المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شهادة لا إله إلا الله محمد رسول اللهفضائلها

العلامة عبدالله سراج الدين

صفحة ٣ من ٧

33 قال صلى الله علٌه وسلم:[ أٌها الناس سلوا الله المعافاة فإنه لم ٌعط أحد مثل الٌقٌن بعد المعافاة]. وفً رواٌة للحدٌث من طرٌق آخر: [ لن تإتوا شٌبااً بعد كلمة الإخلاص مثل المعافاة, فسلوا الله العافٌة, و لا أشدّ من الرٌبة بعد الكفر, وعلٌكم بالصدق فإنه ٌهدي إلى البر, وهما فً الجنة, وإٌاكم والكذب فإنه ٌهدي إلى الفجور وهما فً النار]. وفً حدٌث النسابً والحاكم عن عمار بن ٌاسر رضً الله عنهما عن النبً صلى الله علٌه وسلم فً دعاء طوٌل: [ اللهم بعلمك الغٌب, وقدرتك على الخلق, أحٌنً ما علمت الحٌاة خٌرااً لً , وتوفّنً إذا علمت الوفاة خٌرااً لً. اللهمّ وأسؤلك خشٌتك فً الغٌب والشهادة, وأسؤلك كلمة الإخلاص فً الرضى والغضب, وأسؤلك المقصد فً الفقر والغنى, وأسؤلك نعٌمااً لا ٌنفد, وأسؤلك قرّة عٌن لا تنقطع, وأسؤلك الرضى بالقضاء, وأسؤلك برد العٌش بعد الموت, وأسؤلك لذّة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقابك فً غٌر ضرّاء مضرّة ولا فتنة مضلّة. اللهمّ زٌّنا بزٌنة الإٌمان , واجعلنا هداة مهتدٌن] . الثامن: هً المثل الأعلى: قال الله تعالى:{ وهو الذي ٌبدأ الخلق ثم ٌعٌده, وهو أهون علٌه وله المثل الأعلى فً السموات والأرض وهو العزٌز الحكٌم}. روى عبد الرزاق وابن أبً حاتم عن قتادة رضً الله عنه فً قوله تعالى:{ وله المثل الأعلى} .قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله . وروى ابن جرٌر وابن أبً حاتم عن قتادة فً معنى الآٌة قال: إنّه لا إله إلاّ هو. وعن مالك عن محمد بن المنكدر فً قوله تعالى:{ وله المثل الأعلى} قال: لا إله إلاّ الله.اهـ. فالمثل الأعلى فً الآٌة هو لا إله إلاّ الله , وذلك أن المراد بالمثل هنا- الوصف نظٌر قوله تعالى:{ مثل الجنة التً وعد المتقون} -أي: صفتها- { أكلها دابم وظلها} .الآٌة. وقوله تعالى :{ محمد رسول الله والذٌن آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بٌنهم تراهم ركعااً سجدااً ٌبتغون فضلااً من الله ورضوانااً سٌماهم فً انظر (زوابد ابن حبان):( موارد الظمآن) , وعزاه فً (الفتح الكبٌر) للبٌهقً. انظر (الفتح الكبٌر).

عدد الصفحات ٣٣

34 وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فً التوراة} – أي: هذا وصفهم فً التوراة. فقوله تعالى:{ وله المثل الأعلى} –أي: الوصف الأعلى وهو لا إله إلاّ الله, لأن الألوهٌة هً أصل الصفات, وأجلّ الكمالات وأعلاها, فله وحدانٌة الألوهٌة حقااً , وهذا الوصف لا ٌكون إلاّ لربّ العالمٌن خالقهم وباربهم ومصورهم ورازقهم.... وقوله تعالى:{ وله المثل الأعلى فً السموات والأرض}. ٌعنً: أن آٌات ربوبٌته وأدلة وحدانٌته فً ألوهٌته هً ظاهرة فً السماوات والأرض , فما من شًء فً السماوات وفً الأرض إلاّ وهو آٌة شاهدة لله تعالى بؤنه لا إله إلاّ الله, فلو استمعت إلى كل شًء , وأعطٌت الفهم عنه لسمعته ٌشهد أن لا إله إلاّ الله , ولو أنك نظرت إلى كل شًء وفكرت فً خلقه لشاهدت فٌه شواهد لا إله إلاّ الله. وقد بٌن الله تعالى لنا ذلك فً قوله:{ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فٌهن وإن من شًء إلا ٌسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبٌحهم إنه كان حلٌمااً غفورااً }. فهو سبحانه علٌم بكل شًء, وهو معلوم فً كل شًء , ولذلك سمًّ ما سوى الله تعالى عالمااً , أي لأنه علامة على الله تعالى ٌعلم بها خالقه, ولذا قٌل: فوا عجبااً كٌف ٌعصى الإ له أم كٌف ٌجحده الجاحد وفً كل تحرٌكة وتسكٌنة أبدااً له شاهد وفً كل شًء له آٌة تدل على أنه واحد والقول الثانً فً تفسٌر :{ وله المثل الأعلى فً السموات والأرض} – أي: له سبحانه من كل وصفٌن متقابلٌن أكملهما , ومن كل أوصاف الكمال أعلاها, على وجه انفرد به سبحانه. فهناك الأوصاف المتقابلة كالقدرة والعجز , والقوة والضعف, والعز والذل, فله جلّ وعلا صفات الكمال: القدرة والقوة والعز, وله تعالى أعلى صفات الكمال, على وجه لا ٌشاركه ولا ٌساوٌه فٌه غٌره, فلا شرٌك ولا مثٌل له فً قدرته, ولا فً قوته, ولا فً عزّه, ولا فً سمعه, ولا فً بصره؛ إلى ما هنالك من الكمالات – وهذا القول لا ٌنافً القول الأول. والقول الثالث فً تفسٌر { وله المثل الأعلى فً السموات والأرض} – أي: له الوصف الأعلى الذي تجلّت أنواره على قلوب أهل السماوات والأرض فعرفوه وآمنوا به. قال الحافظ ابن كثٌر : وأنشدوا فً ذلك:

عدد الصفحات ٣٤

35 إذا سكن الغدٌر على صفاء وجنّب أن ٌحركه النسٌم بدت فٌه السماء بلا امتراء كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلًّ ٌرى فً صفوها الله العظٌم والقول الرابع فً معنى الآٌة الكرٌمة :{ وله المثل الأعلى فً السموات والأرض}-أي: له المثل الأعلى الدال على قدرته على إعادة الخلق – ذلك المثل الظاهر فً خلق السماوات والأرض فإنها أكبر من خلق الناس, فإن كانت إعادتهم بعد الموت أعظم من البدء وأكبر فلقد خلق سبحانه ما هو أكبر وهو السماوات والأرض, وإن كانت الإعادة مثل البدء فالذي قدر على البدء ٌقدر على الإعادة بلا شك. التاسع: هً دعوة الحق: قال سبحانه:{ له دعوة الحق}.الآٌة روى ابن جرٌر وغٌره عن أمٌر المإمنٌن سٌدنا علً رضً الله عنه قال فً قوله تعالى:{ له دعوة الحق} قال: (التوحٌد: لا إله إلاّ الله). وروى عبد الرزاق وابن جرٌر وابن المنذر وأبو الشٌخ وغٌرهم عن ابن عباس رضً الله عنهما فً قول تعالى :{ له دعوة الحق} قال: (شهادة أن لا إله إلاّ الله). العاشر: هً كلمة العهد عند الرحمن: قال تعالى:{ لا ٌملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا}. روى ابن جرٌر وابن المنذر والبٌهقً وغٌرهم عن ابن عباس رضً عنهما فً قوله تعالى:{ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: (شهادة أن لا إله إلاّ الله, وتبرأ من الحول والقوة , ولا ٌرجو إلاّ الله تعالى). وروى الطبرانً عن ابن عمر أن النبً صلى الله علٌه وسلم قال:[ من قال لا إله إلاّ الله كان له بها عهد عند الله] الحدٌث كما فً(الترغٌب). وعن ابن مسعود رضً الله عنه أن رسول الله صلى الله علٌه وسلم قال: [ من قال: اللهمّ ربّ السماوات والأرض, عالم الغٌب والشهادة,إنًّ أعهد إلٌك فً هذه الحٌاة الدنٌا أنً أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شرٌك لك, وأنّ محمدااً عبدك ورسولك , فإنك إن تكلنً إلى نفسً تقربنً إلى الشر وتباعدنً من الخٌر, وإنً لا أثق إلاّ برحمتك, فاجعل لً عندك عهدااً توفٌنٌه ٌوم القٌامة, إنك لا تخلف المٌعاد- إلاّ قال الله عزّ وجلّ ٌوم القٌامة لملابكته: إن عبدي عهد عندي عهدااً , فؤوفوه إٌّاه,فٌدخله الله عزّ وجلّ الجنة]. قال فً(مجمع الزوابد) رواه أحمد ورجاله رجال الصحٌح, إلاّ أن عون بن عبد الله لم ٌسمع من ابن مسعود.اه.

عدد الصفحات ٣٥

36 وروى الحكٌم الترمذي عن سٌدنا أبً بكر الصدٌق رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم : [ من قال فً دبر كل صلاة– بعد ما سلّم هإلاء الكلمات : كتبه الملك فً رقّ , فختم بخاتم ثم دفعها إلًّ ٌوم القٌامة, فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك ومعه الكتاب ٌنادي: أٌن أهل العهود حتى تدفع إلٌهم؟. والكلمات أن تقول: اللهمّ فاطر السماوات والأرض, عالم الغٌب والشهادة, الرحمن الرحٌم, إنً أعهد إلٌك من هذه الحٌاة الدنٌا: بؤنك أنت الله الذي لا إله إلاّ أنت وحدك لا شرٌك لك, وأن محمدااً عبدك ورسولك, فلا تكلنً إلى نفسً, فإنك إن تكلنً إلى نفسً تقرّبنً من الشر وتباعدنً من الخٌر, وإنً لا أثق إلاّ برحمتك , فاجعل رحمتك لً عهدااً عندك تإدٌّه إلًّ ٌوم القٌامة, إنك لا تخلف المٌعاد]. وجاء عن طاووس أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت فً كفنه. الحادي عشر:وهً الكلمة العلٌا: قال الله تعالى : { وجعل كلمة الذٌن كفروا السفلى, وكلمة الله هً العلٌا} قال ابن عباس رضً الله عنهما: (ٌعنً بكلمة الذٌن كفروا : الشرك , وكلمة الله هً: لا إله إلاّ الله). وفً (الصحٌحٌن) عن أبً موسى الأشعري رضً الله عنه قال: سبل رسول الله صلى الله علٌه وسلم عن الرجل ٌقاتل شجاعة, وٌقاتل حمٌة, وٌقاتل رٌاء- أيّ ذلك فً سبٌل الله ؟, فقال صلى الله علٌه وآله وسلم :[ من قاتل لتكون كلمة الله هً العلٌا فهو فً سبٌل الله]. فلا إله إلاّ اله هً العلٌا فوق الكلمات كلها ولا أعلى منها. الثانً عشر: وهً كلمة العدل: قال تعالى:{ إن الله ٌؤمر بالعدل والإحسان وإٌتاء ذي القربى} الآٌة. قال ابن عباس رضً الله عنهما فً قوله تعالى:{ إن الله ٌؤمر بالعدل} قال: ( شهادة أن لا إله إلاّ الله). وهذا تفسٌر لأول ما ٌتناوله العدل, فالعدل فً الآٌة عام, وأوّل ما ٌراد به - العدل فً التصدٌق بالعقٌدة والشهادة, وذلك هو الإٌمان والاعتقاد, والشهادة بؤن لا إله إلاّ الله فإنها أعدل العدل وعنها تتفرع فصول العدل. ومن المعلوم أن العدل مقابل بالظلم, فالتوحٌد هو حقٌقة العدل الإٌمانً والاعتقادي, فالتوحٌد هو العدل فً الحكم العقلً. انظر (الدر المنثور) عند الآٌة الكرٌمة.

عدد الصفحات ٣٦

37 وٌقابله الشرك فإنه ظلم عظٌم, قال تعالى:{ وإذ قال لقمان لابنه وهو ٌعظه : ٌا بنً لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظٌم}. فالظلم كل الظلم هو الشرك, فإنه ظلم فً الحكم الشرعً والعقلً والإٌمان القلبً, وهو ظلم عظٌم لأنه وضع الألوهٌة- التً هً فوق كل المراتب- فً غٌر موضعها؛ وهو الشرٌك المفترى, فكما أن الشرك ظلم عظٌم, فإن التوحٌد هو العدل القوٌم, فهو ٌدخل تحت قوله تعالى:{ إن الله ٌؤمر بالعدل} دخولااً أوّلٌا , كما قال حبر الأمة ابن عباس رضً الله عنهما. وقال تعالى:{ والكافرون هم الظالمون} ,فمن قال: لا إله إلاّ الله فقد جاء بالعدل, لأنه أثبت الحقّ وهو الألوهٌة لمستحقها وهو الله تعالى؛ الربّ الخالق البارئ المصوّر , ومن أشرك معه غٌره فقد ظلم لأنه أعطى الألوهٌة لمن لا ٌستحقها. اقتضاء لا إله إلاّ الله : أن محمداً رسول الله صلى الله علٌه وسلم : اعلم أن هذه الكلمة العظٌمة هً تقتضً اقتضاء أوّلٌااً من ذات معناها - أنّ محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم . وذلك أنّ معنى لا إله إلاّ الله هو : أنّه لا معبود حقااً ٌجب أن ٌعبد إلاّ الله تعالى, فهو سبحانه المعبود وحده الذي ٌجب على العباد أن ٌعبدوه, وذلك حقّ له علٌهم باعتبار أنّه ربهم وهم عباده . إذااً هذه الكلمة العظٌمة تدّل أولااً : على أنه سبحانه هو وحده الإله المستحق للعبادة, وتدل ثانٌااً : على أنه ٌجب على العباد أن ٌعبدوه قٌامااً بحقه علٌهم. كما جاء فً (الصحٌحٌن) عن معاذ بن جبل رضً الله عنه قال: كنت خلف النبً صلى الله علٌه وآله وسلم على الدّابة فقال لً:[ ٌا معاذ] قلت: لبٌك ٌا رسول الله, قال:[ أتدري ما حق الله على عباده]؟قلت: الله ورسوله أعلم, قال:[ حقّ الله على عباده أن ٌعبدوه ولا ٌشركوا به شٌبا ]. ثم سكت ساعة فقال:[ ٌا معاذ] ,قلت: لبٌك ٌا رسول الله, قال:[ أتدري ما حقّ العباد على الله إذا عبدوه ولم ٌشركوا به شٌبااً ]؟, قلت: الله ورسوله أعلم, قال:[ حقّ العباد على الله إذا عبدوه ولم ٌشركوا به شٌبااً أن لا ٌعذّبهم]. فهذا الحق الواجب على العباد أن ٌإدّوه, وهو عبادة الله تعالى, لا تعلم كٌفٌتها؛ ولا نوعٌتها؛ ولا كمٌتها؛ ولا صفتها؛ ولا صٌغ أقوالها؛ ولا هٌبات أفعالها: إلا بتعالٌم من الله تعالى, لأن عبادة الله تعالى فٌها الثناء على الله تعالى, والحمد لله , والتحٌات له, والتعظٌم له, وهذا كله لا ٌمكن العبد أن ٌهتدي إلٌه سبٌلااً إلاّ بهدى وتعلٌم من الله تعالى, وذلك بؤن ٌوحً إلى رسوله صلى الله علٌه وسلم تبلٌغ ذلك الناس, وٌعلمهم ما ٌجب علٌهم

عدد الصفحات ٣٧

38 من عبادة الله تعالى, وكٌفٌتها, وكمٌتها, وأوقاتها, وأعدادها, وأنواعها: البدنٌة, والمالٌة, والقلبٌة, والأدبٌة, والخلقٌة, قال تعالى:{ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحً إلٌه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}. والعبادة تشتمل على أبلغ التعظٌم, وأكبر الإجلال, وأعلى الثناء , وأكمل الحمد؛ لله ربّ العالمٌن, مع ملاحظة العبودٌة لله تعالى. وهذا التعظٌم لله تعالى والإجلال له, والإكبار والثناء علٌه والحمد له, لا ٌعلم إلا بتعلٌم من الله تعالى؛ لأن الله تعالى لٌس مثل عباده حتى ٌعظم وٌثنى علٌه بمثل ما ٌثنً به العباد على بعضهم, فإنه لٌس كمثله شًء , فلا ٌحمد ولا ٌمدح بمثل ما ٌمدح به المخلوقات. ولا أن ٌوصف بما ٌوصف به المخلوقات, ولا أن ٌسمى ٌما ٌسمى به المخلوقات, بل بما ٌرتضٌه لنفسه سبحانه فٌما شرعه, قال تعالى:{ و الأسماء الحسنى فادعوه بها} ,وقال تعالى:{فلا تضربوا لله الأمثال إن ٌعلم وأنتم لا تعلمون}. فلا ٌجوز أن ٌوصف لقوته بؤنه بطل أو شجاع, و لا ٌوصف لسعة كرمه بؤنه بحر- إلى غٌر ذلك. بل ٌوصف وٌثنى علٌه بما شرعه على لسان رسوله صلى الله علٌه وسلم , على المعنى الذي ٌلٌق بكماله, بلا تشبٌه ولا تعطٌل, قال تعالى:{ لٌس كمثله شًء وهو السمٌع البصٌر} ,أي: فهو السمٌع البصٌر, لكن سمعه وبصره لا كسمع المخلوقات وبصرهم, فإنه لٌس كمثله شًء, وهكذا هو: القويّ المتٌن, والعزٌز القدٌر,ولٌس كمثله شًء فً ذلك كله. كما أنه لا ٌحٌّا بالسلام كما ٌحٌّا به العباد, بل ٌحٌّا بما جاء عن رسول الله صلى الله علٌه وسلم من التعالٌم فً ذلك: جاء فً الحدٌث عن ابن مسعود رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ لا تقولوا السلام على, إن الله هو السلام, ولكن قولوا: التحٌات لله والصلوات] الحدٌث. فكانوا ٌحٌّون الله تعالى بالسلام كما ٌحٌّون عباد الله تعالى, فنهاهم عن ذلك, وعلّمهم كٌف ٌحٌّون ربّ العالمٌن. وهكذا فً العبادات العملٌة والقولٌة, فإنه لا ٌعبد ولا ٌتقرب إلٌه إلاّ بما رضٌه لنفسه- وهو ما شرعه سبحانه. وإذا اتضح لك أٌها العاقل هذا علمت أنّه لا بد من رسول ٌوحً الله تعالى إلٌه, وٌنزّل علٌه الشرٌعة, وٌعلمها للناس, وبذلك ٌعلمون كٌف ٌعبدون الله تعالى, وٌإدّون حق الله تعالى علٌهم, وهو عبادتهم له وحده تحقٌقااً : للا إله إلاّ الله.

عدد الصفحات ٣٨

39 إذااً حقااً لا إله إلاّ, تقتضً محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم تسلٌمااً , أرسله الله تعالى, فجاء برسالة عامّة إلى العباد, فٌها بٌان كٌفٌات العبادات التً ٌتقربون بها إلى الله تعالى, فإن حق الله تعالى على عباده أن ٌعبدوه ولا ٌشركوا به شٌبااً , فلا بد من معرفة كٌفٌة أداء هذا الحق بواسطة رسول الله صلى الله علٌه وسلم. كما أن لا إله إلاّ الله تقتضً وتستلزم محمدااً رسول الله, لأن الله تعالى هو الإله الحق, والملك الحق, فلا بدّ أن ٌتعهد عباده بما ٌصلح أمورهم, وٌسعدهم برسالة فٌها بٌان مصالح العباد فً دنٌاهم وآخرتهم, وبٌان ما فٌه سعادة الدنٌا والآخرة, وبٌان الحقوق فٌما بٌنهم لٌعٌشوا فً الدنٌا عٌشة طٌبة هنٌة سعٌدة, ثم ٌنقلبوا إلى آخرتهم فٌدخلوا جنة عدن التً أعدّها الله تعالى لهم, دار العز والكرامة فً جوار ربّ العالمٌن, { فً مقعد صدق عند ملٌك مقتدر}. وذلك كله مقتضى أنه لا إله إلاّ, كما قال سبحانه:{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثااً وأنكم إلٌنا لا ترجعون, فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكرٌم}. فهو سبحانه الملك لا إله إلاّ هو, ومن حكمته أن لا ٌترك عباده عبثااً دون أن ٌتعبّدهم بالتشرٌع المشتمل على الأوامر التً فٌها سعادتهم وصلاحهم ونجاحهم, وعلى المناهً التً فٌها فسادهم وضررهم, بل لا بد أن ٌبٌّن لهم ذلك , وٌشرع لهم الأحكام التً فٌها أكمل النظام والانتظام, وفٌها بٌان الحقوق والواجبات بٌن بعضهم, وتبٌّن لهم سبل السعادة فً تعاٌشهم ومعاملاتهم, لا بدّ أن ٌبٌّن لهم ذلك لأنه هو الله الملك الحق, لا إله إلاّ هو رب العرش الكرٌم. وهذا البٌان إنما ٌكون بواسطة رسول من عنده؛ فبعثة رسول الله صلى الله علٌه وسلم هً المقتضى المحتّم من كلمة : لا إله إلاّ الله. وإنّ كلمة لا إله إلاّ الله تستلزم محمدااً رسول الله , وإن محمدااً رسول الله ملازمة للا إله إلاّ الله . ونسؤل الله العظٌم, رب العرش العظٌم, أن ٌلزمنا هاتٌن الشهادتٌن, وأن ٌصبغنا بؤنوارهما, وأن ٌجعلنا من الذٌن قال فٌهم:{ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} ,وما ذلك علٌك ٌا ربّنا بعزٌز. الله تعالى ٌعلن شهادته بأن لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فً آٌاته التدوٌنٌة, وفً آٌاته التكوٌنٌة لقد أعلن الله تعالى شهادته أنه لا إله إلاّ هو – معلنااً ذلك فً محكم آٌاته القرآنٌة إذ ٌقول سبحانه وتعالى:{ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملابكة

عدد الصفحات ٣٩

40 وأولوا العلم قابمااً بالقسط لا إله إلا هو العزٌز الحكٌم} ,وهذه أعظم الشهادات بؤنه لا إله إلاّ الله. جاء عن الكلبً أنه قال: لما ظهر رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم بالمدٌنة, قدم علٌه حبران من أحبار الشام, فلما أبصرا المدٌنة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدٌنة بصفة مدٌنة النبً صلى الله علٌه وآله وسلم الذي ٌخرج فً آخر الزمان. فلما دخلا على رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم عرفاه بالصفة والنعت- أي: الواردٌن فً الكتب السابقة- فقالا له: أنت محمد؟, قال:[ نعم] ,قا: أنت أحمد؟, قال:[ نعم] ,فقا: إنا نسؤلك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنّا بك وصدّقناك, فقال لهما رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم :[ سلانً]. فقالا له: أخبرنا عن أعظم شهادة فً كتاب الله تعالى –أي: فً كتب اله تعالى النازلة على رسله صلوات الله تعالى علٌهم-. فؤنزل الله تعالى الآٌة:{ شهد الله أنه لا إله إلا هو} فؤسلما . كما أنه سبحانه أعلن شهادته بؤن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم فً محكم آٌاته القرآنٌة إذ ٌقول سبحانه وتعالى :{ قل: أي شًء أكبر شهادة قل: الله شهٌد بٌنً وبٌنكم وأوحً إلً هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}الآٌة. وهذه أكبر الشهادات بؤن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم . وقال سبحانه:{ وٌقول الذٌن كفروا لست مرسلااً قل: كفى بالله شهٌدااً بٌنً وبٌنكم ومن عنده علم الكتاب}. وٌقول سبحانه:{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودٌن الحق لٌظهره على الدٌن كله وكفى بالله شهٌدااً محمد رسول الله} الآٌة- صلى الله علٌه وآله وسلم . وكما أعلن سبحانه تلك الشهادتٌن فً آٌاته التدوٌنٌة- فإنه أعلنهما فً آٌاته التكوٌنٌة : النفسٌّة والآفاقٌة: فٌقول سبحانه فً آٌاته النفسٌة :{ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانٌة أزواج ٌخلقكم فً بطون أمهاتكم خلقااً من بعد خلق فً ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فؤنى تصرفون}. فتطوٌر الأجنة فً أرحام الأمهات, وتخلّقها خلقااً من بعد خلق , حتى ٌتم وٌكمل خلقها, المستعد لنفخ الروح ثم الحٌاة فً هذا العالم الدنٌوي- ذلك أمر ٌحتاج إلى خلاّق ومطوّر علٌم حكٌم؛ ألا وهو الله العلٌم الحكٌم . انظر تفسٌر الألوسً وغٌره.

عدد الصفحات ٤٠

41 وٌقول سبحانه أٌضا:{ هو الذي ٌصوركم فً الأرحام كٌف ٌشاء لا إله إ هو العزٌز الحكٌم} فهو الذي خلق الإنسان وطوّره , وخلقه خلقااً من بعد خلق, وصوّر كل إنسان فً صورة, وجعل لكل إنسان هٌبة وصوتااً ومزاجااً - وهذا أمر مشهود, ٌشاهد فٌه العاقل قدرة الله تعالى, وعلمه وحكمته, وٌعلم حقااً أنه لا إله إلاّ الله. فإنك ترى الإخوة الذٌن هم من أب واحد وأمّ واحدة , وخلقوا من ماء واحد, فً بطن واحدة- ترى كل واحد له صورة و مزاج وصوت ٌختلف عن غٌره, وذلك دلٌل على أن هناك إلهااً ٌصوّر كٌف ٌشاء , وٌمٌز المخلوقات بعضها عن بعض بما شاء, إذ لو كان طبٌعة لكانوا كلهم فً الصورة؛ والكم؛ والكٌف؛ والصوت على سواء, لأن الماء واحد, والرحم واحدة. وٌقول سبحانه معلنااً شهادته فً آٌاته التكوٌنٌة الآفاقٌة:{ بدٌع السموات والأرض أنى ٌكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شًء وهو بكل شًء علٌم. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شًء وهو على كل شًء وكٌل}. وهذا أمر مشهود, إن أحدااً لا ٌستطٌع أن ٌخلق شٌبااً من العدم:صغٌرااً أو كبٌرااً ولا ذرّة؛ وإنما الخالق لكل شًء هو الله الخالق- ولٌس بمخلوق. وقد أعلن سبحانه شهادته بؤن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم فً آٌاته التكوٌنٌة: وذلك فٌما أجراه الله تعالى من المعجزات التً صدّق الله تعالى نبٌه محمدااً صلى الله علٌه وسلم , وأٌده بها, وجعلها حجة على من أنكر أنّ محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم . فمنها المعجزات السماوٌة: كانشقاق القمر, وإمطار المطر فور دعابه؛ قبل أن ٌضع ٌده من الدعاء, وبقً أسبوعااً , حتى دعا بإمساكه. ومنها الأرضٌة: كالشجرٌة, والطعامٌة, والمابٌة, والجمادٌة. ومنها المعجزات العقلٌة, والسمعٌة, والبصرٌة. ومنها عصمته من القتل- ومنها ومنها وهذا باب واسع كبٌر ٌحتاج إلى مصنفات كثٌرة, نسؤل الله تعالى أن ٌوفقنا لخدمتها, وفً ذلك كله ٌعلن الله تعالى شهادته بؤن محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم , ولذلك كان صلى الله علٌه وسلم ٌعلن بتلك الشهادة عند ظهور المعجزة: روى مسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: ( كنا مع النبً صلى الله علٌه وآله وسلم فً مسٌر فنفدت أزواد القوم, حتى همّوا بنحر بعض حمابلهم, فقال عمر رضً الله عنه : ٌا رسول الله لو جمعت ما بقً من

عدد الصفحات ٤١

42 أزواد القوم فدعوت الله علٌها, ففعل صلى الله علٌه وآله وسلم , فجاء ذو البرّ ببرّه, وذو التمر بتمره, وذو النواة بنواته,- قٌل: ما كانوا ٌصنعون بالنوى؟, قال: كان ٌمصّونه وٌشربون علٌه الماء- فدعا علٌها صلى الله علٌه وسلم – أي دعا الله تعالى- وبارك علٌها, حتى ملأ القوم مزاودهم, ثم قال صلى الله علٌه وسلم عند ذلك:[ أشهد أن لا إله إلاّ, وأنً رسول الله, لا ٌلقى الله بهما عبد غٌر شاكّ فٌهما إلاّ دخل الجنة].) وقد نطقت الشجر والمدر والحجر برسالته صلى الله علٌه وآله وسلم وذلك على مسمع من الصحابة رضً الله عنهم: روى الترمذي وحسّنه عن أمٌر المإمنٌن علً رضً الله تعالى عنه قال: ( كنت مع النبً صلى الله علٌه وسلم ؛ بمكة فخرجنا فً بعض نواحٌها, فما استقبله صلى الله علٌه وسلم : جبل ولا شجر إلاّ وهو ٌقول: السلام علٌك ٌا رسول الله). وروى البزار وأبو نعٌم عن عابشة رضً الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ لما أوحً إلًّ جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلاّ قال: السلام علٌك ٌا رسول الله]. وروى الحاكم بإسناد جٌّد عن ابن عمر رضً الله عنهما قال: ( كنا مع النبً صلى الله علٌه وسلم فً سفر فؤقبل أعرابً, فلما دنا منه قال له صلى الله علٌه وسلم :[ أٌن ترٌد؟] ,قال: إلى أهلً. فقال له صلى الله علٌه وسلم :[ هل لك إلى خٌر؟] ,قال: وما هو؟, قال:[ تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شرٌك له وأن محمدااً عبده ورسوله] , ,فقال الأعرابً: هل لك من شاهد على ما تقول؟, فقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم :[ هذه الشجرة- وهً على شاطا الوادي] ,فؤقبلت– الشجرة- تخدّ الأرض خدّااً - أي: تشق الأرض- فقامت بٌن ٌدٌه صلى الله علٌه وسلم , فاستشهدها ثلاثااً , فشهدت- أي: شهدت له بؤنه رسول الله ثلاث مرات- ثم رجعت إلى منبتها, ورجع الأعرابً إلى قومه وقال: ٌا رسول الله إن ٌتبعونً آتك بهم, وإلاّ رجعت إلٌك وكنت معك). وقد نطقت الحٌوانات شاهدة برسالته صلى الله علٌه وسلم , ومن ذلك قصة الذبب التً جاءت عن أربعة من الصحابة, وهم : أبو هرٌرة , وأنس, وابن عمر بن الخطاب, وأبو سعٌد الخدري رضً الله عنهم كما نصّ على ذلك الحافظ القسطلانً وغٌره . قال الحافظ الزرقانً : ورواه الدرامً والحاكم وصححه. قال فً (المواهب) وشرحها: ورواه الدرامً والبزار والبٌهقً, وأبو القاسم البغوي.اهـ.

عدد الصفحات ٤٢

43 قال القسطلاّنًّ: فؤما حدٌث أبً سعٌد فرواه الإمام أحمد بإسناد جٌّد ولفظه: قال أبو سعٌد : ( عدا الذبب على شاة فؤخذها , فطلبه الراعً فانتزعها منه, فؤقعى الذبب على ذنبه – أي: ألصق ألٌٌه فً الأرض ونصب ساقٌه- وقال- الذبب – للراعً: ألا تتقً الله؟ تنزع منً رزقااً ساقه الله إلًّ؟, فقال الراعً: ٌا عجبااً ذبب مقع على ذنبه ٌكلمنً بكلام الإنس؟!!, فقال الذبب: ألا أخبرك بؤعجب من ذلك, قال: وماذا أعجب؟. فقال الذبب: محمد بٌثرب- أي: فً المدٌنة المنورة, كانوا ٌسمونها بذلك, فنهاهم صلى الله علٌه وسلم عن ذلك – محمد بٌثرب ٌخبر الناس بؤنباء ما قد سبق: قال أبو سعٌد: فؤقبل الراعً ٌسوق غنمه حتى دخل المدٌنة فزواها- أي: الغنم- إلى زاوٌة من زواٌا المدٌنة, ثم أتى النبً صلى الله علٌه وسلم فؤخبره, فنودي: بالصلاة جامعة, ثم خرج صلى الله علٌه وسلم وقال للأعرابً :[ أخبرهم] فؤخبرهم)- أي:بقصة كلام الذبب – وفً رواٌة أبً نعٌم والبخاري فً تارٌخه: )فقال الذبب: أعجب من ذلك رسول الله بٌن هذه النخلات – ٌدعو إلى الله تعالى). كثٌراً ما ٌقرن الله تعالى بٌن الشهادتٌن وشواهدهما ومشاهدهما قال الله تعالى:{ ٌا أٌها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذٌن من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشااً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فؤخرج به من الثمرات رزقااً لكم فلا تجعلوا لله أندادااً وأنتم تعلمون. وإن كنتم فً رٌب مما نزلنا على عبدنا فؤتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقٌن. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التً وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرٌن}. ففً هذه الآٌات الكرٌمة بٌن الله تعالى شواهد حقٌّة ألوهٌّته ووجدانٌته فً ذلك, وأنه الإله الذي ٌعبد حقااً , ذلك لأنه هو الرب الخالق وحده لا ربّ غٌره, فلا إله ٌعبد غٌره. وأشهد العباد مشاهد لا إله إلاّ الله وذلك أنه سبحانه هو الذي خلق الأبناء والآباء, والأجٌال المتؤخرة والمتقدمة , وهو الذي أمدّهم بما ٌحتاجونه وما ٌتوقف علٌه وجودهم وحٌاتهم , فجعل لهم الأرض فراشااً ٌفترشونها, وبساطااً ٌسلكون منها سبلااً فجاجااً , ومهادااً ممهّدة لهم للزرع والغرس قال الزرقانً: جٌّد أي: مقبول, وكذا رواه الترمذي والحاكم وصححاه.اهـ. كما فً شرح (المواهب), ونقل عن ابن عبد البر وغٌره أن الذبب كلّم ثلاثة من الصحابة: رافع بن عمٌرة , وسلمة بن الأكوع, وأهبان بن أوس.

عدد الصفحات ٤٣

44 والسٌر فٌها؛ والحطّ والترحال على ظهرها, وجعل سبحانه لعباده السماء بناء سقفااً محفوظااً , مزٌّنااً بمصابٌح الكواكب- غٌر موحشة ولا مظلمة, وأنزل من السماء ماء فؤخرج بذلك الماء الواحد أنواعااً من الثمرات المختلفة فً ألوانها وطعمها وخصابصها ومنافعها , رزقااً للعباد , ٌتغذّون به فٌؤكلون وٌنعمون, وجعل تلك الثمرات موزّعة على فصول السنة حسب ما تتطلب الأجسام , وحسب ما تحتاجه من مواد غذابٌة, وحسب ما تدعو إلٌه حاجة الجسم فً ذلك الفصل, إلى ما وراء ذلك مما ٌطول تفصٌله. ثم إن الله تعالى بعد ما بٌّن فً هذه الآٌات الكرٌمة دلابل ألوهٌته ووحدانٌته بٌّن دلابل صدق نبوة رسوله سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم , ودلابل صدق كتابه الذي جاء به من عند الله تعالى فقال تعالى:{ وإن كنتم فً رٌب مما نزلنا على عبدنا فؤتوا بسورة من مثله} الآٌات. والمعنى أن هذا القرآن الكرٌم الذي جاء به رسول الله محمد صلى الله علٌه وسلم – هو كلام الله تعالى المعجز , نزّله على عبده ورسوله محمد صلى الله علٌه وسلم , فإن كنتم فً رٌب أي: شك فً ذلك فؤتوا بسورة من مثله وعارضوه بمثل ما جاء به, واستعٌنوا على ذلك بمن شبتم من دون الله تعالى, كما قال تعالى فً آٌة أخرى:{ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقٌن } أي: فؤجمعوا لذلك واستعٌنوا على ذلك بجمٌع الفصحاء والعقلاء والحكماء من خلق الله تعالى كلهم, فإنكم لا تستطٌعون أن تؤتوا بسورة من مثله , لأنه كلام الله تعالى, أنزله على وصف معجز مباٌن لأوصاف كلام المخلوقات لا ٌشبه نظم الرسابل, ولا نظم الخطب, ولا نظم الأشعار, ولا هو كؤسجاع الكهّان- فلا ٌستطٌع أحد أن ٌؤتً بمثله ومن ثمّ جاء التحدي بهذا فً مكة مرّات عدٌدة, ثم فً المدٌنة مرات عدٌدة, مع شدة عداوة أعدابه صلى الله علٌه وسلم وكثرتهم وبغضهم لدٌنه, ومع ذلك فقد عجزوا عن الإتٌان بسورة من مثله. ولذلك قال الله تعالى:{ فإن لم تفعلوا– ولن تفعلوا -} فسجّل علٌهم العجز المإبّد, أي: ولن تفعلوا ذلك أبدااً , وهذه معجزة أخرى, وهو أنه سبحانه أخبر خبرااً جازمااً قاطعااً أنّ هذا القرآن لا ٌعارض بمثله أبد الآبدٌن , ودهر الداهرٌن, وكذلك كان الأمر , كما أخبر فإنه لم ٌعارض إلى زماننا هذا, إلى أبد الآبدٌن. ومن المعلوم أنّ فصحاء العرب المنكرٌن رسالة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم لمّا تحدّاهم طالت لهم المدة وامتد لهم الانتظار فً ذلك, واشتدت علٌهم الوقابع والحروب بٌن النبً صلى الله علٌه وسلم , فقتلت صنادٌدهم, وسبٌت ذرارٌهم ونساإهم, وسلبت أموالهم, ومع ذلك لم

عدد الصفحات ٤٤

45 ٌستطع أحد أن ٌتقدم لمعارضته, فلو كانوا قادرٌن على المعارضة لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهلٌهم وأموالهم, وقد كانوا أهل لسان وفصاحة, وشعر وخطابة, ولكنهم عاجزون أن ٌؤتوا بمثله, وصدق الله تعالى فً خبره حٌث سجّل عجزهم فً قوله :{ ولن تفعلوا}. وفً هذا دلٌل قاطع أٌضااً على أنّ هذا القرآن الكرٌم هو كلام الله تعالى حقااً , ولا ٌمكن أن ٌكون من كلام سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم ولا من تلقاء نفسه. وذلك أن النبً صلى الله علٌه وسلم قد أوتً قوّة فً العقل , وقوة فً الفكر, وبعدااً فً النظر, وسدادااً فً الرأي, دلّ على ذلك مواقفه ومشاهده , ومناهج دعوته, وأسالٌب حكمته, ولذلك لا ٌمكن أن ٌعلن التحدي وٌقول للناس: ابتوا بسورة من مثل ما جبتكم به من القرآن, وٌقول لهم: إنكم لا تستطٌعوا ذلك أبدااً , وإنكم إن أتٌتم بمثله فؤكون غٌر صادق, لا ٌمكن أن ٌقول لهم ذلك وهو ٌعلم من نفسه أنه هو الذي وضع القرآن وجاء به من عنده وتلقاء نفسه , فإنّ أدنى عاقل لبٌب لا ٌقدم على ذلك , لأنه ٌراجع نفسه فٌقول: ما دام هذا الكلام الفصٌح البلٌغ أنا الذي نسجته وقدرت على ذلك – فهناك فصحاء وبلغاء من البشر كثٌرون, فإن لم ٌقدروا على الإتٌان بمثله فرادى؛ فإنهم ٌقدرون على ذلك جموعااً متعاونٌن ومتعاضدٌن. ففً هذا دلٌل على أن هذا القرآن لا ٌمكن ولا ٌحتمل أن ٌكون من كلام سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم , وإنما هو كلام معجز نزل من لدن حكٌم خبٌر, وهو صلى الله علٌه وسلم ٌعلم أنه عاجز عن أن ٌؤتً بمثل هذا القرآن من تلقاء نفسه, فإنه صلى الله علٌه وسلم : سٌّد ولد آدم, وهو من عالم الإنس, وقد أعلن الله تعالى عجز جمٌع الإنس والجن أن ٌؤتوا بمثله قال تعالى:{ قل لبن اجتمعت الإنس والجن على أن ٌؤتوا بمثل هذا القرآن لا ٌؤتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهٌرااً }. وهذا مما ٌثبت لك ٌقٌنااً جازمااً أنّ هذا القرآن كلام الله تعالى لا ٌحتمل أن ٌكون من كلام سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم ولا من غٌره. وفً هذا أٌضااً دلٌل قاطع على أنه صلى الله علٌه وسلم لم ٌقل للفصحاء والبلغاء والحكماء : ابتوا بمثله إن استطعتم وإنكم لن تستطٌعوا ذلك- لم ٌقل لهم ذلك إلاّ هو على ثقة جازمة, وتحقّق قاطع, وٌقٌن صادق أنهم لا ٌستطٌعون ذلك, ولا ٌمكن أن ٌكون هذا الٌقٌن وتلك الثقة حصلت له من نفسه, وإنما حصل ذلك له من الله تعالى الذي أوحاه إلٌه وأمره أن ٌعلن

عدد الصفحات ٤٥

46 بالتحدي, وأن ٌعلن عجز الخلابق عن أن ٌؤتوا بمثله مهما حاولوا ذلك وسعوا إلٌه. هذا؛ وإن تفصٌل الكلام على إعجاز القرآن ووجوه إعجازه ولٌس موضعه هنا. ومن جملة الآٌات التً ٌبٌن الله تعالى فٌها دلابل وجوده ووحدانٌته, وصدق نبٌه رسوله الكرٌم سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم , وٌقرر فٌها شواهد صدق الشهادتٌن بؤنه: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله علٌه وسلم : قول الله تعالى فً سورة الأعراف:{ قل ٌا أٌها الناس إنً رسول الله إلٌكم جمٌعااً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو ٌحًٌ وٌمٌت فآمنوا بالله ورسوله النبً الأمً الذي ٌإمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}. فلقد ذكر الله تعالى فً هذه الآٌة الكرٌمة شواهد لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ومشاهدها, فبٌّن أنه سبحانه: له وحده ملك السموات والأرض, ٌعنً: أنّ له التصرّف المطلق والتدبٌر الكامل للسماوات , أي: وما فٌها, والأرض ومن علٌها, لا مدبّر لهما غٌره سبحانه, فهو الذي ٌدبّر أمر السماوات ,وسٌر كواكبها فً أفلاكها بانتظام, وأمر ملابكة السماوات , وأمر الشموس والأقمار , وأمر اللٌل والنهار, وأمر الجبال والبحار, وأمر الأنهار والأشجار, وأمر الصحارى والقفار, وكلااً ٌمدّه بما ٌحتاجه, وٌسوق إلى كلّ رزقه وقوته, ما لغٌره سبحانه شركة فً ذلك, ولا تدخّل له فً شًء من ذلك, بإقرار العباد كلهم واعترافهم. فلو سؤلت أيّ إنسان وقلت له: هل لك شركة فً تدبٌر الكواكب السماوٌة, أو تدبٌر أمور الدواب البحرٌة, أو تدبٌر الأمور النباتٌة والشجرٌة فً خصبها وقحطها؟ لقال لك: لا تدخّل لً فً ذلك ولا علم لً بما هنالك. إذااً نقول : حقااً الله الذي له ملك السماوات والأرض, فهو لا إله إلاّ هو حقااً , فشاهد آٌات ذلك فً السماوات والأرض. ثم قال سبحانه:{ ٌحًٌ وٌمٌت} ,أي: فما خفً علٌكم من أن الله تعالى له التصرف وله التدبٌر المطلق فً السماوات والأرض, فلٌس ٌخفى علٌكم تصرّفه سبحانه فً إحٌابكم وإماتتكم , فؤنتم ٌا معشر الناس تحٌون وتموتون , فمن الذي ٌحٌٌكم؟ ومن الذي ٌمٌتكم؟ فؤنتم لا تملكون ذلك باعترافكم , إذااً ألٌس هذا مشهدااً ٌشهدكم أنه: لا إله إلاّ الله الذي ٌحًٌ وٌمٌت , على مشهد منكم؟! فكٌف لا تشهدون بؤنه لا إله إلاّ الله ؟!. ثم بٌّن سبحانه شواهد الشهادة بؤنّ محمدااً رسول الله - فً قوله: { فآمنوا با ورسوله النبً الأمً الذي ٌإمن بالله وكلماته}.

عدد الصفحات ٤٦

47 فهذا الرسول الكرٌم صلى الله علٌه وسلم قد نشؤ أمٌااً لم ٌقرأ ولم ٌكتب باعتراف قومه الذٌن نشؤ بٌنهم, ومضت علٌه أربعون سنة وهو على ذلك لم ٌؤت بآٌة مّا, فلما كمل له أربعون سنة جاءه جبرٌل الأمٌن علٌه السلام بالوحً الإلهً, ونبّؤه الله تعالى وأنزل علٌه القرآن؛ فؤصبح ٌقرأ القرآن, وٌؤتً بآٌات الله تعالى المعجزة, فمن أٌن له ذلك؟. نعم إنّما هو من لدن حكٌم خبٌر, فإنه الذي أقرأه وعلّمه قال تعالى:{ سنقربك فلا تنسى} , وقال تعالى:{إن علٌنا جمعه وقرآنه}وقال تعالى:{ الرحمن علم القرآن} ,ولذلك كان أول ما نزل علٌه:{اقرأ باسم ربك الذي خلق}الآٌات, فقرأ باسم ربه ولم ٌقرأ بدراسة سابقة, ولا تعلّم أو كتابة, أو أخذ عن أيّ من الناس , إنّما علّمه الله تعالى وأقرأه, ولذلك قال تعالى:{ قل لو شاء الله ما تلوته علٌكم ولا أدراكم به, فقد لبثت فٌكم عمرااً من قبله أفلا تعقلون}أي: فتعقّلوا تعلموا حقااً أنّ محمدااً رسول الله صلى الله علٌه وسلم , جاء بالقرآن من عند الله تعالى. وقال تعالى:{ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بٌمٌنك, إذااً لارتاب المبطلون} . فهذا سٌدنا محمد صلى الله علٌه وسلم هو رسول الله حقا, فإنّه ولد بمكة, وبها تربّى ونشؤ, ولم ٌجالس النظّار ولا حملة الأسفار, ولم ٌبحث عن دٌانات الملل قبله, ولم ٌجالس أهل الكتاب, بل كان ٌخلو وحده ٌعبد ربه, ومع هذا الانفراد كان أمٌّااً لا ٌكتب, ثم إنه صلى الله علٌه وسلم جاءهم بهذا القرآن المشتمل على الإثبات والتوحٌد , والتسبٌح والتحمٌد, والتمجٌد, والتقدٌس, والدعاء والاستغفار, وبٌان العبادات والطاعات, وبٌان الأحكام التً تبنى علٌها مصالح الأنام, ومكارم الأخلاق , ومحاسن الشٌّم, وكمال الآداب, وحسن العشرة والمعاملة, وجاء بالمواعظ والأمثال والقصص, وبالوعد والوعٌد والترغٌب, والترهٌب, وتعلٌم المناظرة وإبراز الحجج. وجاء بالأدلة على وحدانٌته سبحانه ونفً الشرك , وأدلة نبوة محمد صلى الله علٌه وسلم , وأنه رسول الله إلى الناس كافة, وإثبات أنه رسول الله تعالى حقااً , ونفً ما ادّعوه من أنه كاذب , أو ساحر, أو مجنون, أو ٌعلمه بشر, وما أشبه ذلك من الكفر والعناد, وجاء بالأدلة الدالة على إثبات أمر البعث والدار الآخرة, وأنّ ٌوم القٌامة لا رٌب فٌه , وجاء بالرد على من أنكر ذلك , وأبطل شبه المنكرٌن على اختلافها. وجاء بهذا القرآن الكرٌم إلى ٌبٌّن للعاقل معرفة من ٌجب علٌه أن ٌتوجّه إلٌه ؛ وهو الله المعبود سبحانه , ومعرفة كٌفٌة التوجّه إلٌه سبحانه, ومعرفة مآل العبد لٌخاف عذاب الله تعالى وٌرجو رحمته ؛ وهذه الأمور

عدد الصفحات ٤٧

48 الثلاثة هً أهمّ الأمور المطلوبة من العباد, وهً مجملة فً قوله تعالى:{ وما خلقت الإنس والجن إلا لٌعبدون}. فالعبادة هً المطلوب الأول من خلق الإنسان, ولكن لا ٌمكن ذلك إلاّ بمعرفة المعبود , أي: المعرفة بؤسمابه وصفاته وكمالاته المطلقة , فإذا عرف ذلك- ومن جملة المعرفة به سبحانه معرفة أنه سبحانه هو آمر وناه, ومطالب للعباد بقٌامهم بحقه سبحانه- إذا عرف ذلك توجّه إلٌه, وهذا التوجّه لا ٌتؤتّى إلا بمعرفة كٌفٌة التوجه , وذلك بالعبادة له سبحانه والتقرّب إلٌه حسب ما شرع وبٌّن من أداء الفرابض والواجبات والنوافل إلى ما وراء ذلك. كما بٌّن نتابج الأعمال والأقوال ومآلها وعواقبها فً الدنٌا والآخرة – إن كانت خٌرااً فخٌر , أو غٌر ذلك فغٌر ذلك. وجاء بالقرآن العظٌم الذي ٌخبر عما مضى من العوالم, وعن بدء الخلق وعن مآلها, وما وراء هذا العالم الدنٌوي, وأن هناك عالم البرزخ , ثم عالم القٌامة, ثم عالم الحشر, وحال أهل المحشر, وأهوال الموقف, وعالم الحساب, والسإال, والمٌزان, والصراط, وأخذ الكتب, وعالم القصاص, وعالم الجنة, وعالم النار, وحال أهل الجنة, وحال أهل النار. وجاء بالقرآن العظٌم الذي فٌه الإخبار عن العرش وعن حملته, وعالم الكرسً وسعته, وعوالم السّدرة, وعوالم السماوات والكواكب, وعوالم الأرض وبحارها وجبالها وأشجارها, إلى ما وراء ذلك من عالم الجنّ , والحٌوان, والحٌتان, والطٌور وغٌر ذلك. وجاء بعلوم ومعارف لا حدّ لها ولا استقصاء , ففٌه الكفاٌة ومنتهى الغاٌة, فهو القرآن العظٌم والذكر الحكٌم والكتاب المبٌن الكافً عن كل ما سواه من الكتب ولا ٌكفً عنه شًء مما سواه. قال تعالى:{ أولم ٌكفهم أنا أنزلنا علٌك الكتاب ٌتلى علٌهم إن فً ذلك لرحمة وذكرى لقوم ٌإمنون}. وقال تعالى:{ ونزلنا علٌك الكتاب تبٌانااً لكل شًء}. وقال تعالى:{إن هذا القرآن ٌهدي للتً هً أقوم}الآٌة. فجاء بؤقوم الأدلة والحجج والبراهٌن , ٌهدي لأقوم السّبل والأخلاق والخصال وأوصاف الكمال, فلا أقوم منه ولا أكمل منه وأحسن منه, ولا أهدى منه ولا أرشد منه, ولا أحكم منه ولا أصدق منه , ولا أسدّ قولااً منه, ولا أعدل حكمااً منه ولا أقسط عدلااً منه, ولا أوضح بٌانااً ولا أبلغ منه ولا أفصح منه, ولا أدلّ على خٌر وسعادة وكرامة منه, فهو كتاب الله تعالى المعجز الذي إلٌه المنتهى ولٌس لمعانٌه منتهى, أنزله على رسوله الكرٌم

عدد الصفحات ٤٨