17 المحور الثالثُ الإيمان به صلى الله عليه وسلم تصديق وطاعة وكف ُ من مقتضيات الإيمان به صلى الله عليه وسلم تصديقه صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من الواجبين - الكتاب والسنة - وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر، يقول تعالى: (و م ا آت اك م الر س ول ف خ ذ وه و م ا ن ه اك م ع ن ه ف ان ت ه وا و ات ق وا الل ُ ه إ ن الل ه ش د يد ال ع ق اب ) (الحشر: 7 )ُ قال ابن القيم رحمه الله: "فأمرنا جل وعلا ب اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما سنه وأمر به وما نهى عنه وما حكم به، وقال صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم (ومن أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة) . 2 وقال صلى الله عليه وسلم محذرا من مخالفة سنته : (من رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه والله سبحانه ولاه منصب التشريع ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه، بل كلامه صلى الله عليه وسلم كله بيان عن الله، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الإتباع ومخالفة هذا كمخالفة هذا" اهـ. 2 /رواه الترمذي وقال : حسن غريب وهو في مشكاة المصابيح - رقم (175).
عدد الصفحات ١٧18 وقال القرطبي رحمه الله "وقال الحكم بن عمير وكانت له صحبة رض ي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم (وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رض ي بقولي فقد رض ي بالقرآن ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن " قال الله تعالى:(و م ا آت اك م الر س ول ف خ ذ وه و م ا ن ه اك م ع ن ه ف ان ت ه وا و ات ق وا الل ه إ ن الل ه ش د يد ال ع ق اب ُ ) سورة الحشر(7.) وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي رض ي الله عنه يقول " سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، قال: فقلت: ما تقول - أصلحك الله - في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: (و م ا آت اك م الر س ول ف خ ذ وه و م ا ن ه اك م ع ن ه ف ان ت ه وا ) و عن حذيفة بن اليمان رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقتدوا بالل ذي ن من بعدي أبي بكر وعمر). وحدثنا سفيان - بسنده - عن عمر بن الخطاب رض ي الله عنه "أنه أمر بقتل الزنبور" قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الاحرام وبين أنه ي قتدى فيه بعمر وأن النبي صلى الله عليه وسلمأمر بالاقتداء به، وأن الله أمر بقبول ما يقول النبي صلى الله عليه وسلمفجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة" اهـ
عدد الصفحات ١٨19 المحور الرابعُ الإيمان به صلى الله عليه وسلم يعني اعتقاد كمال عصمتهُ ومن مقتضيات الإيمان به صلى الله عليه وسلم وجوب اعتقاد كماله صلى الله عليه وسلم وعصمته من سائر المعاص ي صغيرها وكبيرها فضلا عن الشرك بالله قبل النبوة وبعدها، فقد عصمه الله تعالى وحفظه من كل ما يعيب ويشين منذ نشأته وإلى بعثته وإلى إكمال رسالته صلى الله عليه وسلم، فالذي يجب اعتقاده أنه صلى الله عليه وسلم معصوم من الكفر والشرك والمعاص ي كلها الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها، ودليل ذلك قوله : (ل ق د ُ ك ان ُ ل ك م ُ ف ي ر س ول ُ الل ه ُ أ س و ة ُ ح س ن ة ُ ن لم ك ان ُ ي ر ج و الل ه ُ و ال ي و م ُ الآ خ ر ُ و ذ ك ر ُ الل ه ُ ك ث ير ا) سورة الأحزاب (21) . قالالشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى في تفسيره للآية الكريمة : " إنَّ عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (ل ق د ُ ك ان ُ ل ك م ُ ف ي ر س ول ُ الل ه ُ أ س و ة ُ ح س ن ة ُ ) لوجوب التأس ي به وامتناع أن يكون فيه ش يء من ذلك قطعاً، أما قبل البعثة فالعصمة من الكبائر أيضاً يجب الجزم بها لأنه صلى الله عليه وسلم كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره، وقد ش قَّ صدره صلى الله عليه وسلم في سن الرضاع وأ خرِ ج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو وقع منه ش يء - مما يعاب عليه - لأخذه الكفار الذين عارضوه في دعوته، ولم ي ذك رْ من ذلك ش يء فلم يبق إلا القول في الصغائر، فهي دائرة بين الجواز و المنع - يعني في الوقوع فيها - فإن كانت جائزة ووقعت فلا
عدد الصفحات ١٩20 تمس مقامه صلى الله عليه وسلم لو قوعها قبل البعثة والتكليف، وأنها قد غفرت وحط عنه ثقلها، فإن لم تقع ولم تكن جائزة في حقه فهذا المطلوب) 3 . وقال الدكتور صالح الخالدي : (واتفق العلماء على عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الكفر بالله أو الشرك به قبل النبوة وبعدها، كما اتفقوا أيضاً على عصمته في تبليغ الدعوة وعدم إخفاء ش يء منها وعدم الخطأ في ذلك، واتفق العلماء أيضاً على عصمته صلى الله عليه وسلممن ارتكاب الكبائر قبل النبوة وبعدها، ولو فعل كبيرة من الكبائر لنقل ذلك عنه وشهّر به الكفار بسببها، واختلف العلماء في ارتكابه الصغائر، فبعضهم جوَّ ز عليه الوقوع فيها لأنه بشر، والبشر ع رْضةً للوقوع فيها، وذلك لا يقدح في نبوّته، وذهب فريق آخر من العلماء إلى عصمته صلى الله علي ه وسلم من الصغائر أيضاً أي أنه لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة، ولم يصدر عنه ذنب أو معصية، وهذا هو الراجح وهو المتفق مع عصمته والمتحقق في سيرته وحياته وقد نقل الصحابة أحداث حياته ورووا كل ما صدر عنه من أقوال وأفعال ولم يرد في مروياتهم ارتكابه صلى الله عليه وسلم ذنبا أو معصية ولو فعل ذلك - وحاشاه - لرووه ونقلوه، إننا نطالب الذين يجيزون وقوع الرسول صلى الله عليه وسلم في الذنوب والمعاص ي بتقديم دليل على ذلك، ونطلب منهم أن يفتشوا في سيرته وينظروا في أقواله وأفعاله ويقولوا لنا: هذه صغيرة فعلها، وهذه معصية صدرت عنه، فإن لم يجدوا - وهم لن يجدوه - فكيف 3 / تتمة أضواء البيان – للشيخ عطية محمد سالم (9/177 ).
عدد الصفحات ٢٠21 يقولون يمكن للرسول صلى الله عليه وسلم ارتكاب الصغائر من الذنوب والمعاص ي، وأن الله لم يعصمه منه" اهـ 4. قلت كيف ي جوّز أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوقوع في الصغائر والقرآن بين أيدينا مشحون بمدحه والثناء عليه وإظهار شرفه ومكانته وعلو منزلته عند ربه جل وعلا، واكتفي هنا بالإشارة إلى شيئين فقط . أحدهما: أن الله تعالى قرن اسمه بالرسول صلى الله عليه وسلم : في سبع وثمانين موضعاً ؛ وذلك كقوله تعالى: (أ ط يع وا الل ه ُ و أ ط يع وا الر س ول ُ و أ ول ي الأ م ر ُ م ن ك م ) سورة النساء ( 59. )وقوله تعالى: (ق ل ُ أ ط يع وا الل ه ُ و أ ط يع وا الر س ول ُ ف إ ن ُ ت و ل و ا ف إ ن م ا ع ل ي ه ُ م ا ح م ل ) سورة النور ( 54 ).وقوله تعالى: ( أ ط يع وا الل ه ُ و أ ط يع وا الر س ول ُ و لا ُ ت ب ط ل وا أ ع م ال ك م ) سورة محمد(33) . وقوله تعالى: ( و أ ط يع وا الل ه ُ و أ ط يع وا الر س ول ُ و اح ذ ر وا) سورة المائدة(92).وقوله تعالى: ( و أ ط يع وا الل ه ُ و أ ط يع وا الر س ول ) سورة التغابن(12). فهل بعد هذا كله يتوقع أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وقع في ش ئ من الذنوب ولو كان صغيرة من الصغائر. ثانيهما : جميع الأنبياء دافعوا عن الاعتداءات التي جابههم بها أقوامهم فمثلاً عند ما اتهم قوم نوح نوحاً عليه السلام بالضلال دافع عن نفسه قائلاً: (ق ال ي ا ق و م ل ي س ب ي ض لالة و ل ك ن ي ر س ول م ن ر ب ال ع الم ين ُ ) سورة الأعراف (61) وكذلك قال في صالح وهود وشعيب عليهم السلام كما هو موضح في سورة الأعراف إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى دافع عنه ولم يترك له الدفاع عن نفسه فمثلا عند 4 / عتاب الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن - الدكتور صالح الخالدي - ص (18-19) بتصرف .
عدد الصفحات ٢١22 ما قال له أبو لهب" تبا ُ لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا " أنز ل الله سورة كاملة في الرد على أبي لهب وهي قوله تعالى: (ت ب ت ي د ا أ ب ي ل ه ب و ت ب ُ ) سورة المسد(1) إلى آخر السورة. وعندما قال بعض الكفار في دار الندوة: احبسوه في وثاق وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم أنزل الله تعالى: (و إ ذ ُ ي م ك ر ُ ب ك ُ ال ذ ين ُ ك ف ر وا ل ي ث ب ت وك ُ أ و ُ ي ق ت ل وك ُ أ و ُ ي خ ر ج وك ُ و ي م ك ر ون ُ و ي م ك ر ُ الل ه و الل ه ُ خ ي ر ُ الم اك ر ين ) سورة الأنفال (30). ومعنى الآية باختصار والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السيئ، والله- تعالى- يرد مكرهم في نحورهم، ويحبط كيدهم، ويخيب سعيهم، ويعاقب عليه عقابا شديدا، ويدبر أمرك وأمر أتباعك، ويحفظكم من شرورهم، فهو- سبحانه- أقوى الماكرين . وأعظمهم تأثيرا، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع. وأمثال هذا في الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم في القرآن كثير بل وكثير جداً، وهذه منزلة لم يبلغها أحد سواه فهل بعد ذلك يصح أن يقال أنه قد يقع في الصغائر وهو القائل صلى الله عليه وسلم : (أ م ا و الل ه ُ إ ن ي لأ خ ش اك م ُ ل ل ه ُ و أ ت ق اك م ُ ل ه ُ ) متفق عليه. فالذي أدين الله به أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكفر والشرك والصغائر والكبائر، وأنه بلغ من الكمال ما لم يبلغه أحد من البشر وأنه لم ي ُعبد أحد ُ من البشر رب ُه كما عبده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان كاملا في عبادته وفي أخلاقه وفي معاملته وفي جميع شأنه كيف لا وهو الأسوة والقدوة للأمة والذي قالت فيه أم المؤمنين عائشة رض ي الله عنها لما سئلت عنه "كان خلقه القرآن" رواه مسلم والله أعلم. ُ
عدد الصفحات ٢٢23 المحور الخامسُ الإيمان به صلى الله عليه وسلم يوجب اجتناب ما ينقضهُ من أهم مقتضيات الإيمان به صلى الله عليه وسلم أن يعلم المؤمنون نواقض هذا الإيمان ليحذر منها في نفسه ويحذر منها غيره وأن يبغض من يقع فيها سواء كان مسلماً أم كافراً، واليك تلك النواقض من كلام العلماء و حكم من يقع فيها، و يمكننا تقسيم نواقض الإيمان به صلى الله عليه وسلمإلى قسمين: القسم الأول: الطعن في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم: وهذا القسم تندرج تحته أشياء كثيرة سأذكر هنا أهمها: - فمن ذلك نسبة أي ش يء للرسول صلى الله عليه وسلم بما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدقه صلى الله عليه وسلم أو أمانته أو عفته أو رجاحة عقله أو ما شابه ذلك. - وكذلك يكفر كل من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألصق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به أو شبهه بش يء على طريق السب أو التهاون بشأنه أو التصغير له صلى الله عليه وسلمأو الغض منه والعيب له. - كما يكفر كل من تمنى مضرته أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه - أي النبوة - على طري ق الذم أو الغض في جهته العزيزة بس خْف الكلام أو منكر من القول وزور، أو عيَّب ه بش يء مما جرى له صلى الله عليه وسلم من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه - أي عابه - ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.
عدد الصفحات ٢٣24 - وحكم من وقع في ذلك - كما سبق بيانه - أنه يكفر وكذلك ي ُقت ُل ولا فرق بين المازح والجاد وهذا الحكم لا خلاف فيه بين العلماء ذكر الإجماع غير واحد كالقاض ي عياض وابن المنذر، يقول أبو سليمان الخطاب "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله - أي قتل الساب للنبي صلى الله عليه وسلم - إذا كان مسلما " اهـ .5 ُ - قال القاض ي عياض رحمه الله "دلت النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإكرامه واجب، ومن ثمَّ حرَّم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل منتقصة من المسلمين وسابه ، قال الله تعالى: (و م ا ك ان ل ك م أ ن ت ؤ ذ وا ر س ول الل ه و لا أ ن ت ن ك ح وا أ ز و اج ه م ن ب ع د ه أ ب دا إ ن ذ ل ك م ك ان ع ُ ن د الل ه ع ظ يما ) سورة الأحزاب: من الآية 53). - ويقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه: "أما حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه من نواقض الإيمان التي توجب الكفر ظاهراً وباطناً سواء استحل ذلك أو لم يستحله، فكل ما عده الناس سباً أو شتماً أو تنقصاً فإنه يجب به القتل، والكلام على أعيان الكلمات التي ت ع دُّ سبّ اً لا ينحصر، وإنَّ جماع ذلك أنّ ما يعرف عند الناس أنه سب فهو سب، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك، وما اشتبه فيه الأمر ألحق بنظيره" 6 . 5 / الشفا بتعريف حقوق المصطفى – للقاض ي عياض 6 /بتصرف من الصارم المسلول – لابن تيمية .
عدد الصفحات ٢٤25 وقال تعالى : (و ل ئ ن ُ س أ ل ت ه م ُ ل ي ق ول ن ُ إ ن م ا ك ن ا ن خ وض ُ و ن ل ع ب ُ ق ل ُ أ ب الل ه ُ و ء اي ات ه ُ و ر س ول ه ُ ك ن ت م ُ ت س ت ه ز ئ ون ُ * لا ت ع ت ذ ر وا ق د ُ ك ف ر ت م ُ ب ع د ُ إ يم ان ك م ُ إ ن ُ ن ع ف ُ ع ن ُ ط ائ ف ة ُ م ن ك م ُ ن ع ذ ب ُ ط ائ ف ة ُ ب أ ن ه م ُ ك ان وا م ج ر م ين ُ ) التوبة (65-66. )ُ قال القرطبي رحمه الله تعالى : قال القاض ي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًا أو هزلاً ، وهو كيفما كان كفر ، فإن الهزل بالكفر كفر لا خـلاف فيه بين الأمة . وُقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، كــفــر ، فالسب المقصود بطريق الأولى ، وقـد دلــت الآيــة على أن كـل مـن تـنـقـص رســـول الله صلى الله عليه وسلم جــادًا أو هــازلاً فــقــد كــفــر ، فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم ، مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب . والقسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، و الأمثلة على هذا القسم كثيرة منها: 1-أن يعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه :كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم الأشياء المناقضة لشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك قوله تعالى: (ف لا ُ و ر ب ك ُ لا ُ ي ؤ م ن ون ُ ح ت ُ ى ُ ي ح ك م وك ُ ف يم ا ش ج ر ُ ب ي ن ه م ُ ث م ُ لا ُ ي ج د وا ف ي أ نف س ه م ُ ح ر ج ا م م ا ق ض ي ت ُ و ي س ل م وا ت س ل يم ا) سورة النساء (65).
عدد الصفحات ٢٥26 2- من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فهو كافر، لأن من شروط الشهادتين الرض ى والقبول والتسليم لكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ودليله الآية السابقة إذ البغض ينافي القبول والتسليم لما جاء به صلى الله عليه وسلم. 4- أن يعتقد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا أن يعتقد أن النجاة في الآخرة قد تكون بمتابعة غير الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذا يؤدي إلى تصحيح الأديان التي أبطلها الإسلام والله أعلم 7 . تنبيه من مقتضيات الإيمان به صلى الله عليه وسلم وجود علامات الإيمان به في باطن الإنسان وظاهره، وذلك بأن يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم طاعته على طاعة غيره كائناً من كان وأن يعظمه ويوقره غاية التوقير، وأن يكثر من ذكره صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وهذا كله من الواجبات التي سيأتي ذكرها تباعاً إن شاء الله تعالى. 7 / حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته – لمحمد التميمي(2 /56 - 58) – بتصرف
عدد الصفحات ٢٦27 ُ الحق الثانيُ المحبة الصادقة له صلى الله عليه وسلمُ المطلب الأولُ : حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم ودرجاتها .ُ المطلب الثاني : مقتضيات محبة النبي صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الثالث : ثواب محبته صلى الله عليه وسلم .ُ المطلب الرابع : صورُ من محبة السلف رض ي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم.ُ ُ
عدد الصفحات ٢٧28 مدخلُ إن الحديث عن حب النبي صلى الله عليه وسلم حديث ترهف له الأسماع وتشرئب له الأعناق ،وترتاح له النفوس وتطمئن به القلوب، إذ ما من مؤمن إلا وهو يحب النبي صلى الله عليه وسلم ، ورحم الله القائل : كل القلوب إلى الحبيب تميل ومعى بهـذا شـــاهد ودليــــلُ أما الــدليل إذا ذكرت محمدا صارت دموع العارفين تسيلُ هذا رسولُ الله نبراس الهدى هذا لكل العــــالمين رســـولُُ هذا رســولُ الله هذا المصطفى هذا لـــرب العــــالمين رســولُُ هذا الــــذي رد العــــيونُ بكفه لما بدت فوقُ الـــخدود تسـيلُ هذا الغمـــامة ظللته إذا مش ى كانت تقيل إذا الــــحبـيب يقيلُ هذا الذي شرف الضريح بجسمه منهــــاجه للسالكين ســـبيلُ يــــارب إني قـد مدحـت محمدا ُ فيه ثوابي وللـــــمديــح جزيــل ُ صلى عليك الله يا عــلم الهدى ما حن مشتـــــاق وســار دليل ومن ثمة كان لا بد للمؤمن أن يعلم حكم هذا الحب وتبعاته وما هو ثوابه وكيف عبر السلف رض ى الله عنه عن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثمة يحتوي هذا المبحث على أربعة مطالب.
عدد الصفحات ٢٨29 المطلب الأولُُ حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم وُبيان درجاتهاُ إن محبة المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم ليست هي من فضائل الأعمال أو نوافل الخيرات بل هي من أوجب الواجبات بل لا يتم الإيمان إلا بها دلت على ذلك أدلة كثير من الكتاب والسنة، وسأكتفي هنا بذكر آية واحدة وحديثين وبهما يحصل المطلوب ثم أثنِّى بذكر درجات محبته صل ى الله عليه وسلم. أولا : الأدلة على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم: ُ الدليل الأول: من القرآن الكريم : قال تعالى: (ق ل إ ن ك ان آب اؤ ك م و أ ب ن اؤ ك م و إ خ و ان ك م و أ ز و اج ك م و ع ش ير ت ك م و أ م و ال اق ت ر ف ت م وه ا و ت ج ار ة ت خ ُ ش و ن ُ ك س اد ه ا و م س اك ن ت ر ض و ن ه ا أ ح ب إ ل ي ك م م ن الل ه و ر س ول ه و ج ه اد ف ي س ب يل ه ف ت ر ب ص وا ح ت ى ي أ ت ي الل ه ب أ م ر ه و الل ه لا ي ه د ي ال ق و م ال ف اس ق ين ) (التوبة:24) لقد استدل أهل التفسير بهذه الآية على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وسأكتفي هنا بذكر أقوال بعضهم. قال القاض ي عياض رحمه الله: كفى بهذه الآية حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على الزام محبته صلى الله عليه وسلم ووجوب فرضها وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم إذ قرّع - وبّخ - الله تعالى من كان أهله وماله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله: (ف ت ر ب ص وا ح ت ى ي أ ت ي ُ الل ه ُ ب أ م ر ه ) ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله " اهـ.
عدد الصفحات ٢٩30 وقال القرطبي رحمه : وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب" اهـ. قلت : ما دام الله تعالى قد أوجب تقديم محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة جميع المخلوقات كان في ذلك دليل على وجوب تلك المحبة لأنها لو لم تكن واجبة ما وجب تقديمها والله أعلم. وقال السعدي رحمه الله: "وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى تقديمها على محبة كل ش يء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد على من كان ش يء من المذكورات أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله. - وعلامة ذلك أنه إذا عرض عليه أمران أحدهما يحبه الله ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه محبوبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أو نقيضه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله ورسوله دل على أنه ظالم تارك لما يجب عليه" اهـ. الدليل الثاني: من الأحاديث النبوية : ما رواه البخاري عن أبي هريرة رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفس ي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) وعن أنس رض ي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )متفق عليه ، وفي رواية لمسلم. (لا يؤمن الرجل حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين).
عدد الصفحات ٣٠31 - لقد حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفي الإيمان الكامل عمن لم يقدم محبته صلى الله عليه وسلم على محبة الوالد والولد في الحديث الأول، ثم بالجمع بين الروايات تكون محبته مقدمة على الوالد والولد والأهل والمال والناس أجمعين، وإليك بعض ما قاله أهل العلم في شرح هذه الأحاديث . ُ - قال الخطابي رض ي الله عنه : "لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا يمكن قلبه - أي تغييره - فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفس ك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك" اهـ. - وقال ابن بطال والقاض ي عياض وغيرهما رحمة الله عليهم ما نصه: المحبة ثلاثة أقسام: 1- محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد 2- محبة شفقة ورحمة كمحبة الولد 3- محبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس . فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته" اهـ 8 . وقال ابن بطال : معنى الحديث أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن الله به صلى الله عليه وسلماستنق ذ نا من النار وهدانا من الضلال" اهـ 8 / شرح النووي على صحيح مسلم.
عدد الصفحات ٣١32 الدليل الثالث : من الأحاديث النبوية : ما رواه البخاري أيضاً: عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: " يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل ش يء إلا من نفس ي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لاُ ، والذي نفس ي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر" فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفس ي فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الآن يا عمر". - في الحديث السابق ذكر الوالد والولد والناس أجمعين، وهنا ذكر النفس وبهذا اكتمل جميع الأحباب، وما جاء في الآية السابقة تفاصيل للمحبوبات كلها فيكون جميع ذلك (النفس، والآباء، والأبناء، والإخوان، و الزوجات العشيرة، والأموال والمساكن والتج ارات) لا أظن أنه ترك شيئاً من المحبوبات أو من حقوق الدنيا، وبهذا تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة على جميع الكائنات، وهو حري بذل عليه الصلاة والسلام. - قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى : "ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وبين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم - لو كانت ممكنة - فإن كان فقدها - أن لو كانت ممكنة - أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد اتصف بالأحبّية المذكورة، وم نْ لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" اهـ. وغير ذلك مما يتعلق بدينه وشريعته صلى الله عليه وسلم.
عدد الصفحات ٣٢