المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تأصيل العلاقة مع غير المسلمين من خلال أحداث السيرة النبوية

حميد الصغير

صفحة ٢ من ٥

18 هم، وعبيدهم، يسبونه، ويصيحون به، ويرمونه ءاهالإسلام ولا يجيبه أحد، بل ردوا عليه ردا منكرا، حتى أغروا سف بالحجارة" 1 فكان هذا اليوم من أشد الأيام حزنا وأسى على قل ب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلال مسيرته الدعوية"2. وبعد هذا النصب الشديد، عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، "حتى إذا دنا منها، مكث بحراء، وبعث "أنا حليف، والحليف لا يجير"، فبعث إلى سهيل بن عمرو، رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: "نعم، ثم تسلح، "إن بني عامر لا تجير على بني كعب"، فبعث إلى المطعم بن عدي، فقال المطعم: ال سهيل:فق لبسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا، ثم بعث إلى رسول الله "ا ودعا بنيه وقومه، فقال: ه وسلم، ومعه زيد بن حارثة، حتى إذا انتهى إلى "أن أدخل، فدخل رسول الله صلى الله علي صلى الله عليه وسلم: ش، إني قد أجرت محمدا، فلا يهجه أحد "يا معشر قري المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، فنادى: وانتهى إلى الركن، فأسلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي، وولده محدقون به منكم"، "بل مجير" "أمجير أنت، أم متابع "قد أجرنا من أجرت" فقال: 4. ومن صور الجوار الرائعة، في العصر المكي، ما فعله ابن الدغنة، حينما أجار أبا بكر رضي الله عنه 2. وقد استفاد مهاجرو الحبشة، بعد رجوعهم إلى مكة، بعدما بلغهم خبر إيمان قريش بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، من قانون الجوار والحماية، فدخل كل واحد منهم في جوار أحد المشركين، يقول ابن اسحاق: "فلما بلغ الخبر إلى الحبشة، من سجود أهل مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبلوا، فلما دنوا من مكة، بلغهم الأمر، فثقل عليهم أن يرجعوا إلى أرض الحبشة، وتخوفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار، فمكثوا على ذلك حتى دخل كل رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة. وقدم عثمان بن مظعون بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بجوار من أبي طالب، وكان خاله" 4. 1 -124. 2 -وما رواه افقين رقم الحديث نما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى والمشركين وا "لقيت ول الله هل أتى عليك يوم، كان أشد من يوم أحد؟" فقال:، من أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا رس من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت...". 4 -108 . 2 -2 /46. 4 -1 /216.

عدد الصفحات ١٨

19 لاستفادة من قوانين الجاهلية، أمر مشروع، إن كان فيه مصلحة ونخلص من هذه النماذج للإجارة إلى "أن ا للدعوة، وليس هذا طعنا في الدين، وليس احتكاما لغير شريعة الله، كما يدور بخلد بعض المتحمسين" 1. وبناءا على ما تقدم، فإنه يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين، ويستفيدوا من جوارهم، إذا دعت ة إلى ذلك، أو كان في مصلحة الإسلام والمسلمين، سواء أكان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي، الذي الحاج كان نصرانيا عندئذ، ولكنه أسلم بعد ذلك 2، أو كان مشركا، كإجازة أبي طالب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وابن الدغنة لأبي بكر، والمطعم بن عدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. . وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من قانون آخر، كان له اعتبار كبير في الجاهلية وهو: "العصبية القبلية"، حيث كانت القبيلة عند العرب، تمثل الحماية والوقاية، وكان التعصب إليها أمرا محمودا بل واجبا د العدوان عليها، أو دفاعا عن شرف بناتها، ونسائها.في كثير من الأحيان، كالثأر لمقتل أحد أفرادها، أو ر لقد كانت الحياة العربية قبل الإسلام، تقوم أساسا على "وحدة والقبيلة"، فكان انتماء العربي الجاهلي انتماءا "وحدة اجتماعية وسياسية، يجمعها العرق، والدم وهي جماعة من الناس ينتمون إلى أصل قبليا، حيث تعد القبيلة: احد وينحدرون من أب واحد، والرابط الذي يجمع أفراد تلك الجماعة هو الشعور بالانتماء إلى القبيلة"و 4. وهذا الشعور يسمى "بالعصبية" وهي: "النعرة على ذوي القربي، وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم تهلكة، وتكون العصبية بين أهل النسب الواضح، ومن صاهرهم أي تزوج من نس اء منهم، أو تزوجوا هم من نسائه، أو ينتسب إليهم بالولاء أو الحلف" 2. وإذا استقرأنا أحوال المجتمع العربي في الجاهلية، وجدناه مجتمعا قبائليا، مفككا، ينقسم إلى وحدات متعددة، قائمة ياسي، حيث كان يعاب على بذاتها، تمثلها القبائل المختلفة، "وكانت العصبية القبلية تقضي على فكرة الترابط الس العرب الجاهليين: افتقاد النزعة أو الشعور بالقومية الشاملة، والسبب في ذلك: أن وعيهم السياسي كان ضعيفا، محدودا لا يتجاوز القبيلة أو القبائل المنتمية إلى الجد المشترك"4. 1 -1 /64. 2 -: التكب الجنازة أربعا: وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخ رج به م إلى المص لى، فص ف به م وك بر على حمة النجاش ي، ص ص لى الله علي ه وس لم ص لى عل ى أ، وع ن ج ابر رض ي الله عن ه أن رس ول ا 1442. 4 -وما بعدها 2 -48. 4 -460.

عدد الصفحات ١٩

21 والاندماج فيما بينهم، وهي على هذا إن رابطة العصبية عند العرب في الجاهلية هي: شعور التماسك، والتضامن، النحو: مصدر القوة السياسية، والدفاعية التي تربط بين أفراد القبيلة، وتعادل في وقتنا الحاضر: الشعور القومي عند شعب من الشعوب1. كلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك هذا الواقع جيدا، لذا كانت القبيلة ملاذه الآمن، وحصنه الحصين، اشتدت عليه الشدائد، وضاق عليه الخناق، وقد لعبت القبيلة دورا محوريا في حماية رسول الله صلى الله عليه عنه، وكان زعيم بني هاشم، وبني عبد المطلب مهموما بأمر ابن أخيه، ومتخوفا عليه من تنامي دوسلم، والذو عليه وسلم بالدعوة، تغيرت مجرى الظروف في وتيرة العداء ضده من زعماء قريش، فبعد جهر محمد صلى الله ماء، بل وزحف ساب إليها، مقتصرا على العبيد والإمكة، حيث كثر أتباع الدعوة الجديدة، ولم يعد أمر الانت الإسلام برفق ليدخل إلى أعز بيوت مكة، فأشهر خير شبابها ورجالها الإسلام، وفشلت الوثنية فشلا ذريعا في ا، وبذلك أصبحت عقول مشركي مكة تفكر في الإجهاز على رأس الدعوة الإسلامية، بل خنق الدعوة، ووأده وجهرت أصواتهم بذلك، إن قتل محمد صلى الله عليه وسلم يعني إطلاق رصاصة الرحمة على الدين الجديد، من همه نهائيا. والاستراحة جها، فالمشركون فاوضوه على أمر محمد كان أبو طالب يتأمل هذه الأحداث، ويدرس حيثياتها، وينزعج من نتائ صلى الله عليه وسلم، وهددوه بالمنازلة، ثم ساوموه على قتل ابن أخيه، وبلغ إلى مسمعه ما يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى... كان أبو طالب يتدبر بعمق هذه الوقائع، ويشم منها رائحة شر يرجف له فؤاده، ازمون على إخفار ذمته، مصممون على قتل ابن أخيه، لذلك "لما رأى تآلب قريش على ابن ويتقن أن المشركين ع أخيه، قام في أهل بيته من بني هاشم، وبني عبد المطلب، ولدي عبد مناف، ودعاهم إلى ما هو عليه، من منع ما كان من أخيه: أبي ابن أخيه، والقيام دونه، فأجابوه إلى ذلك، مسلمهم وكافرهم، حمية للجوار العربي، إلا لهب، فإنه فارقهم، وكان مع قريش" 2. "فكان الدافع إلى تلك الحماية: العصبية ولا شيء غير العصبية، فأنفة بني هاشم، وبني عبد المطلب وعزة أنفسهم بة إلى عن حياة ابن عم لهم، إذا طالتها يد غريب بالسوء، والحمية الجاهلية إذ ترفع ذوي القرا ددفعتهم إلى الذو مثل هذا التعصب، لا تنظر إلى مبدأ، ولا تتأثر في ذلك بحق، أو باطل" 4. والدليل على ذلك أن بني هاشم، وب عبد المطلب آثروا أن يجمعوا في صدورهم، بين رغبتين متناقضتين 2: 1 -444 . 2 -126. 4 -142 . 2 -بتصرف

عدد الصفحات ٢٠

21 -وسلم.الأولى: البقاء على الشرك والكفر، ثم الاستكبار على الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه -الثانية: الانصياع إلى الحمية والمبادرة إلى حماية محمد صلى الله عليه وسلم، من بطشة الغريب وظلمه، عصبية وليس اقتناعا بدعوته عليه السلام. لقد أقدم أبو طالب على "خطوة حاسمة، حيث دعا بين هاشم، وبني عبد المطلب ليحملوا مسؤولياتهم كاملة في لى الله عليه وسلم، ومن موقع زعامته لبني هاشم، وبني عبد المطلب، استجاب له الجميع حماية رسول الله ص لذلك، فحملوا سلاحهم من منطق العزة القبلية، والأنفة العشائرية" 1. عن دعوته، لن تستمر طويلا، فقد توفي أبو طالب دولكن إن حماية القبيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، والذو زعامة القبلية "أبو لهب" وهو من أشد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم حقدا على فخلفه على ال الإسلام والمسلمين، فغير "الزعيم الجديد" خطة القبيلة، واستراتيجيتها نحو الدعوة الإسلامية، فكان أول قرار وقعه لله عليه وسلم ودعوته، وتأكد ذلك جليا، هو: تخلي بني هاشم، وبني عبد المطلب عن حماية ونصرة محمد صلى ا عند رجوعه عليه السلام من الطائف، حيث لم يتجرأ أحد من قبيلته على جواره، إلا ما كان من المطعم بن عدي، فدخل صلى الله عليه وسلم مكة في جواره. .الخامس: الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى المبحث* هم غير المسلمين من أصحاب العقائد الأخرى، لظهور الإسلام، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، واعتبروه لقد تج نافلة يستغنى عنها، ولا حاجة إليه البتة، ومن ثم اعتبروا ظهور هذا الدين الجديد تحد لهم، ولبقائهم، فناصبوه دين الإسلام قد جاء امتدادا لهذه العقائد السماوية، العداء منذ اللحظات الأولى لظهوره إلى الناس، والحقيقة أن يل، ولم يأت لإبادة من يدين بغيره، بل جاء في المقام الأول مكملا دلحقها من تحريف وتب ومصدقا لها، ومبينا ما بالحق لها، ومهيمنا عليها، ومصلحا لما أفسده أصحابها، ومعالجا لما حرفوه منها، قال تعا 26.] أما عن علاقة الإسلام بالعقائد السماوية الأخرى، فهي تحصيل حاصل حسب الشيخ محمد عبد الله دراز، "لأن ان السماوية، كلمة الإسلام بالمعنى القرآني، نجدها لا تدع مجالا لهذا السؤال: عن العلاقة بين الإسلام وسائر الأدي فالإسلام في لغة القرآن، ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك، الذي هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء" 2. 1 -1 /64. 2 -84.

عدد الصفحات ٢١

22 "إن مثلي ومثل وصور الرسول صلى الله عليه وسلم تكامل الرسالات السماوية أحسن تصوير فقال عليه السلام كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون الأنبياء من قبلي، "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيئين" له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال:1. ملت أككانت الرسالات السماوية مجرد لبنات متراكمة في بناء صرح الإسلام، وكانت مهمة اللبنة الخيرة، أنها كما كانت حجر الزاوية الذي يقوي أركان البيت ويحفظه من التصدع والانشقاق، البنيان، وحسنته، وجملته. {46.] صيه من شوائب ما وضعه الواضعون، "وعلى ذلك فالإسلام هو الدين الذي اتحد جميع الرسل على نشره، وتخل وإن الإسلام ليس بدين جديد، جاء لأمة معينة، وإنما هو الدين الذي أوحاه الله إلى جميع رسله، فحرفه أتباعهم، ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخيرا لإحداث إصلاح ديني عام لسائر الملل، ليكون دينها العام الذي عليه ك جعل قاعدته: الإيمان بجميع رسل الله، من نعرف أسماءهم، ومن لا نعرف، وبجميع كتب الله يتم اتحادها، لذل بأي لغة كانت" 2. إن فهم هذا الأمر حق الفهم، يفيد المسلم وغير المسلم، فيفيد المسلم في معرفته، أنه تابع للدين الأصلي الجامع ميع الكتب وأما فائدة غير المسلم من فهم هذا الأمر، لسائر العقائد السماوية، ويؤمن بجميع الرسل، ويصدق بج فلكونه يسهل عليه الخروج من ورطته، والتخلص من شكوكه وشبهاته، فإنه ما من عاقل من عقلاء الملل والأخرى، إلا وتيقن بأن أيدي الخرافات قد امتدت إلى أصول عقائده، فحرفتها، وعبثت بصفاء تعاليمها، فيجد ف منها، راجيا حقيقتها، وإصلاحها، لذلك فلو علم أن الإسلام جاء بالإصلاح الشامل نفسه مضطرا للتأف لسائر الشرائع السماوية، لكان رجوعه إليه أمر ضروريا ومحتما. فكلما آلمه أمر مما يزعجه في دينه، وظنه منحرفا عن أصله وحقيقته كعقيدة الصلب والتثليث... لجأ – مضطرا -ن الجواب الشافي، عما إلى الإسلام للبحث ع يعانيه، ويقلق أمنه النفسي والروحي. وبناءا على كل ما تقدم، فقد استفاد الرسول عليه السلام من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى - وما أكثرها -خلال مقامه في مكة، فقد "كانت هناك هدنة - إذا صح التعبير -بين الإسلام والنصرانية يهودية في هذه المرحلة، وعقائد اليهود لم تتغير، وعقائد النصارى لم تتغير، ولكن المعركة في هذه المرحلة مفتوحة مع الوثنية" 4. 1 -4444 :2 /826. 2 -120. 4 -1 /124.

عدد الصفحات ٢٢

23 وتتجلى هذه الهدنة– المؤقتة -مع اليهود، "بما تضمنته كتبتهم، ومصادرهم الدينية من تأكيد على النبوة الجديدة نبوات، وإن لم تصرح جميعا ماذا سيكون هذا النبي، يهوديا أم غير يهودي؟"والأخيرة في تاريخ ال 1. وتمثل عمليا، موقف اليهود من ظهور دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن بين الديانتين قواسم مشتركة، حينما حل الوفد المكي إلى يثرب، ومضوا إلى اليهود يسألونهم عن دين محمد صلى الله عليه وسلم ب اعتبارهم أهل كتاب، فقالوا لهم: "سلوه عن ثلاث، فإن أجابكم عنها فهو نبي مرسل، وإلا فهو متقول كذاب، سلوه: عن رجل طاف في الآفاق، ماذا كان خبره؟ وسلوه عن فتية من الدهر الأول، ماذا كان خبرهم؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك، فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم" 2. وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن أسئلة اليهود، ونزلت سورة الكهف تبين حقيقة ما قاله الرسول عليه السلام4. "وبذلك شعر المشركون على الأقل، أن اليهود ومحمد صلى الله عليه وسلم في معسكر واحد 2، ويقفون على أرضية مشتركة، وأن بينهما ما يجمع، أكثر مما يفرق، وبذلك ضمن صلى الله عليه وسلم ود وحياد اليهود في المرحلة المكية على الأقل. أما الموقف الثاني في علاقة الإسلام بالنصرانية، في مكة، فقد جاء متمثلا في وفد النصارى الذين حضروا إلى مكة ن اعلنوا اسلامهمما لبثوا أ ى معالم هذا الدين، ثممن الحبشة ليتعرفوا عل 4. إن إسلام هذا الوفد، زاد من مخاوف قريش وزعمائها، فتأكد لديهم أن الإسلام والنصرانية بينهما من القواسم المشتركة ما يجعلهما في حلف واحد مشترك، فالديانتين معا تتفقان على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافه مما جعل النصارى يتعرفون إليه، ونبوته، حيث ذكر الإنجيل صفا ويؤمنون برسالته، ونفس الأمر حصل مع اليهود الذين وجدوا أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم، وخصائص رسالته في توراثهم. م السابق، ومجرد سلوك بمقتضى ما إن إيمان أهل الكتاب بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، "مجرد استمرار لإيمانه كانوا يتمسكون به من عقيدة ودين، فقد كانوا –على حد تعبير رواة السيرة –أهل إنجيل وتوراة، وبما كان الإنجيل 1 -284. 2 -وما بعدها 4 -في أسباب نزول آيات الكهف 2 -1 /124. 4 -وما بعدها

عدد الصفحات ٢٣

24 والتوراة يأمران أتباعهما بإتباع الرسول عليه السلام، وتحدثا عن صفاته ومميزاته، فقد كان من مقتضى استمرار بهذا النبي وهو صلى الله عليه وسلم" إيمانهم: الإيمان 1. وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأرضية المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى، وظل السلام قائما بينهما على الأقل خلال المكية -وبذلك أمن صلى الله عليه وسلم جانب النصارى واليهود خلال مقامه لسلام "يكتفي من دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام بمجرد مطالبتهم بتطبيق ما في التوراة في مكة، فكان عليه ا { 86"]2. *العلاقة مع غير المسلمين في حالتي القوة والتمك. الأول: علاقة المسلمين باليهود: نشأتها وتطورها: * المبحث إن علاقة المسلمين باليهود قديمة قدم التاريخ نفسه، ترجع في بدايتها الأولى إلى بشارة كتبهم السماوية ومصادرهم دة وأخيرة في تاريخ النبوات، وإن لم تصرح هذه المصادر من سيكون هذا النبي يهوديا أو غير الدينية بنبوة جدي يهودي؟ سلم أوصافه في توارثهم، فعن زيد بن أ والمهم من ذلك كله، أن اليهود كانوا على علم ببعثة رسول خاتم، وجدوا يا أيها النبي إنا (لله عليه وسلم في التوراة قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول:"إن صفة رسول الله صلى ا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا ن يقولوا ضه حتى أقيم به الملة المتعوجة بأصخب بالأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقب فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال:"صدق عبد الله بن )، فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفالا إله إلا الله {4. ولم تكتف التوراة بذكر صفات محمد صلى الله علبه وسلم وزمان ومكان بعثته، بل ذكرت اسمه صريحا حيث "جاء في حاشية الأصل العبري:"مشتهى كل الأمم حمدوت أي: الذي تحمده كل الأمم" "فالتوراة إذن صرحت باسم محمد د صلى الله عليه وسلم"هو:"مشتهى كل الأمم"... وقد اثبتت الأيام أن الرسول المبشر به هو: محم 2. 1 -بتصرف 2 -124. 4 -وقد حشد فيها والكثير من الروايات التي تؤكد علم اليهود نبوة محمد 2 -22.

عدد الصفحات ٢٤

25 وقد تعددت الروايات التاريخية- يما لا يدع مجالا للشك -التي تؤكد إرهاصات مجيء الرسول الجديد، وتذكر صفاته، من أجل ذلك راح اليهود يعلنون بين الفينة والأخرى عن قرب ظهور النبي الأخير، ويتباهون بذلك، نهم من أجل مزيد من السيطرة والنفوذ والإذلال واحتكار الأموال للعرب ويهددون غيرهم بالانتماء إليه، ويتوعدو المحيطين بهم، لكن لم يكن يدور في خلد اليهود، وفي قرارة أنفسهم أن النبي الجديد قد ينتمي إلى سلالة أخرى غير السلالة اليهودية المعروفة. والإنجيل، لم يظهر في اليهود النبي الموعود وولد محمد وفي انتظار اللحظة الموعودة، وخلال الأجل المحدد في التوراة صلى الله عليه وسلم في مكة، يحمل علامات نبوته المادية والمعنوية، تحكي الروايات:"أنه عندما ولد محمد صلى لى آمنة فقالوا لها: "أخرجي الله عليه وسلم بمكة، كان بها يهودي يدعى يوسف، فتوجه مع بعض وجوه قريش إ بنك، فأخرجته، وكشفوا عن ظهره، فرأى الشامة بك؟ قال:"ذهبت النبوة من بين إسرائيل" 1. وبذلك أصبح الطفل محمد صلى الله عليه وسلم في خطر دائم من اليهود، وهذا ما يفسر به أن بحيرا الراهب نصح أبا طالب أن يبع د محمدا عن اليهود فقال له:"والله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبلغنه شرا" 2. ثم أردف قائ "فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم" 4. وبعث محمد صلى الله عليه وسلم بعد أربعين سنة من ميلاده، وخاض جهادا مريرا في الدعوة إلى الله وتبليغ ي قريش، الذين لم يعدموا وسيلة ولا رأيا في إخماد جذوة رسالته ووأد حركته. الرسالة إلى الناس، متحديا مشرك "ورغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا فإننا نستطيع أن نجزم بأن اليهود وقفوا طيلة الصراع المكي الذي دام ثلاثة ن ضتهم على النبي العربي، وأددوا قبعشر عاما، وراء قريش يتبادلون معها الوفود ويتصلون بها سرا، من أجل أن يش يشلوا حركته قبل أن يشتد ساعدها، وتغدو قادرة على اكتساح كل من يقف في طريقها ليصدها عن هدفها المحتوم، وثنيا كان أم يهوديا" 2. فشلت محاولات الوثنية، وحليفتها اليهودية في وأد الدعوة الإسلامية في مكة، واستطاع عليه السلام ومن معه من ابقين الأولين الصمود في وجه مشركي مكة، وتوج هذا الصمود بهجرة رائعة إلى المدينة المنورة، والتي أنشأ بها الس عليه السلام دولته الإسلامية المنشودة. لم يكن اليهود في المدينة قادرين -أول الأمر -على إعلان عداوتهم باعها من عرب المدينة الذين يزدادون كثرة يوما بعد يوم، المكشوفة للدولة الناشئة، ولصاحبها عليه السلام، ولأت تزال على قوتها وقدرتها في كما و لم يكن في مصلحتهم أن يقودوا بأنفسهم زعامة مقاومة الإسلام، وقريش لا حرب المسلمين، لذلك ظل اليهود يشاهدون أطوار الصراع الإسلام الوثني، ويتأملون أحداثه، ويخططون على ضوء 1 -2 /228. 2 -1 / 6 . 4 -1 /48. 2 -286 .

عدد الصفحات ٢٥

26 جه المتوقعة، وهذا ما يفسر به موافقة معظم قبائل اليهود على "الدستور" الذي طرحه الرسول عليه السلام نتائ لتنظيم الأمور السياسية والاجتماعية والدينية في يثرب، ودخلوا أطرافا فيه برغبة مشوبة بالحذر الشديد. هي:ويمكن أن نميز في علاقة المسلمين باليهود بثلاثة مراحل أساسية و -المرحلة الأولى: مرحلة الهدنة المشوبة بالحذر. -المرحلة الثانية: مرحلة الحرب المعنوية والنفسية التي شنها اليهود على الإسلام والمسلمين. -المرحلة الثالثة: الصراع المسلح والقضاء على الوجود اليهودي في المدينة. الأول: مرحلة الهدنة المشوبة بالحذر. * المطلب د العلاقة بين المسلمين واليهود نوع من السلم المؤقت والهدنة المحدودة، وكان ذلك في أعقاب هجرة الرسول سا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبعد كتابة "الوثيقة" التي نظمت العلاقة بينهم، فقد اتصل الرسول عليه السلام { هم وَرَسُولمهم النَّبيمي الأُْمييي هم إملَيْكُمْ جمَميعًا الَّذمي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتم وَالأَْرْضم لاَ إملَهَ إملاَّ هُوَ يحُْيمي وَيمُميتُ فَآممنُوا بماللَّ رَسُولُ الل 146] . من اليهود، يتقدمهم عبد الله بن سلام لم يستجب لدعوة الإسلام إلا نفر قليل1. فبالرغم من أنهم كانوا أهل دين سماوي له امتداد تاريخي، ويعرفون معنى النبوة وخصائصها وصفاتها، ويدركون الحقائق الاعتقادية المشتركة بين أهل الديانات، ويستطيعون - بكل يسر وسهولة -أو كذبه لكنهم أن يتأكدوا من صدق محمد صلى الله عليه وسلم أصموا آذانهم دون دعوته، ومع ذلك سارت العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود سيرا حسنا في بداية أمرها. فكان محمد صلى الله عليه وسلم يتطلع أن يتفهم اليهود دوافع حركته الدينية وأهدافها، باعتبارهم أهل ئل صدقه ويقرؤونها في كتبهم.الكتاب، لاسيما أنهم يرون بأم أعينهم دلا رأى اليهود هذا التعاطف الإسلامي إزاءهم من محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، لكنهم لم يفهموا أسبابه، ودوافعه، فاعتقدوا خاطئين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما يعترف بأرجحية عقيدتهم التي يؤمنون ف يتركهم وشأنهم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وظنوا بها، أو أنه عليه السلام سو - متوهمين -أنهم ربما يتمكنون يوما من استمالة محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى دينهم!! إلا أن هذه الظنون سرعان ما تلاشت، فأدركوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم بكل وضوح، عندما توالت دعواته الدين الجديد، إن أرادوا الحفاظ على جوهر يهوديتهم التي جاء بها موسى عليه السلام. ثم على ضرورة دخولهم في توالت آيات القرآن الكريم تنزل سخطها وغضبها على ما يمارسه اليهود بحق دينهم وكتبهم من تحريف وتزييف من 1 -وما بعدها

عدد الصفحات ٢٦

27 ا يعني مستقبلا: عزل اليهود أجل حماية مصالحهم، أضف إلى ذلك سرعة انتشار الإسلام في المدينة وأطرافها والحد من نشاطهم التجاري والاقتصادي على السواء. وبتفحص المعطيات السابقة، أصبح يتضح لليهود خطر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يهدد بذلك هر اليهود ظماعية، وبناءا على ذلك سرعان ما أوجودهم ويقضي على مصالحهم السياسية والاقتصادية والاجت عدواتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ووقفوا إلى جانب الوثنية، وامتدحوا أصنامها ونأوا عن التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: مرحلة الحرب المعنوية والنفسية التي شنها اليهود على الإسلام والمسلمين. * المطلب دة اتسمت بشيء من التصعيد من قبل اليهود إزاء الإسلام ولرسوله، فبعد فترة السكون ظهرت بوادر مرحلة جدي والترقب الأولى أبدى اليهود حقيقة سرائرهم نحو الإسلام والمسلمين فشنوا حربا نفسية ومعنوية عليهما، وأجمل أبرز معالم هذه الحرب فيما يلي: 1- عليه وسلم: لقد كان أحبار اليهود يوجهون أسئلتهم التعجيزية المحرجة على رسول الله صلى الله ةإلقاء الأسئل إلى محمد صلى الله عليه وسلم1، ويظنون أنهم يصلون إلى حد إظهار عجزه عن الإجابة، يقصدون من وراء ذلك، إحراجه وتكذيبه أمام الناس، ولكن الله تعالى كان يبكتهم بما يوحي إلى رسوله من الإجابة عن كل سؤال يسألونه، ومن ذلك أتهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله فيسمعوا كلامه تعالى، فأنزل الله في ذلكلا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأ تينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون116.] 2-دام الجدل: انتقلت المناقشة الدينية بين الرسول عليه السلام واليهود إلى مجادلة كلامية، ومن المعروف أن استخ اليهود أهل جدل ومراء على مر عصور التاريخ، خاصة مع أنبيائهم ورسلهم، ومواقفهم مع موسى عليه السلام مشهورة ومعروفة 2. لذلك بدأ اليهود الجدل مع محمد صلى الله عليه وسلم لإضعاف موقفه، والتشكيك في دعوته ومن أمثلة ذلك: جدالهم في مسألة النسخ، واستنكارهم أن يبدل الله آية مكان آية أو حكما مكان حكم وقالوا: ألا ترون أن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، وهذا ليس من شأن الأنبياء، وراحوا يرددون أن القرآن من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله قرآنا يرد عليهم فريتهم 108.] 1 -124 . 2 -وما بعدها

عدد الصفحات ٢٧

28 4-يك في الإسلام ونبوة محمد صلى الله الخداع والتلبيس: استخدم اليهود أسلوب الخداع والتلبيس قصد التشك عليه وسلم فقد كانوا يظهرون الإسلام لفترة من الزمن ثم يرجعون عنه بعد ذلك، لتشجيع المسلمين على الارتداد عن دينهم، وقد ذكر القرآن هذه الصفة فيهم فقال تعا دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتىر واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تومنوا إلا لمن تبع الذين آمنوا وجه النها من يشاء والله واسع عليم 62.] 2-لإسلام والسخرية من شعائره، وعباداته، وقد الاستهزاء بالدين واحتقار شعائره:اتبع اليهود طريقة الاستهزاء با فضح الله مسلكهم هذا في كتابه العزيز، ونهى المؤمنين عن موالاتهم فقال عز من قائل مؤمنينتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم 80.] 4-إيقاع الوقيعة بين المسلمين لهدم وحدتهم: كان اليهود يتربصون بالمسلمين للإيقاع بينهم، ونشر الفرقة اصة الأوس والخزرج ومن جماعتهم وإحداث فتنة اجتماعية تكون بمثابة شرارة فتيل حرب بين طوائف المسلمين خ ذلك، "ما فعله شأس بن قيس -وكان شيخا قد عسا، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، عندما مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم لاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من ه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصظيتحدثون فيه، فغا العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ومالنا إذا اجتمع ملؤهم، بها من قرار، فأمر فتى شابا من يهود كان معهم فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث 1. وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار"2. "ففعل ذلك، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على قال ابن اسحاق .. فبلغ ذلك رسول الله فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم وقال: "يا معشر .الركب أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر المسلمين الله الله، أبدعوة الجاهلية وأنا بين الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بين قلوبكم" 4. 8-تعاون اليهود مع المنافقين للكيد للإسلام والمسلمين: زادت علاقة المسلمين باليهود توترا بعد انضمام اليهود المسلمين، "حيث جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة التي هي أول السور إلى المنافقين في حربهم النفسية ضد 1 -يوم من أيام الجاهلية اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس. يوم بعاث 2 -2 /142. 4 -2 /144.

عدد الصفحات ٢٨

29 { ويدل على هذا أن قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق، أو شجعوهم عليه في مواقف الخداع" 1. وقد ذكر ابن هشام أسماء اليهود الذين أسلموا نفاقا وتشجيعا لغيرهم على النفاق لهدم صرح الإسلام من الداخل 2. المدينة ونواحيها.الثالث: الصراع المسلح والقضاء على الوجود اليهودي في *المطلب وابتدأت هذه المرحلة من علاقة المسلمين باليهود، بنقض العهود، فأول ما فعله اليهود أنهم نقضوا عهودهم ومواثيقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون لم يحدثوا أنفسهم أبدا بذلك، ولا فكروا في طرد اليهود س كانوا يأملون منهم أن يكونوا عونا لهم في حرب الوثنية باعتبارهم أهل من أرض الجزيرة العربية، بل على العك كتاب. بيد أن اليهود كانوا أسوأ ظنا، فلم تمض أيام على انتصار المسلمين في بدر حتى راحت قبائلهم تنقض بنو النضير عهودها، وتخون مواثيقها، وكان بنو قينقاع أول من نقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ة، وينبغي التذكير أن نقض العهود هو أحد سمات اليهود على مر التاريخ، وقد نبه القرآن ظومن بعدهم بنو قري { [46.] وكان أول صدام مبكر بين الإسلام واليهود، ذلك الذي حدث في أعقاب معركة بدر... بدأ اليهود الذين صدمتهم نتيجة المعركة، التي لم يكونوا يتوقعونها، يروجون الشائعات ضد المسلمين، ويشنون حربا نفسية ضد شركين، حيث نقلوا كافة المعلومات عن نوايا المسلمين رسوله ودعاته ويمارسون التجسس على المسلمين لصالح الم وحركاتهم إلى قريش 4. ، حيث جلست امرأة مسلمة إلى صائغ يهودي تبيع قينقاعوازداد الموقف توترا في أعقاب حادثة سوق ب عمد الصائغ إلى التحرش بها، ممابضاعتها، فتقدم إليها عدد من اليهود وطلبوا منها كشف وجهها فأبت، ف ضحك اليهود المتجمعين حولها، فصاحت المرأة، فما وسع رجل من المسلمين إلا أن وثب على الصائغ اليهودي أ فقتله، فشد اليهود على المسلم فقتلوه، واستصرخ أهل المسلم أتباعهم، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع 2. عليه السلام على حضورهم الواقعة داخل وبذلك نقض بنو قينقاع بنود دستور المدينة، وخرقوها، "فحاصرهم المدينة في شوال من السنة الثانية للهجرة، وقد استمر الحصار خمس عشرة ليلة، وانتهى بنزول اليهود على حكم 1 -2 /121. 2 -111. 4 -42. 2 -2 .

عدد الصفحات ٢٩

31 الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قضى بإجلائهم عن يثرب إلى أي مكان يشاؤون 1. دون أن ينزل بهم أية عقوبة أخرى، وبخروجهم إلى اذرعات من بلاد الشام، تخلص المسلمون من واحدة من القبائل الرئيسية الثلاث التي استوطنت المدينة منذ أمد بعيد. وبعد هذا الجلاء، خمدت نار اليهود المتأججة - ولو لحين -وضعفت همتهم في الكيد للإسلام والمسلمين، لكنهم يظهرون ضغائنهم على الإسلام والمسلمين، ويطلقون الأقوال تنفسوا الصعداء بعد هزيمة المسلمين في أحد، فراحوا السيئة خاصة بعد فاجعتي: الرجيع وبئر معونة وتأليب الأعراب الوثنين ضد المسلمين، وبذلك عاود اليهود نشاطهم الاستفزازي ضد الإسلام وأتباعه، فقرر بنو النضير التأمر على حياة محمد صلى الله عليه وسلم في السنة رابعة للهجرة. "حيث ذهب عليه السلام إلى حصونهم بصحبة عدد من كبار الصحابة، يستعينهم في دية قتيلين ال من بني عامر، كان أحد أصحابه قد قتلهما خطأ في أعقاب نجاته من حادثة بئر معونة، فوجدها يهود بني النضير يح أسفل جدار بيت من بيوتهم، استشار فرصة سانحة لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يستر بعضهم البعض بإلقاء صخرة على رأسه صلى الله عليه وسلم، فتطوع للقيام بذلك عمر وجحاش بن كعب، فبينما هو يصعد لتنفيذ المؤامرة نزل الوحي الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بما يدبر له، ثم غادر عليه دينة"السلام المكان عائدا إلى الم2. وبعد ذلك أمهل الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود مغادرة المدينة خلال عشرة أيام، وأن من شوهد بعدها منهم، ضربت عنقه، ولما لم يستجيب بنو النضير لإنذاره عليه السلام، أصدر أمره بالتهيؤ للمسير إلى حصون بني م يهود بني النضير، ووافقوا على الجلاء إسوة بإخوانهم النضير وقتالهم، وبعد حصار دام خمسة عشر يوما استسل "قينقاعمن بين 4. وهكذا تم إجلاء القبيلة الثانية من اليهود بسبب نقضها العهد، وخرقها الميثاق وخفرها الذمة وخيانتها الرسول صلى الله عليه وسلم. اء هزيمتهم، وامتداد الإسلام إلى كل مكان، لم يشأ زعماء بني النضير الذين استقروا في خيبر أن يظلوا ساكتين إز وتدارسوا الأمر فيما بينهم، ففكروا في تكوين تحالف كبير ومهاجمة المدينة لاستئصال خضراء المسلمين، وسرعان ما شرع اليهود في تنفيذ ما اتفقوا عليه، وبدأوا في الاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل العربية، وإقناعها بفكرة لف ضد الإسلام ومحاربته، وقد شارك يهود بني قريظة التحا - الموقعين على صحيفة المدينة -في هذا التحالف، وبذلك نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد بلو الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1 -2 / 146 . 2 -وما بعدها 4 -426.

عدد الصفحات ٣٠

31 طر هجوم في تاريخ الإسلامتحصن بالمدينة، وصمد المسلمون لمحنة الأحزاب وتمكنوا من دحر أخ 1. وبعد تفكك عرى الأحزاب ورجوعها خائبة إلى ديارها سار الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى يهود بني قريظة، وبعد حصار دام خمس وعشرين ليلة، دب الرعب في قلوب اليهود وتسرب الخوف إلى أنفسهم، فأعلنوا استسلامهم، وبعد شد وجذب حكم فيهم رس ول الله صلى الله عليه وسلم حليفهم سعد بن معاذ زعيم الأوس، فحكم عليهم بقتل الرجال وسبي النساء وتقسيم الأموال 2. وبهزيمة بني قريظة، يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد تخلص من التكتل اليهودي بالمدينة المنورة ظلت منطقة خيبر - على مر الصراع الإسلامي اليهودي -ذا آمنا، وملجئا مريحا لليهود الذين أجلاهم ملا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة. "ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا" 4. وسلم ينتظر الفرصة المواتية لضرب هذا التجمع اليهودي الأخير، وبسبب ذلك كله، راح الرسول صلى الله عليه وعندما بلغ إلى مسمعه صلى الله عليه وسلم تجهز أهل خيبر لمهاجمته المدينة واستنفار باقي اليهود ضده، جهز ين عليه السلام جيشه، وسار به نحو حصون خيبر، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن نتيجة المعركة ستغير مواز القوى من جديد، وربما ستحدث نكسة، تعيد لليهود قوتهم وسلطتهم. وبعد تنظيم الجيش الإسلامي، وبث روح البسالة في نفوس جنوده، شن المسلمون هجومهم، وراحت حصون اليهود تتداعى واحدا تلو الآخر، وبذلك انتصر المسلمون على اليهود انتصارا باهرا 2. اورة تم تصفية آخر تجمع يهودي، لعب دوره في مواجهة الإسلام وخصومته، ووضع وبسقوط خيبر والمواقع ا العوائق في طريقه، وحبك المؤامرات ضده، وقضى قضاء تاما على القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية ليهود يوب التي الحجاز، وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العليا في معظم مساحات الجزيرة العربية، وكبتت كل الج كانت تشكل نقاط ضعف في جسد هذه الدولة التي يحيط بها الأعداء من كل مكان 4. ه في الكتابة إلى زعماء بقايا بة بمقنا القريبة من أيلة وإلى التجمعات اليهودية في أقصى الشمال لتجديد موقفها من الإسلام، فكتب إلى بني جن 1 -وما بعدها، و"السيرة النبوية" لابن هشام وما بعدها 2 -4 /124. 4 -240. 2 -4 /214. 4 -241 .

عدد الصفحات ٣١

32 بني غاديا وبني عريض وإلى أهل جرباء وأذرح 1... وبذلك تمكن عليه السلام من تحويل هذه التجمعات اليهودية إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية، يؤدون الجزية مقابل التمتع بحماية الدولة الإسلامية، وعدلها وسماحتها. 1 -وما بعدها

عدد الصفحات ٣٢

33 اني: علاقة المسلمين بالنصارى.الث * المبحث الأول: نشأة هذه العلاقة. المطلب إن علاقة المسلمين بالنصارى علاقة قديمة - كمثيلتها اليهودية -ترجع في بداياتها الأولى إلى الإرهاصات المتبقية ل الله صلى الله عليه في العهدين القديم والجديد، فقد تواتر الحديث عن رهبان النصارى وأحبار اليهود، "بأمر رسو وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه، أما الأحبار من يهود، والرهبان من نصارى فما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه" 1. ت نبوته، بل إن النصارى كانوا على علم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى دراية بصفاته وعلاما يعرفون حتى اسمه، فعن سهل مولى عتبة –وكان نصرانيا من أهل مويس، يتيما في حجر أهله وعمه - قال: "أخذت مصحفا لعمي، فقرأته حتى مرت بي ورقة فأنكرت كتابتها حيت مرت بي، ومسستها بيدي، فنظرت فإذا بيض، يه وسلم، أنه لا قصير ولا طويل، أ علفصول الورقة ملصق بغراء، ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل اسمه: أحمد، فلما ئقميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد بر عمي، فلما رأى الورقة ضربني، وقال: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟ فقلت: فيها نعت انتهيت إلى هذا جاء النبي أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد" 2. وقد تحدث راهب من عمورية إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، الذي كان يبحث عن الحقيقة وهو يجوب أنحاء دين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بحرتين بين "إنه قد أظل زمان نبي مبعوث ب الأرض قائلا له: كتفيه خاتم النبوة"4. أضف إلى ذلك أن الأناجيل القديمة قد اعترفت صراحة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بل وذكرته باسمه وصفاته أني كنت بريئا في العالم، أراد الله "فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله على وأخلاقه، وقد جاء في إنجيل برنابا: أن يهزأ الناس في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب، لكيلا تهزأ الشياطين بي في ، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي متى جاء كشف هذا الخداع ينونةيوم الد ة الله"للذين يؤمنون بشريع 2. 1 -6 2 . 2 -1 /62. 4 -وما بعدها 2 -، ولمزيد من النصوص التي تؤكد بشارة الأناجيل برسالة محمد ينظر: "محمد بين التوراة والإنجيل والقرآن 26.

عدد الصفحات ٣٣