المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر الكلام في حقوق النبي عليه الصلاة والسلام

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٥ من ١٠

65 قال الحليمي رحمه : " فمعلوم أن حقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم ، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة وعصم لنا به أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة ، فهدانا به لمِ ا إذا أطعناه فيه أدَّ انا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعمة ،فحقُّ ه علينا أن نحبه ونجلَّ ه ونعظمه ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل والد ولده، وبمثل هذا نطق القرآن ووردت أوامر الله جل ثناؤه" اهـ. ومن هنا أيها المحب للحبيب صلى الله عليه وسلم المعظم له سأذكر لك هنا الأدلة من القرآن على وجوب توقيره وتعظيمه واحترامه صلى الله عليه وسلم ثم مظاهر هذا التوقير ثم بعض الآثار عن السلف مما يدل على توقيرهم له صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال ثلاثة مطالب : ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ

عدد الصفحات ٦٥

66 اطلب الأولُُ الآيات الدالة على وجوب توقيره صلى الله عليه وسلم ومظاهر هذا التوقير ُ أولا: الآيات الدالة على وجوب توقيره صلى الله عليه وسلم : ورد ذلك بلفظ التوقير الذي هو الإجلال والاحترام والإع ظام، وبلفظ التعزيز الذي هو التو قير والتعظيم والنص في آيتين من كتاب الله تعالى: (ف ال ذ ين آم ن وا ب ه و ع ز ر وه و ن ص ر وه و ات ب ع وا النُّور ال ذ ي أ ن ز ل م ع ه أ ول ئ ك ه م الم ف ل ح ون ُ )الأعراف: من الآية 157). وقوله تعالى (إ ن ا أ ر س ل ن اك ش اه دا و م ب ش را و ن ذ يرا ل ت ؤ م ن وا ب الل ه و ر س ول ه و ت ع ز ر وه و ت و ق ر وه و ت س ب ح وه ب ك ر ة و أ ص يلا ُ )الفتح: (8-9) قال الخطيب الشربيني في تفسير : " قوله تعالى: (و ت ع ُ ز ر وه ُ ) أي وقروه وعظموه وأصل التعزير المنع والنصرة، وتعزير النبي صلى الله عليه وسلمتعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه " اهـ. وقال القاض ي عياض رحمه الله :(فأوجب الله تعالى تعزيره صلى الله عليه وسلم وتوقيره وألزم إكرامه وتعظيمه ) و قال ابن عباس رض ي الله عنهما : تعزروه : تجل ُوه، وقال المبرد رحمه الله : تعزروه : تبالغوا في تعظيمه" اه 16ـ. وأما آية الفتح فقد قال أهل التفسير أن الضمير في قوله تعالى: (و ت ع ز ر وه و ت و ق ر وه ُ ) راجع إلى قوله :(و ر س ول ه ُ )ومعناه: تعظموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه 16 / الشفا– للقاض ي عياض - ص (272. )

عدد الصفحات ٦٦

67 ومجالسته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (فالتسبيح لله وحده والتعزير والتوقير للرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالله ورسوله" ثانيا : الآيات التي تبين كيف يكون الإعظام والأدب والاحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ُ لقد وردت آيات عديدة في تعليم أهل الإيمان المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم كيف يجلونه ويعظمونه في ظواهرهم وبواطنهم وفي جميع أحوالهم وسأكتفي هنا بثلاث آيات فقط: الآية الأولى: ترشد إلى الأدب عند مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (لا ت ج ع ل وا د ع اء الر س ول ب ي ن ك م ُ ك د ع اء ب ع ض ُ ك م ب ع ضا ُ ) النور: من الآية(63). ُ جاء في تفسير الطبري عن مجاهد "أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا يا محمد في تجهم" وعن قتادة "أمرهم أن يفخموه ويشرفوه" وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "خص الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآ ية بما يليق به، فنهوا أن يقولوا يا محمد أو يا أحمد أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله تعالى أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول: (ي ا أ يُّه ا ز و اج ك إ ن ك ن ت ن ت ر د ن ال ح ي اة الدُّن ي ا الن ب يُّ ق ل لأ ) الأحزاب: (28) (ي ا أ يُّه ا الن ب يُّ إ ن ا أ ح ل ل ن ا ل ك أ ز و اج ك ُ )(الأحزاب: (50) (ي ا أ يُّه ا الر س ول ب ل غ م ا أ ن ز ل إ ل ي ك م ن ر ب ك ُ )(المائدة(67) (ي ا أ يُُّ ه ا الم ز م ل ق م الل ي ل إ لا ق ل يلا ُ )المزمل (1-2)(ي ا أ يُّه ا الم د ث ر ق م ف أ ن ذ ر ُ )(المدثر2:1) .

عدد الصفحات ٦٧

68 مع أنه سبحانه قال:(و ق ل ن ا ي ا آد م اس ك ن أ ن ت و ز و ج ك ُ ) (البقرة: من الآية 35)،( ي ا ن وح إ ن ه ل ي س م ن أ ه ل ك ُ )(هود: (46) (ي ا م وس ى إ ن ي اص ط ف ي ت ك ع ل ى الن اس ُ ) الأعراف (144) (ي ا د او د إ ن ا ج ع ل ن اك خ ل يف ة ُ ) صّ (26) (ي ا ع يس ى اب ن م ر ي م اذ ك ر ن ع م ت ي ع ل ي ك ُ ) المائدة: (110) اهـ17 وذكر الطاهر بن عاشوررحمه الله قولين في الآية الكريمة: ُ الأول: لا تجعلوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياكم للحضور إليه مخيَّ رين في استجابتها كما تخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضاً أي أنه إذا دعاهم إلى أمر ما فالواجب عليهم أن يستجيبوا له . الثاني: ن هو أن يدعوا الرسول صلى الله عليه وسلم عند مناداته كما ينادى بعضهم بعضاً في اللفظ أو الهيئة : أما في اللفظ : فلا يقولوا: يا محمد أو يا ابن عبد الله أو يا ابن عبد المطلب، ولكن يا رسول الله أو يا نبي الله. وأما في الهيئة : فلا يدعوه من وراء الحجرات ولا يل حوا في مناداته إذا لم يخرج إليهم، لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أدب للمسلمين، وسد لأبواب الأذى عن المنافقين" اهـ. 18 17 / الصارم المسلول (422، 423) . 18 / التحرير والتنوير (18/247 )بتصرف .

عدد الصفحات ٦٨

69 الآية الثانية تأمر بألا يتقدم أحدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل حتى يعرف حكمه صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: (ي ا أ يُّه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ق د م وا ب ي ن ي د ي الل ه و ر س ول ه و ات ق وا الل ه إ ن الل ه س م يع ع ل يم ُ )(الحجرات: 1). قال أهل التفسير في سبب ن زولها: ُ عن عبد الله بن الزبير رض ي الله عنهما: أنه قدم ركب من بن تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر : أمِّ ر عليهم القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمِّ ر الأقرع بن حابس فقال: أبو بكر ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه لآية: إلى قوله تعالى :(و ل و أ ن ه م ص ب ر وا ح ت ى ت خ ر ج إ ل ي ه م ل ك ان خ ي را ل ه م و الل ه غ ف ور ر ح يم ) (الحجرات: 5 ). قال ابن كثي ر رحمه الله : "هذه آداب أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام فقال تبارك وتعالى: (ي ا أ يُّه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ق د م وا ب ي ن ي د ي الل ه و ر س ول ه ُ ) أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه قبله بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور" اهـ. وُقال الخازنُ رحمه الله : "وقيل: لا تجعلوا لأنفسكم تقدُّماً عند النبي صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد لأوامره ونواهيه" اهـ. فيا أيها المحب للحبيب صلى الله عليه وسلم هل أنت ممن يحترم النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه فلا يفعل شيئا ح تى يعلم هل هذا مما ي ُ رض ي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم مما يغضبه، قل ب البصر وأعد النظر في أفعالك وأقوالك وقسها بسنة الحبيب عليه الصلاة والسلام لأن من حقه عليك ألا

عدد الصفحات ٦٩

70 تتقدم بين يدي سنته بش يء لأن معنى الآية لا تتقدم بين يدي الكتاب والسنة و أعلم. الآية الثالثة: تأمر بغض الصوت وعدم رفعه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أو عند سماع حديث بعد مماته: قال تعالى: (ي ا أ يُّه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب ي و لا ت ج ه ر وا ل ه ب ال ق و ل ك ج ه ر ب ع ض ك م ل ب ع ض أ ن ت ح ب ط أ ع م ال ك م و أ ن ت م لا ت ش ع ر ون ) (الحجرات: 2 ).ُ وسأنقل لك كلام القرطبي على طوله لأهميته : ُ قال رحمه الله تعالى : معنى الآية الأمر بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالباً لكلامكم وجهره باهراً لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم ، وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلموكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء، وتشريفا لهم إذ هم ورثة الأنبياء. ُ قال القاض ي أبو بكر بن العربي رحمه الله : حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة ككلامه المسموع من لفظه فإذا ق ُرئ ُ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض بوجهه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به صلى الله عليه وسلم ، وقد نبه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: (و إ ُ ذ ا ق ر ئ ُ ال ق ر آن ُ

عدد الصفحات ٧٠

71 ف اس ت م ع وا ل ه ُ و أ نص ت وا ل ع ل ك م ُ ت ر ح م ون ) الأعراف (204 )وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي وله من الحكمة مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه" اهـ. ثم قال القرطبي رحمه الله : وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة ، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه - اعتياديا - والمسموع من جرسه غير مناسب لما ي هاب به العظماء ويوقر به الكبراء، فيتكلف الغض منه ورده على حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز و التوقير. وقد عمل الصحابة بهذه الآية الكريمة وتأدبوا بهذا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر: " والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السرار، وكذا ورد عن عمر أنه ما كان يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصوت منخفض جدا حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يستفهمه مما يخفض" رواه البخاري. وور د في الصحيحين عن أنس بن مالك رض ي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: أنا آتيك بخبره يا رسول الله؛ فذهب فوجده جالساً في بيته منكسأ رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال : شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقط حبط عمله وهو من أهل النار فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: (اذهب فقل له إنك لست من أهل النار ، ولكنك من أهل الجنة) اهـ 19 . 19 / تفسير القرطبي - (16/304-307) - بتصرف .

عدد الصفحات ٧١

72 وأختم ا لكلام على موضوع التأدب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفخيم أمره وتعظيمه بما قال ه الشيخ محمد الصادق عرجون : "ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار رفعة قدره المنيف وسمو منزلته صلى الله عليه وسلم فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسبوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره مما أوجبه الله تعالى من توقيره صلى الله عليه وسلم توقيرا يجل ُي رفيع قدره وعظيم مقامه ويظهر تشريف الله تعالى له بما مي ُزه به على سائر الخلق وقد اتفق الأئمة الأعلام على أن حرمته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كحرمته في حياته " اهـ 20 . فأين أخي الكريم هذه الكلام بما يحدث في بعض المساجد عند قراءة رياض الصالحين أو عند إلقاء أحد الدعاة درساً أو محاضرةً، إنك ستجد من يتكلم أو يخرج مسرعاً وكأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعنيه وإنا لله وإنا إليه راجعون. ُ ُ 20 / محمد رسول الله - للشيخ محمد الصادق عرجون - (4/333.)

عدد الصفحات ٧٢

73 المطلب الثانيُ صور من تعظيم الصحابة والسابقين وتوقيرهم وتأدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلمُ إن تعظيم الصحابة – و كذا من جاء بعدهم - للنبي صلى الله عليه وسلم كان قد ملأ قلوبهم ونفوسهم فلقد عليه الصلاة والسلام مهاباً وموقراً ومعظماً في نفوسهم حتى ظهر ذلك في تصرفاتهم معه عليه الصلاة والسلام وأخذت عنهم الأمة ذلك، وما سأذكره هنا هو بعض الآثار التي تكشف هذا الخلق من أخلاقهم في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم . - ذكر ك تّ اب السير في صلح الحديبية أن ممن أرسلته قريش للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الصلح عروة بن مسعود الثقفي فرجع إليهم قائلاً: (أي قوم والله لقد وفدت على الملوك وفود على قيصر وكسرى والنجاش ي والله إن - أي ما - رأيت ملكا قط أطوُ ع فيمن هو بين ظهرا نيه من محمد وأصحابه، والله ما يحدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير على أمر في فعل، وما يتنخم ولا يبصق إلا وقعت في يد رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلاُ ازدحموا عليه أن يظفرو بش يء منه) . ُ - وعن أنس والمغيرة بن شعبة رض ي الله عنهما قالا : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافير ". أي طرقاً خفيفاً لشدة أدبهم معه صلى الله عليه وسلم . - وعن أسامة بن شريك رض ي الله عنه قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلموأصحابه - حوله - كأنماعلى رؤوسهم الطير " .

عدد الصفحات ٧٣

74 - وقال البراء بن عازب رض ي الله عنه "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير " . - وعن عمرو بن العاص رض ي الله عنه قال: "وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملا عيني منه إجلا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه " أخرجه مسلم . - وعن ابن عباس رض ي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت أصلي خلفه، فأخذ بيدي فجعلني حذاءه، فخنست فقمت خلفه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مالي كلما جعلتك حذائي خنست) فقلت:" لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، قال: فدعا الله أن يزيدني فهما ُ وعلما ُ " أخرجه أحمد والحاكم وصححه. - وعن أنس رض ي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما" أخرجه الترمذي .وعنه رض ي الله عنه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل منهم " أخرجه مسلم . ولما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعو إلى عبد الله ابن أبي "هو ابن رأس المنافقين، فلما جاء قال له: (ألا ترى ما يقول أبوك؟ ) قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" فقال:

عدد الصفحات ٧٤

75 فقد صدق يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله إنك قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرض ى الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(لا) فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله رض ي الله عنه على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: "أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" أما والله لتعرفن العزُ ة لك أو لرسول لله، والله لا يأويك ظله - يعني مسكنه - ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله، فقال المنافق: يا للخزرج، ابني يمنعنى بيتي، ياللخزرج، ابني يمنعني بيتي، فقال: والله لا تأويه أبداً، فاجتمع إليه رجال فكلموه - أي عبد الله - فقال: "والله لا يدخلها إلا بإذن من الله ورسوله، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: اذهبوا إليه فقولوا له : (خله ومسكنه )، فأخبروه فأتوه فقال: " أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنعم" .وفي رواية أنه قال لأبيه " والله لاتنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز "، ففعل.21 ومن الآثار الواردة عن غير الصحابة ما ذكره القاض ي عياض في الشفاُ قال القاض ي عياض: قال أبو إبراهيم التجيبي: " واجب على كل مؤ من إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أو ذ كِ ر عنده أن يخضع و يخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأذن في هيبته و إجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به تعالى ". 21 / رواه أهل التفسير عند ذكر سبب نزول قوله تعالى: (يقولونُ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل).

عدد الصفحات ٧٥

76 وعن ابن حميد: قال: " ناظر أبو جعفر أمير أمؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى: أرب قوماً فقال: ( ي ا أ يُّه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ر ف ع وا أ ص و ات ك م ف و ق ص و ت الن ب ي ) (الحجرات: 2 )ومدح قوماً فقال (إ ن ال ُ ذ ين ي غ ضُّون أ ص و ات ه م ع ن د ر س ول الل ه أ ول ئ ك ال ذ ين ام ت ح ن الل ه ق ل وب ه م ل لت ق و ى ل ه م م غ ف ر ة و أ ج ر ع ظ يم ) (الحجرات: 3) وذم أقواماً فقال: (إ ن ال ذ ين ي ن اد ون ك م ن و ر اء ال ح ج ر ات أ ك ث ر ه م لا ي ُع ق ل ون ) (الحجرات: 4 ) وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر ". وقال إبراهيم بن عبد الله قاض ي المدينة (م رَّ مالك بن أنس على أبي حازم وهو ي حدِّ ث فجازه، وقال " إني لم أجد موضعا أجلس فيه فكرهت أن أخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم " . قلت: واشتهر عن مالك رحمه الله أنه كان لا يركب في المدينة تعظيماً لها، لأنها مش ى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا أراد أن يحدِّ ث - أي يروي الأحاديث النبوية - اغتسل ولبس أحسن ثيابه وتعطَّ ر وتبخَّ ر، فقيل له في ذلك فقال: إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "يعنى لا بد من تعظيمه.وفي رواية قال ابن أبي أويس فقيل لمالك في ذلك – أي سئل عن السبب - فقال: " أحب أن أعظ ُم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أ ُحد ُث به إلا على طهارة متمكنا". و قال القاض ي عياض : "وكان مالك يكره أن يحد ُث في الطريق أو هو قائم أو مستعجل، وقال أحب أن أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" .ُ وقال عبد الرحمن بن مهدي - تلميذ مالك - " مشيت يوما مع مالك فسألته عن حديث فانتهرني وقال: " كنت ُ في عين ي أجل ُ من أن تسأل عن حديث رسول الله

عدد الصفحات ٧٦

77 صلى الله عليه وسلم ونحن نمش ي " وسأله جرير القاض ي يوماً عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل له إنه القاض ي فقال: القاض ي أحق من أ دِّب. قال القاض ي عياض : "كان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسكوت وقال: ( لا ت ر ف ع واأ ص و ات ك م ُ ف و ق ص و ت الن ب ي ُ ) الحجرات (2 )ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند استماع قوله في حياته. تنبيه: إن المشاهد في الواقع - وللأسف الشديد - من بعض المسلمين أنهم لا يعظمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم فتجد على سبيل المثال خطيب الجمعة يخطب أو غيرها يخطب ويذكر في خطبته بالأحاديث النبوية وبعض الناس يتكلمون بكلام الدنيا، ويزداد الأمر سوءاً عندما يكون الأمر محاضرة أو درساً فلا يعطون هذا الأمر اهتماماً ولا يلتفتون إليه، ولو جاء أحد من الناس إلى المسجد وأراد أن يخبرهم بش يء من أمور الدولة أو توجيه أو إرشاد فتجدهم ينصتون كأنّ ع لى رؤوسهم الطير. - ومن الأخطا ء التي يقع فيها البعض في باب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا ذهبت لزيارة قبره الشريف تجده يرفع صوته ولا يلتزم بالآداب التي ذكرها العلماء في كتبهم من الخشوع والإحساس بهيبة المكان وعظمته وإحضار صورته صلى الله عليه وسلم في النفس وكأنك ستقف أمامه في حياته إلى غير ذلك من الآداب، وقد سبق كلام الإمام مالك مع أبي جعفر المنصور في لزوم السكون وعدم رفع الصوت في هذا ذلك المكان العظيم المعظم والفخيم المفخم حيث مرقده الشريف صلى الله عليه وسلم .

عدد الصفحات ٧٧

78 اطلب الثالثُ كيف نعظم النبي صلى الله عليه وسلم ونوقره ونتأدب بعد مماتهُ إضافة إلى ما سبق قبل قليل أقول : إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتأدب معه واجب على كل مسلم بعد مماته عليه الصلاة والسلام كما أشار إلى ذلك العلماء. وقبل الشروع في بيان كيفية تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتأدب معه ينبغي أن أشير إلى سبب ذلك كما بينه أحد الباحثين بقوله 22: "الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب فضل كبير على أمته لأنه صلى الله عليه وسلم بواسطته وصل إلينا الوحي بشقَّ يْ ه القرآن الكريم والسنة النبوية اللذين هما مصدرا الشريعة الإسلامية وأساس الدين كله .ووصول الوحي إلى الناس لم يتم بسهولة ويسر، وإنّما تم بجهود متواصلة وصبر كبير وتحمّل لمشقات متنوعة من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم . وقد تحمّل عليه الصلاة والسلام هذه كلها حتى تحقق منهج الله سبحانه وتعالى في الأرض وكمل الدين وتمّت النعمة . يقول تعالى: (ال ُي و م أ ك م ل ت ل ك م د ين ك م و أ ت م م ت ع ل ي ك م ن ع م ت ي و ر ض يت ل ك م الإ س لام د ينا ) المائدة:(3.) وبتمام النعمة قامت الأمة وتحقق وعد تعالى للمؤمنين بالاستخلاف والتمكين في الأرض .قال تعالى: (و ع د الل ه ال ذ ين آم ن وا م ن ك م و ع م ل وا الص ال ح ات ل ي س ت خ ل ف ن ه م 22 / التأدب مع رسول الله صـــلى الله علـــيه وسلــــــم في ضوء الكتاب والسنة - تأليف /حسن نور حسن – رسالة ماجستير من جامعة أم القرى بمكة المكرمة ص(17-18) نسخة إلكترونية

عدد الصفحات ٧٨

79 ف ي الأ ر ض ك م ا اس ت خ ل ف ال ذ ين م ن ق ب ل ه م و ل ي م ك ن ن ل ه م د ين ه م ال ذ ي ار ت ض ى ل ه م و ل ي ب د ل ن ه م م ن ب ع د خ و ف ه م أ م نا ي ع ب د ون ن ي لا ي ش ر ك ون ب ي ش ي ئا ) النور (55) وتقديراً لهذه النعمة التي أنعم الله بها على المؤمنين عليهم أن يشكروا الله ويعرفوا حق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم .ولا يتم الشكر والعرفان إلاّ بالتأدب معه صلى الله عليه وسلم حيّاً وميّتاً، سراً وجهراً ، في المنشط والمكره . وهناك من الأسباب الأخرى ما يدفع إلى ضرورة التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك ككرم محتذه، ورفعة نسبه، واتصافه بالأخلاق الكريمة وتمتعه بالصفات النبيلة طوال حياته - عليه الصلاة والسلام - ومنها أيضاً ما اتصف به صلى الله عليه وسلم من صفات ساعدت على نشر الدين، وتبليغ الأمانة ". ولكن كيفية هذا التعظيم ذكرها والتأدب معه صاحب كتاب (حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته) وأنا سأذكرها هنا مع ش يء من الزيادات المهمة، فتعظيمه صلى الله عليه وسلم محله القلب واللسان والجوارح . 1/ تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتأدب معه بالقلب: الأدب القلبي هو ما كان مصدره القلب مثل التصديق، والحب، والإخلاص وهكذا.والآداب القلبية لها شأن عظيم تبعاً لأهمية مصدرها، لأنّ القلب سيد أعضاء الجسد يقودها ويوجهها، ويصبغها بصبغته ومحتواه . لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وُإن في الجسد مضغة فإذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) متفق عليه . ولهذا يعتبر القلب طاقة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لحياة الإنسان في الدنيا والآخرة .

عدد الصفحات ٧٩

80 ونعني بالأدب معه صلى الله عليه وسلم استشعار هيبته وجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضار محاسنه ومكانته ومنزلته عند ربه جل وعلا، وما اختصه به ربه جلا وعلا من دون سائر الخلق، واستحضار المعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكراً لحقه من التوقير والتعظيم،معترفاً بذلك كله ومذعناً له. وهذا التعظيم القلبي للنبي صلى الله عليه وسلم متى ما كان صاحبه صادقاً ظهر ذلك على جوارحه وفي تصرفاته وتعامله مع كل ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم. 2 - تعظيمه صلى الله عليه وسلموالتأدب معه باللسان والقلم :ُ أن نثنى عليه صلى الله عليه وسلم و نذكر ه بما مدحه به ربه في كتابه وأعظم ثناء عليه وتعظيم هو الصلاة والسلام عليه - وهذا ما سيأتي ذكره بالتفصيل في مبحث خاص إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب - لأن الصلاة عليه من الواجبات كما قال تعالى: (إ ن الل ه و م لائ ك ت ه ي ص لُّون ع ل ى الن ب ي ي ا أ يُُّ ه ا ال ذ ين آم ن وا ص لُّوا ع ل ي ه و س ل م وا ت س ل يما ) (الأحزاب: 56). ومن تعظيمهصلى الله عليه وسلم والتأدب معه باللسان : أن نتأدب عند ذكره وذلك بأن نقرن اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (لا ت ج ع ل وا د ع اء الر س ول ب ي ن ك م ك د ع اء ب ع ض ك م ب ع ضا )النور: (63) فقد سبق بيان أقوال المفسرين فيها ، وبناء ُ عليه لا يجوز للمؤمن عند ما يورد حديثا أو شيئا مما له علاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقول قال محمد هكذا مجردا دون قرنه بالرسالة والنبوة كما ي ُ سمع أحيانا من بعض المتكلمين. ُ

عدد الصفحات ٨٠