المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر الكلام في حقوق النبي عليه الصلاة والسلام

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٣ من ١٠

33 - وُقال القرطبي رحمه الله تعالى: كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلمإيمانا صحيحاً لا يخلو عن وجدان ش يء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمحبة من كان مستغرقاً في الشهوات محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير فهم إذا ذكر النبي صلى الله علي ه وسلم اشتاق لرؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة للوصول إلى رؤيته غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات والله المستعان ثانيا: محبة النبي صلى الله عليه وسلم على درجتين : ُ ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على درجتين: الدرجة الأولى: فرض وهي المحبة التي تقتض ي قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم وعدم طلب الهدي من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الإتباع له فيما بلَّغه عن ربه، من تصديقه في كل ما أخبر به ، وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، ونصرة دينه، والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم الإيمان بدونه. الدرجة الثانية: فضل - أي مندوبة - وهي المحبة التي تقتض ي حسن التأس ي به، وتحقيق الاقتداء بسن ته وأخلاقه، وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاق الطهارة. ونقل الحافظ ابن وحجر رحمه الله عن بعض العلماء قوله "محبة الله على قسمين" فرض و نفل، فالفرض المحبة التي تبعث إلى امتثال أوامره والانتهاء عن

عدد الصفحات ٣٣

34 معاصيه والرضا، ثم قال وكذلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين كما تقدم - أي فرض ونقل - ويزداد: ألا يتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ومن يرض ى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرهما. قلت: وهذه الدرجة هي التي فيها يتنافس المتنافسون ويتقرب المتقربون وبها يتمايز أهل المحبة الصادقة من غيرهم، فأين قوَّ ام الليل وصوَّ ام النهار من تاركي الصلاة وشاربي الخمر وكلهم يدعي محبته صلى الله عليه وسلم .

عدد الصفحات ٣٤

35 المطلب الثانيُ مقتضيات محبة النبي صلى الله عليه وسلمُ ليست المحبة مجرد دعوى يدعيها كل أحد كلا، بل لا بد من وجود براهين ساطعة وعلامات واضحة تدل على أنك أ يها المحب قد أحببت نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم محبة صادقة، ومن هنا كان لا بد من ذكر علامات ومقتضيات تل ك المحبة إجمالاً في بعضها على أن يفصل فيما بعد وتفصيلاً لبعضها في هذا المطلب، فأقول ومن الله أرجو العون والقبول : مقتضيات هذه المحبة - وأعني بها كلا الدرجتين الواجبة والمندوبة - ستة أشياءها: ُ الأول: محبة أصحابه رض ي الله عنهم وآل بيته صلى الله عليه وسلم: ُ إنه من المعروف في دنيا الناس أن من أحب شخصاً أحب أحبابه وأبغض أعداءه ولهذا قيل: عدو صديق عودي، وصديق صديقي صديقي، ولهذا كان من أبرز علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم أن تحب الصحابة رض ى الله عنهم لأنهم أحبوه ونصروه ودافعوا عنه صلى الله عليه وسلم، بل لولاهم رض ى الله عنهم لما وصل إلينا القرآن ال كريم ولا السنة المطهرة ، فهم الذين حملوا هذا الدين وبلغوه إلى القاض ي والداني، ولا هذا كان حبهم دين وبغضهم نفاق وزندقة، يقول القاض ي عياض رض ى الله عنهم :(من أحب شيئا أحب كل ش يء يحبه )، كأنه يستدل على وجوب محبة الصحابة رض ى الله عنهم بالفطرة التي فطر عليها الإنسان.

عدد الصفحات ٣٥

36 ومما يدل على وجوب محبتهم رض ى الله عنهم ما قاله البيهقي رحمه الله "ودخل في جملة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب أصحابه، لأن الله عز و جل أثنى عليهم ومدحهم فقال تعالى: (ل ق د ُ ر ض ي ُ الل ه ُ ع ن ُ الم ؤ م ن ين ُ إ ذ ُ ي ب اي ع ون ك ُ ت ح ت ُ الش ج ر ة ُ ف ع ل م ُ م ا ف ي ق ل وب ه م ُ ف أ نز ل ُ الس ك ين ة ُ ع ل ي ه م ُ و أ ث اب ه م ُ ف ت ح ا ق ر يب ا) الفتح (18) . (م ح م د ر س ول الل ه و ال ذ ين م ع ه أ ش د اء ع ل ى ال ك ف ار ر ح م اء ب ي ن ه م ت ر اه م ر ك عا س ج دا ي ب ت غ ون ف ض لا م ن الل ه و ر ض و انا س يم اه م ف ي و ج وه ه م م ن أ ث ر السُّج ود ذ ل ك م ث ل ه م ف ي الت و ر اة و ُ م ث ل ه م ف ي الأ ن ج يل ك ز ر ع أ خ ر ج ش ط أ ه ف آز ر ه ف اس ت غ ل ظ ف اس ت و ى ع ل ى س وق ه ي ع ج ب الزُّر اع ل ي غ يظ ب ه م ال ك ف ار و ع د الل ه ال ذ ين آم ن وا و ع م ل وا الص ال ح ات م ن ه م م غ ف ر ة و أ ج را ع ظ يما ) (الفتح:29). وقال تعالى (و الس اب ق ون ُ الأ و ل ون ُ م ن ُ الم ه اج ر ين ُ و الأ نص ار ُ و ال ذ ين ُ ات ب ع وه م ب إ ح س ان ُ ر ض ي ُ الل ه ُ ع ن ه م ُ و ر ض وا ع ن ه ُ و أ ع د ُ ل ه م ُ ج ن ات ُ ت ج ر يُ ت ح ت ه ا الأ ن ه ار ُ خ ال د ين ُ ف يه ا أ ب د ا ذ ل ك ُ ال ف و ز ُ ال ع ظ يم ) التوبة (100). ثم قال البيهقي رحمه "فإذا أنزلهم الله هذه المنزلة استحقوا من جماعة المسلمين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله تعالى بمحبتهم لأن الله تعالى: إذا رض ي عن أحد أحبه وواجب على العبد أن يحب من يحب مولاه" يعني الله جلا جلاله.9 وليس الثناء على الصحابة في القرآن قاصرا على ما ورد في كلام البيهقي رحمه الله تعالى بل هناك آيات أخر كثيرة ولكن فيما ذكره كفاية لبيان منزلة الصحابة عند الله جل وعلا. ُ 9 / شعب الإيمان – للبيهقي (1/287. )

عدد الصفحات ٣٦

37 وكما أثنى عليهم ربهم كذلك أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وبي ن للأمة كلها مكانتهم رض ى الله عنه لديه وذلك في الأحاديث الكثيرة، منها ما هو عام في جميع الصحابة ومنها ما هو خاص بأعيان بعضهم، وأذكر لك شيئا يسيرا منها. ُ - عن أبي سعيد الخدري رض ى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفس ي بيده لو أن أحدكم - أي من غير الصحابة - أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك من أحدهم ولا نصيفه ) أي في الثواب ،رواه الشيخان. - وعن عن أنس بن مالك رض ى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آية الإيمان حب الأنصار، و آية النفاق بغضهم) متفق عليه. وبناء على ما سبق من الآيات و الأحاديث لم يكد يخلو كتاب من كتب العقيدة إلا وب يِّن فيه وجوب حب الصحابة رض ى الله عنهم واعتقاد صدقهم وعدالتهم وتحريم النيل منهم، وأكتفي هنا بما قال الطحاوي رحمه الله في كتابه المشهور بالعقيدة الطحاوية "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفر ُط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ منهم، ونبغض م ُن يبغضهم ونبغض م ُن بغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإحسان وبغضهم كفر وطغيان ". تنبيه: مما يجب الالتفات إليه أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم داخلون في كل ما سبق ذكره، قال البيهقي "دخل في جملة محبته صلى الله عليه وسلم حب آله" اهـ. وقد أوص ى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين جميعاً بإعظام واحترام آل بيته وإعطائهم من المنزلة ما يستحقون ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم رض ي الله عنه قال: قام يوماً فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله وأثنى

عدد الصفحات ٣٧

38 عليه، ووعظ وذكَّر ثم قال (أما بعد: ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب - يعني الموت - وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال : (وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ) ثلاثاً ،فقيل: لزيد: ومن أهل بيته يا زيد قال: "نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته ممن ح رِم الصدقة بعده" قيل: من هم؟ قال: "آل علي، وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس" قيل كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. ثم إنه معلوم لدى كل مسلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في التشهد يذكر فيها آل البيت (اللهم صل على محمد وآل محمد) وسيأتي مزيد بيان حول صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: من علامات محبته صلى الله عليه وسلم تمني رؤيته والشوق إلى لقائه: ُ ما من شك أن من أحب انساناً فإنه يحب لقاءه ويشتاق إلى رؤيته وهذا مما لا يحتاج إلى تدليل لأنه من أولويات الحب الصادق ومن هنا كان الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات المحبة الصادقة له، ومن براهين تعلُّ ق القلب به،وقد عقد الإمام مسلم في صحيحه باباً بعنوان (باب فضل النظر إليه صلى الله عليه وسلم وتمن يه) ثم قال : عن أبي هريرة رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم ). والمقصود من الحديث أن ه سياتي على الصحابة يوم لأن يرى أحدهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم فذلك أحب إليه من أهله وماله، وهذا في الصحابة الذين رأوه وتشرفوا بصحبته والصلاة وراءه فيكف بنا ونحن في هذا الزمان حيث لم نره

عدد الصفحات ٣٨

39 صلى الله عليه وسلم إذن فلا بد أن يكون شوقنا أعظم، ووجدنا على فقده أشد، ولقد ثبت في أخبار كثيرة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الصالحين شدة اشتياقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا عبد الله بن مسعود كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى بكاءً شديداً وكذا غيره، وثبت عن الحسن البصريُ أنه كان يعاتبه جلساءه كلما ذكر حديث الجزع حيث حنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمعندما تركه وارتقى المنبر يقول الحسن: (الخشبة تحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم لا تشتاقون إليه). ُ ولعل أعظم دليل على صدق المحبة وصدق الشوق له صلى الله عليه وسلم أن تراه في منامك بين الحين والآخر، والعامة تقول في أمثالها: "حلم الجوعان عيش" أي خبز، وي حكى أن أحد طلبة العلم قال لشيخه: يا شيخي إنني أشتاق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني لم أره في المنام فما ذا أفعل؟ فقال له شيخه: إذا أردت أن تره فتعال فتعش عندي هذه الليلة وبت عندي حتى الصباح، فلما جاءه الطالب ليلاً: أعد له الشيخ العشاء وأكثر له فيه من الملح ولكن منعه من شرب الماء، فلما نام الطالب رأى في منامه أنهاراً تجري وأمطاراً تصب، فلما أصبح سأله شيخه عن رؤيته فحكى له ما رآه في منامه فقال له الشيخ: لو بلغ شوقك لرسول الله صلى الله عليه وسلم شوقك للماء عند نومك لرأيته في المنام". الثالث : من علامات محبته صلى الله عليه وسلم : العمل على نشر سيرته وسنته وشمائله بين الناس والدعوة إلى ذلك بالتي هي أحسن :ُ ألا تحب أيها المسلم ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه كان يحب دعوة الناس إلى هذا الدين ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأمرك أيها المحب بذلك

عدد الصفحات ٣٩

40 حيث قال صلى الله عليه وسلم: (بل غوا عني ولو آية، وحد ثوا عن بني إسرائيل ولا حر ج، وم ن كذب علي ُ متعم د ا فليتبو أ ُ مقعد ه من النار) رواه البخاري .ُ وقال صلى الله عليه وسلم (نضر امرءا سمع منا حديثا فبلغ ه إلى غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس فقيه) رواه أحمد والحاكم وابن حبان. والأحاديث التي تحث على الدعوة إلى والأمر بالعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً وهي مبثوثة في كتب السنة ولكن أحببت حنا أن أنبهك أيها القارئ النبيل على أن محبتك الصادقة للحبيب صلى الله عليه وسلم ستحملك بلا ريب إلى دعوة الناس إلى سنته والعمل بشريعته . وليس المقصود أن تصبح عالماً من علماء الحديث وتقوم وتحدث الناس في الم ساجد - وإن كانت هذه هي الدرجة العليا في البلاغ - ولكن المقصود أنه إذا جاءت مناسبة في مجلس من المجالس أن تقول للناس بدلاً من إكثار الكلام في الدنيا لنعطر مجلسنا بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلمثم تذكر حديثاً بشرط أن تحسن قراءة ألفاظه قراءة صحيحة. يقول أ حد الدعاة "جلست في مجلس كنت مدعوا فيه إلى طعام وليمة؛ وبينما نحن في انتظار الطعام قلت للجالسين هل يستطيع أحد منكم أن يقرأ علينا حديثا نبويا من حفظه، وكان عددهم كبيرا ويا للأسف لم أجد فيهم أحد يحفظ حديثا نبويا يذكر به إخوانه الجالسين". وأنا أقول للأسف الشديد هذا واقع كثير من المسلمين أحدهم لا يكاد يعلم شيئاً من الأحاديث النبوية ولا شيئاً من سيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم، وهذا من التقصير الشديد في حقه صلى الله عليه وسلم لأن المعروف والمشهور من مجالس

عدد الصفحات ٤٠

41 الصحابة والتابعين أنهم كانوا يتدارسون الأحاديث ال نبوية بل قد ألف العلماء في رحلاتهم في طلب الحديث النبوي وبعضهم سافر من المدينة إلى الشام ليسمع حديثا واحدا ، وسافر بقي بن مخلد من الأندلس إلى بغداد: ما شيا على قدميه ليتعلم الحديث من الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله. ُ ولولا الحب الذي كان يحمله هؤلاء لخاتم الأنبياء عليه صلوات الله وتسليماته ما تكبدوا هذه المشاق ولا بذلوا هذا الجهود التي بها حفظ الحديث إلى يومنا هذا في بطون الكتب، والآن للأسف الشديد ليس لدينا وقت لقراءة القرآن فضلاً عن حديث نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إلا العدد اليسير من المسلمين، فمتى نرجع إلى هذين الأصلين اللذين بهما عز الدنيا وشرف الدنيا والآخرة اللهم وفقنا والمسلمين لنشر سنة حبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .ُ وأختم بكلمة قالها سهل بن عبد الله رحمه الله: "علامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة وُ علامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا الا يدخر منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرة" قوله : وبلغة أي ما يتبلَّ غ به العيش . الرابع : من علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم : حب القرآن وتعلمه والعمل به والدعوة إليه : ُ فكل من كان محباً للنبي صلى الله عليه وسلم أحب القرآن ولا بدّ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء بالقرآن وبه هدانا من ضلالة وبصَّ رنا من عمى ، ولا ي ُتصو ُر أن يد ُعي مسلم محبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكون هاجرا للقرآن بعيدا عن تلاوته وتدبره .ُ

عدد الصفحات ٤١

42 قال القاض ي عياض رحمه الله تعالى " ومنها - أي من علامات المحبة - أن يحب القرآن الذي أتى به وهدى به صلى الله عليه وسلم واهتدى وتخلَّ ق، حتى قالت عائشة رض ي الله عنها "كان خلقه القرآن " وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ". وإذا نظرنا إلى المسلمين وحالهم مع القرآن تعجبنا كل العجب وذلك لأن الكثيرين منهم لا يحسنون تلاوته ولا يحفظون منه إلا القليل وهم مع ذلك راضون بهذه الحال ولا يسعون إلى تغييرها، هل ترض ى أخي المسلم أن تأتي يوم القيامة فتجد رسول الله صلى الله عليه وسلمغاضباً عل يك يشكوك إلى ربه قائلاً: "إن قومي اتخذوا هذا القرآن محجورا". إن الهجر للقرآن أصبح السمة الغالبة على الكثيرين اليوم فلا حفظ ولا تلاوة ولا فهم ولا تدبر ولا عمل إلا قليلاً، واسأل نفسك أخي الكريم كم ختمة للقرآن تختمها في السنة فيما عدا شهر رمضان. أخي المحب للرسول صلى الله عليه وسلمعد إلى رشدك وتب إلى ربك وادخل فيمن يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلمويفرح بهم وقال لأمته كلها "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". الخامس: من علامات حب النبي صلى الله عليه وسلم الشفقة والمحبة على أمته: ُ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسل م وصفه ربه بقوله: (ل ق د ج اء ك م ر س ول م ن أ ن ف س ك م ع ز يز ع ل ي ه م ا ع ن تُّم ح ر يص ع ل ي ك م ب الم ؤ م ن ين ر ؤ وف ر ح يم ُ )التوبة(128 ) ومحل الشاهد من الآية قوله : ( ح ر يص ُ ع ل ي ك م ُ ) قال المفسرون "حريص عليكم" أي على هدايتكم كي لا يخرج أحد منكم عن اتباعه صلى الله عليه وسلم، فإن من

عدد الصفحات ٤٢

43 كان محباً للنبي صلى الله عليه وسلم أحب الهداية للناس جميعاً (و م ا أ ر س ل ن اك إ لا ر ح م ة ل ل ع الم ين ) سورة الأنبياء(107. ) يقول السعديرحمه الله في تفسيرها : "فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة، وشكروها وقاموا بها وغيرهم كفروها" اهـ. إذن فأهل المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم يقومون بنشر هذه الرحمة في الأمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات: (ق ل ه ذ ه س ب ُ يل ي أ د ع و إ ل ى الل ه ع ل ى ب ص ير ة أ ن ا و م ن ات ب ع ن ي و س ب ح ان الل ه و م ا أ ن ا م ن الم ش ر ك ين ُ )سورة يوسف: (108) . ولقد ضرب لنا السلف الصالح رض ى الله عنه المثل الأعلى في التأس ي بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الشفقة والرحمة بالأمة وإليك قبضة من آثارهم وجملة من أخلاقهم في هذا الجانب:ُ كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله إذا مر بقوم لا يسلم عليهم - إذا علم بعدوانهم له - ويقول: "أخاف أن يحقروني فلا يردوا عليّ السلام فيأثموا بسببي". وكان أبو عبد الله الأنطاكي رحمه الله يقول: "إذا علمت من الناس الوقوع في عرضك إذا رأوك لا تجتمع بهم إلا في أوقات الصلاة رحمة بهم" اهـ. وقال البخاري رحمه الله "ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت" وهو محدث ويحتاج إلى أن يذكر الرجال بما فيهم ولكنه رحمه الله لم يصرح بكذب أحد منهم ولو كان يعلم أنه كذاب، وهذا من كمال رحمته بالأمة.

عدد الصفحات ٤٣

44 وكان بعض السلف يوص ي الناس بهذا الدعاء "اللهم ارحم أمة محمد اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرج عن أم ة محمد صلى الله عليه وسلم ". ومر على م عروف الكرخي: في زورق في نهر "دجلة وبين أيديهم الخمر، فقيل له ألا تدعو الله على هؤلاء القوم العصاة؟ فقال "اللهم كما فرحت هم في الدنيا ففرحهم في الآخرة" فقالوا: إنما سألناك أن تدعو عليهم، وها أنت تدعو لهم، فقال: معاذ الله أن أدعوا الله على مسلم؟ وإن الله تعالى لا يفرحهم في الآخرة إلا إذا تاب عليهم في الدنيا وغفر لهم" . وكان إبراهيم التمي مي رحمه الله، لا يدعو على م ُن ُ ظلمه قط ويقول: "يكفيه ما حل عليه من وزر ظلمه إياي" .ُ وأقول: أين هذا الخ ل ق الذي تخلَّ ق به هؤلاء الصالحون من بعض الدعاة الذين أصبح غالب دعائهم على المسلمين لمجرد مخالفتهم إياهم في الم سائل الاجتهادية أو المناهج الدعوية، ولا شك أن هذا من الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الخطباء وهو في ثورة غضبه على العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الحبيب صلى الله عليه وسلم حياً لما رض ي منهم هذا التصرف الشنيع - أعني الدعاء على العصاة – وذلك مما هو معلوم من سيرته، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يدع على أهل الطائف مع شدة كفرهم بالله تعالى وإيذائهم له صلى الله عليه وسلم ، كما أنه لم يدع على كفار قريش يوم أحد مع أنهم ش جوا جبينه وكسروا رباعيته صلى الله عليه وسلم، بل دعا لهم فقال ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) متفق عليه.

عدد الصفحات ٤٤

45 يقول القاض ي عياض رحمه الله : - في الشفا - "ومن علامات محبته للنبي صلى الله عليه وسلم شفقته على أمته ونصحه لهم وسعيه في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان صلى الله عليه وسلمبالمؤمنين رؤوفاً رحيما". وأختم هذا المبحث بذكر هذين الأثرين اللذين فيهما دلالة بالغة على أهمية أن يمتلئ قلبك أيها المحب للنبي صلى الله عليه وسلم شفقة ورحمة على الأمة. ُ الأول : كان ميمون بن مهران رحمه الله إذا سمع بقوم ظ لموا في بعض أقطار الأرض يمرض لأجلهم حتى يعاد كما يعاد المريض، فإذا قيل له: قد فرّج الله عنهم يزول مرضه في الحال. الثاني : كان مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله يقول: من لم يجد عنده رحمة للعصاة فليدع لهم بالتوبة والمغفرة، فإن من أخلاق الملائكة عليهم السلام أنهم يستغفرون لمن في الأرض. السادس: من علامات محبته صلى الله عليه وسلم طاعة أمره وإتباع سنته وعدم مخالفة أمره: ُ وهذه العلامة ليست من علامات محبته، فحسب بل هي من أوجب الواجبات ولا يكون بدونها إسلام ولا إيمان ولهذا سيأتي الكلام عليها مفصلاً في الواجب الرابع، ولكن هنا فقط أحببت أن أقول كما أن طاعته من الواجبات فهي من أبرز ما يكون من علامات المحبين لبعضهم البعض فتجد الح بيب يطيع حبيبه تلقائياً ودون تكلف أو ضجر ويرحم الله القائل: تعص الإله وأنت تزعم حبه ُ ُهذا لعمري في القياس شنيعُ

عدد الصفحات ٤٥

46 لو كان حبك صادقا لأطعته ُ ُ إن المحب لمن يحب مطيعُ فكأن طاعة المحبوب قانون لا ي خال ف وسنة متبعة لا بد منها في شريعة الأحباب ولعل ه ذا القدر يكفي في هذا المقام إلى أن نعود إلى موضوع طاعته لا حقاً إن شاء الله تعالى.

عدد الصفحات ٤٦

47 المطلب الثالثُ ثواب محبته صلى الله عليه وسلمُ لقد ذكر أهل التفسير قصة في سبب نزول قوله تعالى :(و م ن ي ط ع الل ه و الر س ول ف أ ول ئ ك م ع ال ذ ين أ ن ع م الل ه ع ل ي ه م م ن الن ب ي ين و الص د يق ين و الشُّه د اء و الص ال ح ين و ح س ن أ ُ ول ئ ك ر ف يقا ُ ) سورة النساء(69 .) قال القرطبي رحمه الله : "نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلموكان شديد الحب له صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له صلى الله عليه وسلم (يا ثوبان ما غير لونك؟) فقال: يا رسول الله، ما بي من ضر ولا وجع، غ ير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني، وإن دخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أراك أبداً، فأنز الله هذه الآية) . قال القرُ طبي في تفسيرها : "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم" أي هم معهم في داره واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ". وُقال ابن كثيرُ رحمه الله : " قال ابن جرير - بسنده - جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (يا فلان ما لي أراك محزونا ُ) فقال: "يا نبي الله، ش يء فكرت فيه" قال: (ما هو؟)

عدد الصفحات ٤٧

48 قال : " نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع أنت مع النبيين فلا نصل إليك؟ " فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلمشيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية :(و م ن ي ط ع الل ه و الر س ول ُ ) الآية فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره. اهـ. قلت: فالآية تشير إلى الطاعة وسبب النزول هو المحبة فكأن الطاعة نتيجة حتمية للمحبة، فالمحبة هي السبب في الوصول إلى معية النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في الأحاديث التالية. ثبت في الصحيح والمسانيد: من طرق متواترة عن جماعة من الصح ابة رض ي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال (المرء مع من أحب) قال أنس "فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث" أي لم يفرحوا بش يء أشد من فرحهم بهذا الحديث، لأنهم بلا شك يحبون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وعن أنس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال "متى الساعة يا رسول الله؟ قال : ( ما أعددت لها؟) قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله" قال: (أنت مع من أحببت). وما من شك أن أعظم ما يتطلع إليه المؤمنون هو ما ورد في هذا الحديث أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فالطريق إلى ذلك هو تحقيق محبة النبي صلى الله عليه وسلم وترسيخها في القلب وتعميقها والعمل على زيادتها ومن أهم الأسباب التي توصلك أخي الكريم إلى زيادة محبته صلى الله عليه وسلم هو الإكثار من الصلاة عليه ،وسيأتي الكلام عليها في آخر هذا الكتاب إن شاء الله.

عدد الصفحات ٤٨