49 تنبيه هام حول معنى هذا الحديثُ إذا كان المرء يوم القيامة سيكون مع من أحب فعلى المؤمن أن يراقب قلبه بل ويفتش فيه، فإن كان يحب الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلمويحب المؤمنين الصالحين والعلماء والعاملين، ولا يجالس إلا الأتقياء فهذا علامة خير وبشارة له بأنه سيكون من الناجين وعليه أن يستمسك بما هو عليه والثبات حتى الممات. وأما إذا فتش المسلم - أو المسلمة - في قلبه فوجده يحب الفنان الفلاني والمغني الفلاني أو الممثل الفلاني أو الممثلة ، أو غيرهم من أهل التفاهات وهذا وللأسف الشديد كثير بين ال شباب، نجد البعض يحتفظ بصو رهؤلاء الذين ضلوا وأضلوا في استديو جواله أو يصقه ا على باب دولابه أو سيارته ويدندن مع هذا وذاك من أهل الغناء فمثل هذا نسأله أتحب أن تحشر معهم؟ الجواب حتماً سيكون لا؟! ولكنا سنقول له أنت معهم ما لم تتب إلى الله تعالى، وتحو ل ذلك الحب إلى حب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وطاعته والتأس ي به. ثم إنه هناك مِ ن المسلمين وللأسف الشديد منْ إذا نظرت إلى ما قلبه - ويبدو ذلك من فلتات لسانه - أغلب حبه وميله للكفار أو للغرب عموماً فتجده يعظمهم ويحترمهم أكثر من حبه واحترامه للمسلمين وهذا على خطر عظيم إن لم يبدِّ ل هذه الحال قبل أن ينزل به الموت، والأمر لله من قبل ومن بعد وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عدد الصفحات ٤٩50 المطلب الرابع ُ صور من محبة السلف رض ي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلمُ ما من شك أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم قد ملأت على الصحابة قلوبهم، وكلهم كان على درجة عظيمة من حب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دلت على محبتهم القصص الكثيرة التي لا حصر لها وسأذكر هنا بعضاً من أقوالهم وقصصهم الدالة على ذلك ما عساه أن يكون سبباً في إيقاظ قلوب قوم مؤمنين. وسأبدأ بذكر أقوال من و صف حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بقول مجمل يدل على أن كلهم كان يحبه حباً شديداً بل يضربه بنفسه وأهله وماله كما هو الواجب على كل مؤمن. سئل علي بن أبي طالب رض ي الله عنه :" كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ". ُ وقال أبو سفيان بن حرب قبل إسلامه " ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد ُ محمدا - صلى الله عليه وسلم" ولمقولته هذه قصة هي أن زيد بن الدثنة رض ي الله عنه أسرته قريش فلما أخرجوه من الحرم وأرادوا قتله جاء أبو سفيان وسأله " أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال زيد رض ي الله عنه : "والله ما أحب أن محمداً صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي" فقال أبو سفيان مقولته السابقة.
عدد الصفحات ٥٠51 وقال سعد بن معاذ رض ي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر " يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعد ركائبك، ثم نلقى عدو نا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخل ف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقي ح ربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير". ثم ب ني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً فكان فيه10 . والآن إليك بعض الآثار الخاصة ببعض الصحابة في محبتهم الشديدة للنبي صلى الله عليه وسلم. ُ 1 /قطوف من محبة أبي بكر الصديق رض ي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم :ُ إن الحب الذي كان يحمله أبو بكر الصديق بين جوانحه لرسول الله صلى الله عليه وسلملا يكاد يوصف وهناك آثار كثيرة تدل على ذلك وسأكتفي هنا بذكر بعضها: روت عائشة أنه "لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألحّ أبو بكر رض ي الله عنهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله ورسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوهم في نواحي المسجد ضرباً شديداً 10 / السيرة النبوية - لابن هشام - (2 /211 )وأخرجه ابن جرير في تاريخه (2 /2930)، وهو مرسل .
عدد الصفحات ٥١52 وض رب أبو بكر ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرِّ فهما في وجهه، ونز ل على بطن أبي بكر رض ي الله عنهم ، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمله بنو تميم في ثوب حتى أدخلوه منزله، وهم لا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تميم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار ، فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير، انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه - ليأكل أو يشرب - فجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله مالي علم بصحابك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبد الله، فقال: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً، فدنت أم جميل، و أعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر، إنني لأرجو ان ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع؟ قال: (فلا ش يء عليك منها) قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلتا - أي أمه وأم جميل. حتى إذا هدأت الرجل - أي قل الناس في الطرقات - وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكب رُسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما
عدد الصفحات ٥٢53 نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع لها عس ى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها ر سول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت"11 تأمل أخي الكريم كيف أبى أبو بكر رض ي الله عنه أن يطعم شيئاً حتى تقر عينه برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وأعجب من ذلك أنه عند ما أفاق من إغمائه كان أول ما تكلم به ( ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم )، هل س مِع في تاريخ البشرية بحب كهذا الحب؟!. إن أبا بكر رض ي الله عنه كان من أشد الناس حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومواقفه في ذلك كثيرة جدا ، فهو الذي فداه في الهجرة وحرسه في بدر وأنفق ماله عليه، وفي ذلك تقول عائشة رض ي الله عنها "أنفق أبو بكر على رُسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ألفا " ولهذا لما قال صلى الله عليه وسلم "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" بكى أبو بكر. ُ وأختم قصة أعظم حب بهذ ه الحادثة في حب أبي بكر للرسول صلى الله عليه وسلمودفاعه عنه: عن أسماء بنت أبي بكر رض ي الله عنهما قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ اقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً،فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) رواه البخاري . 11 / القصة في البداية والنهاية - لان كثير - (3/30).
عدد الصفحات ٥٣54 وفي رواية أسماء رض ي الله عنها "فترك الكفار النبي صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر رض ي الله عنه ،فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئاً من غدائره إلا رجع معه "أي أنه تسلل شعر رأسه لكثرة ما شده المشركون منه" 2/ قطوفمحبة من عمر بن الخطاب رض ي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم:ُ عن عبد الله بن هشام قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر "يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل ش يء إلا من نفس ي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، والذي نفس ي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر" فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفس ي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الآن يا عمر" رواه البخاري. وقال ابن حجر رحمه الله :" قال الخطابي: "حب الإنسان نفسه طبع وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. قال ابن حجر: "قلت فعلى هذا جواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاته من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبر عما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (الآن يا عمر) أي الآن عرفت فنطقت بما يجب" اهـ 12 ومما يدلك أخي القارئ على شدة محبة عمررض ي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للعباس رض ي الله عنه (لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب 12 / فتح الباري– لابن حجر – (3/375. )
عدد الصفحات ٥٤55 لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ).ذكره في الشفا للقاض ي عياض . وقال في الشفا أيضا "عن زيد بن أسلم خرج عمر رض ي الله عنه ليلة يحرس الناس فرأى مصباحاً في بيت وإذا عجوز تنفش صوفاً وتقول: على محمد صلاة الأبرار ُ صلى عليه الطيبون الأخيارُ قد كنت قو ُاما بكا بالأسحار ُُيا ليت شعري والمنايا أطوارُ هل تجمعنى وحبيبي الدارُ تعني أن يجمعها الله تعالى ب النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ، فجلس عمر رض ي الله عنه يبكي . ُ وانظر إلى موقف عمر عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تجد المحبة التي لا نظير لها، فعن أبي هريرة رض ي الله عنه قال "لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم "قام عمر بن الخطاب فقال : (إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موس ى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موس ى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات).ُ فلما جاء أبو بكر وتلا على الناس قوله تعالى: ( و م ا م ح م د إ لا ر س ول ق د خ ل ت م ن ق ب ل ه الرُّس ل أ ف إ ن م ات أ و ق ت ل ان ق ل ب ت م ع ل ى أ ع ق اب ك م و م ن ي ن ق ل ب ع ل ى ع ق ب ي ه ف ل ن ي ض ر الل ه ش ي ئا و س ي ج ز ي الل ه الش ا ك ر ين ُ ) (آل عمران: 144) قال عمر رض ي الله عنه:
عدد الصفحات ٥٥56 "فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت - دهشت - حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات " رواه البخاري. إن عمر رض ي الله عنه لم يتحمل الصدمة حتى قال ما قال، ولكن لما تحقق الأمر لديه خر مغشياً عليه، وهل ي دهش بهذه الصورة إلا محب شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..اللهم ارزقنا حبه كما رزقته لعمر رض ي الله عنه . وأختم هذه المحبة العمرية لخير البرية صلى الله عليه وسلم بما ذكره ك تَّ اب التراجم "كان عمر رض ي الله عنه يقسم المال ويفاضل بين الناس على السابقة والنسب ففرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف وفرض لابنه عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف فقال ابنه عمر " يا أبت فرضت لأسامة بن زيد أربعة آلاف وفرضت لي ثلاثة آلاف؟ فما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لك، وما كان له من الفضل ما لم يكن لي؟ فقال عمر "إن أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وهو كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك". 3/ قطوف من محبة حبيب بن زيد رض ي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم :ُ ازداد شر مسيلمة الكذاب واستشرى فساده فرأى الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبعث إليه برسالة يزجره فيها عن غيه وندب لحمل الرسالة بطل قصتنا حبيب بن زيد. وكان يومئذ شاباً فاخر الشباب مكتمل الضيا ء مؤمناً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. مض ى حبيب بن زيد رض ي الله عنه إلى ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم غير وان ولا متريث ترفعه النجاد وتحطه الوهاد حتى بلغ ديار بني حنيفة في أعال ي نجد ودفع الرسالة إلى مسيلمة .
عدد الصفحات ٥٦57 فما كاد مسيلمة يقف على ما جاء فيها حتى انتفخ صدره ضغينة وحقداً وبدا الشر والغدر على قسمات وجهه الدميم الأصفر، وأمر بحبيب بن زيد أن يقيد وأن يؤتى به إليه ضحى اليوم التالي. فلما كان الغد تصدَّ ر مسيلمة مجلسه وجعل عن يمينه وعن شماله الطواغيت من كبار أتباعه وأ ذن للعامة بالدخول عليه ثم أمر بحبيب بن زيد فجيء به إليه وهو يرسف في قيوده وقف حبيب بن زيد وسط هذه الجموع الحاشدة الحاقدة مشدود القامة مرفوع الهامة، شامخ الأنف، وانتصبه بينها كرمح سمهري أحكم المثقفون تقويمه . فالتفت إليه مسيلمة وقال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ ُ فقال: نعم اشهد أن محمدا رسول الله. ُ فتغير مسيلمة غيظا وقال: وتشهد أني رسول الله؟ ُ فقال حبيب في سخرية لاذعة: إن في أذني صمما عن سماع ما تقولُ. ُ فامتقع وجه مسيلمة وارتجفت شفتاه حنقا وقال لجلاده اقطع قطعة من جسده، فأهوى الجلاد على حبيب بسيفه وبتر قطعة من جسده فتدحرجت على الأرض ،ثم أعاد مسيلمة عليه السؤال نفسه: اتشهد أن محمدا رسول الله؟ ُ قال: نعم أشهد أن محمدا رسول الله. ُ قال: وتشهد أني رسول الله؟ ُ قال: قلت لك: إن في أذني صمما عن سماع ما تقول. ُ
عدد الصفحات ٥٧58 فأمر بأن تقطع من جسده قطعة أخرى فقطعت وتدحرجت على ا رض حتى استوت إلى جانب أختها والناس شاخصون بأبصارهم إليه، مذهولون من قوة تصميمه وعناده. ومض ى مسيلمة يسأل والجلاد يقطع وحبيب يقول: أشهد أن محمدا رسول الله ؟ حتى صار نحواً من نصفه بضعا مقطعة منثورة عل ى الأرض ونصفه الآخر كتلة تتكلم. ثم فاضت روحه وعلى شفتيه ا لطاهرتين اسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي بايعه ليلة العقبة أشهد محمد رسول الله. 4/ قطوف من محبة أبي طلحة الأنصاري رض ي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم :ُ أحب أبو طلحة زيد بن سهل النجاري الأنصاريُ رض ي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً خالط شفاف قلبه، وجرى مجرى الدم من عروقه، فكان لا يشبع من النظر إليه، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه. وكان إذا بقي معه جثا بين يديه وقال له: نفس ي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء ،فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفذ إليه المشركون من كل جانب، فكسروا رباعيته وشجوا جبينه، وجرحوا شفته، وأسالوا الدم على وجهه. حتى إن المرجفين أرجفوا بأن محمداً قد قتل فازداد المسلمون وهنا على وهن وأعطوا ظهورهم لأعداء الله. عند ذلك لم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نفر قليل في طليعتهم أبو طلحة انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الراسخ بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به.
عدد الصفحات ٥٨59 ثم و ت ر أبو طلحة قوسه التي لا ت فلُّ وركَّبه عليها سهامه التي لا تخطئ؛ وجعل يذود بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمي جنود المشركين واحداً إثْر واحد. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة رض ي الله عنه ليرى مواقع سهامه فكان يرده خوفاً عليه ويقول له: " بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك، إن نحري دون نحرك وصدري دون صدرك وج علت فداك". وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً ومعه الجعبة من السهام، فينادي عليه الن بي صلى الله عليه وسلم ويقول له :(انث ر سهامك بين يدي أبي طلحة ولا تمض بها هارُبا ُ) ،وما زال أبو طلحة رض ي الله عنه يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاثة أقواس، وقتل ما شاء الله أن يقتل من جنود المشركين. ثم انجلت المعركة وسلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وصانه بصونه . وكما كان أبو طلحة جواداً بنفسه في سبيل الله في ساعات اليأس، فقد كان أكثر جوداً بماله في مواقف البذل. وأما محبة الصحابيات له صلى الله عليه وسلم فكانت أيضا شديدة : ُ وسأورد بعض الآثار الدالة على حب النساء للنبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تكون المرأة المسلمة ف ي هذا العصر بمنأى عن ذلك الحب الذي هو فرض على الرجال والنساء على حد سواء كما سبق ذكره. 1 /امرأة من الأنصار وحبها للنبي المختار صلى الله عليه وسلم :ُ لما كان يوم أحد وق تل من ق تل من الصحابة خرجت امرأة من الأنصار تسأل عن الأخبار، فاستقبلها الناس بأخيها - أي شهيداً - فقالت م نْ هذا؟ قالوا: أخوك،
عدد الصفحات ٥٩60 فقالت: ما فعل رسول الله؟ فقالوا لها: أمامك، فسارت، ثم استقبلوها بأبيها فقالت من هذا؟ فقيل أبوك؟ قالت: ما فع ل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: أمامك فواصلت سيرها، وهكذا لقيها الناس بابنها وزوجها وهي تقول ما فعل رسول الله؟ فمشت حتى وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت م ن ع ط ب ُ " أي من أصيب، فالمهم عندها سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.13 فانظر أيها المحب وأيتها المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف لم تبال هذه المر أة باستشهاد أعز الناس لديها وأحب الناس إلى قلبها: الأب والا بن والأخ وقبل هؤلاء الزوج ولكن فيما يبدو لي أن فرحها بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنساها الحزن على هؤلاء كلهم جميعاً. 2 /نسيبة بنت كعب المازنية تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد:ُ يقول الذهبي رحمه الله تعالى : (الفاضلة المجاهدة الأنصارية، شهدت ليلة العقبة وشهدت أحداً والحديبية ويوم حنين، ويوم اليمامة وجاهدت، وكان من خبرها يوم أحد: تراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها، حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان) ولم تكن نسيبة تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسها فقط وابناها حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً لهم" اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة" فقالت نسيبة عند ما سمعت هذا الدعاء "ما 13 / مجمع الزوائد – للهيثمي – (6/115. )
عدد الصفحات ٦٠61 أبا لي ما أصابني من الدنيا14 ونسيبة هذه هي أم حبيب بن زيد الذي ذكرنا قصته قبل قليل . وأما محبة غير الصحابة فالآث ار فيها كثيرة جدا ، أكتفي بكذر ش ئ يسيرُ منها: ُ 1 /محبة الإمام أحمدرحمه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ُ قال الذهبي رحمه الله : قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه ويستشفى به" اهـ. و قال أيضاً : "قال حنبل بن أحمد: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث شعرات، فقال: "هذه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم" فأوص ى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل به ذلك عند موته " 15. 2 /محبة الإمام مالك بن أنس للنبي صلى الله عليه وسلم وبعض شيوخهُ قال الذهبي رحمه الله : "حج أيوب السختياني حجتين قال مالك رحمه الله : فكنت أرمقة، ولا أسمع منه - يعني الحديث النبوي - غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبته عنه . 14 / سير أعلام النبلاء - للذهبي – (2/278. ) 15 / السابق– (11/337 ).
عدد الصفحات ٦١62 وقال مصعب بن عبد رحمه الله : " كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، ثم ذكر عن محمد بن المن كدر: لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نر حمه، وكنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم، فاذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ لونه، وكان الحسن رحمه الله إذا ذكر حديث حنين الجذع وبكائه يقول "يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه، وكان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ُ ثم يواصل الإمام مالك حديث : وكنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذ ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينه دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعب ُدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه . هذه كله من شدة محبته رحمه الله للنبي صلى الله عليه وسلم وشدة شوقه إليه.ُ *** اللهم فارزقنا محبة كمحبتهم وشوقا كشوقهم ***ُ
عدد الصفحات ٦٢63 ُ الحق الثالثُ تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم والتأدب معه ُ مدخلُ المطلب الأولُ : الآيات الدالة على وجوب توقيره صلى الله عليه وسلم ومظاهر هذا التوقير .ُ المطلب الثاني : صورُ من تعظيم الصحابة والسابقين وتوقيرهم وتأدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الثالث : كيف نعظم النبي صلى الله عليه وسلم ونوقره ونتأدب معه بعد مماته .ُ ُ ُ ُ ُ ُ ُ
عدد الصفحات ٦٣64 مدخلُ إن من أوجب الواجبات تجاه خير البريات عليه من الله أفضل الصلوات وأزكى التسليمات بعد الإيمان به هو أن يوقَّ ر وأن ي عظَّ م في الظاهر والباطن، كيف لا وهو الذي اختصه الله تعالى بخصائص لم توجد في غيره ومنحه منح اً لم ت تح لغيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وأعطاه ما لم يعط أحداً من العالمين. زكَّ ى عقله فقال: (م ا ض ل ص اح ب ك م و م ا غ و ىُ ) (النجم:2) و زكَّى لسانه فقال: (و م ا ي ن ط ق ع ن ال ه و ىُ *إ ن ُ ه و ُ إ لا ُ و ح ي ُ ي وح ى ُ ) (النجم(3-4 ). وزكَّى م علَّ مه جبريل عليه السلام فقال: (ع ل م ه ُ ش د يد ُ ال ق و ى ) النجم (5) و زكَّى علمه صلى الله عليه وسلم فقال: (و أ نز ل ُ الل ه ُ ع ل ي ك ُ ال ك ت اب ُ و ال ح ك م ة ُ و ع ل م ك ُ م ا ل م ُ ت ك ن ت ع ل م و ك ان ُ ف ض ل ُ الل ه ُ ع ل ي ك ُ ع ظ يم ا) النساء (113) . و زكَّى بصره فقال :(م ا ز اغ ال ب ص ر و م ا ط غ ى) (لنجم:17 )وزكى فؤاده فقال(م ا ك ذ ب ال ف ؤ اد م ا ر أ ى) (لنجم:11) وزكى صدره فقال: (أ ل م ُ ن ش ر ح ُ ل ك ُ ص د ر ك ) الشرح (1) . وزكى خ ل قه علمه صلى الله عليه وسلم فقال: (و إ ن ك ل ع ل ى خ ل ق ع ظ يم ) (القلم:4) وزكى رسالته صلى الله عليه وسلم ، فقال: (و م ا أ ر س ل ن اك إ لا ر ح م ة ل ل ع الم ين ) (الأنبياء:107) ورفع ذكره صلى الله عليه وسلم في العالمين فقال :(و ر ف ع ن ا ل ك ذ ك ر ك ) (الشرح: 4). وزكى بلده فقال : (و ه ذ ا ال ب ل د ُ الأ م ين ُ ) التين(3). وزكى دعوته فقال(و إ ن ك ُ ل ت ه د ي إ ل ى ُ ص ر اط ُ مُّس ت ق يم ُ ) الشورى (52). وبيَّن علو مقامه صلى الله عليه وسلم في الآخرة على جميع الأنبياء والمرسلين فقال : (ع س ى ُ أ ن ي ب ع ث ك ُ ر بُّك ُ م ق ام ا م ح م ود ا) الإسراء (79).
عدد الصفحات ٦٤