المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر الكلام في حقوق النبي عليه الصلاة والسلام

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٨ من ١٠

113 ومع هذه الآثار وغيرها مما يبين شناعة الربا وقبحه وخطره فقد وقع فيه الكثيرون ممن يزعمون حب النبي صلى الله عليه وسلم وتأخذهم الغيرة على ش خصه الكريم؟! لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لم يحب مطيعُ وأما أخذ الديون من الناس وعدم ردها: فهذا مما وقع فيه الكثيرون وينسون أن هذا نوع من أنواع أكل أموال الناس بالباطل، وهي من الحقوق التي سيطالبون بها يوم القيامة وتؤخذ من حسناتهم،يا أيها المحب للنبي صلى الله عليه وسلم ألم تسمع بقوله في الحديث الصحيح ( المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، وزُكاة، ويأتي وُقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقض ى ما عليه من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) رواه مسلم والترمذي. ومما ورد في التحذير من أكل الدَّين خاصة وعدم رده على أصحاب قوله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ) رواه البخاري وغيره. وأشد من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (أيما رجل تدين دينا وهو مجمع أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقا) رواه ابن ماجه والبيهقي. ومع هذه الآثار وغيرها تجد بعض المسلمين يظن أن عدم رد الأموال إلى أصحابها غنيمة، وبعضهم مع غناه وقدرته على أداء الدين إلا أنه يماطل ولهؤلاء أقول ألم تسمعوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم) متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ( ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ) رواه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح

عدد الصفحات ١١٣

114 الإسناد قال المنذري في شرحه "أي مطل الواجد الذي هو قادر على وفاء دينه "يحل عرضه " أي يبيح أن يذكر بسوء المعاملة " " وعقوبته" حبسه. وأخيراً: أخي الحبيب نقّ أموالك من الحرام وطهرها من الشبهات طا عة للحبيب عليه الصلاة والسلام في قوله (إن الحلال بين ُ وإن الحرام بين ، وبينهما أمورُ مشتبهات ُ لا يعلمهن كثير ُ من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لد ينه وع رضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حولُ الحمى يوشك أن يرتع فيه) رواه البخاري ومسلمٌ . ومحل الشاهد من الحديث : (فمن اتقى الشبهات استبرأ لد ينه وع رضه ) ولذا قال العلماء : ينبغي للمسلم أن يتوقى مباشرة ما يشتبه عليه ليحفظ دينه من الوقوع فيما حرم الله فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حرصا على هذا فقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) متفق عليه ، وكان السلف الصالح يشددون في ذلك يتحرون لدينهم قالت عائشة رض ي الله عنها "كان لأبي بكر الصديق غلاما يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بش يء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدريُ ما هذا فقال أبو بكر ما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل ش يء في بطنه " رواه البخاري . وهذا كله محمول على تمكُّ ن الشبهة وعدم ظهور الحكم في المسألة أما إذا تبين للإنسان إباحة الش يء وزالت الشبهة عنه واطمأن قلبه لذلك فلا حرج حينئذ من تعاطيه. خاتمة المبحث: لست في حاجة إلى إيراد آثار عن الصحابة ومن بعدهم للتدليل على طاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك من الوضوح بمكان .

عدد الصفحات ١١٤

115 ُ ُ ُ الحق الخامسُ نصرته صلى الله عليه وسلم والدفاع عن شريعته وسنته ُ مدخلُ المطلب الأولُ : الأدلة على وجوب نصرته صلى الله عليه وسلم ونصرة شريعته .ُ المطلب الثاني : صورُ من نصرة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الثالث : صور من نصرة الكائنات للنبي صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الرابع : كيف ننصر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمان .ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ

عدد الصفحات ١١٥

116 مدخلُ من المعلوم عقلاً وحساً ومشهداً في واقع الإنسانية وعبر تاريخها الطويل أنه لم ينتشر مذهب أو دين إلا إذا كان له أنصار يعتنقونه ويدافعون عنه ويعملون على نصرته، ولهذا كانت نصرة النبي صلى الله عليه وسلم جزءا هاما من عقيدة المسلم بل جزء من حبه وعاطفته تجاه حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم الذي له المنة عليه بهدايته إلى الدين القويم والصراط المستقيم، بل هو السبب في عزته ورفعته في الدنيا والسبب في نجاته في الآخرة.. فكيف لا ينصره وينصر دينه وشريعته، بلا شك أن هذا من أعظم الواجبات التي يجب على كل مسلم أن يقوم به ويحث غيره على القيام به وبخاصة عند ما تظهر أمثال هذه الاعتداءات التي بدأها هؤلاء الكفرة الأنجاس... إنها تدل على ما يحملونه من حقد تجاه الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم خاص ة وتجاه المسلمين عامة، لقد دلنا على ذلك ربنا فقال تعالى: (ق د ب د ت ال ب غ ض اء م ن أ ف و اه ه م و م ا ت خ ف ي ص د ور ه م أ ك ب ر ) (آل عمران: من الآية118) . أخي المحبللحبيب صلى الله عليه وسلم لقد وردت ا لنصوص الدالة على وجوب نصرة النبي صلى الله علي ه وسلم كما وردت الآثار بقيام الصحابة وغيرهم عبر تاريخ الأمة، إلى يومنا هذا - بهذا لواجب العظيم وعند الله في ذاك الجزاء. وبعد هذه المقدمة الموجزة وقبل الولوج بك في م طالب هذا الحق من حقوقه صلى الله عليه وسلم أقول لك اعلم أن كل طاعة تقوم بها وكل فرض أو سنة ت دعو الناس إليها فهو جزء من نصرة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهذا الدين العظيم. والآن إليك المطالب التي يناقشها هذا المبحث :

عدد الصفحات ١١٦

117 اطلب الأولُ ُ الأدلة على وجوب نصرته صلى الله عليه وسلم ونصرة شريعته ُ الأدلة على ذلك لكن أكتفي ببعضها حسب ما يقتضيه البحث :ُ الدليل الأول: قوله تعالى: (إ لا ُ ت نص ر وه ُ ف ق د ُ ن ص ر ه ُ الل ه ُ إ ذ ُ أ خ ر ج ه ُ ال ذ ين ُ ك ف ر وا ث ان ي ُ اث ن ي ن ُ إ ذ ُ ه م ا ف ي ال غ ار ُ إ ذ ُ ي ق ول ُ ل ص اح ب ه ُ لا ُ ت ح ز ن ُ إ ن ُ الل ه ُ م ع ن ا ف أ نز ل ُ الل ه ُ س ك ين ت ه ُ ع ل ي ه ُ و أ ي د ه ُ ب ج ن ود ُ ل م ُ ت ر و ه ا و ج ع ل ُ ك ل م ة ُ ال ذ ين ُ ك ف ر وا السُّف ل ى ُ و ك ل م ة ُ الل ه ُ ه ي ُ ال ع ل ي ا و الل ه ُ ع ز يز ُ ح ك يم ُ (40)(التوبة: من الآية40 ). قال الخطيب الشريني إ لا ت ن ص ر وه ُ ) أي محمداً صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون (ف ق د ن ُ ص ر ه الل ه ُ ): فإنه المتكفل بنصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في إعزاز دينه وإعلاء كلمته، أعنتموه أو لم تعينوه فإنه قد نصره الله عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء، فيكف به اليوم وهو في كثرة من الع د د والع د د. اهـ. وقد كنت كتبت بحثاً حول آيات الهجرة النبوية المباركة فوجدت كلاماً حول فوائد هذه الآية التي نحن بصددها أنقل لك بعضها: الفائدة الأولى: نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعل العنكبوت بنسج بيته في فم الغار، وأن باضت الحمامتان الوحشيتان عنده، وفي رواية جاءت شجرة فوقفت على فم الغار. الفائدة الثانية: نصره الله تعالى بأن صرف أبصار الكفار عنه إذ وصل بهم القاصّ - الذي كان يقتفي أثره صلى الله عليه وسلم - وقال: إلى هنا انتهى الأثر، فرجعوا دون

عدد الصفحات ١١٧

118 أن يدخلوا الغار وقالوا: لو كان هاهنا إنسان لما باض الحمام ولا نسج العنكبوت مع ملاحظة أن فيهم من جاء في إثره طمعاً في جائزة قريش. الفائدة الثالثة: أيده بالسكينة ورباطة الجأش ووثوقه بنصرة الله تعالى له إذ لم يخف ولم يجزع بل قال للصديق رض ي الله عنه (لا ُ ت ح ز ن ُ إ ن ُ الل ه ُ م ع ن ا ) . الفائدة الرابعة: أيده الله بإنزال الملائكة لحراسته ( و أ ي د ه ُ ب ج ن ود ُ ل م ُ ت ر و ه ا ) ، قال بعض المفسرين: "لو أراد الكفار به أذى لأهلكتهم الملائكة " الفائدة الخامسة: أيده الله تعالى بأن رد عنه سراقة بن مالك في قصته مع فرسه إذ ساخت قوائم الفرس ثلاث مرات، فعلم سراقة أنه صلى الله عليه وسلم منصور وأن أمره سيظهر، فرجع إلى قومه مدفعاً عنه، كما لاقى أحداً يطلب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقال له (لقد كفيتم هذه الجبهة) وقد قال سراقة في شأن فرسه أبياتاً يرد فيها على أبي جهل لعنه الله إذ يعاتبه في نصره للنبي صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: مخاطباً قبيلة سراقة: بني مدلج إني أخاف سفيهكم ُ سراقة مستفو لنصر محمد ُ عليكم به ألا يفرق شملكم فيصبح شتى بعد عز وسؤددُ فرد عليه سراقة بن مالك بقوله: أبا حكم والله لو كنت شاهدا ُ لأمر جوادي إذ نسوخ قوائمه ُ علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان من ذا يقاومهُ عليك بكف القول عنه فإنني أرى أمره يوما ستبدو معالمهُ

عدد الصفحات ١١٨

119 بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرأ يسالمه ُ وفي الآية معنى في غاية الأهمية ألا وهو: إن كل مؤمن في حاجة ماسة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، وليس الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى نصرة أحد لأن الله قال ( ف ق د ُ ن ص ر ه ُ الل ه ُ ) فكأن الله جل وعلا يوبخ المسلمين على تركهم نصرة حبيبهم صلى الله عليه وسلم مع حاجتهم هم إلى ذلك فقال لهم قبل ذلك: (إ لا ت ن ف ر وا ي ع ذ ب ك م ع ذ ابا أ ل يما و ُ ي س ت ب د ل ق و ما غ ي ر ك م و لا ت ض رُّوه ش ي ئا و الل ه ع ل ى ك ل ش ي ء ق د ير ) (التوبة:39). إذن علي كل مسلم يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بنصرته كل على قدر استطاعته وبما أعطي من مؤهلات، وسأذكر بعد قليل إن شاء الله تعالى بعض الوسائل التي بها تتم تلك النصرة. الدليل الثاني: قوله تعالى: ( ق د ُ أ ر س ل ن ا ر س ل ن ا ب ال ب ي ن ات و أ ن ز ل ن ا م ع ه م ال ك ت اب و الم يز ان ل ي ق وم الن اس ب ال ق س ط و أ ن ز ل ن ا ال ح د يد ف يه ب أ س ش د يد و م ن اف ع ل لن اس و ل ي ع ل م ُ الل ه م ن ي ن ص ر ه و ر س ل ه ب ال غ ي ب إ ن الل ه ق و يٌّ ع ز يز ) (الحديد:25). سأكتفيبذكر أقوال الم فسر ين في موضع الشاهد من الآية وهو قوله تعالى : (و ل ي ع ل م الل ه م ن ي ن ص ر ه و ر س ل ه ب ال غ ي ب ُ ) : قال السعدي رحمه الله : " (و ل ي ع ل م الل ه م ن ي ن ص ر ه و ر س ل ه ب ال غ ي ب ُ )أي ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره، وينصر رسله في حالة الغيب التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضرورياً واضط رارياً " اهـ.

عدد الصفحات ١١٩

120 وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله: (و ل ي ع ل م ُ الل ه ُ م ن ُ ي ن ص ر ه ُ و ر س ل ه ُ ب ال غ ي ب ُ ) أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره أي من ينصر القائمين بدينه، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده - أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم - ونصر ولاة الأمر القائمين بالحق، وأعظم رجل نصر دين الله بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رض ى الله عنه في قتاله أهل الردة . وأفاد قوله تعالى (الغيب) أي ينصره نصراً يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية أحد يدعوه إليه أو رقيب يرقب صنيعه، والمعنى أنه يجاهد في سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإخلاص" اهـ. قلت: فع لم مما تقدم أن نصرة دين الله المتمثل في شريعته التي أوحاها إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم من أعظم الوا جبات التي يجب على كل مسلم أن يقوم بها وخصوصاً في هذا العصر الذي كثرت فيه البلايا والفتن. الدليل الثالث قول تعالى: (ل ل ف ق ر اء الم ه اج ر ين ال ذ ين أ خ ر ج وا م ن د ي ار ه م و أ م و ال ه م ي ب ت غ ون ف ض لا م ن الل ه و ر ض و انا و ي ن ص ر ُ ون الل ه و ر س ول ه أ ول ئ ك ه م الص اد ق ون ) (الحشر:8). قال القرطبي رحمه الله: " والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حباً فيه ونصرة له، قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهل والأوطان حبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، حتى إن الرجل منهم كان يربط الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها" اهـ. أي ليس له غطاء يحميه من البرد سوى هذه الحفيرة التي حفرها.

عدد الصفحات ١٢٠

121 اطلب الثاني ُ صور من نصرة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلمُ إن جهاد الصحابة في السرايا وخروجهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في سائر الغزوات التي غزاها من أمثال بدر واحد والخندق وبني قريظة وبني النضير وغيرها كل ذلك يدل على نصرتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ودفاعهم عن دينه وشريعته، ثم استمرارهم في الجهاد والدعوة إلى أن فتح الله بهم البلاد وحطم بهم الأوثان التي كانت تعبد من دونه تعالى، كل ذلك نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من صحابي إلا وكان يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله وأهله، وما منهم من احد إلا وقد بذل بسخاء وضحّى تضحية عظيمة لنصر ة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وما سأذكره هنا غيض من فيض وقليل من كثير، والقصد من ذكرها رفع الهمة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة كلها خير ففي آخرها من أهل الجهاد والصبر والتضحية قريباً مما كان في أولها، والله وحده هو الموفق، والآن إليك صوراً م ن نصرة الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وسلم . في يوم أحد كان طلحة بن عبيد الله رض ى الله عنه يحمي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له (بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم في صيبوك، إن نحري دون نحرك وصدري دون صدرك وج علت فداك ) وعن قيس بن أبي حازم قال "رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد" 31. 31 / وقد سبقت القصة بتمامها في مبحث صور من محبة السلف للنبي صلى الله عليه وسلم

عدد الصفحات ١٢١

122 وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد "اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني الصحابة - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم نحو القتال، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أ حد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال انس بن مالك: " فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد ق ت ل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه" أخرجه البخاري. وكل مسلم يعلم موقف أبي بكر الصديق رض ي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، إذ دخل الغار قبله خشية أن يكون فيه ما يؤذي وكان يمش ي عن يمينه تارة وعن شماله تارة ومن أمامه تارة ومن خلفه أخرى كل ذلك لأنه يخش ى أن يدركهم أحد من المشركين، لقد سجل الله تعالى لأبي بكر نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار فقال: (إ لا ُ ت نص ر وه ُ ف ق د ُ ن ص ر ه ُ الل ه ُ إ ذ ُ أ خ ر ج ه ُ ال ذ ين ُ ك ف ر وا ث ان ي ُ اث ن ي ن ُ إ ذ ُ ه م ا ف ي ال غ ار ُ ) وقد تقدمت هذه الآية قبل قليل. وعند ما ق تل سعد بن الربيع رض ي الله عنه في أحد جاءه أحد الصحابة وهو في الرمق الأخير فكانت آخر كلمة قالها له سعد "أخبر الأنصار أنه لا غدر لكم عند الله إن خ لِص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و فيكم عين تطرف" أقول: هل سمع التاريخ بمثل هذا الحب وهذه النصرة ... وهو في آخر رمق لا هم له سوى أن يكون هناك من يواصل الانتصار للحبيب صلى الله عليه وسلم . ومن الموافق التي ت سج ل بماء الذهب: موقف شابين من شباب الأنصار يوم بدر :ُ وهما معاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء،يقول عبد الرحمن بن عوف رض ى الله عنه : بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين

عدد الصفحات ١٢٢

123 من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما - أي أقوى على القتال منهما - فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فقال:(أ خبِرت أن ه كان يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي نفس ي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)، قال عبد الرحمن بن عوف، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها. فلم أنشب - ألبث - أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني عنه، فابتدراه بسيفيهم فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال أيكما قتله؟ "فقال كل واحد منهما أنا قتلته" فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فتفر س السيفين فقال: (كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ) أخرجه ا لبخاري. وختاما ق ال ُ ح س ان ُ رض ي الله عنه معبرا عن حاله وحال الصحابة أجمعين :ُ ه ج و ت ُ م ح م د ا ف أ ج ب ت ُ ع ن ه ُ و ع ن د ُ الل ه ُ ف ي ذ اك ُ ال ج ز اء ُ ُ ه ج و ت ُ م ح م د ا ب رًّا ح ن يف ا ر س ول ُ الل ه ُ ش يم ت ه ُ ال و ف اء ُ ُ ف إ ن ُ أ ب ي و و ال د ه ُ و ع ر ض ي ل ع ر ض ُ م ح م د ُ م ن ك م ُ و ق اء ُ ُ أتهجوه ولست له بند فشر كما لخيركما الفداء ُُ لساني صارم لا عيب فيه وبحريُ لا تكدره الدلاء ُُ ُ ُ

عدد الصفحات ١٢٣

124 المطلب الثالث ُ صورُ من نصرة الكائنات للنبي صلى الله عليه وسلم ُ وُهي عديدة وكثيرة ، أذكر منها على سبيل المثال :ُ 1- ما أخرجه الشيخان م ن حديث أنس رض ي الل ه عنه : ك ان ُ ر ج ل ُ ن ص ر ان ي ا ُ ف أ س ل م ُ ، و ق ر أ الب ق ر ة و آل عِمْر ان ، ف ك ان ي كْت ب لِلنَّبِيِّ ص لَّى اللَّه ع ل يْهِ و س لَّم ، ف ع اد ن صْر انِيّاً ، ف ك ان ي ق ول :" م ا ي دْرِي م ح مَّدٌ إِلاَّ م ا ك ت بْت ل ه " ، ف أ م ات ه اللَّه ف د ف ن وه ، ف أ صْب ح و ق دْ ل ف ظ تْه الأ رْض ، ف ق ال وا :" ه ذ ا فِعْل م ح مَّد و أ صْح ابِهِ لم َّا ه ر ب مِنْه مْ ؛ ن ب ش وا ع نْ ص احِبِن ا ف أ لْق وْه " ، ف ح ف ر وا ل ه ف أ عْم ق وا ، ف أ صْب ح و ق دْ ل ف ظ تْه الأ رْض ، ف ق ال وا :" ه ذ ا فِعْل م ح مَّد و أ صْح ابِهِ ؛ ن ب ش وا ع نْ ص احِبِن ا لم َّا ه ر ب مِنْه مْ ف أ لْق وْه "، ف ح ف ر وا ل ه و أ عْم ق وا ل ه فِي الأ رْضِ م ا اسْت ط اع وا ، ف أ صْب ح و ق دْ ل ف ظ تْه الأ رْض ، ف ع لِم وا أ نَّه ل يْس مِن النَّاسِ ، ف أ لْق وْه . 2- ما ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الل ه - في " الدررُ الكامنة " أن بعض أمراء المغل [المغول ]تنصَّر ، فحضر عنده جماعة من كبار النَّص ار ى والمغل ، فجعل واحد مِنْه م ينتقص النَّبِي صلى اللَّه عليه وسلم ، و ه ن اك كلب صيد مربوط ، ف ل مَّا أ كثر مِن ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه ، وقال بعض م ن حضر :" هذا بكلامك فِي م ح مَّد صلى اللَّه عليه وسلم " فقال :" كلا ؛ بل هذا الكلب عزيز النفس ، وأنا أشير بيدي فظن أ ني أريد أ ن أضربه " ، ثم عاد إلى ما كان فيه فأطال ، فوثب الكلب مرّةً أخرى فق ب ض على زردمته فقلعها فمات مِن حينه ، فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين ألفاً مِن المغل .

عدد الصفحات ١٢٤

125 3- ما ذكره القاض ي عياض - رحمه الل ه - في " الشفا " مِن قصة عجيبة لساخر بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم : وذلك أنّ فقهاء القيروان وأصحاب سحنون أفتوا بقتل إبراهيم الفزاري ، وكان شاعراً متفنِّناً في كثير من العلوم ، وكان ممن يحضر مجلس القاض ي أبي العباس بن طالب لِلمناظرة ، ف ر فِع تْ عليه أمور منكرة مِن هذا الباب في الاستهزاء باللَّه وأنبيائه ونبيّنا صلى اللَّه عليه وسلم ، فأحضر له القاض ي يحيى بن عمر وغيره مِن الفقهاء وأمر بقتله وصلبه ، فط عِن بالسِّكِّين وص لِب منكَّساً ثم أ نْزِل وأ حْرِق بالنار، وحكى بعض المؤرخين أنه لم ّا ر فِع تْ خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وحوَّله عن القِبلة ، فكان آيةً لِلجميع وكبَّر الناس ، وجاء كلب فولغ في دمه . ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ

عدد الصفحات ١٢٥

126 اطلب الرابع ُ كيف ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمانُ إن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم والقيام بنصرته يمكننا أن نقول يتلخص في عدة وسائل: أولا: القيام بجميع ما سبق ذكره من علامات المحبة ووجوب الطاعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتلخص ذلك في فعل الواجبات وترك المحرمات الكبائر والصغائر، والمسارعة إلى التوبة عند الوقوع في ش يء من الذنوب والمعاص ي. ثانيا: المحاولة الجادة لتطبيق الخ ل ق الكريم: ُ الذي كان يتخلق به الحبيب صلى الله عليه وسلم وذلك مطلوب من كل مسلم سواء كان في أرض الإسلام أو يعيش بين ظهراني الكفار، لأن حسن المعاملة مع الكفار هو الذي يجب الاهتمام به في هذا الزمان: الوفاء بالوعد؛ والدقة في المواعيد والبعد عن الكذب والمراوغة في ا لكلام والتعامل، إذ هذا لا يليق بالإنسان لكونه إنساناً فضلاً عن المسلم. ويدخل في هذا الباب إحسان العمل وإتقانه: قدر الاستطاعة إذ أن الحبيب صلى الله عليه وسلم حثنا على إحسان العمل وإكماله حتى في حالة ذبح البهيمة لئلا تتعذب قبل الموت، فإذا كان الإحسان مطلوب في الموت الذي هو إنهاء الحياة فيكف لا يتطلب في الحياة لأجل الإحياء (و أ ح س ن وا إ ن ُ الل ه ُ ي ح بُُّ الم ح س ن ين ) سورة البقرة (195) .

عدد الصفحات ١٢٦

127 ثالثاالإقبال على دراسة السيرة النبوية وفقهها: ونشر ذلك في المساجد والبيوت وعيرها من الأماكن، إذ في ذلك إحياء للقلوب ونصرة لحبيبها صلى الله عليه وسلم ، ولا يكفي نشر سيرته بين المسلمين بلغاتهم فقط بل لا بد من ترجمة السيرة لأهل الأرض قاطبة بجميع اللغات التي يتكلمون بها، لكي يقفوا على حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ من المعلوم أن الكفرة لديهم صورة قاتمة في أذهانهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد من تغيير هذه الصورة وهذا يحتاج إلى تضافر الجهود ويحتاج إلى تضحية بالمال والوقت وخصوصاً ممن يعيشون في أوربا وأمريكا واستراليا وغيرها. ثم إن هذا النشر للسيرة ليس شرطا أن يكون عبر الكتب والمجلات فحسب: بل لا بد من نشره على مواقع "الانترنت" بشتى اللغات ويشترك فيمن يكتبون السيرة أن يكونوا فاهمين لها عالمين بها حتى لا تقع أخطاء فتضيع الجهود سدى لمجرد خطأ غير مقصود من إنسان صالح النية ولكنه فاسد التصرف. رابعا: من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه: الرد على الشبهات التي تظهر بين الحين والآخر، ومن تلك الشبهات: ما يقوله بعض الحاقدين على الإسلام: أن الإسلام انتشر بالسيف وأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مزواجاً وحاشاه، ومن ذلك طعنهم في تعدد الزوجات وميراث المرأ ة وشهادتها أمام القضاء وغيرها، ولا يكفي ما كتب سابقا في الرد على هذه الشبهات بل لا بد من كتابة جديدة وبأسلوب جديد، لأن العصر قد تغير والمفاهيم قد تبدلت، فما كان يقنع القارئ قبل خمسين سنة فقد لا يقتنع به القارئ في هذه السنوات إذ كل كاتب يخاطب أهل عصره.

عدد الصفحات ١٢٧

128 خامسا : من نصرته صلى الله عليه وسلم ن يقوي المسلمون أنفسهم اقتصاديا وعسكريا :ُ وقبل هذا وذاك تقوية الإيمان وإقامة شرع الرحمن حتى نصبح أمة مهابة لا يجرؤ أحد على النيل من نبيها صلى الله عليه وسلم ولا من أي ش يء من مقدساتها، ولعلنا للوصول إلى هذه الوسيلة من وسائل نصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم نحتاج إلى جهود كبيرة وأوقات طويلة بل قد تفني أجيال وأجيال حتى نصل إلى هذا الهدف الذي هو من أسمى أهداف الأمة الإسلامية. سادسا: ولو سائل الإعلام دور كبير في نصرة البشير النذير المصطفى صلى الله عليه وسلم : أن على يقين أن وسائل ا لإعلام المختلفة في غاياتها والم نتشرة في العالم الإسلامي لها دور كبير بل يقع على عاتقها واجب ألا وهو :تبصير الناس بعلو قدر النبي صلى الله عليه وسلم وبتعريفهم بسيرته وأخلاقه وشمائله وخصائصه ومعجزاته ومواقفه وُنشر أحاديثه التي ترشد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم وديناهم وأخراهم . ما لو قامت به لسهلت وتيسرت غالب ية الوسائل السابقة في نصرت الحبيب صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن وسائل الإعلام لها تأثير كبير في توجيه الناس وصياغة أفكارهم إما إلى الخير وإما إلى الشر، فلو أحسن القائمون عليها عرض كل ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مما أشرت إليه لكان حال المسلمين غير ما ترى . وأنا على قناعة بأن وسائل الإعلام إذا اتجهت لإظهار تاريخ الأمة وخاصة فيما يتعلق بالسيرة النبوية العطرة وسير أصحابه والتابعين لهم بإحسان فإن آمال وتطلعات

عدد الصفحات ١٢٨