المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شهادة لا إله إلا الله محمد رسول اللهفضائلها

العلامة عبدالله سراج الدين

صفحة ٤ من ٧

49 سٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم, وجعله معجزة مصدّقة له, باقٌة إلى ٌوم الدٌن, محفوظااً من تحرٌف الضالٌن, وانتحال المبطلٌن, وتؤوٌل الجاهلٌن. فهذا مما ٌشهد كلّ عاقل أن محمدااً رسول الله حقااً صلى الله علٌه وآله وسلم , لا شك فً ذلك ولا رٌب, فما على العاقل , إلاّ أن ٌشهد أن محمدااً رسول الله إٌمانااً صادقااً , وٌقٌنااً جازمااً , ونحن على ذلك من الشاهدٌن- اللهمّ فاكتبنا مع الشاهدٌن. ومن الآٌات الكرٌمة التً قرن الله تعالى فٌها بٌن الشهادة بؤنّه: لا إله إلاّ الله وأدلتها وشواهدها ثم ذكر بعد ذلك شواهد وأدلة أنّ محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم: قول الله تعالى:{ أم ٌقولون افتراه قل: فؤتوا بعشر سور مثله مفترٌات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقٌن. فإن لم ٌستجٌبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون}؟. ففً هذه الآٌات ٌؤمر الله تعالى النبً صلى الله علٌه وسلم أن ٌتحدّى الذٌن ٌزعمون أنّ هذا القرآن لٌس كلام الله تعالى , وأن النبً صلى الله علٌه وسلم قد افتراه- فٌطالبهم بؤن ٌؤتوا بعشر سور مثله , وأن ٌدعوا من استطاعوا من البلغاء والفصحاء والحكماء والعلماء لمعاونتهم ومإازرتهم فً ذلك, لأنّ جمهرة العقول والأفهام والآراء أقوى وأقرب لحصول المطلوب فً زعمهم, فإذا دعوهم وطلبوا منهم ذلك وعجزوا, فٌجب علٌهم أن ٌعلموا علم الٌقٌن أن الذي أنزله هو الله تعالى؛ خالق الفصحاء والبلغاء والحكماء والعلماء. لأن هذه الجمهرة العلمٌة والبلاغٌة التً دعوها واعتمدوا علٌها , لم ٌنهض بها علمها ولا بلاغتها إلى مستوى تؤتً فٌه بمثل سور من القرآن الكرٌم . إذااً دلّ على ذلك أنّ الذي أنزله لٌس علمه كعلم العلماء , ولا حكمته كحكمة الحكماء , ولا كلامه مثل كلام البلغاء , بل هو أعلى من ذلك وأعزّ وأجلّ , فإن علمه إلٌه المنتهى وهولا ٌتناهى, وحكمته فوق كل حكمة ولا ٌحاط بها, وكلامه فوق البلاغة والفصاحة- فهو المعجز الذي لا ٌإتى بمثله. ولذا قال سبحانه مخاطبااً للمنكرٌن المجادلٌن بالباطل:{ فإن لم ٌستجٌبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} –أي: أنزله الله تعالى بعلمه الذي هو فوق علم العلماء, والذي أحاط بكل شًء , { ولا ٌحٌطون بشًء من علمه إلا بما شاء}.

عدد الصفحات ٤٩

50 ثم ٌقرر الشهادة بؤلوهٌته ووحدانٌته تحرٌضااً لهم على الإقرار بهذه الشهادة بعد ظهور أدلتها وشواهدها فٌقول سبحانه:{ وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} –أي: فؤسلموا واستسلموا للحق ولا تتنكّروا له, ولا تجحدوا بعد ما علمتم , فإن الحق أبلج, والباطل لجلج. ثم أتى بعد ذلك سبحانه بالشواهد الشاهدة أنّ محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم , فقال بعد آٌات متناسبة مع الشهادة الأولى :{ أفمن كان على بٌنة من ربه وٌتلوه شاهد منه} الآٌة, وهذا سٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم , فإنّه على بٌنة من ربه وهو: القرآن العظٌم الذي جاء به من عند الله تعالى, فإنّه أعظم بٌنة, وهو البٌنة القاطعة التً تثبت قطعااً أن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم كما تقدم بٌانه. { وٌتلوه شاهد منه} أي: وٌتلو هذا القرآن - المدلول علٌه بكلمة{ بٌنة} – ٌتلوه فً تصدٌق هذا الرسول الكرٌم وحقٌقة نبوته بقوله:{شاهد منه} صلى الله علٌه وسلم , وهذا الشاهد {منه} هو تلاوته صلى الله علٌه وسلم لهذا القرآن الكرٌم, فً حٌن أنّه أمًّ لم ٌتعلم الكتابة ولا القراءة, ولٌس له سابقة دراسة, كما قال سبحانه:{ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بٌمٌنك إذااً لارتاب المبطلون } ,وقال تعالى:{قل لو شاء الله ما تلوته علٌكم و لا أدراكم به فقد لبثت فٌكم عمرااً من قبله أفلا تعقلون} -أي: بقٌت فٌكم قبل أن أنبّؤ أربعٌن سنة, ولم أتل علٌكم شٌبااً من ذلك؛ لأنه لا علم لً بذلك, حتى إذا بلغت الأربعٌن فالله تعالى نبؤنً وعلّمنً وأنزل علًّ هذا القرآن , وأقرأنٌه, وأمرنً أن أقرأه علٌكم, فاعقلوا تعلموا صدق نبوتً, وحقٌّة رسالتً قطعااً . وٌجوز أن ٌراد بالشاهد منه صلى الله علٌه وسلم سنته وأحادٌثه الشرٌفة, فإنها عن وحً من الله تعالى كما قال صلى الله علٌه وسلم : [ ألا وإنً أوتٌت الكتاب ومثله معه] الحدٌث رواه أبو داود وغٌره. فالبٌنة فً الآٌة هنا هً القرآن الكرٌم , والشاهد منه أحادٌثه الشرٌفة – وكلاهما عن وحً من الله تعالى, لكنّ القرآن معجز , وأما الحدٌث النبوي فجامع للكلم. وٌجوز أن ٌراد بالشاهد منه صلى الله علٌه وسلم ما أجراه الله تعالى على ٌده صلى الله علٌه وسلم من المعجزات , وخوارق العادات, وهذا باب واسع ٌدخل فٌه: المعجزات العلمٌة, والسماوٌة, والأرضٌة,والشجرٌة, والجمادٌة, والإخبارات الغٌبٌة, وما جاء فً تكثٌر الطعام والشراب؛ إلى ما وراء ذلك , فإنّ هذا كله دلٌل حق , وشاهد صدق على أن سٌدنا محمدااً هو رسول الله تعالى حقااً , وفً ذلك ٌقول سبحانه:{ وما رمٌت إذ رمٌت

عدد الصفحات ٥٠

51 ولكن الله رمى} ,فلما كان ٌوم بدر, أخذ صلى الله علٌه وسلم كفّااً من الحصى ورماه فً وجوه الأعداء , وكانوا ألفااً فؤصاب جمٌع أنوفهم , وأعٌنهم, ووجوههم , ولم ٌخطىء واحدااً منهم , فهذا لٌس من قدرة البشر العادٌّة , بل هو أمر خارق للعادة ؛ فهذه قدرة الله تعالى . ومن ذلك انشقاق القمر تصدٌقااً لدعوته النبوة , لما اقترح علٌه ذلك أهل مكة , وشاهدوا ذلك عٌانااً , فآمن من آمن , وضلّ من ضل – عنادااً وكبرااً , وفً ذلك ٌقول الله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن ٌروا آٌة ٌعرضوا وٌقولوا سحر مستمر . وكذبوا } – أي: بالحق لما بدا لهم وعاٌنوه- { واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر. ولقد جاءهم من الأنباء ما فٌه مزدجر. حكمة بالغة فما تغن النذر. فتول عنهم}الآٌات, وهذا صرٌح فً تحقق انشقاق القمر ووقوعه, وإنه نبؤ عظٌم, وإنذار كبٌر, وحكمة بالغة, وحجة دامغة, فمن عاند وعارض:{ فتول عنهم} أي: أعرض عنهم , واترك أمرهم لٌوم الحساب:{ ٌوم ٌدع الداع إلى شًء نكر}. ومن جملة الآٌات التً ٌقرر الله تعالى فٌها حجج لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله علٌه وسلم ؛ قوله تعالى:{ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. أم ٌقولون شاعر نتربص به رٌب المنون . قل تربصوا فإنً معكم من المتربصٌن. أم تؤمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون. أم ٌقولون تقوله بل لا ٌإمنون . فلٌؤتوا بحدٌث مثله إن كانوا صادقٌن} . ففً هذه الآٌات ٌبٌّن صدق نبوة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم, وٌردّ على المخالفٌن القابلٌن: إنه شاعر أو كاهن, أو متقوّل لهذا القرآن الكرٌم , وٌتحدّاهم بؤن ٌؤتوا بحدٌث مثل القرآن إن كانوا صادقٌن فً دعواهم أنّه من تقوّلاته صلى الله علٌه وسلم , وحاشاه من ذلك. ثم ٌبٌّن أدلة وجوده سبحانه ووحدانٌته فٌقول:{ أم خلقوا من غٌر شًء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ٌوقنون } الآٌات, فبٌّن لهم أن المخلوق بعد عدم لا بدّ له من خالق أوجده, وإلاّ لزم انتقال المعدوم من العدم إلى الوجود بلا ناقل, وتحرك المعدوم إلى الوجود بلا محرك – وذلك مستحٌل , ولٌسوا هم خالقً أنفسهم , لأنهم كانوا عدمااً , إذااً لا بد أن ٌنتهً الأمر إلى واجب الوجود , الذي هو خالق غٌر مخلوق ؛ وهو الله رب العالمٌن . ومن الآٌات الواردة فً تقرٌر أدلة الشهادتٌن قوله سبحانه :{ أولم ٌتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذٌر لهم بٌن ٌدي عذاب شدٌد}.

عدد الصفحات ٥١

52 وفً هذا تقرٌر صدق نبوة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم, وأنّ من تفكّر وتعقل وتبصر فً أمر هذا الرسول وما جاء به؛ ٌعلم قطعااً صدقه ونبوته . ثم ٌبٌّن سبحانه أدلة وجوده وتوحٌده فٌقول:{ أو لم ٌنظروا فً ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شًء وأن عسى أن ٌكون قد اقترب أجلهم فبؤي حدٌث بعده ٌإمنون}. فكل عاقل إذا تبصّر فً سطور الكابنات, وتؤمّل فً صفحات المخلوقات, فً عوالم الأرض والسماوات, من الجزبٌات والكلٌات, والعلوٌات والسفلٌات- ٌراها كلها شاهدة لله تعالى بالربوبٌة, والوحدانٌة, والقدم ,والبقاء : تؤمّل سطور الكابنات فإنّها من الملأ الأعلى إلٌك رسابل وقد خطّ فٌها لو تؤمّلت خطّها ألا كلّ شًء ما خلا الله باطل أي: كلّ ما سوى الله تعالى فهو ٌإول أمره إلى العدم والفناء وجه اقتران محمد رسول الله بلا إله إلاّ الله إن اقتران شهادة أن محمدااً رسول الله بلا إله إلاّ الله له وجوه سدٌدة, وأسباب عدٌدة, أذكر بعضااً منها: الأول: هو أنّ لا إله إلاّ الله تقتضً وتستلزم أنّ محمدااً رسول الله , لأن الله تعالى هو الإله الحق, المعبود بحق, فلا بدّ أن ٌبٌّن لعباده كٌف ٌعبدونه,فإن الله تعالى الإله الحق ٌجب له حق العبادة على الخلق: كما جاء فً (الصحٌحٌن)وغٌرهما عن معاذ بن جبل رضً الله عنه قال: كنت خلف النبً صلى الله علٌه وسلم على الدابة , فقال :[ ٌا معاذ] ,قلت: لبٌك ٌا رسول الله, فسكت ساعة , ثم قال:[ ٌا معاذ] ,قلت: لبٌك ٌا رسول الله , فسكت ساعة, ثم قال:[ ٌا معاذ بن جبل] ,فقلت: لبٌك وسعدٌك ٌا رسول الله, قال:[ أتدري ما حق الله على عباده؟] ,قلت: الله ورسوله أعلم, قال:[ حقّ الله على عباده أن ٌعبدوه ولا ٌشركوا به شٌبا ] ,ثم قال[:ٌا معاذ] ,قلت لبٌك ٌا رسول الله , قال:[ أتدري ما حق العباد على الله إذا عبدوه ولم ٌشركوا به شٌبااً؟],قلت: الله ورسوله أعلم, قال[:حق العباد على الله إذا عبدوه ولم ٌشركوا به شٌبااً أن لا ٌعذبهم] -وقد تقدم تفصٌل هذا الحدٌث, وتفصٌل الكلام حوله. كما أنه سبحانه هو الرب الحق, ومن شؤنه أن ٌربًّ عباده, وٌبٌّن لهم ما فٌه الرشاد وصلاح العباد والبلاد, إذ لٌس من مقتضى الحكمة تركهم هملااً دون أن ٌتعهدهم بؤوامر فٌها مصالحهم وسعادتهم, وإلى هذا ٌشٌر قوله

عدد الصفحات ٥٢

53 تعالى:{ أٌحسب الإنسان أن ٌترك سدى} أي: مهملااً بلا أمر ولا نهً ولا إرشاد. كما أنه سبحانه هو الله الإله الملك الحق ومن شؤنه أن ٌتعهّد عباده بما ٌصلحهم وٌسعدهم وٌعود بالخٌر علٌهم فً دنٌاهم وآخرتهم – فٌشرع لهم نظامااً إلهٌااً ٌبٌّن لهم حقه علٌهم, وحقوق بعضهم على بعض, والمسإولٌات والواجبات بٌنهم, ووجوه المعاملات والمعاٌشة بٌن بعضهم, لٌعٌشوا عٌشة طٌبة رضٌة, فلا بدّ من رسالات إلهٌة ربانٌة توضح ذلك كله- وإلى هذا ٌشٌر قوله تعالى:{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثااً وأنكم إلٌنا لا ترجعون فتعالى الله الحق لا إله إلا هو رب العرش الكرٌم }. وإن الله تعالى الذي هو الإله الحق هو أعلم بمصلحتهم, وبما ٌسعدهم وٌنفعهم لأنه هو الذي خلقهم فهو أعلم بما ركّبه فٌهم, وأودعه فٌهم, وبما ٌصلح شؤنهم, فمن حقه أن ٌشرع لهم وٌبٌن لهم ما فٌه صلاحهم وفسادهم. ألا ترى مخترع المعمل أو الآلات العجٌبة الكبرى- فإنه هو الذي ٌضع نظام العمل فٌها, وهو الذي ٌبٌن وجوه استعمالها, وٌضع فً ذلك دفتر التعلٌمات, فمن استعملها على موجب تلك التعلٌمات, بقٌت لدٌه صالحة ونافعة, ومن استعملها خلاف تلك التعلٌمات أفسدها وعرّضها للعطب. فربّ العالمٌن هو أعلم بما فٌه صلاح العالمٌن, وإلى هذا ٌشٌر قوله تعالى:{ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمٌن} فهو الذي ٌخلق, وهو الذي ٌشرع لخلقه ما تصلح به أمورهم. فجاء سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم بالشرٌعة الغرّاء, الحنٌفٌة السمحة, الصالحة والمصلحة لكافة الأمم ,فً كل زمان ومكان ؛ قال تعالى:{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمٌن} وقال صلى الله علٌه وآله وسلم[:تركتكم على مثل البٌضاء, لٌلها ونهارها سواء]. الوجه الثانً: هو أنه من باب رفع ذكره صلى الله علٌه وآله وسلم, وعلوّ فخره على جمٌع المخلوقات, وهذه خصٌصة خصّ الله تعالى بها سٌدنا محمدااً صلى الله علٌه وسلم فقال له:{ ورفعنا لك ذكرك} ,فلم ٌقل له: ورفعنا ذكره بل جاء بقوله:{ لك} تخصٌصااً له صلى الله علٌه وسلم, وقد جاءت الأحادٌث النبوٌة تبٌّن وجه هذا الرفع من باب :{ لتبٌن للناس ما نزل إلٌهم }. ففً الحدٌث عن أبً سعٌد الخدري رضً الله عنه عن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ أتانً جبرٌل علٌه السلام فقال: إن ربك ٌقول:

عدد الصفحات ٥٣

54 أتدري كٌف رفعت ذكرك ؟, قلت : الله تعالى أعلم, قال: إذا ذكرت ذكرت معً ] – وهناك عدة أحادٌث جاءت فً هذا المعنى. وفً حدٌث ابن عباس رضً الله عنهما عن النبً صلى الله علٌه وسلم :[ إن الله تعالى قال: ٌا محمد ألم أشرح لك صدرك؟, ألم أرفع لك ذكرك,, قلت: بلى ٌا ربّ ]. وروى أبو نعٌم فً(الدلابل) عن أنس رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ لمّا فرغت من أمر السماء والأرض– أي: لٌلة المعراج- قلت: ٌا رب إنه لم ٌكن نبً قبلً إلاّ وقد كرمته: جعلت إبراهٌم خلٌلااً , وموسى كلٌمااً , وسخرت لداود الجبال, ولسلٌمان الرٌح والشٌاطٌن, وأحٌٌت لعٌسى الموتى, فما جعلت لً؟. قال: أو لٌس قد أعطٌتك أفضل من ذلك كله؟ إنً لا أذكر إلاّ ذكرت معً, وجعلت صدور أمتك أناجٌل ٌقرإون القرآن ظاهرااً ولم أعطها أمة, وأعطٌتك كنزااً من كنوز عرشً: لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلًّ العظٌم]. ولقد قرن الله تعالى ذكر حبٌبه بذكره سبحانه فً مواضع كثٌرة من القرآن الكرٌم : فمنها قرن ذكره بذكره فً الإٌمان – قال تعالى:{ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفٌن فٌه} الآٌة فً سورة الحدٌد. وفً الطاعة- قال تعالى:{ وأطٌعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}. وفً المحبة- قال تعالى:{ قل: إن كان آباإكم وأبناإكم وإخوانكم وأزواجكم وعشٌرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إلٌكم من الله ورسوله وجهاد فً سبٌله فتربصوا حتى ٌؤتً الله بؤمره والله لا ٌهدي القوم الفاسقٌن}. وفً مقام الإرضاء- قال تعالى:{ والله ورسوله أحق أن ٌرضوه إن كانوا مإمنٌن}. وفً النصرة- قال تعالى:{ وٌنصرون الله ورسوله أولبك هم الصادقون}. وفً التحاكم- قال تعالى:{ إنما كان قول المإمنٌن إذا دعوا إلى الله ورسوله لٌحكم بٌنهم أن ٌقولوا سمعنا وأطعنا}. وفً الأدب- قال تعالى:{ ٌا أٌها الذٌن آمنوا لا تقدموا بٌن ٌدي ورسوله} الآٌة. أخرجه أبو ٌعلى, وابن جرٌر , وابن المنذر, وابن أبً حاتم, وابن حبان, وابن مردوٌه, وأبو نعٌم كما فً (الدر المنثور) و (روح المعانً). رواه ابن أبً حاتم كما فً ( تفسٌر ) ابن كثٌر وغٌره.

عدد الصفحات ٥٤

55 وفً المعصٌة- قال تعالى:{ ومن ٌعص الله ورسوله فقد ضل ض مبٌنااً }. وفً المشاقة- قال تعالى :{ ذلك بؤنهم شاقوا الله ورسوله ومن ٌشاقق ورسوله فإن الله شدٌد العقاب}. وفً المحادّة- قال تعالى:{ إن الذٌن ٌحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذٌن من قبلهم } الآٌة. وفً الإٌذاء- قال تعالى:{ إن الذٌن ٌإذون الله ورسوله لعنهم الله فً الدنٌا والآخرة} الآٌة. وفً القضاء والحكم- قال تعالى:{ وما كان لمإمن ولا مإمنة إذا قضى ورسوله أمرااً أن ٌكون لهم الخٌرة من أمرهم} الآٌة, وقال تعالى فً المنافقٌن:{ وإذا دعوا إلى الله ورسوله لٌحكم بٌنهم إذا فرٌق منهم معرضون}. وفً الوعد وصدقه- قال تعالى:{ ولما رأى المإمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إٌمانااً وتسلٌمااً }. وفً إسداء الفضل- قال تعالى:{ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: حسبنا الله سٌإتٌنا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} , وقال تعالى:{ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} الآٌة. وفً الهجرة- قال تعالى:{ ومن ٌخرج من بٌته مهاجرااً إلى الله ورسوله ثم ٌدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورااً رحٌمااً }. وفً الشهادة: الأذان , والإقامة, والتحٌات فً الصلوات, وغٌر ذلك. وفً ذلك ٌقول حسان بن ثابت رضً الله عنه: أغرّ علٌه للنبوة خاتم من الله من نور ٌلوح وٌشهد وضمّ الإله اسم النبً إلى اسمه إذا قال فً الخمس المإذن: أشهد وشق له من اسمه لٌجلّه فذو العرش محمود وهذا محمّد صلى الله علٌه وآله وسلم تسلٌمااً . قال الحافظ ابن كثٌر: وما أحسن ما قال الصرصريّ رحمه الله تعالى: لا ٌصح الأذان فً الفرض إلاّ باسمه العذب فً الفم المرضً وقال أٌضااً : ألم تر أنّا لا ٌصح أذاننا ولا فرضنا إن لم نكرره فٌهما وأشار إلى: تشهد الأذان, وتشهد الصلاة. الوجه الثالث: هو أنه صلى الله علٌه وآله وسلم حبٌب الله الأكرم, فقرن سبحانه اسم رسوله محمد صلى الله علٌه وآله وسلم باسمه تعالى لأنه أحب

عدد الصفحات ٥٥

56 أحبابه إلٌه, وأكرم الأولٌن والآخرٌن علٌه, وقد جاءت الأحادٌث الكثٌرة فً ذلك: ففً سنن الترمذي والدرامً من حدٌث ابن عباس: ٌقول صلى الله علٌه وسلم :[ ألا وأنا حبٌب الله ولا فخر, وأنا أكرم الأولٌن والآخرٌن على الله ولا فخر]الحدٌث بطوله كما سٌؤتً إن شاء الله تعالى. وقد روى الحاكم حدٌث آدم علٌه السلام:[ وقد رأى مكتوبااً على العرش: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله , فقال : ٌا رب فعرفت أنك لم تقرن باسمك إلاّ أحبّ الخلق إلٌك] وهذا الحدٌث له شواهد كما هو مبٌن فً موضعه. وسوف أتكلم على بقٌة الوجوه فً كتاب آخر إن شاء الله تعالى, حتى لا ٌمل القارئ. الكلام حول الأدلة على أنه لا إله إلاّ الله وحده اعلم أن ذرّات العوالم: العلوٌة والسفلٌة, السماوٌة والأرضٌة, والنفسٌة كلها أدلة قاطعة على أنه : لا إله إلاّ الله. وإلى هذا ٌرشدنا الله تعالى بقوله:{ وهو الله فً السموات وفً الأرض} وبقوله:{ الله نور السموات والأرض}. فكل شًء فً السموات والأرض دلٌل على وجود الله تعالى ووحدانٌته, سواء فً ذلك الأجرام الكبرى والذرات الصغرى. قال تعالى:{ أولم ٌنظروا فً ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شًء}. فالسماوات وما حوت, والأرض وما أقلّت, والذرّة التً لا شًء أصغر منها- كل ذلك دلٌل على وجوده تعالى ووحدانٌته , وإلى هذا ٌشٌر قوله تعالى:{ وهو الله فً السموات وفً الأرض} أي: أدلة وجوده ووحدانٌته هً: ظاهرة فً السماوات والأرض , وكلها آثار صفاته, ومظاهر أسمابه, فٌقر العاقل فً كل شًء أنه تعالى: القدٌر العلٌم, الحكٌم المدبر, الخالق البارئ, المصور إلى ما هنالك من صفاته تعالى, ولذا قال تعالى:{ قل انظروا ماذا فً السموات والأرض} , أي: أنها كلها آٌاته الدالة علٌه, ترونها عٌانااً , فلا تنكروا , ولا تعرضوا, قال تعالى:{ وكؤٌن من آٌة فً السموات والأرض ٌمرون علٌها وهم عنها معرضون} ,وقال تعالى:{ سنرٌهم آٌاتنا فً الآفاق وفً أنفسهم حتى ٌتبٌن لهم أنه الحق أولم ٌكف بربك أنه على كل شًء شهٌد}. وٌرحم الله القابل: فواعجبااً كٌف ٌعصى الإله أم كٌف ٌجحده الجاحد وفً كل تحرٌكة وتسكً نة أبدااً له شاهد

عدد الصفحات ٥٦

57 وفً كل شًء له آٌة تدل على أنه واحد فالله تعالى نبّه العقلاء ولفت أفكارهم إلى النظر فً آٌاته التكوٌنٌة المشهودة المربٌة فً العوالم الآفاقٌة المحٌطة فً أنفسهم , بحٌث لا ٌبقً ذلك شكّااً ولا رٌبااً لعاقل , قال الله تعالى : { أفً الله شك فاطر السماوات والأرض} . كما دعاهم سبحانه إلى النظر فً آٌاته التدوٌنٌة المتلوة ؛ فإذا أعرض هذا العاقل , وتعامى عن تلك الآٌات , وأبى إلاّ المحاجّة والجدل فً المناظرة . فقد رسم القرآن الكرٌم للمحاجة والمجادلة مع المنكرٌن لله تعالى وجوده ووحدانٌته طرٌقتٌن : الطرٌقة الأولى : هً أنه سبحانه ٌؤتً بالأدلة النفسٌة والآفاقٌة والمتنوعة الدالة على وجوده ووحدانٌته , ثم ٌطالب الخصم المنكر للوحدانٌة بالدلٌل على تعدد الآلهة وإثبات أن معه ثانٌااً أو ثالثااً أو رابعااً . . . إلخ ؛ ثم ٌعلن سبحانه عجز المنكرٌن عن الإتٌان بدلٌل برهانً ٌثبت التعدد : قال الله تعالى : { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فؤنبتنا به حدابق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم ٌعدلون. أمن جعل الأرض قرارااً وجعل خلالها أنهارااً وجعل لها رواسً وجعل بٌن البحرٌن حاجزااً أإله مع الله بل أكثرهم لا ٌعلمون . أمن ٌجٌب المضطر إذا دعاه وٌكشف السوء وٌجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قلٌلااً ما تذكرون. أمن ٌهدٌكم فً ظلمات البر والبحر ومن ٌرسل الرٌاح بشرااً بٌن ٌدي رحمته أإله مع الله تعالى الها عما ٌشركون. أمن ٌبدإ الخلق ثم ٌعٌده ومن ٌرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقٌن}. والمعنى أنّ هذه براهٌن قاطعة تدلّ على وجوده سبحانه ووحدانٌته , فإن أبٌتم فهاتوا برهانكم على دعواكم تعطٌل العالم عن صانعه , أو ادعٌتم تعدد الآلهة . ثم ٌسجّل سبحانه عجزهم عن إتٌانهم بدلٌل صحة التعدد فً الإلهة, فٌقول سبحانه:{ ومن ٌدع مع الله إلهااً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ٌفلح الكافرون}. والمعنى أنّ من زعم أنّ مع الله إلهااً آخر فلٌتقدم ببرهانه على صحة دعواه , وأنّى له ذلك فإنه لا دلٌل على ذلك ولا برهان. وإٌضاح ذلك أن ٌقال لمنكري صانع العالم وخالقه:

عدد الصفحات ٥٧

58 إنّ هذا العالم الذي تشهدونه بؤعٌنكم لم ٌكن من ذي قبل ثم كان , أي: لم ٌكن موجودااً بل معدومااً ثم وجد فمن الذي أوجده؟. فهذا الإنسان الذي تراه لم ٌكن ثم كان, وهذا الحٌوان , وهذا الشجر, وهذه الطٌور, وهكذا العالم كله لم ٌكن ثم كان, فمن الذي أوجده بعد أن كان معدومااً؟. فإن قٌل: إن الإنسان هو خلق نفسه . قلنا له: إن الإنسان كان قبل وجوده معدومااً , فكٌف ٌتصور لدى العقل أن ٌوجد نفسه والحال هو معدوم لا وجود له... على أنه لو كان الإنسان هو أوجد نفسه لكان ٌوجد نفسه كما ٌحبّ وٌرغب من غاٌة الجمال والكمال, وسعة المال إلى غٌر ذلك, فً حٌن أنّه ما ٌستطٌع ذلك كله. وإن قٌل: إنّ أباه أوجده . قلنا: إنّ أباه هو مثله فكٌف ٌستطٌع الأب أن ٌوجد ابنه فً حٌن أنه كان عاجزااً عن إٌجاد نفسه. على أن الأب قد ٌرغب بالأولاد فلا ٌؤتٌه, وقد ٌرغب بالذكور فتؤتٌه الإناث- إذااً لا اختٌار له, ولا قدرة له, فً تخلٌقه وإٌجاده. وإن قٌل: إن الإنسان والحٌوان وكل شًء فً الأكوان وجد بلا موجد- بل بطبٌعته وحاله. قلنا: إن هذا الإنسان وسابر الأكوان كانت قبل وجودها فً حال العدم , وطبٌعته العدم, فما الذي طرأ على طبٌعة عدمه وحال عدمه حتى أعطاها طبٌعة الوجود؟. فإن العوالم الإنسانٌة والحٌوانٌة والنباتٌة والجمادٌة وما وراء ذلك كلها كانت عدمااً , ثم انتقلت إلى عالم الوجود فمن الناقل لها, ومن الذي حركها من العدم إلى الوجود , ومن الذي طوّرها من العدم إلى طور الوجود؟ فإن هذا الانتقال من حال العدم إلى الوجود أمر كبٌر لا بدّ لها من قدرة ناقل ٌنقلها, ومحرّك ٌحركها, وموجد ٌوجدها, فإن العدم هو عدم لا ٌعطً وجودااً , بل الوجود والعدم نقٌضان لا ٌجتمعان, ولا ٌنتفٌان, فمن باب أولى لا ٌتوالدان. فالوجود لا ٌلد عدمااً والعدم لا ٌلد وجودااً , إذا لا بد من موجد آخر . فالمصنوع لا بدّ له من صانع , والمتحرك لا بدّ له من محرك , والمنتقل لا بد له من ناقل , والمخلوق لا بد له من خالق والمفعول لا بدّ له من فاعل وهلمّ جرّااً .

عدد الصفحات ٥٨

59 هذه أمور بدٌهٌة مشهودة, وإلى هذا كله ٌرشد الله تعالى العقلاء فٌقول : { أم خلقوا من غٌر شًء أم هم الخالقون} – كما سٌتضح لك قرٌبااً إن شاء الله تعالى . وٌقال ثانٌااً لأدعٌاء تعدد الآلهة : إن الإله الواحد لا بدّ منه, فإنّ هذه المصنوعات والمخلوقات تدل على أن لها خالقااً , وهذا الخالق لا بد وأن تكون قدرته لا نهاٌة لها , وكذا علمه وحكمته وإرادته, وجمٌع صفاته كلها أزلٌة أبدٌة , قدٌمة باقٌة , ملازمة لذاته القدٌمة الباقٌة . فنحن وأنتم – القابلون بتعدد الآلهة – متفقون على وجود الإله الواحد , إذااً فما الدلٌل العقلً على أن معه ثانٌااً كما تزعمون , وما وجه الحاجة إلى الشرٌك , فً حٌن أنه سبحانه كامل القدرة وسابر الصفات , وما هو وجه الحصر العقلً فً أن معه ثانٌااً ولٌس هو بواحد , ولا بثلاثة , وإن قلتم ثلاثة فما وجه الحصر العقلً فً الثلاثة ولٌسوا أربعة , وإن ادعٌتم أن الآلهة أربعة فلم لم ٌكونوا خمسة , ولا أكثر ولا أقل, ما هو وجه الحصر العقلً فً ذلك كله ؟ , فالواحد لا بد منه , لأنه لا بدّ للمصنوع من صانع, وللأثر من مإثر , وللمتحرك من محرك,وللمبنى من بان , وأما الزٌادة على الإله الواحد فلا دلٌل علٌه ولا برهان , قال تعالى : { ومن ٌدع مع الله إلهااً آخر لا برهان له} . فلا تجحد أٌها العاقل, ولا تستر وجه الحق بالباطل فتكون كافرااً – أي : ساترااً لنور الحق بعدما اتضح , ولذا قال الله تعالى : { ومن ٌدع مع إلهااً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ٌفلح الكافرون } , لأنهم عرفوا الحق ولم ٌعترفوا به, بل ستروه وجحدوه, فحقّت كلمة العذاب على الكافرٌن . الطرٌقة الثانٌة : هً إقامة البرهان على إبطال ما ٌدعٌه الخصم المعارض للحق : قال الله تعالى : { لو كان فٌهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ٌصفون } . ففً هذه الآٌة الكرٌمة البرهان القطعً الذي ٌبطل القول بتعدد الآلهة, وٌثبت وجوب وجود الإله الحق ووحدته . وبٌان ذلك أن ٌقال , لو كان هناك ربّان أو أكثر : فإما أن ٌكون اختلافهما واجبااً , أو ٌكون اتفاقهما واجبااً , أو ٌكون اختلافهما واتفاقهما جابزٌن – هذه هً الوجوه التً ٌمكن أن ٌفترضها العقل لدى السبر والتقسٌم :

عدد الصفحات ٥٩

60 فإن كان اختلافهما واجبا: بؤن ٌرٌد أحدهما إٌجاد شًء , وٌرٌد الآخر إعدامه , فإما أن ٌغلب أحدهما الآخر ,فلا شكّ أن الغالب هو الربّ الإله الحق , والآخر لٌس بإله حق لعجزه . وإما أن ٌغلب كل واحد منهما الآخر ؛ فكلاهما لٌس برب حقّ لعجزهما معااً عن الإٌجاد والإعدام, وٌلزم على ذلك أٌضااً ارتفاع النقٌضٌن وهما: الوجود والعدم, وارتفاع النقٌضٌن مستحٌل كاجتماعهما. وذلك أن النقٌضٌن هما المتقابلان اللذان لا ٌجتمعان فً الشًء الواحد ولا ٌفارقانه, كالوجود والعدم, والظلمة والنور, والحركة والسكون, ونحو ذلك. وأما الضدان فهما المتقابلان اللذان لا ٌجتمعان فً شًء واحد وقد ٌفارقانه: كالبٌاض والسواد. وإما أن لا ٌغلب كل واحد منهما الآخر, فكلاهما لٌس برب حق أٌضااً؛ لعجز كل واحد منهما عن أن ٌغلب الآخر , وٌلزم من هذه الصورة اجتماع النقٌضٌن, وهذا مستحٌل أٌضااً - هذه صور اختلافهما وكلها مستحٌلة. وأما إن كان اتفاقهما واجبااً - أي: أمرااً لازمااً فً كل ما ٌفعلانه, وفً كل ما ٌرٌدانه , فٌلزم منه حٌنبذ أن ٌكون كل واحد منهما لا ٌمكنه أن ٌفعل فعلااً - أيّ فعل كان, ولا ٌمكنه أن ٌرٌد شٌبااً أيّ شًء كان حتى ٌوافقه الآخر على فعل ما ٌفعله, أو ٌوافقه على إرادة ما ٌرٌده, حتى أنه لو لم ٌوافق أحدهما الآخر على فعل ما ٌفعله , أو إرادة ما ٌرٌده, لما أمكن الآخر أن ٌفعل شٌبااً أصلااً , ولا أن ٌرٌد شٌبااً أصلااً – وعلى هذا فٌلزم حٌنبذ عجز كل واحد منهما معااً فً كل ما ٌفعلانه أو ٌرٌدانه. وذلك لأنّه حٌنبذ لا ٌتمكن هذا من فعل ما ٌفعله, أو إرادة ما ٌرٌده حتى ٌوافقه الآخر على فعله وإرادته, وهذا أٌضااً لا ٌتمكن من فعل ما ٌفعله, أو إرادة ما ٌرٌده حتى ٌوافقه الآخر على فعله وإرادته, فٌكون حٌنبذ هذا عاجزااً بنفسه عن فعل ما ٌفعله وإرادة ما ٌرٌده حتى ٌجعله الآخر باتفاقه معه قادرااً؛ أو بالعكس- أي: وٌكون هذا أٌضااً عاجزااً بنفسه عن فعل ما ٌرٌده حتى ٌجعله الآخر باتفاقه معه قادرااً , فلا ٌكون واحد منهما قادرااً على فعل ما ٌرٌده إلاّ بؤن ٌجعله الآخر قادرااً على ذلك, حتى لو طلب العبد حاجته من أحد الربٌن لم ٌقدر الآخر على قضاء حاجته إلاّ بؤن ٌؤذن له الرب الآخر, وٌعاونه وٌجعله بإعانته واتفاقه معه قادرااً؛ أو بالعكس. بل نقول: إن نفس الموافقة ونفس الإرادة فعل من جملة الأفعال, وقد فرضنا أن كل واحد من الربٌن لا ٌمكنه أن ٌفعل فعلااً حتى ٌوافقه الآخر؛ وعلى هذا فلا ٌمكن هذا أن ٌوافق الآخر على فعل الموافقة حتى ٌوافقه

عدد الصفحات ٦٠

61 الآخر على فعل الموافقة وبالعكس- أي: لا ٌمكن هذا أن ٌوافق الآخر على فعل الموافقة حتى ٌوافقه الآخر على فعل الموافقة, وهذه الموافقة أٌضااً لا ٌمكن أن ٌفعلها هذا حتى ٌوافقه الآخر على فعلها وبالعكس. وهكذا فٌلزم علٌه أن لا ٌكون هذا ربااً إلاّ بشرط أن ٌجعله الآخر بموافقته ربااً؛ والآخر أٌضااً لا ٌقدر أن ٌجعله ربااً إلاّ بشرط أن ٌجعله الآخر ربااً وهكذا ٌدور الأمر وهذا ٌسمى عند العلماء: بالدور القبلً, وهو باطل – ٌستحٌل بإجماع أهل الأرض والسماء . وهكذا ٌدور الأمر فٌكون كل واحد منهما محتاجااً إلى الآخر حتى ٌجعله ربااً , فالاستحالة هنا من جهتٌن : من جهة أن هذا دور قبلً , ومن جهة أن من عجز أن ٌجعل نفسه ربااً فكٌف ٌقدر أن ٌجعل غٌره ربااً , فلا ٌصٌر هذا ربااً , ولا ٌصٌر هذا ربااً , وعلى هذا التقدٌر الباطل فلا ٌكون هناك لا رب واحد ولا ربان , وإذا لم ٌكن هناك لا رب ولا ربان فلا توجد السماوات ولا الأرض لفقد الرب فهو كما قال الله تعالى : { لو كان فٌهما آلهة إلا الله لفسدتا } أي: لم توجدا. لا ٌقال قد ٌتعاون الرجلان على حمل شًء ثقٌل مثلااً فكٌف ٌكون تعاون الربٌن مستحٌلااً ؟ . لأنا نقول : هذا قٌاس مع الفارق فرقانااً فاحشااً بعٌدااً أبعد ما بٌن الوجود والعدم , وأٌن الربٌن من المخلوقٌن ؟! . فإن الرجلٌن المتعاونٌن مخلوقان لٌس وجودهما من ذاتهما , ولا قدرتهما من ذاتهما , ولا إرادتهما من أنفسهما – بل لهما رب خالق, وهو الذي ٌجعلهما ٌتعاونان بإلهامه إٌاهما , وتزٌٌنه لهما , وبتحرٌكه لهما , وإقدارهما على المعاونة , فرجعت اثنتاهما إلى وحدة ربهما الذي خلقهما وجعلهما ٌتعاونان , فكان الرجلان المتعاونان بمنزلة الٌدٌن المتعاونتٌن على حمل شًء , فكما أن صاحب الٌدٌن هو الذي ٌجعلهما بحسب ظاهر الأمر ٌتعاونان , ومرجع الٌدٌن له , فكذلك- بلا تشبٌه – مرجع الرجلٌن المتعاونٌن لله الواحد ربهما, فهذان الربان إن لم ٌكن لهما رب ٌجعلهما أربابااً فلٌسا بربٌن كما قررناه . وإن كان لهما رب ٌرجعان إلٌه كان هو الرب الحق وحده دونهما لأنّ من ٌحتاج إلى غٌره حتى ٌجعله ربااً فهو لٌس برب حق بل كذاب , فالرب ٌجب أن ٌكون فعّالااً لما ٌرٌد بنفسه بلا معاون , قادرااً على ما ٌشاء بذاته بلا مشارك كما قال تعالى : { إن بطش ربك لشدٌد إنه هو ٌبدىء وٌعٌد. وهو الغفور الودود ذو العرش المجٌد . فعال لما ٌرٌد } , وقال تعالى: {

عدد الصفحات ٦١

62 إن ربك فعال لما ٌرٌد} , وقال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن ٌفعل ما ٌرٌد } هذا كله إذا كان اتفاقهما واجبااً لا جابزا. فإن كان اتفاقهما أمرااً جابزااً أي : ٌجوز اتفاقهما واختلافهما , فلا بد حٌنبذ من مرجح ٌرجح أحد الجابزٌن على الآخر , فلا بد من حدوث أمر ٌقتضً اختلافهما تارة فٌنجران من أجله على الاختلاف , أو حدوث أمر آخر ٌقتضً اتفاقهما تارة أخرى فٌنجران من أجله على الاتفاق- كما ٌقع ذلك لملوك أهل الأرض : تارة تتفق, وتارة تختلف:لأمور ٌحدثها وٌجددها رب العالمٌن, مالك الملك, ٌجرهم بسببها على الاتفاق أو على الاختلاف- فٌقتتلون أو ٌتفقون:{ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله ٌفعل ما ٌرٌد}. فنقول: إن الأمر الذي انجر الربان من أجله على الاختلاف لا شك هو حادث, وكذا الأمر الذي انجر الربان من أجله على الاتفاق هو حادث, فلا بد لهما من محدث, لما تقرر أن كل حادث لا بد له من محدث, فلا بدّ لهذٌن الأمرٌن من رب خالق ٌحدثهما. فخالق هذٌن الأمرٌن للذٌن انجر الربان من أجلهما على الاختلاف تارة أو على الاتفاق تارة: هو الذي إن شاء ساق الربٌن بؤسباب ٌحدثها وٌخلقها إلى الاختلاف, أو ساقهما بؤسباب إلى الاتفاق, فهذا الذي إن شاء ساقهما إلى الاختلاف تارة, أو إلى الاتفاق تارة هو الرب الحقٌقً لا هذٌن المجبورٌن المقهورٌن تحت رب آخر - فرجعت الكثرة إلى وحدة هذا الرب. وبالجملة فهذا أي: قوله تعالى:{ لو كان فٌهما آلهة إلا الله لفسدتا} ,برهان تام عقلً قطعً على توحٌد الله فً ربوبٌته وألوهٌته, خلافااً لبعض علماء الكلام من المتؤخرٌن فإنه زعم أنه برهان إقناعً لا ٌكون حجة إلا على عوام الناس لا على الخواص؛ وهو خطؤ فاحش. وفً هذه الآٌة قٌاس استثنابً ترتٌبه هكذا: لو كان فٌهما آلهة إلا الله لفسدتا, لكنهما لم تفسدا, فلٌس فٌهما آلهة إلا الله. ومن هنا ٌعلم العاقل أن القرآن الكرٌم جاء بالبراهٌن القاطعة , والحجج الساطعة, الدالة على وجود الله تعالى ووحدانٌته, والدالة على حقٌّة قضاٌا الإٌمان ؛ كما سٌتضح جمٌع ذلك فً كتاب:( هدي القرآن الكرٌم) إن شاء الله تعالى. اشتمال لا إله إلا الله على أصول الإٌمان بالله تعالى اعلم أن جمٌع أصول الإٌمان بالله تعالى, هً داخلة ومجملة فً كلمة لا إله إلاّ الله, وأنّ أهم تلك الأصول هً خمسة :

عدد الصفحات ٦٢

63 الأصل الأول: الاعتقاد الجازم بؤن الله تعالى هو حقّ - أي: واجب الوجود, قال تعالى:{ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا علٌها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهٌج. ذلك بؤن الله هو الحق وأنه ٌحًٌ الموتى وأنه على كل شًء قدٌر} ,وقال تعالى:{ذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إ الضلال}. وفً هذا الاعتقاد براءة من التعطٌل والإلحاد الذي هو إنكار خالق الخلٌقة, وصانع العالم, وطابع الطبٌعة. الأصل الثانً: الاعتقاد بؤن الله تعالى هو : واحد لا شرٌك له,قال تعالى:{ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحٌم} ,وقال تعالى:{قل: هو الله أحد}. وفً ذلك براءة من الشرك بؤنواعه. قال تعالى:{ وقل الحمد لله الذي لم ٌتخذ ولدااً ولم ٌكن له شرٌك فً الملك ولم ٌكن له ولً من الذل وكبره تكبٌرااً }. الأصل الثالث: الاعتقاد بؤنه سبحانه متصف بالكمالات المطلقة, ومنزّه عن النقابص والآفات. الأصل الرابع: الاعتقاد بؤنه لا مشابهة بٌنه وبٌن المخلوقات, قال تعالى:{ لٌس كمثله شًء وهو السمٌع البصٌر} ,وقال تعالى:{ولم ٌكن له كفوا أحد} -أي: لا شبٌه له ولا عدٌل, ولا مثٌل, ولا بدٌل, ولٌس بجوهر ولا عرض سبحانه وتعالى. الأصل الخامس: الاعتقاد بؤن جمٌع ما سواه إنما أوجده الله تعالى بقدرته واختٌاره ومشٌبته وإرادته, فلٌست القضٌة أن الخالق والمخلوقات من باب العلة الموجبة بالذات, ولا بالمعلول الموجود بموجب العلّة, قال تعالى:{ إنما قولنا لشًء إذا أردناه أن نقول له كن فٌكون}. والاعتقاد بؤنه سبحانه هو وحده المإثر الفعّال, والمدبّر للأمور, والمتصرف فٌها, فله التدبٌر المطلق, وما لغٌره شركة معه فً التدبٌر والتصرف والتؤثٌر: لا الملابكة, ولا الكواكب, وإنما هً مسخرات بؤمره, فهو الفعّال لما ٌرٌد, والكل له عبٌد. قال تعالى:{ ومن ٌدبر الأمر فسٌقولون: الله } وقال تعالى:{ ثم استوى على العرش ٌدبر الأمر} ,وقال تعالى:{ٌدبر الأمر من السماء إلى الأرض}. وأما قوله:{ فالمدبرات أمرا} فهم الملابكة علٌهم السلام الموكلون من جناب الله تعالى فً تدبٌر الأمور بإذن الله تعالى وأمره لهم بذلك على الوجه الذي هو دبّره سبحانه وأراده. وإلٌك الدلٌل المفصل على كل أصل من هذه الأصول الخمسة:

عدد الصفحات ٦٣

64 أما الدلٌل على أنه حق واجب الوجود: فذلك ما بٌّنه الله تعالى فً قوله:{ أم خلقوا من غٌر شًء أم هم الخالقون}. فهذا الإنسان وهذه العوالم لم تكن من قبل ثم كانت فمن الذي كوّنها؟ . فإن قلت : لٌس ثمة خالق أصلااً . قلنا: هً كانت عدمااً , والعدم هو عدم- لا ٌعطً الوجود , فمن أٌن الوجود لها؟. فإن قلت: هً خلقت نفسها. قلنا: إنها لم تكن قبل خلقها شٌبااً موجودااً؛ بل كانت عدمااً , فكٌف وهً معدومة تعطً نفسها الوجود؟ وإلى هذا ٌشٌر قوله تعالى فً إثبات وجود واجب الوجود الحق:{ أم خلقوا من غٌر شًء أم هم الخالقون} ,ٌعنً: أنهم شًء موجود, فلا بد أن الذي أوجدهم له وجود, ولا ٌجوز أن ٌكونوا هم الخالقٌن, لأنهم لا وجود لهم, بل كانوا عدمااً , ولا جابز أنّ مخلوقااً آخر خلقهم, فإن الذي خلقهم تعدّت قدرته إلى غٌره فؤوجده, وهذا ٌلزم أنه: غٌر محتاج إلى خالق ٌخلقه, فإن الذي ٌخلق غٌره هو غٌر محتاج إلى من ٌخلقه. ثم إنّ هذا الغٌر إن كان أباه فإنه لا علم عنده بما ٌولد له , بل لا ٌعلم سٌولد له ولد أم لا, كما أنه لا قدرة له على خلق ولده, بدلٌل أن هناك كثٌرااً ممن ٌرٌد الولد ولٌس هو بوالد, إذااً لا بد أن ٌنتهً الأمر إلى من هو واجب الوجود, الذي هو خالق غٌر مخلوق, ألا وهو : الله الحق المبٌن. وهكذا ٌحتج سبحانه على وجوب وجوده بخالقٌته, قال تعالى:{ هل أتى على الإنسان حٌن من الدهر لم ٌكن شٌبااً مذكورااً }أي: قد أتى حٌن من الدهر ما كان شٌبااً ٌذكر ثم كان, فلٌفكر: من حرّكه من العدم إلى الوجود, قال تعالى:{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتلٌه فجعلناه سمٌعا بصٌرااً }. وهكذا ٌذكر الله تعالى آٌات التخلٌق, فٌقول سبحانه:{ أمن خلق السماوات والأرض...} الآٌة. فعالم الطبٌعة , وعالم الفلٌقة, وعالم الخلٌقة, كلها مخلوقة لله تعالى, فهو طابع الطبٌعة, وفالق الفلٌقة, وخالق الخلٌقة{ ذلكم الله ربكم خالق كل شًء لا إله إلا هو فؤنى تإفكون}. وأما الدلٌل على أنه سبحانه واحد: فإن الواحد لا بدّ منه فً إٌجاد الموجودات كما تقدم, فمن ادعى أنه معه إلهااً ثانٌااً , أو ثالثااً , أو رابعااً فلٌؤت ببرهان على ذلك , وأنه لا بد من ثان أو ثالث- ولٌس هناك برهان, إذ لا حاجة إلى وجود الثانً والثالث, لأن الواحد الواجب وهو الله تعالى : علمه

عدد الصفحات ٦٤