لا إله إ هو له الأسماء الحسنى} ,والحسنى تؤنٌث: الأحسن- أفعل تفضٌل- والمراد أنها أحسن الأسماء وأجلّها لدلالتها على أشرف المعانً وأحسنها. وأما الدلٌل على أنه لا ٌشبه المخلوقات: فهو أن المخلوق حادث بعد عدم, وأما الخالق فهو قدٌم لا أوّل لوجوده , فكٌف ٌتصور العقل أن تقع المشابهة بٌن قدٌم وحادث, فإن ذلك مستحٌل؛ كاستحالة المشابهة بٌن المتناقضٌن, بل هو أشد استحالة, فلو وقعت المشابهة لأدى ذلك إلى حدوث القدٌم فً وجه المشابهة, أو قدم الحادث وذلك مستحٌل, فإن القدٌم قدٌم, والحادث حادث, فهما نقٌضان لا ٌجتمعان فً شًء موجود, ولا ٌرتفعان عنه, فالموجود إما قدٌم وإما حادث, ولٌس هناك قدٌم لا أول له إلاّ الله تعالى, لما ثبت فً الأدلة القطعٌة. فعال وأما الدلٌل على أنه سبحانه فعّال بإرادته ومشٌئته كما قال سبحانه:{ فعال لما ٌرٌد}. فإنه لو لم ٌكن فعّالااً وخلاّقااً بإرادته لكان مجبرااً أو مكرهااً على ذلك, وحٌنبذ ٌقال: من المكره والمجبر له على أفعاله؟, أهو إله آخر أقدر منه وأقوى؟ أم هناك قوة فوق قدرته؟, وتلك القوة ما هً؟ ومن أوجدها؟ - وقد تقدم الدلٌل على بطلان تعدد الإلهة والأرباب. وأما الدلٌل على أنه سبحانه المدّبّر المطلق, والمتصرّف فً العالم وحده؛ فقد قال تعالى:{ ألا له الخلق والأمر} ,وقال سبحانه:{وإلٌه ٌرجع الأمر كله} ,وقال:{ومن ٌدبر الأمر}أي: لا أحد غٌره. ولا ٌتصور فً العقل أن ٌشاركه فً تدبٌره المطلق غٌره’ لأن ذلك الشرٌك إما هو إله مثله- وذا مستحٌل كما تقدم فً بطلان التعدد, وإما هو مخلوق فهذا المخلوق هو محتاج إلى أن ٌدبّر الله أموره, لأن المخلوق لا ٌستطٌع أن ٌدبر أموره تدبٌرااً مطلقااً , لأنّه لا ٌعلم الغٌب الذي مضى علٌه, ولا الغٌب الذي ٌؤتً علٌه حتى ٌدبّر لتلك الأمور المغٌبة عنه ما تتطلبه وتستلزمه, وإنما ٌعلم أن ٌتصرف وٌدبّر بعض أموره التً دبّرها الله تعالى
عدد الصفحات ٦٥66 له, وأعدّها وأبرزها له, وعرفه بما تتطلبه تلك الأمور وتستلزمه: من أسباب معاٌشة وحٌوٌة, ودنٌوٌة وأخروٌة, أو جسمٌة, أو معنوٌة..إلخ. فالله تعالى نصب لعباده أسبابااً , وأمر عباده بتعاطٌها, ولكنه هو المإثّر الفعّال بالأسباب, وهو الخالق لتؤثٌرها , فالأسباب حجّاب بٌن ٌدي ربّ الأرباب, إن شاء أعملها وإن شاء أهملها وعطّلها, فلا تؤثٌر لها إلاّ بخلقه وقدرته سبحانه. فهو سبحانه الذي ٌحًٌ بالهواء, وٌقٌت بالطعام والغذاء, وٌروي بالماء, وهو الذي ٌشفً من أراد شفاءه بالدواء. وهو الذي ٌحرق بالنار, وٌجعل الصلابة بالحدٌد, ولو أراد لسلب من النار إحراقها فجعلها بردااً وسلامااً - كما جعلها على الخلٌل علٌه السلام. وكما ٌجعل نار جهنم على المإمنٌن حٌن ٌمرون على الصراط وٌرونها- ٌجعلها علٌهم بردااً وسلامااً؛ كما جاء فً الحدٌث عنه صلى الله علٌه وسلم . ولو شاء الله لألان الحدٌد وجعله كالعجٌن وسلبه الصّلابة والقوة, قال تعالى لداود علٌه السلام:{ وألنا له الحدٌد} فهو بٌن ٌدي داود كالعجٌن اللٌّن. ولو شاء الله لم ٌرو الشارب بالماء , ولم ٌغذّ الآكل بالطعام, فهو الفعّال المإثّر وحده سبحانه ولا شرٌك له فً ذلك, لأن التؤثٌر الذاتً, والفعّالٌة المطلقة؛ ذلك ٌتطلب علمااً محٌطااً , وقدرة لا تتناهى- وهذا لله وحده سبحانه وتعالى. فالله تعالى الذي أحاط بكل شًء علمااً , ربط الأسباب بالمسبّبات, وبقدرته على كل شًء جعل التؤثٌر فً المإثرات, فالتسبٌب بعلمه, والتؤثٌر بقدرته, وأمر عباده أن ٌتعرفوا إلى خصابص تلك الأسباب , وما ٌترتب علٌها من مسببّات وتؤثٌرات, وأمرهم أن ٌتعاطوها على الوجه الذي شرعه الله تعالى لهم , لتعود علٌهم بالمنافع والفوابد والمصالح فً الدنٌا والآخرة, ونهى عباده أن ٌعتدوا حدود شرٌعة الله تعالى, لبلا ٌقعوا فً المهالك والمفاسد والمضار , فإن الشارع وهو الله رب العالمٌن , العلٌم الحكٌم, الخبٌر البصٌر بعباده, الرإوف الرحٌم بهم, قال تعالى:{ إن الله بالناس لرإوف رحٌم}. فحدود أوامره سبحانه, نهى عباده أن ٌعتدوها بالغلوّ والإفرط قال تعالى :{ تلك حدود الله فلا تعتدوها} . ومناهٌه, نهى سبحانه أن ٌقربوها فٌقعوا فً المهلكة والتفرٌط قال تعالى:{ تلك حدود الله فلا تقربوها}.
عدد الصفحات ٦٦67 فالشرٌعة هً الوسط الجامع لكمال الطرفٌن- لا إفراط فٌها ولا تفرٌط. الشهادة بأن سٌدنا محمداً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم تتطلب أموراً إٌمانٌة متعددة إن الشهادة بؤن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم تتطلب قضاٌا إٌمانٌة ٌجب الاعتقاد بها قطعااً - وهً كثٌرة نذكر منها خمسة مشهورة ٌجب معرفتها واعتقادها قطعااً : الأولى: الاعتقاد الجازم بؤن رسالته صلى الله علٌه وسلم هً عامّة لجمٌع الثقلٌن: الإنس والجن على مختلف أنواع الأمم: العرب والعجم- قال تعالى:{ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشٌرااً ونذٌرا} ,وقال تعالى:{ قل: ٌا أٌها الناس إنً رسول الله إلٌكم جمٌعااً }. الثانٌة: الاعتقاد الجازم بؤن الله تعالى ختم به النبوات والرسالات الإلهٌة؛ فلا نبًّ ولا رسول بعده- قال تعالى:{ ولكن رسول الله وخاتم النبٌٌن}. الثالثة: الاعتقاد الجازم بؤن شرٌعته هً ناسخة لجمٌع الشرابع قبلها, ولٌست هً بمنسوخة أبدااً , ولذا كان لا بدّ من بقاء سند هذه الشرٌعة ومصدرها وهو : كتاب الله تعالى وسنّة نبٌه صلى الله علٌه وسلم إلى ٌوم الدٌن – وقد تكفل الله تعالى بحفظ ذلك قال تعالى:{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} – والمراد بالذكر هنا: كتاب الله تعالى, وإن حفظ الكتاب ٌستلزم حفظ السنّة لأنها بٌان له قال تعالى:{ وأنزلنا إلٌك الذكر لتبٌن للناس ما نزل إلٌهم} -ومن هنا ٌعلم العاقل وٌرى أن الكتاب والسنة محفوظان باقٌان مع تمادي العصور وتوالً الأزمان . الرابعة: الاعتقاد الجازم بؤنه صلى الله علٌه وآله وسلم هو أفضل الأنبٌاء والمرسلٌن وإمامهم وخطٌبهم وصاحب شفاعتهم. الخامسة: الاعتقاد الجازم بؤن الله تعالى قد خصّه بخصابص لم ٌنلها غٌره من الأنبٌاء والمرسلٌن وهً كثٌرة ومنها: مقام الإسراء والمعراج بالجسم والروح معااً صلى الله علٌه وسلم , والمقام المحمود – وهو الشفاعة العظمى. ومنها : أن لواء الحمد بٌده وجمٌع الأنبٌاء تحت لوابه صلى الله علٌه وسلم . ومنها: أنه سٌد ولد آدم أجمعٌن, وأنه أكرم الأولٌن والآخرٌن على رب العالمٌن. وله صلى الله علٌه وسلم مقامات الأولٌات: فهو صلى الله علٌه وسلم أول من تنشق عنه الأرض ٌوم القٌامة, وأول من ٌجوز على الصراط بؤمته, وأول شافع وأول مشفع, وأول من ٌفتح باب
عدد الصفحات ٦٧68 الجنة وٌدخلها صلى الله علٌه وآله وسلم تسلٌمااً كثٌرااً أبد الآبدٌن, وعلٌنا معهم أجمعٌن. وسوف نؤتً على أدلة ذلك إن شاء الله تعالى. عموم رسالته صلى الله علٌه وآله وسلم أما الدلٌل على عموم رسالته صلى الله علٌه وآله وسلم فقد قال الله تعالى:{ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشٌرااً ونذٌرا} الآٌة. وقال تعالى:{ قل: ٌا أٌها الناس إنً رسول الله إلٌكم جمٌعااً } الآٌة. وقال تعالى:{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمٌن}. وقال تعالى:{ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده لٌكون للعالمٌن نذٌرا}. وقال تعالى:{ وأوحً إلً هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} الآٌة. فهذه الآٌات الكرٌمة هً صرٌحة فً عموم رسالته صلى الله علٌه وسلم ؛ وأما الرسل قبله صلوات الله علٌه وعلٌهم فلقد كانت خاصة بؤقوامهم: قال تعالى:{ لقد أرسلنا نوحااً إلى قومه} الآٌة. وقال تعالى:{ وإلى عاد أخاهم هودا}. وقال تعالى:{ وإلى ثمود أخاهم صالحا}الآٌة. وقال تعالى:{ واتل علٌهم نبؤ إبراهٌم إذ قال لأبٌه وقومه: ما تعبدون}. وقال تعالى:{ ولقد أرسلنا موسى بآٌاتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور}. وقال تعالى:{ وإذ قال موسى لقومه: ٌا قوم لم تإذوننً وقد تعلمون أنً رسول الله إلٌكم}. وقال تعالى:{ وإذ قال عٌسى ابن مرٌم: ٌا بنً إسرابٌل إنً رسول الله إلٌكم جمٌعااً مصدقااً لما بٌن ٌدي من التوراة ومبشرااً برسول ٌؤتً من بعدي اسمه أحمد} صلى الله علٌه وآله وسلم. وقد بٌن النبً صلى الله علٌه وسلم الذي قال الله تعالى له:{ لتبٌن للناس ما نزل إلٌهم} .بٌّن عموم رسالته وخصوص رسالات من قبله فقال كما جاء فً الصحٌحٌن والسنن: عن جابر رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ أعطٌت خمسااً لم ٌعطهن أحد قبلً: كان كل نبً ٌبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود],وفً رواٌة:[ وبعثت إلى الناس عامة, وأحلت لً الغنابم, ولم تحلّ لأحد قبلً , وجعلت لً الأرض قال ابن الأثٌر فً (جامع الأصول): أراد بالأسود والأحمر جمٌع العالم, فالأسود معروف؛ وهم الحبوش والزنوج وغٌرهم, والأحمر هو الأبٌض, والعرب تسمً الأبٌض أحمر. اهـ.
عدد الصفحات ٦٨69 طٌبة وطهورااً ومسجدااً؛ فؤٌّما رجل أدركته الصلاة صلّى حٌث كان, ونصرت بالرعب على العدوّ بٌن ٌدي مسٌرة شهر , وأعطٌت الشفاعة]. وفً رواٌة لمسلم: أنّ رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال :[ فضلّت على الأنبٌاء بست: أعطٌت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب, وأحلت لً الغنابم, وجعلت لً الأرض طهورااً ومسجدااً , وأرسلت إلى الخلق كافّة, وختم بً النبٌّون]. وٌدخل فً عموم الخلق عالم الجن. قال الحافظ فً ( الفتح) : وثبت التصرٌح بذلك فً حدٌث: [ وكان النبً ٌبعث إلى قومه, وبعثت إلى الإنس والجن] فٌما أخرجه البزار.إهـ. قلت: وقد ذكره الحافظ السٌوطً فً (الخصابص) وهذا لفظه: عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم :[ أعطٌت خمسااً لم ٌعطها أحد قبلً من الأنبٌاء: جعلت لً الأرض مسجدااً وطهورااً – ولم ٌكن أحد من الأنبٌاء ٌصلً حتى ٌبلغ محرابه , ونصرت بالرعب مسٌرة شهر ٌكون بٌن ٌدي إلى المشركٌن فٌقذف الله الرعب فً قلوبهم, وكان النبً ٌبعث إلى خاصة قومه وبعثت إلى الجن والإنس, وكانت الأنبٌاء ٌعزلون الخمس فتجًء النار فتؤكله, وأمرت أن أقسمه بٌن فقراء أمتً, ولم ٌبق نبًّ إلاّ أعطً سإله, وأخّرت أنا دعوتً شفاعة لأمتً]. ونقل فً( الفتح) عن ابن عبد البرّ : أنه لا خلاف فً أنه صلى الله علٌه وآله وسلم بعث إلى الإنس والجن. قلت: وقد ثبت بلوو دعوته صلى الله علٌه وآله وسلم إلى الجن قطعااً , وكان ذلك عن طرٌق توافدهم علٌه واستماعهم إلٌه صلى الله علٌه وسلم , وعن طرٌق ذهابه صلى الله علٌه وسلم إلٌهم وقراءته علٌهم القرآن, وأسبلتهم له, وأجوبته صلى الله علٌه وسلم لهم كما بٌنت ذلك مفصلااً مع الأدلة فً كتاب: (الإٌمان بالملابكة علٌهم السلام, والبحث فً عالم الجن) فارجع إلٌه. هو خاتم النبٌٌن صلى الله علٌه وآله وسلم وأما الدلٌل على أنه خاتم النبٌٌن صلوات الله تعالى علٌه وعلٌهم أجمعٌن : فقد قال الله تعالى : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول وخاتم النبٌٌن وكان الله بكل شًء علٌمااً } . وعزاه الحافظ السٌوطً إلى: البخاري فً ( تارٌخه), والبزار والبٌهقً وأبً نعٌم.
عدد الصفحات ٦٩70 والتذٌٌل بقوله تعالى: { وكان الله بكل شًء علٌما} فٌه تنبٌهات إلهٌة هامّة ٌفهمها من تدبر آٌات الله تعالى , وتفكر فٌها أذكر طابفة منها : أولاً : التنبٌه إلى أنّ مقام رسالته العامة وختم نبوته صلى الله علٌه وسلم لم ٌكن ذلك صدفة, ولا طفرة, ولا خطؤة, ولا خطفة, وإنما كان ذلك عن حكمة وعلم الهً قدٌم لا أوّل له , فهو سبحانه بعلمه الذي لا أول له – هو ٌعلم أنه لا ٌلٌق لعموم الرسالة , وختم النبوة , إلاّ هذا السٌد الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله علٌه وسلم ,وإن علم الله تعالى بالأشٌاء هو العلم الحقٌق الصحٌح الذي لا ٌخطىء , ولا ٌتبدل , ولا ٌتغٌر , وإذا كان علم المخلوق المكتسب الجزبً المبنً على أدلة قطعٌة – لا ٌقبل التبدل : كعلم الإنسان فً اللٌل بؤنه لٌل , وفً النهار بؤنه نهار , فما بالك بعلم الله الذاتً المحٌط بكل شًء , كٌف ٌقبل التبدل والتغٌر تعالى الله عن ذلك علوااً كبٌرااً . ثانٌاً : التنبٌه إلى تمام أهلٌته وكمال استعداده صلى الله علٌه وآله وسلم الذي أعدّه الله تعالى وأمدّه به, فإنّ المقام العظٌم ٌنبغً بمقتضى الحكمة أن ٌقع فً موقعه اللابق به قال تعالى:{ وإذا جاءتهم آٌة قالوا: لن نإمن حتى نإتى مثل ما أوتً رسل الله الله أعلم حٌث ٌجعل رسالته} الآٌة. فلما تطلعوا إلى ما أعطى تعالى رسله, من إنزال الملابكة علٌهم بالوحً والكتب الإلهٌة والشرابع والأوامر والمناهً, ونظروا إلى أنفسهم وإلى الرسل؛ فزعموا أنه لا فرق بٌنهم وبٌن الرسل, إذ كلهم من بنً الإنسان, وكلهم بشر فقالوا:{ لن نإمن حتى نإتى مثل ما أوتً رسل} ,فلما تطلعوا إلى أمر لٌسوا أهلااً له ولا قبل لهم به, جاء الجواب من رب الأرباب سبحانه:{ الله أعلم حٌث ٌجعل رسالته}. ٌعنً: أن هذا الأمر لٌس كما ٌزعمون , وإنما ٌضع الله تعالى فضله فً مواقعه, وهو أعلم بالموضع الذي ٌلٌق أن ٌضع فٌه الرسالة, وكفى به علٌمااً سبحانه. فلٌست القضٌة عبثااً ولا طفرة ولا رمٌة حجر قد رماها بشر لا ٌدري أٌن تقع- تعالى عن ذلك؛ بل هو كما قال :{ الله أعلم حٌث ٌجعل رسالته}. وكما قال فً حبٌبه صلى الله علٌه وسلم وختم النبوات والرسالات به:{ ولكن رسول الله وخاتم النبٌٌن وكان الله بكل شًء علٌما}. وكما قال فً خلٌله:{ ولقد آتٌنا إبراهٌم رشده من قبل وكنا به عالمٌن}. وقال فً سلٌمان:{ ولسلٌمان الرٌح عاصفة تجري بؤمره إلى الأرض التً باركنا فٌها وكنا بكل شًء عالمٌن}.
عدد الصفحات ٧٠71 ثالثاً: التنبٌه إلى عظمة فضل الله تعالى وكمال حكمته ؛ وذلك أنه ٌضع المراتب العلوٌة, والمواهب الإلهٌة مواضعها اللابقة بها, فإن وضع المراتب فً غٌر موضعها ٌكون عبثااً ولعبااً مناقضااً للحكمة قال تعالى:{ وما خلقنا السموات والأرض وما بٌنهما لاعبٌن} ,كما أن حرمان المستحق المستعد- هو ظلم, وهو سبحانه منزه عن الظلم, قال تعالى:{ وما الله ٌرٌد ظلمااً للعباد} ,وقال تعالى:{وما ربك بظلام للعبٌد}وقال تعالى:{أم ٌخافون أن ٌحٌف الله علٌهم ورسوله بل أولبك هم الظالمون}. رابعاً: التنبٌه إلى علوّ شان هذا الرسول الكرٌم صلى الله علٌه وآله وسلم ورفعة مقامه على سابر إخوانه: الأنبٌاء والمرسلٌن, حٌث خصه الله تعالى بمنصب عموم الرسالة وختم النبوات, ولذلك كان صلى الله علٌه وسلم ٌتحدث بهذه النعمة شكرااً , وعلن بها ذكرااً لفضل الله تعالى الذي خصه بالخصابص العظمى والمنن الكبرى. فقد روى الشٌخان واللفظ لمسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال:[ مثلً ومثل الأنبٌاء من قبلً كمثل رجل بنى بنٌانااً فؤحسنه وأجمله إلاّ موضع لبنة من زاوٌة من زواٌاه, فجعل الناس ٌطوفون به, وٌعجبون له, وٌقولون هلاّ وضعت هذه اللبنة – قال صلى الله علٌه وآله وسلم : فؤنا اللبنة وأنا خاتم النبٌٌن]. وعن جابر رضً الله عنه عن النبً صلى الله علٌه وسلم قال:[ مثلً ومثل الأنبٌاء كمثل رجل بنى دارااً فؤتمها وأكملها إلاّ موضع لبنة فجعل الناس ٌدخلونها وٌتعجبون منها وٌقولون: لولا موضع اللبنة, قال صلى الله علٌه وآله وسلم : فؤنا موضع اللبنة , جبت فختمت الأنبٌاء] هذا لفظ مسلم. خامساً : التنبٌه إلى وجوب توقٌره وتعظٌمه وكمال الأدب معه صلى الله علٌه وآله وسلم وأنه لٌس كغٌره من الأمة؛ بل ولٌس كغٌره من الأنبٌاء والمرسلٌن , بل هو صلى الله علٌه وسلم إمامهم وقابدهم وخطٌبهم وخاتمهم وصاحب شفاعتهم , وأكرمهم على الله تعالى, وأفضلهم عند الله تعالى, كلهم تحت لواء حمده وراٌة مجده. فٌا. أمة محمد صلى الله علٌه وسلم اعرفوا لهذا الحبٌب الأكرم فضله صلى الله علٌه وسلم . فإنه صلى الله علٌه وسلم إمام أنبٌاء الله تعالى, وسٌد خلق الله تعالى, وأكرم الأولٌن والآخرٌن على الله تعالى, وأعظم خلق الله تعالى, فإنّ كل رسول له مقامه فً الخلافة عن الله تعالى. ولقد قال الله تعالى فً بٌان شرف خلافة آدم علٌه السلام:{ وإذ قال ربك للملابكة إنً جاعل فً الأرض خلٌفة} الآٌة.
عدد الصفحات ٧١72 وقال سبحانه فً شرف خلافة الخلٌل علٌه السلام:{ قال: إنً جاعلك للناس إمامااً }الآٌة. وقال سبحانه فً شرف خلافة داود علٌه السلام:{ ٌا داود إنا جعلناك خلٌفة فً الأرض} الآٌة. وقال تعالى فً بٌان شرف خلافة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم وفضلها وعلو رتبتها على جمٌع مراتب الخلفاء:{ إن الذٌن ٌباٌعونك إنما ٌباٌعون الله ٌد الله فوق أٌدٌهم } الآٌة, فتدبر وتبصر أٌها القارئ تفهم. وأما الدلٌل على أنه صلى الله علٌه وسلم أفضل الأنبٌاء والمرسلٌن. فإن الأدلة على ذلك هً كثٌرة وشهٌرة لٌس موضع تفصٌلها هنا, ولكن نذكر جملة موجزة. وذلك أن الله تعالى جعله إمام الأنبٌاء والمرسلٌن , وخطٌبهم , وقابدهم, وصاحب شفاعتهم, وأعطاه لواء الحمد الذي ٌدخل تحته: آدم فمن دونه, وأعطاه مقام السٌادة على جمٌع بنً آدم بما فٌهم الأنبٌاء والمرسلون. فهو صلى الله علٌه وسلم إمام الأنبٌاء : أمّهم حٌن كان فً الدنٌا لٌلة الإسراء فً بٌت المقدس,كما جاء فً صحٌح مسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ لقد رأٌتنً فً الحجر وقرٌش تسؤلنً عن مسراي, فسؤلتنً عن أشٌاء من بٌت المقدس لم أثبتها- أي: لم أحفظها لاشتغالً عنها بما هو أهمّ - فكربت كربة ما كربت مثله قطّ , قال صلى الله علٌه وسلم : فرفعه الله لً أنظر إلٌه- أي: رفع له بٌت المقدس – ما ٌسؤلوننً عن شًء إلاّ أنبؤتهم به. وقد رأٌتنً فً جماعة من الأنبٌاء: فإذا موسى قابم ٌصلً؛ فإذا رجل- أي: هو رجل- ضرب جعد كؤنه من رجال شنوءة. وإذا عٌسى ابن مرٌم علٌه السلام قابم ٌصلً؛ أقرب الناس به شبهااً عروة بن مسعود الثقفً. وإذا إبراهٌم علٌه السلام قابم ٌصلً؛ أشبه الناس به صاحبكم – ٌعنً نفسه صلى الله علٌه وسلم. فحانت الصلاة فؤممتهم , فلما فرغت من الصلاة قال قابل: ٌا محمد هذا مالك صاحب النار فسلّم علٌه, فالتفت إلٌه فبدأنً بالسلام]. وفً رواٌة ابن أبً حاتم عن أنس رضً الله عنه عن النبً صلى علٌه وسلم – فً حدٌثه عن الإسراء- قال :[ فلم ألبث إلاّ ٌسٌرااً حتى اجتمع
عدد الصفحات ٧٢73 ناس كثٌر, ثم أذّن مإذن, فؤقٌمت الصلاة فقمنا صفوفااً ننتظر من ٌإمّنا , فؤخذ بٌدي جبرٌل فقدّمنً فصلٌّت بهم]. وهو صلى الله علٌه وسم إمام المرسلٌن فً الآخرة أٌضا: عن أبً كعب رضً الله عنه أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال:[ إذا كان ٌوم القٌامة كنت إمام النبٌٌن وخطٌبهم وصاحب شفاعتهم غٌر فخر]. وروى الترمذي عن أبً سعٌد الخدري رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ أنا سٌد ولد آدم ٌوم القٌامة ولا فخر, وبٌدي لواء الحمد ولا فخر, وما من نبًّ ٌومبذ آدم فمن سواه إلاّ تحت لوابً, وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر]. وروى مسلم وغٌره عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ أنا سٌد ولد آدم ٌوم القٌامة, وأول من تنشق عنه الأرض , وأول شافع وأوّل مشفع ]. فهو سٌد ولد آدم صلى الله علٌه وسلم؛ كما أنه أكرم الأولٌن والآخرٌن على رب العالمٌن: روى الترمذي والدرامً عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: ( جلس ناس من أصحاب النبً صلى الله علٌه وسلم ٌتذاكرون- وهم ٌنتظرونه, قال فخرج صلى الله علٌه وسلم حتى إذا دنا منهم سمعهم ٌتذاكرون, فسمع حدٌثهم – فقال بعضهم: عجبااً أن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خلٌلااً - اتخذ إبراهٌم خلٌلااً , وقال آخر: ماذا بؤعجب من كلام موسى- كلمه الله تكلٌمااً , وقال آخر : وعٌسى كلمة الله وروحه, وقال آخر: آدم اصطفاه الله. فسلم رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم علٌهم وقال:[ قد سمعت كلامكم وعجبكم: إن إبراهٌم خلٌل الله- وهو كذلك, وإن موسى نجً الله – وهو كذلك, وإن عٌسى روح الله وكلمته- وهو كذلك, وآدم اصطفاه الله – وهو كذلك. ألا وأنا حبٌب الله ولا فخر, وأنا حامل لواء الحمد ٌوم القٌامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر, وأنا أول شافع وأول مشفع ٌوم القٌامة ولا خر, وأنا أول من ٌحرك حلق الجنة فٌفتح الله لً فٌدخلنٌها ومعً فقراء المإمنٌن ولا فخر, وأنا أكرم الأولٌن والآخرٌن ولا فخر] ,وعند الدرامً[:وأنا أكرم الأولٌن والآخرٌن على الله ولا فخر].) انظر( فتح الباري). عزاه فً (الفتح) إلى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم.
عدد الصفحات ٧٣74 وروى الدرامً فً(سننه) عن ابن عباس رضً الله عنهما أنه قال: ( إن الله تعالى فضّل محمدااً على الأنبٌاء وعلى أهل السماء). قالوا: ٌا بن عباس بم فضّله على أهل السماء – أي الملابكة علٌهم السلام - ؟!. قال: ( إن الله تعالى قال لأهل السماء:{ ومن ٌقل منهم إنً إله من دونه فذلك نجزٌه جهنم كذلك نجزي الظالمٌن} ,وقال الله تعالى لمحمد صلى علٌه وآله وسلم :{ إنا فتحنا لك فتحااً مبٌنا. لٌغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تؤخر }.) قالوا: فما فضله على الأنبٌاء؟. قال: (قال الله عزّ وجلّ :{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لٌبٌن لهم} الآٌة- أي: رسالته خاصة بقومه-, وقال الله عزّ وجلّ لمحمد صلى الله علٌه وآله وسلم :{ وما أرسلناك إلا كافة للناس} ,فؤرسله إلى الجن والإنس }.)اهـ. وروى الدرامً عن جابر رضً الله عنه أن النبً صلى الله علٌه وسلم قال:[ أنا قابد المرسلٌن ولا فخر, وأنا خاتم النبٌٌن ولا فخر, وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر]. وأما الأدلة على أن الله تعالى قد خصه بخصابص لم ٌعطها غٌره من الأنبٌاء صلوات الله علٌه وعلٌهم: فاعلم أنه قد جاء فً كثٌر من الآٌات القرآنٌة والأحادٌث النبوٌة ما ٌثبت قطعااً أن الله تعالى قد خص رسوله سٌدنا محمدااً صلى الله علٌه وسلم بخصابص لم ٌعطها غٌره من الأنبٌاء والرسل, وهً كثٌرة وشهٌرة, وإننً أذكر طرفااً منها: مقام الإسراء ومقام المعراج الجسمانً والروحانً, والمقام المحمود, ومقام الخلافة العظمى, ومقام الوسٌلة, ومقامه عن ٌمٌن العرش , ومقام الأولٌات. مقام الإسراء والمعراج قال الله تعالى:{ سبحان الذي أسرى بعبده لٌلااً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنرٌه من آٌاتنا إنه هو السمٌع البصٌر}. والكلام على هذه الآٌة الكرٌمة له وجوه: الأول: هذه الآٌة الكرٌمة تثبت الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص قوله تعالى:{ أسرى بعبده} ,وتثبت المعراج إلى السموات السبع ؛ إلى سدرة المنتهى, وما هنالك بإشارة قوله تعالى:{ لنرٌه من آٌاتنا هذا لفظ الدرامً, وعزاه الحافظ السٌوطً فً (الخصابص) إلى أبً ٌعلى والطبرانً والبٌهقً.
عدد الصفحات ٧٤75 } ,فإن هذه الآٌات جاء ذكرها فً مطلع سورة النجم التً جاء فٌها النص على المعراج الجسمانً قال تعالى:{ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المؤوى} ,فهذه الآٌات صرٌحة فً أنه صلى الله علٌه وسلم قد عرج به إلى العالم العلوي, ولما انتهى إلى سدرة المنتهى هناك رأى جبرٌل علٌه السلام بالحقٌقة الجبرٌلٌة, وهذه سدرة المنتهى هً فوق السماوات السبع, لٌست هً فً الأرض ولا فً السموات , بل فوقها بدلٌل قوله تعالى:{ عندها جنة المؤوى} ,ولا شك أن جنة المؤوى هً فوق السماوات , وسقفها عرش الرحمن كما جاء فً صحاح الأحادٌث النبوٌة. ثم قال سبحانه :{ إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى} -قال أبو هرٌرة رضً عنه : ( ٌغشاها نور الخلاّق)؛ أي: وذلك حٌن تجلّى رب العزة لرسول الله صلى الله علٌه وسلم عند السدرة , وهناك أعطاه الله قوّة فً بصره وثباتااً فً فإاده :{ ما زاو البصر وما طغى} بل ثبت فلم ٌحر بصره, ولم ٌجاوز المنظور إلٌه. وذلك أن من عظم النور أمام عٌنٌه فهو بٌن أمرٌن: إما أن ٌحار بصره ضعفااً وتعبااً , أو ٌلتفت ٌمنة وٌسرة لٌرٌح بصره من الكلل, إلاّ إذا أعطً قوة الثبات أمام ذلك النور الباهر, وذلك فضل الله ٌإتٌه من ٌشاء. ثم قال سبحانه:{ لقد رأى من آٌات ربه الكبرى} أي: تلك الآٌات الإلهٌة العلوٌة السماوٌة, والسدرٌة, والجنانٌة, والعوالم الملكٌة والأرواح العالٌة – كما سنوضحه إن شاء الله تعالى- فهذه الآٌات هً التً جاء ذكرها فً سورة الإسراء بقوله:{ لنرٌه من آٌاتنا}. الثانً: فً هذه الآٌة الكرٌمة وجوه من الأدلة على أن الإسراء هو بالجسم والروح وكذلك المعراج, فإنّ قوله تعالى :{ أسرى بعبده} أي:بجسمه وروحه, لا ٌحتمل غٌر ذلك, ألا ترى إلى قول الله تعالى لموسى:{ أن أسر بعبادي لٌلااً } ,هل ٌخطر على بال العاقل أن المراد أن ٌسري موسى بروح أتباعه, أو أن ٌخٌل إلٌهم, أو أن ٌرٌهم منامااً؟, بل إن كل عاقل ٌعلم أنّ المراد أن ٌسري بهم أجسادااً وأرواحااً , على أن قوله تعالى:{ بعبده} تدل ثانٌااً على أن الإسراء بالجسم , إذ أن اسم العبد لا ٌطلق على الروح بدون جسم فتلك ٌقال لها: روح, بل اسم العبد ٌطلق علٌه جسمااً وروحااً . كما أنّ قوله تعالى :{ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ٌدلّ على أن الإسراء بالجسم؛ وذلك لأن تحدٌد المسافات الحسٌة الأرضٌة هو من شؤن الأجسام, أما الأرواح فإنها لا تقٌدها الأماكن المحسوسة , ولا تحدها المسافات, لأن الأرواح من العالم اللطٌف الأمري, وأما الأجسام فهً من العالم الكثٌف الأرضً.
عدد الصفحات ٧٥76 ولما كانت قضٌة الإسراء بالجسم, وما فٌها من قطع المسافات الشاسعة فً مدة قصٌرة – وذلك من خوارق العادات , وعجابب الأمور, لما كان الأمر كذلك بدأ الله تعالى قضٌة الإسراء بما ٌزٌل العجب, وٌرفع الرٌب, وٌقطع دابر الشك والاضطراب فقال:{ سبحان الذي أسرى بعبده لٌ} فبدأ قصة الإسراء بالتسبٌح الدال على كمال قدرة الله تعالى , وعظمة قوته, ونزاهته أن ٌعجزه أمر من الأمور العظام, والقضاٌا الجسام, أو أن ٌصعب علٌه شًء من ذلك, وبٌّن فً بدبه بالتسبٌح أنّ جمٌع القضاٌا العادٌة والخارقة للعادة كلها سواء بالنسبة لقدرته, وأن ذلك كله على الله ٌسٌر. وهذا من سنن الله تعالى فً إخباراته عن القضاٌا العظام التً فٌها مظاهر القدرة, ومشاهد الإبداع والقوّة , فإنه سبحانه ٌبدأها بالتسبٌح إجلالااً لعظمته, وتنزٌهااً لمقامه أن ٌعجزه شًء أو أن ٌصعب علٌه. ومن ذلك قوله:{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ٌعلمون}. فهو سبحانه جعل بٌن النباتات كلها زوجٌة, وبٌن أصناف الإنسان والحٌوان, وبٌن الجمادات- وفً هذا دلٌل على عظمة قدرته سبحانه , وربطه الأسباب بمسبباتها, وخلقه الفاعلٌة والقابلٌة, والفعل والانفعال, وتخصٌص كل بخاصته دلٌل على سعة حكمته سبحانه, فبدأ سبحانه الخبر عن هذا الأمر العظٌم بالتسبٌح, لٌبٌن لعباده عظمة قدرته على كل شًء , وأنه تعالى تنزه عن أن ٌعجزه شًء أو ٌصعب علٌه شًء. ومن ذلك قوله :{ فسبحان الله حٌن تمسون وحٌن تصبحون} الآٌات الكرٌمة. فإن تقلٌب اللٌل والنهار, وإذهاب الظلام عن العالم ونشر النور, وطً النور ومد الظلام؛ فً ذلك دلٌل على قدرته سبحانه وسعة علمه وحكمته- فبدأ الخبر بالتسبٌح. ومن هذا قوله تعالى:{ سبحان الذي أسرى بعبده لٌ} ٌعنً أن قضٌة الإسراء , والمعراج هً قضٌة واقعٌة عظٌمة الشؤن, مستندة إلى قدرة الله تعالى وقوته وعلمه وعناٌته, فهو الذي أسرى بعبده بقوته سبحانه وبعناٌته وبحفظه ورعاٌته , ونعم الصاحب فً السفر وهو سبحانه, وكان صلى الله علٌه وسلم ٌقول:{ اللهمّ أنت الصاحب فً السفر] الحدٌث, فلا مجال للارتٌاب والاضطراب, ولا مجال للإنكار والاستكبار, فإن قضٌة الإسراء والمعراج هً معجزة خارقة للعادة البشرٌة.
عدد الصفحات ٧٦77 الثالث: قوله تعالى:{ إنه هو السمٌع البصٌر} فً هذا التذٌٌل تنبٌه إلى عظمة المسموعات التً سمعها رسول الله صلى الله علٌه وسلم لٌلة المعراج, وعظمة تلك المبصرات والمشهودات التً رآها, وأن ذلك لا ٌتحمله كل سامع ولا كل بصٌر, ولكن الله تعالى السمٌع البصٌر , الذي لا حد ولا انتهاء لقوة سمعه وبصره سبحانه- هو الذي أعطى رسوله سٌدنا محمدااً صلى الله علٌه وسلم قوة فً سمعه , وقوة فً بصره, حتى سمع تلك المسموعات العلوٌة, وأبصر تلك المشاهد السنٌة وثبت لذلك. ومن تلك المسموعات سمعه: صرٌف الأقلام فً المستوى الأعلى, وقال صلى الله علٌه وسلم :[ ثم رفعت لمستوى أسمع فٌه صرٌف الأقلام]. وأعلى من ذلك سماعه كلام الحق, وخطاب الحق جلّ وعزّ من الحق جلّ وعلا, ومن تلك الخطابات أمره بالصلوات الخمس كما فً حدٌث المعراج- صلى الله علٌه وسلم . ومن تلك المبصرات التً رآها صلى الله علٌه وسلم رإٌته آٌات ربه الكبرى, قال تعالى:{ لقد رأى من آٌات ربه الكبرى}. وأعلى من ذلك كله رإٌته رب العزة عند سدرة المنتهى, قال تعالى:{ إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى } – أي: اذكر: { إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى} أي: حٌن غشٌتها أنوار الخلاّق عندما تجلّى , فالقرآن ٌذكر تلك الحالة بصٌغة المضارع وإن كانت الرإٌة حصلت قبل تصوٌرااً وحكاٌة الحال , كما هو نظٌر قوله تعالى:{ إذ ٌوحً ربك إلى الملابكة أنً معكم فثبتوا الذٌن آمنوا } الآٌة, مع أن الآٌة تذكر ما جرى فً غزوة بدر ؛ وقد مضت من قبل. وهذا لا ٌتنافى مع الآٌات المتقدمة على هذه الآٌة فً سورة النجم من رإٌته صلى الله علٌه وسلم لجبرٌل علٌه السلام , فإنه حق ثابت فً الأحادٌث الصحٌحة . وقد تقدم معنا أن فاتحة سورة النجم هً صرٌحة فً إثبات المعراج , أما فاتحة سورة الإسراء فهً صرٌحة فً إثبات الإسراء , ومشٌرة إلى إثبات المعراج فً قوله تعالى:{ لنرٌه من آٌاتنا} إذ لم ٌرد بهذه الآٌات تلك الجبال والأشجار والودٌان- ما بٌن المسجد الحرام والمسجد الأقصى؛ فإنّ هذه الآٌات ٌراها جمٌع المسافرٌن فً ذهابهم وإٌابهم . ولٌس المراد أٌضااً جدران بٌت المقدس وأعمدته وأبوابه فإن كل من دخله ٌراها وٌشاهدها – مع أنه سبحانه ٌقول:{ لنرٌه من آٌاتنا} أي: نخصه , إذااً فهناك آٌات أسمى وأجل وأعلى , وهً تلك الآٌات التً رآها فً معراجه إلى العالم العلوي, كما جاء ذلك فً أحادٌث المعراج التً سنوردها بعد إن
عدد الصفحات ٧٧78 شاء الله تعالى– وهً التً ذكرها سبحانه بقوله فً سورة النجم:{ لقد رأى من آٌات ربه الكبرى}. قال تعالى:{ والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ٌنطق عن الهوى. إن هو إلا وحً ٌوحى. علمه شدٌد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسٌن أو أدنى . فؤوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفإاد ما رأى . أفتمارونه على ما ٌرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى . عندها جنة المؤوى. إذ ٌغشى السدرة ما ٌغشى. ما زاو البصر وما طغى . لقد رأى من آٌات ربه الكبرى}. أقسم سبحانه بالنجم إذا هوى, والمراد والله تعالى أعلم : جمٌع النجوم حٌن تهوي من المشرق إلى المغرب , وهً فً شدّة سرعتها مع كبر حجمها وعظمة جرمها تقطع تلك المسافات العلوٌة الواسعة, والأبعاد الشاسعة, من مشرقها المحدد لها, إلى مغربها المحدد لها, فً الوقت المعٌن لها, بحٌث لا تزٌد علٌه, ولا تنقص عنه, ولا تتقدمه ولا تتؤخر عنه, ولا ثانٌة الثانٌة, وكل ٌسبح فً فلكه دون أن ٌجاوزه إلى غٌره , حتى لا ٌحدث اضطراب فً سٌرها ولا اصطدام فً أجرامها, وهكذا الأمر دوالٌك- لٌل ونهار:{ كل فً فلك ٌسبحون} -بالمقادٌر المحكمة, والأوامر المبرمة, قال تعالى: { والنجوم مسخرات بؤمره} ,وقال تعالى:{ ذلك تقدٌر العزٌز العلٌم} ,فقدّر لها سٌرها, ومواقعها المتباعدة عن بعضها بنسب معٌنة , ومواقع شروقها وغروبها قال تعالى:{ فلا أقسم بمواقع النجوم , وإنه لقسم لو تعلمون عظٌم } ,وفً هذا تنبٌه للعقلاء إلى التعقل والتفكر فً عظم هذا الأمر ودقة حسابه , وتقدٌر مقادٌره, وقدرة خالقه, وسعة علمه, وعظمة حكمته, قال تعالى:{ فالق الإصباح وجعل اللٌل سكنا والشمس والقمر حسبانااً ذلك تقدٌر العزٌز العلٌم }. وفً هذا القسم تنبٌه للعاقل إلى التفكر والاعتبار فً قدرة الذي أجرى تلك النجوم الكثٌرة الكبٌرة فً جرمها , وسٌّرها فً أحسن نظام, وأبدع إحكام , دون أن ٌعترٌها خلل أو فساد أو اضطراب ببعضها . وفً هذا كله تنبٌه للعاقل إلى أن الذي قدر على كل ما هناك , وأشهد عباده بؤعٌنهم ذلك لهو قادر على أن ٌرفع حبٌبه الأكرم , ورسوله الأفخم إلى تلك العوالم السماوٌة وما فوقها من العوالم العلوٌة , وٌطوي له تلك الأبعاد والمسافات مع حفظ جسمه الشرٌف صلى الله علٌه وسلم وصٌانته , وأن ٌرٌه تلك الآٌات الكبرى والمشاهد العظمى , فً تلك العوالم العلٌا.
عدد الصفحات ٧٨79 ومن هنا ٌفهم اللبٌب تلك المناسبة بٌن القسم بالنجم وما ٌلٌه من قصة المعراج فً قوله تعالى:{ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المؤوى}. ولكن قبل أن ٌذكر سبحانه قصة العروج إلى تلك العوالم وسدرة المنتهى, قدّم مقدمة محكمة ومقطوعااً بها , ومسلمة عند جمٌع الناس ؛ حتى إنها مسلمة عند أعداء رسول الله صلى الله علٌه وسلم الذٌن عارضوه وعاندوه فقال سبحانه :{ ما ضل صاحبكم وما غوى}. والمعنى: أن هذا الرسول الكرٌم صلى الله علٌه وسلم قد نشؤ بٌنكم, وتربّى على مشهدكم , فهو صاحبكم الذي تعرفونه من صغره إلى أن بلغ وشب فٌكم, إلى أن بلغ سنّ الأربعٌن , وأنتم أعلم الناس بسٌره وسٌرته الحسنة , لم تعثروا له على كذبة ولا خٌانة ولا فاحشة ولا رذٌلة بل كلكم تعلمون أنه الصادق الأمٌن, الذي ما ضلّ وما غوى, بل هو على الهدى والرشاد فً علمه وعمله , وقصده وفعله, فإن الضلالة ضد الهدى, والغواٌة ضد الرشاد. وقوله تعالى:{ ما ضل صاحبكم وما غوى} فٌه أعظم حجّة, وأقوى تحدّ للذٌن كذبوه صلى الله علٌه وسلم وكفروا به, لأنهم لو كانوا رأوا منه أدنى كذبة , أو أقل خٌانة من الأموال أو الأعراض وغٌرهما, أو عثروا على أقلّ زلّة صدرت منه صلى الله علٌه وسلم منذ صغره إلى بلوغه الأربعٌن ثم تنزل علٌه النبوة- لقالوا له : أنت فً الأمس كنت تعمل كٌت وكٌت فما بالك الآن تنهانا عمّا كنت تفعله , فإنهم كانوا أعلم بؤحواله وأقواله وأعماله, لأنه صلى الله علٌه وسلم تربّى ونشؤ فٌهم, فلم ٌعرفوا عنه كذبااً , ولا عبثااً , ولا سفاهة, ولم ٌنقضوا علٌه أمرااً واحدااً قط كما قال تعالى:{ أم لم ٌعرفوا رسولهم فهم له منكرون} -أي: بل هم ٌعرفونه بصدقه وأمانته وحصانته كما ٌعرفون آباءهم, حتى أنّ أشدهم إنكارااً وجحودااً وعنادااً كانوا ٌقرون بصدقه وأمانته وعفته , دون تردد منهم: فهذا أبو جهل ٌصرّح لابن أخته : المسور بن مخرمة بؤن محمدااً صادق لم ٌكن لٌكذب على الله تعالى- وذلك أن المسور بن مخرمة قال: قلت لخالً أبً جهل: أي خال هل كنتم تتهمون محمدااً صلى الله علٌه وسلم بالكذب قبل أن ٌقول ما قال – أي أنه رسول الله تعالى؟. فقال أبو جهل : ٌا بن أختً لقد كان محمد وهو فٌنا شاب ٌدعى الصادق الأمٌن, فلما وخطه الشٌب لم لٌكن لٌكذب على الله تعالى. والمعنى أنه صلى الله علٌه وسلم فً حال صباه وشبابه لم ٌكذب قطّ مع الناس , فلما كبرت سنه وبلغ الأربعٌن لم ٌكن لٌكذب على الله تعالى ,
عدد الصفحات ٧٩80 وٌقول: أنا نبً ورسول ولٌس بذاك, فلا ٌعقل أن ٌكذب على الله بعد ما بلغ الأربعٌن , فإنه فً شبابه ما كذب؛ بل هو الصادق الأمٌن كما تعرفونه-. قال المسور: فقلت إذااً لم لا تتبعونه؟!. فقال أبو جهل: تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف- فؤطعموا فؤطعمنا , وسقوا فسقٌنا, وأجاروا فؤجرنا, ثم قالت بنو هاشم:- أي: مفتخرٌن علٌنا – فٌنا نبًّ الله ؛ فمن أٌن ندرك هذه؟.اهـ. فؤعمته العصبٌة الجاهلٌة وصدته عن سبٌل الهدى والرشاد, وسلك طرٌق الجحود والعناد- نعوذ بالله العظٌم من شر الحاسد والحاقد والمعاند الجاحد. ولما نزلت آٌة:{ وأنذر عشٌرتك الأقربٌن} صعد رسول الله صلى الله علٌه وسلم جبل الصفاء ونادى أصول القبابل حتى اجتمعوا فقال لهم:[ أرأٌتكم إن أخبرتكم أن خٌلااً بالوادي ترٌد أن تغٌر علٌكم أكنتم مصدقًّ ]؟ فقالوا كلهم- وفٌهم أبو لهب وغٌره -: نعم نصدّقك ٌا محمد ما جربنا علٌك إلا صدقااً . قال صلى الله علٌه وسلم :[ فإنًّ نذٌر لكم بٌن ٌدي عذاب شدٌد] –أي: أنذركم عذاب الله تعالى الذي هو أقرب وأسرع من خٌل عدوكم لو اجتمعت علٌكم فً الوادي خلفكم. وأما قوله تعالى:{ وما ٌنطق عن الهوى إن هو إلا وحً ٌوحى} ففً هذا بٌان حقٌّّة نطقه , وبٌان تعرٌف الحق له, وتنزٌه نطق رسول الله صلى الله علٌه وسلم أن ٌصدر عن هوى, ولم ٌقل: وما ٌنطق بالهوى, لٌبٌّن أن نطقه صلى الله علٌه وآله وسلم هو نطق بالحق, وهو صادر عن الحق الذي هو هدى الله تعالى ووحٌه , لا عن غًّ , ولا عن ضلال , فإذا لم ٌصدر عن هوى فكٌف ٌنطق بالهوى؟. وإنما نطقه صلى الله علٌه وسلم صادر عن وحً ٌوحى إلٌه من الله تعالى رب العالمٌن, لٌصلح به, وٌهدي به, وٌسعد به العالمٌن, وهذا ٌشمل نطقه بالقرآن والسنّة قال تعالى:{ وأنزل الله علٌك الكتاب والحكمة} -أي: السنة النبوٌة, وصحّ عنه صلى الله علٌه وسلم أنه قال:[ ألا وإنًّ أوتٌت الكتاب ومثله معه] أي: مثله فً مطلق الوحً من الله تعالى, وهذا هو السنّة بلا رٌب- والأدلة على ذلك مبسوطة فً كتابً: (سٌدنا محمد رسول الله صلى الله علٌه وسلم ) فارجع إلٌه وأما قوله تعالى :{ علمه شدٌد القوى ذو مرة فاستوى} ففً هذا بٌان صفات كمال واسطة الوحً إلٌه , وبٌان محاسن واسطة العلم إلٌه – الملك الذي أرسله الله تعالى بالقرآن والوحً لتعلٌمه ذلك, ألا وهو جبرٌل الأمٌن علٌه السلام.
عدد الصفحات ٨٠