المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر الكلام في حقوق النبي عليه الصلاة والسلام

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٦ من ١٠

81 ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتأدب معه باللسان : تعداد فضائله وخصائصه ودلائل نبوته ومعجزاته، وكل ما من شأنه أن يزيد من قوة الإيمان به والغيرة عليه صلى الله عليه وسلم والحرص على دينه وشريعته. ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتأدب معه باللسان أيضا أن يتعلم المؤمن سنته وسيرته وأخلاقه وشمائله وأن يعلم الناس ذلك وينشره في المجالس، وللأسف الشديد ثمة تقصير شديد في هذا الجانب أعني ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم في المجالس وما ذلك إلا نتيجة للجهل بأحاديثه وسيرته وغزو اته وأخلاقه وشمائله، ولذلك أهيب بالشباب أن يحرصوا على قراءة سيرة حبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم حتى يكثروا من ذكره في المجالس إذ لا يعقل أن يجهل الشاب المسلم بأبسط ما يتعلق بسيرته عليه الصلاة والسلام كأن يسأل عن اسم أم النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعرف؟ أوُ يسأل عن تاريخ ولادته أو تاريخ وفاة أبيه أو أمه أو عمه أو ما شابه ذلك فيكون جاهلا بها أو يسأل عن زوجاته وبناته وأولاده فلا يعرف عنهم شيئا ، أو ي سأل عن أعظم أصحابه والمدافعين عنه كالعشرة المبشرين بالجنة فلا يعرف عنهم شيئاً، أخي الشاب أليس من العيب في حقك أن تتعرف على مشاهير لا عبي الكرة أو أهل الفن ولا تعرف شيئاً من سيرة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم أيهما أولى بالاهتمام يا ترى؟ " والأدب اللساني له أهميته لأن اللسان هو دليل القلب وهو الوسيلة الرئيسية التي تساعد الإنسان على الاتصال بالآخرين وبواسطته تتضح معالم شخصية صاحبه، وبه تقوم الدعوة ويتم البلاغ "23. 23 / المرجع السابق

عدد الصفحات ٨١

82 ُ ُ الحق الرابع ُ طاعته صلى الله عليه وسلم وُ اتباع سنتهُ مدخلُ المطلب الأولُ : الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الثاني : فضل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفضل المتمسكين بسنته وهديه .ُ المطلب الثالث : بيان تقصير الأمة اليوم في طاعة رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته .ُ ُ ُ ُ ُ ُ

عدد الصفحات ٨٢

83 مدخلُ إن ما سبق ذكره من حق الإيمان به صلى الله عليه وسلم وحق حبه وتعظيمه ي فض ي حتماً إلى طاعته صلى الله عليه وسلم والأخذ بسنته طواعية دون تكلُّ ف أو حصول مشقة بل ستأتي طاعتك له أيها المحب مليئة بالشوق والحب، بل ستأتي بطاعة يصحبها الفخر والاعتزاز ، لأنك تطيع من آمنت به وأحببته ووقَّ رته وعظَّ مته ظاهراً وباطناً. لقد قال بعض المحبين شعراً يصف به حاله في حبه لمحبوبه وقد صدق في وصف تلك الحال فقال : قالت وقد سألت عن حال عاشقها ُ بالله ص ف ه ولا تنقص ولا تزد ُ ُ فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ وقلت قف عن وردود الماء لم يرد ُ ُ وقال آخر: شرط المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا عصيانُ فإذا ادعيت له المحبة مع خلافك ما يحب فأنت ذوُ بهتانُ ولعله من المشاهد والواقع أن المحب دائماً يسعى في إرضاء محبوبه وإلا اتُّ هم في صدق محبته له، وهذا ما رمى إليه أصحاب الشعر أعلاه، وقد جاء تصديق ذلك في كتاب الله حيث قال تعالى: (ق ل إ ن ك ن ت م ت ح بُّون الل ه ف ات ب ع ون ي ي ح ب ب ك م الل ه و ُ ي غ ف ر ل ك م ذ ن وب ك م و الل ه غ ف ور ر ح يم ) (آل عمران: 31 )

عدد الصفحات ٨٣

84 قال أهل التفسير في معنى الآية : (فمن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم دل ذلك على صدق دعواه في محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، رحمه وسدّده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فليس محباً لله تعالى) اهـ. وهكذا من أحب النبي صلى الله عليه وسلم أطاعه ولا ب د وإلا كانت مجرد دعوى لا دليل عليها، وانطلاقاً من هذا الحب كتبت ثلاثة مطالب هامة لكشف اللثام عنه هذا الحق من حقوقه صلى الله عليه وسلم. ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ

عدد الصفحات ٨٤

85 اطلب الأولُُ الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلمُ أولا : الآيات الدالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم :ُ قال الإمام أحمد رحمه الله: " نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعاً " قلت ونظرت نظرت في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن فوجدت اقتران اسمه صلى الله عليه وسلم باسم الله تعالى في سبعة وثمانين موضعا . وسأكتفي هنا بذكر آيتين فقط مع ذكر أقوال المفسرين: الآية الأولى: قوله تعالى: (ي ا أ يُّه ا ال ذ ين آم ن وا أ ط يع وا الل ه و أ ط يع وا الر س ول و أ ول ي الأ م ر م ن ك م ف إ ن ت ن از ع ت م ف ي ش ي ء ف ر دُّوه إ ل ى الل ه و الر س ول إ ن ك ن ت م ت ؤ م ن ون ب الل ه و ال ي و م الآ خ ر ذ ل ك خ ي ر و أ ح س ن ت أ و يلا ) (النساء:59 ) قال القرطبي رحمه الله : " أمر جل وعلا بطاعته أولاً وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثانياً فيما أمر به ونهى عنه ثم بطاعة الأمراء ثالثاً على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم - يقصد أن المراد (بأولي الأمر) في الآية - هم الأمراء " وفي الآية أق وال أخرى ليس هذا مجال ذكرها. قوله تعالى: (ف إ ن ت ن از ع ت م ُ ) أي تجادلتم واختلفتم فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها، وقوله (ف ي ش ي ء ُ ) أي من أمر دينكم. ( ف ر دُّوه إ ل ى الل ه و الر س ول ُ ) أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالسؤال في حياته، أو

عدد الصفحات ٨٥

86 بالنظر في سنته بعد وفاته، هذا قول مجاهد والأعمش في حياته وهو الصحيح، ومن لم ير هذا اختل إيمانه لقوله تعالى ( إ ن ك ن ت م ت ؤ م ن ون ب الل ه و ال ي و م الآ خ ر ُ ). وفي قوله تعالى ( و الر س ول ُ ) دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم ي عمل بها، وي متثل ما فيها، قال صلى الله عليه وسلم (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) أخرجه مسلم. وروي أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ُ أ ل ف ي ن ُ أ ح د ك م ُ م ت ك ئ ا ع ل ى أ ر يك ت ه ُ ، ي أ ت يه ُ الأ م ر ُ م ن ُ أ م ر يُ م م ا أ م ر ت ُ ب ه ُ أ و ُ ن ه ي ت ُ ع ن ه ُ ، ف ي ق ول ُ لا ُ أ د ر يُ ، م ا و ج د ن ا ف ي ك ت اب ُ الل ه ُ ات ب ع ن اه ُ ) 24"اهـ وقال ابن القيم رحمه الله: (أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به كما يقال: يا من أنعم الله عليه، وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن الله إليك، ويا أيها العالم علم الناس ما ينف عهم وما شاكله). وفي إعادة ( أ ط يع وا ) مع الرسول صلى الله عليه وسلم دون أولي الأمر سر لطيف وهو: دلالته على أن ما يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه وإن لم يكن مأموراً به بعينه في القرآن، فتجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مفردة ومقرونة بالقرآ ن، فلا يتوهم متوهم أن ما يأمر به صلى الله عليه وسلم إن لم يكن في القرآن فلا تجب طاعته فيه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :(أ لا ُ 24 / رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبيهقي في ( دلائل النبوة ).

عدد الصفحات ٨٦

87 إ ن ي أ وت يت ُ ال ق ر آن ُ و م ث ل ه ُ م ع ه ،أ لا ُ ي وش ك ُ ر ج ل ُ ش ب ع ان ُ ع ل ى أ ر يك ت ه ُ ي ق ول ُ : ع ل ي ك م ُ ب ه ذ ا ال ق ر آن ُ ، ف م ا و ج د ت م ُ ف يه ُ م ن ُ ح لا ل ُ ف أ ح لُّوه ، و م ا و ج د ت م ُ ف يه ُ م ن ُ ح ر ام ُ ف ح ر م وه ُ ، و إ ن ُ م ا ح ر م ُ ر س ول ُ الل ه ُ - ص ل ى الل ه ُ ع ل ي ه ُ و س ل م ُ - ك م ا ح ر م ُ الل ه ُ ُ؛ُأ لا ُ لا ُ ي ح لُُّ ل ك م ُ ال ح م ار ُ الأ ه ل يُّ، و لا ُ ك لُُّ ذ ي ن اب ُ م ن ُ الس ب اع ُ و لا ُ ل ق ط ة ُ م ع اه د ُ إ لا ُ أ ن ُ ي س ت غ ن ي ُ ع ن ه ا ص اح ب ه ا، و م ن ُ ن ز ل ُ ب ق و م ، ف ع ل ي ه م ُ أ ن ُ ي ق ر وه ، ف إ ن ُ ل م ُ ي ق ر وه ُ ف ل ه ُ أ ن ُ ي ع ق ب ه م ُ ب م ث ل ُ ق ر اه ُ) رواه أبو داود ، وروى الدارمي نحوه. الثانية: قوله تعالى: (و م ا أ ر س ل ن ا م ن ر س ول إ ُ لا ل ي ط اع ب إ ذ ن الل ه ُ )النساء: من الآية64.) ُ قال ابن القيم رحمه الله في تفسيرها : أي فرضت طاعته على من أ رسِل إليهم، وقوله ( إ لا ل ي ط اع ب إ ذ ن الل ه ُ ) يعني لا يطيعني إلا من وفقته لذلك اهـ. وقال السعدي رحمه الله: (يخبر تعالى خبراً في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد له وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد إليهم المرسل إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يك ونوا معظمين تعظيم المطيع للمطاع). وقوله : (ب إ ذ ن الل ه ُ ) أي الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره، ففيه إثبات القضاء والقدر والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن للإنسان - إن لم يعنه الله - أن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم"اهـ. قلت: في هاتين الآيتين كفاية في إثبات وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤون حياة الإنسان، ولا كمال للإيمان ولا ثبات له إلا بالمواظبة على تلك الطاعة لسيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ٨٧

88 ثانيا : الأحاديث الدالة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم:ُ - لقد مض ى في ثنايا تفسير الآية الأولى من أدلة وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث التي تدل على وجوب طاعته وسأذكر هنا عدداً آخر من الأحاديث وذلك لترسيخ هذا المعنى وإحيائه في قلوب المؤمنين المحبي ن الصادقين في حبهم لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عس ى أن يكون ذلك محركا لهم لنصرته، وطاعته : - عن أبي هريرة رض ي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري. - وعن أبي موس ى الأشعري رض ي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإنما أنا النذير العريان، فالنجاء - أي اطلبوا النجاة لأنفسكم - فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا ع لى مهلهم فن ج وا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق ) رواه البخاري. قلت : إن المتأمل في هذا الحديث يجد أنه لا نجاة لإنسان من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا بطاعته واتباعه عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن كل إنسان يخاف من القتل وهتك العرض وهذا هين بالنسبة لضياع الدين والخسران المبين في الآخرة، والمخبر عن هذا الجيش الغازي – في المثل المذكور في الحديث - صادق لأن المقصود

عدد الصفحات ٨٨

89 هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ لا بد من تصديقه واتباعه وإلا فالهلاك المدمر لكل ش يء في الدنيا والآخرة ، والله أعلم. وعن العرباض بن سارية رض ي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا) فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرا اختلافا كثيرا - أي بين عهده وما ظهر بعده صلى الله عليه وسلم - فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أحمد والتر مذي وقال حديث حسن صحيح.

عدد الصفحات ٨٩

90 اطلب الثانيُ فضل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفضل المتمسكين بسنته وهديهُ لقد ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الش يء الكثير - سوى ما تقدم - مما يحث على الاستمساك بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والفضائل العظيمة والأجور الكريمة لمن هم كذلك، وإليك الآن بعض ما ورد في ذلك: 1/طاعته صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله عز وجل ُ إن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله، ولا فرق بين طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (م ن ي ط ع الر ُ س ول ف ق د أ ط اع الل ه و م ن ت و ل ى ف م ا أ ر س ل ن اك ع ل ي ه م ح ف يظا ) (النساء:80 ) قال السعدي في تفسيرها أي أن كل من أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوامره ونواهيه ( ف ق د أ ط اع الل ه ُ ) تعالى، لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا دليل على عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقاً فمن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله وله من الثواب والخير ما ترتب على طاعة الله . قلت: وما من شك أن الله تعالى ما جعل طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم هي عين طاعته إلا لينبِّ ه أهل الإيمان إلى منزلة تلك الطاعة وعظيم خطرها في حياة المسلم ، والله أعلم.

عدد الصفحات ٩٠

91 2 /طاعته صلى الله عليه وسلم ترفع العبد إلى معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين :ُ يقول تعالى: (و م ن ي ط ع الل ه و الر س ول ف أ ول ئ ك م ع ال ذ ين أ ن ع م الل ه ع ل ي ه م م ن الن ب ي ين و الص د يق ين و الشُّه د اء و الص ال ح ين و ح س ن أ ول ئ ك ر ف يقا ) (النساء:69). لقد ذكر أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية وقد مض ى ذكره عند الكلا م على محبته صلى الله عليه وسلم ، والمهم هنا بيان المقصود من هذه المحبة في قوله (ف أ ول ئ ك م ع ال ذ ين أ ن ع م الل ه ع ل ي ه م ُ ). قال القرطبي رحمه الله : أي معهم في دار واحدة ونعيم واحد يتمتعون برؤيتهم - يعني رؤية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين - لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون لأنهم كانوا يقتدون بهم في الدنيا ويتبعونهم" اهـ. بتصرف وقال ابن كثير رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في تفسير هذه الآية - "إن الأعلين ينحدورن إلى من هم أسفل منهم فيجتمعون في رياض فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به في روضة يحبرون ويتنعمون فيه". 25. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن أهل الجنة ليتراءونُ أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءونُ الكوكب الدريُ الغابر من الأفق من المشرقُ أو المغرب لتفاضل ما بينهم " . قالوا : يا رسولُ الله ، تلك منازلُ 25 / عزاه إلى ابن جرير وابن مردويه ، ولم يضعفه .

عدد الصفحات ٩١

92 الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : " بلى ، والذي نفس ي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك ولفظه لمسلم . فيا لله أما تشتهي أيها المحب أن يزورك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة فتحادثه ويحادثك، لا شك أننا جميعا نحب ذلك ونتمناه إذن فعلينا بطاعة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم . ُ 3- اتباعه صلى الله عليه وسلم سبب في الوصول إلى محبة الله جل وعلا: ُ لقد أخبرنا الله جل وعلا أن من أسباب محبته والوصول إلى رضاه أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم فقال جل وعلا بعبارة واضحة (ق ل ُ إ ن ك نت م ُ ت ح بُّون ُ الل ه ُ ف ات ب ع ون ي ي ح ب ب ك م ُ الل ه ُ و ي غ ف ر ُ ل ك م ُ ذ ن وب ك م ُ و الل ه ُ غ ف ور ُ ر ح يم ) آل عمران (31)، فالآية توضح أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله سيحبه ويغفر له ذنبه، وقد سبق ذكر هذه الآية في مقدمة هذا المبحث وفي الكلام على المحبة أيضاً . 4- حصول الهداية والحفظ من الزيغ والضلال في إتباعه صلى الله عليه وسلم:ُ قال تعالى (ق ل أ ط يع وا الل ه و أ ط يع وا الر س ول ف إ ن ت و ل و ا ف إ ن م ا ع ل ي ه م ا ح م ل و ع ل ي ك م م ا ح م ل ت م و إ ن ت ط يع وه ت ه ت د وا و م ا ع ل ى الر س ول إ لا ال ب لاغ الم ب ين ) (النور:54 ) قال القاسمي رحمه الله : ( و إ ن ت ط يع وه ت ه ت د وا ) أي لأنه يدعوكم إلى الصراط المستقيم، فإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، وإن لم تفعلوا وتوليتم وأعرضتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

عدد الصفحات ٩٢

93 ولما تضمن قوله تعالى تهتدوا) إشارة إلى وعد كريم ومستقب ل فخيم استأنف التصريح به تقريراً له بقوله سبحانه ( وع د الل ه ال ذ ين آم ن وا م ن ك م و ع م ل وا الص ال ح ات ) النور (55.) إذن أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أردت الهداية الكاملة والحفظ من الزيغ والضلال فلا بد من إتباعه صلى الله عليه وسلم والقيام بطاعته متمسكا بهديه، وهذا يؤدي بك إلى اطمئنان في قلبك وراحة في ضميرك ونفسك، إذ لا عيش أهنأ من عيش المحبين المتمسكين بط اعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ُ لقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن الله تعالى أوحى إلى أحد أنبيائه عليهم السلام شيئا عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيها :أبعثه بشيرا ونذيرا لا يقول الخنا، افتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، وأسدده بكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، واجعل السكنية لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل شيمته، و الهدى إمامه والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرف ع به من الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، و أكثر به من القلة، وأغني به من العيلة، أي الفقر؛ وأجمع به بعد الفرقة، وأولف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، واستنقذ به فئاما من الناس عظيما من الهلكة، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما جاءت به الرسل) رواه ابن أبي حاتم.

عدد الصفحات ٩٣

94 قلت: ولا يخلوا هذا الكلام من وجود أدلة عليه إما من الكتاب أو من السنة أو من السيرة النبوية، والقصد من إيراده أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو مصدر الهدى والنور وبطاعته تنشرح الصدور. 5- الطاعة له أمان من عذاب القبر وفوز عظيم في الآخرة : ُ أيها المحب المخلص لنبيك صلى الله عليه وسلم إليك هذه البشارة العظيمة ألا وهي أنك ستنجوا إن شاء الله تعالى من عذاب القبر إذا كنت من المطيعين له يدل على ذلك ما ورد في صحيح مسلم في حديث أسماء رض ي الله عنها، وهو حديث طويل عن صلاة كسوف الشمس، قال صلى الله عليه و سلم (وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا - أو مثل - فتنة المسيح الدجال، فيؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن - أو الموقن - فيقول : هو محمد هو رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا - ثلاث مرات - فيقال له: نعم قد كنا نعلم أنك لتؤمن به، فنم صالحا ) .ُ فانظر إلى جواب هذا المؤمن - جعلني الله وإياك كذلك - (جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا ) وهذا أول فرحه وسعادته بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة ثم تكون السعادة الكبرى بدخول الجنة ألم تسمع إلى قوله تعالى: (و م ن ي ط ع ُ الل ه و ر س ول ه ف ق د ف از ف و زا ع ظ يما ) (الأحزاب: 71 )وقوله تعالى (و م ن ي ط ع الل ه و ر س ول ه و ي خ ش الل ه و ي ت ق ه ف أ ول ئ ك ه م ال ف ائ ز ون ) (النور:52). 6- المطيع له صلى الله عليه وسلم من المرحومين : ُ إن الرجاء في رحمة الله عظيم وأعظم ما يكون في عدة أشياء ذكرها الله تعالى في كتابه كقوله تعالى: ( إ ن ر ح م ت الل ه ق ر يب م ن الم ح س ن ين ُ ) الأعراف: (56. )

عدد الصفحات ٩٤

95 وقوله تعالى و إ ذ ا ق ر ئ ال ق ر آن ف اس ت م ع وا ل ه و أ ن ص ت وا ل ع ل ك م ت ر ح م ون ُ ) (الأعراف: 204 ) ومنها ما نص عليه القرآن مما يتعلق بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم(و أ ط يع وا الل ه و الر س ول ل ع ل ك م ت ر ح م ون ) آل عمران: (132) . قالالسعدي رحمه الله : " فطاعة الله ورسوله من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: (و ر ح م ت ي و س ع ت ك ل ش ي ء ف س أ ك ت ب ه ا ل ل ذ ين ي ت ق ون و ي ؤ ت ون الز ك اة و ال ذ ين ه م ب آيات ن ا ي ؤ م ن ون ) الأعراف: من الآية 156 ) ". ومن هذه الآية نفهم أيها المحب أن طاعتك لحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ستوصلك على رحمة الله ومغفرته كيف وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين وهو الذي أخبر عن نفسه ( إنما بعثت رحمة) رواه مسلم، فهو رحمة مهداة للطائعين في الدنيا والآخرة، ورحمة للفاجرين والكافرين في الدنيا فقط. 7- فضل من أحيا السنة ودعا الناس إليها ومضاعفة أجره ُ لقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل من يدعو الناس إلى السنة ويدعو إلى إحيائها في الأمة الإسلامية، و من ذلك. عن جرير رض ي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ،ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم ش يء) رواه مسلم وغيره. وعن عمرو بن عوف رض ي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث يوماً: (اعلم يا بلال) قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال : (اعلم أن من

عدد الصفحات ٩٥

96 أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم ش يء) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن. وعن ابن عباس رض ي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد) رواه البهيقي والطب راني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به، كذا قال المنذرين إلا أنه قال : (فله أجر شهيد).

عدد الصفحات ٩٦