المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تأصيل العلاقة مع غير المسلمين من خلال أحداث السيرة النبوية

حميد الصغير

صفحة ١ من ٥

2 حداث السيرة النبويةأمين من خلال لعلاقة مع غير المسلا تأصيل :تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: م، في الدنيا فقد أنزل الله دين الإسلام رحمة للعالمين، وجاء خطابا لكل الناس يدعوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحه والآخرة، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، وبذلك انقسم الناس نحو الإسلام إلى قسمين: -قسم رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. وقسم اتخذ لنفسه دينا آخر، أو اختار ألا يكون له دين أصلا. الإسلام فقد اهتدوا إلى الحق، ولكن يبقى الآخرون من غيرهم، دوما، مادة لدعوتهم وإذا كان المسلمون قد اختاروا إلى هذا الحق. فالصلة بهم هي: صلة "الأخوة الإنسانية"1، وصلة التآزر، والتعاون على ما فيه الخير والنفع العام، وليست بحال صلة عداوة، إلا من سلك منهم مسلك الاعتداء لذلك جاءت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تحدد طرق التعامل مع غير المسلمين، حيث شرع عليه السلام أحكاما تنبن على المشترك بين الإنسان، وتقوم في مجملها على السلم والتعارف والتعاون. فإذا ما كان الاعتداء، أصبحت العلاقة: علاقة حرب، فإن أحكاما أخرى، تضبط أيضا، هذا الوضع، ولا تتركه مرس لا بلا قيود ولا ضوابط. الإنساني قديمه وحديثه، نشبت فيه بين المسلمين وغيرهم ملابسات كثيرة، جرى فيها الواقع أحيانا التاريخولكن بما لا يتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية السمحة، وتعاليم الرحمة المهداة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد انا مما جرى به الواقع إلى ذات الأحكام، فيما جرى به تقريرها من قبل بعض تكون تلك الملابسات انتقلت أحي الفقهاء المتعاطين للشأن الشرعي. فحدث بعض الخلط واللبس اللذان يجافيان الحقيقة الشرعية. إننا نشهد اليوم خلطا كبيرا في علاقة المسلمين بغيرهم، وهو خلط يتطرف أحيانا ذات اليمين، فيذهب من ينتمي إلى ذلك، إلى: إزالة الفوارق، وطمس الهوية، والاستغناء عن الفروق الجوهرية، ليكون الناس جميعا متساوين في الانتماء الذي قد يسمى "بالديانة الإنسانية" 2 ويتطرف –الموقف من غير المسلمين -أحيانا أخرى، ذات المبدئي من غير المسلمين: معتدين كانوا الشمال، فيذهب من يتصور ذلك، إلى: الوقوف موقف العداء الأبدي و 1 -لشرعية" يؤصل القرضاوي لهذا المصطلح ومصطلح "الأخوة الوطنية" في كتابه:"الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد ا وما بعدها 2 -أصبح هذا المصطلح يؤسس لتيار فكري إلحادي، يلغي جميع الأديان، والفوارق الجوهرية بين الإنسانية ويحتفظ فقط "بالإنسان وري خلقته الطبيعة.ككائن جوهري وأسط

عدد الصفحات ٢

3 أم غير معتدين، مسالمين كانوا أم محاربين. ويتمثل كل من هذا، وذاك، في مواقف وتصرفات توجهها قناعات وتصورات بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين وتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه التصورات متأتية من فهم بين المسلم وغيرهخاطئ لسيرورة العلاقة -كما شرعها الله عز وجل وطبقها رسوله صلى الله عليه وسلم -أو جاءت كرد فعل عن مواقف وتصرفات عدائية لغير المسلمين نحو المسلمين. ومن هنا يلحق ضرر كبير بالإسلام لمعادلة إلى وضعها والمسلمين خاصة، وبالعلاقات الإنسانية عامة. وهو الأمر الذي يستدعي تصحيحا، يعود بهذه ا الشرعي الطبيعي، والأصيل، كما عاشه وقرره الرسول عليه السلام والمسلمين معه، من بداية الدعوة إلى منتهاها. "تأصيل العلاقة مع غير المسلمين من خلال أحداث وفي هذا السياق يأتي هذا البحث المتواضع تحت عنوان: ه القضية المهمة، من قضايا الأمة، فيما تتعرض له علاقاتها مع غير السيرة النبوية: دراسة تطبيقية". يعالج هذ المسلمين منذ زمن من تقول واتهام، وبالأخص في عصرنا الحالي، وما يشهده من أحكام قبلية خاطئة على علاقة ية، المسلم بغيره. والتي أصبحت تطفو على السطح، حتى من بعض الفقهاء المسلمين، الذين قرروا تقريرات فقه جانبها الصواب في كثير من الأحيان. هذه التقريرات الفقهية المغلوطة، أدت بدورها إلى مغالطات أخرى في الواقع الذي يحكم علاقة المسلمين بغيرهم. وهو الأمر الذي يستدعي معالجة تأصيلية شرعية، ترد الأمر إلى نصابه واضع.الصحيح، وهو الدور الذي أرجو أن يقدر لهذا البحث المت وبما أن التعامل مع الآخر هو: علاقة تطبيقية على أرض الواقع المشترك، ارتأيت أن أضبط هذه العلاقة، بين المسلمين وغيرهم، وأجلي معالمها، من خلال أحداث السيرة النبوية العطرة، والتي هي بالأساس، قامت على ترجمة تنظير المثالي إلى التطبيق العملي والواقعي. كما أن أحداث هذه العلاقة على أرض الواقع، ونزلت بها من مستوى ال السيرة النبوية انبسطت لتشمل جميع المراحل والأطوار لهذه العلاقة، فشملت علاقة المسلمين بغيرهم في حالة الضعف والقوة، والسلم والحرب، والهدنة والصلح. معه، حفظت إن السيرة الواقعية للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين – وبصدق -معالم تلك العلاقة المتميزة للمسلمين بغيرهم، لما تمتع به غير المسلمين من حقوق، وهم يعيشون في المجتمع الإسلامي، تحت قيادة الرسول عليه السلام، وفي ظل تطبيق أحكام الإسلام السمحة. من أقوال وأفعال وسلوكات، نحو الآخرين، إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم اليوم، وما يصدر عن بعض المسلمين تعطي صورة غير حضارية وغير مقبولة عن الإسلام، وقد شاب هذه العلاقة في القرون الأخيرة، الكثير من التنظير والتأصيل، الذي ينجح إما إلى الإفراط أو التفريط، واختلطت في هذه العلاقة الثوابت والمتغيرات، وتداخلت ع والنصوص الشرعية في الأعراف والتقاليد. لذلك أرى من الضروري تنقية هذه العلاقة من الأصول في الفرو الشوائب التي علقت بها، حتى تظهر في أحسن صورة وأنصعها، من خلال الرجوع بها، إلى الواقع وسوف أتناول هذا الموضوع وفق المنهج التالي:

عدد الصفحات ٣

4 : معالم العلاقة مع غير المسلمين في حالتي الضعف والخوف الأول: الاشتغال بسرية الدعوة، مع التركيز على بناء العقيدة بحثالم الثاني: الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله، مع الإعراض عن المشركين بحثالم الثالث: رفض الإغراءات والمساومات على حساب العقيدة بحثالم قاومة السلمية للمسلمين والدفاع عن النفس عند الضرورة القصوىالرابع: الم بحثالم الخامس: الاستفادة من قوانين المجتمع الكافر للقبيلة السادس: الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى بحثالم : العلاقة مع غير المسلمين في حالتي القوة والتمك لأول: علاقة المسلمين باليهود: نشأتها وتطورهاا بحثالم الأول: مرحلة الهدنة المشوبة بالحذر طلبالم الإسلام والمسلمينالثاني: مرحلة الحرب المعنوية والنفسية التي شنها اليهود على طلبالم الثالث: الصراع المسلح والقضاء على الوجود اليهودي في المدينة طلبالم ونواحيها الثاني: علاقة المسلمين بالنصارى بحثالم الأول: نشأة هذه العلاقة طلبالم الثاني: مميزات العلاقة بالنصارى في مكة والمدينة طلبالم الثالث: الصراع المسلح ضد النصارى طلبالم :في السيرة النبوية بغير المسلمين علاقة المسلمين نماذج من :لفصل الثالثا أهل الذمةعلاقة المسلمين مع :المبحث الاول الأول: تعريف الذمة لغة واصطلاحا طلبالم الثاني: مشروعية عقد الذمة والحكمة منه طلبالم الثالث: نماذج تطبيقية لعقد الذمة في السيرة النبوية طلبالم

عدد الصفحات ٤

5 علاقة المسلمين بأهل العهد :بحث الثانيا الأول: تعريف العهد لغة واصطلاحا طلب الم الثاني: مشروعية عقد العهد مع غير المسلمين طلبالم الثالث: نماذج تطبيقية لعقد العهد في السيرة النبوية طلب الم : علاقة المسلمين بالمستأمنينبحث الثالثالم الأول: تعريف الأمان لغة واصطلاحا طلب الم مشروعية عقد الأمان وأنواعه وأقسام المستأمنينالثاني: طلب الم الثالث: نماذج تطبيقية لعقد الأمان مع غير المسلمين في السيرة النبوية طلب الم المسلمين بأهل الحياد: علاقة بحث الرابعالم الأول: تعريف الحياد لغة واصطلاحا طلب الم الثاني: مشروعية الحياد وأنواعه طلبالم الثالث: نماذج تطبيقية للعلاقة مع بأهل الحياد في السيرة النبوية. طلبالم * خاتمة لائحة المصادر والمراجع .

عدد الصفحات ٥

6 :تقد خلال أحداث ووقائع السيرة شك أن أسلوب تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين، ومن لا النبوية، يعتبر نموذجا يحتذى، ومثالا ينبغي الاقتداء به، والسير على منهاجه. كما يجب أن يكون هذا الأسلوب النبوي الرفيع هو: المرجعية الدينية، لكل من يتصدى للحوار أو الفتوى أو التنظير. لأن المنهج النبوي في معاملة الكمال، بشهادتهم غير المسلمين، بلغ غاية - هم أنفسهم -من خلال: الاعتراف بالآخر غير المسلم، واحترامه، وإقرار حقوقه، وصيانتها. كما يعتبر تعامله عليه السلام معهم، تطبيقا عمليا لكل ما نزل به الوحي لتنظيم هذه العلاقة وشرعنتها. داد عبر التاريخ، وقد اشتدت الحاجة اليوم، إلى وتعتبر علاقة المسلم بالآخر، قضية شائكة أسالت الكثير من الم تجلية هذه القضية أكثر من أي وقت مضى، لكثرة ما أثير حولها من شبهات، وأباطيل، روجها أعداء الإسلام ومنها: رمي المسلمين بالتعصب المقيت، وكراهية الآخر، واحتقاره، والدعوة إلى إقصائه وإلغائه... وما أكثر ما لى الإسلام والمسلمين من ترهات بغير حق ولا علم.تقولوا به ع فكان لزاما علينا، نحن معشر المسلمين، أن نبين لغيرنا المنهج النبوي في تعامله مع الآخر، كما ارتضاه رسول الله حيانا صلى الله عليه وسلم، وطبقه في حياته العملية، بالقول أحيانا، وبالفعل أحيانا، وبالإقرار، لما وقع أمامه، أ أخرى. لذا تعتبر أحداث السيرة النبوية ووقائعها، مرآة تضيء جوانب مظلمة في علاقة المسلمين بغيرهم، وتشكل نموذجا بشريا فريدا في قبول الآخر والتعايش معه، بل والاعتراف بحقوقه وضمان الحفاظ عليها، انطلاقا من مبدأ الأصل. المواطنة في الوطن الواحد، والأخوة الإنسانية في .: معالم العلاقة مع غير المسلمين في حالتي الضعف والخوف بمرحلة الخوف والضعف، كانت علاقة حرب إن علاقة المسلمين بغيرهم خلال المرحلة المكية، والتي وسمتها العلاقة على أنها، كانت من جانب استئصالية، وعلاقة اضطهاد، وإيذاء، وتعذيب... حيث يمكن تصور هذه واحد، قوي، امتلك القوة والسلطة والزعامة، وبذلك سلط مشركو قريش جام غضبهم، على فئة من المسلمين المستضعفين، الذين اعتنقوا الدعوة الجديدة، حيث أن كفار مكة لم يألوا جهدا، ولم يذخروا وسعا في وأد الدعوة يفعلون بإناثهم في الجاهلية. ولكن بالرغم من كل ذلك، فقد استطاع الرسول عليه الوليدة، في مهدها، كما كانوا السلام، بصبره، وحكمته، وأناته، وبعد نظره، أن يحافظ على بيضة الإسلام سليمة، وأن يبقى على حياة لظلام والظلم السابقين، الأولين من الصحابة، وأن يؤسس نواة مجتمع مسلم، وسط بيئة تعمها الجاهلية ويلفها ا من جميع الجهات. وبذلك رسم عليه السلام خلال مقامه في مكة، صورة واضحة المعالم في كيفية التعامل مع غير المسلمين في حالتي الضعف والخوف، حتى تكون قدوة لكل مسلم، عاش مضطهدا، خائفا على نفسه، ودينه في

عدد الصفحات ٦

7 بغيرهم خلال فترة الخوف والضعف، ومن خلال استقراء كل زمان ومكان. ويمكن أن نحدد معالم علاقة المسلم أحداث السيرة في مكة، فيما يلي: الأول: الاشتغال بسرية الدعوة، مع التركيز على بناء العقيدة: المبحث* اقتضت طبيعة الدعوة في بداية المرحلة المكية ان تكون سرية، فقد اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى دعوة ألصق به، ومن توسم فيهم الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، لأن مكة كانت مركز ديانة العرب، وبها سدنة البيت الحرام، الناس والمشركون ينحر بعضهم بعضا، من أجل أتفه الأسباب، فما الظن بمن سيغير الدين والعقيدة؟ ويأتي بما لم يعهده الآباء والأجداد!. اجان إلى عزيمة صادقة، ورغبة جامحة، وحكمة متبصرة، وعزم صادق لاشك أن الأمر جلل، والخطب عظيم، يحت – وكل ذلك من شيم الرسول عليه السلام –فكان صلى الله عليه وسلم يستقرئ الواقع جيدا، ثم يتصرف وفق ما م في يشترطه هذا الواقع. ومن هنا كانت السرية في الدعوة إلى الله، من أهم المسالك التي سلكها النبي عليه السلا التعامل الأولي مع غير المسلمين. "فقد اجتهد عليه السلام في دعوة من يغلب على ظنه، أنه سيدخل في هذا الدين، وسوف يكتم أمره، وهذا من باب السياسة الشرعية، والنظر المصلحي للدعوة، فيجب الأسرار بالدعوة، إذا كان الجهر يضربها"1. الدعوة الجديدة إلى مسامع قريش، لكنها لم تأخذها على محمل الجد، حيث وبعد مرور أيام معدودات، بلغ خ حد أولئك الديانين، الذين يتكلمون في عرها اهتماما، لعلها حسبت محمدا أ"ترامت هذه الأنباء إلى قريش فلم ت أنها الألوهية، وحقوقها، كما صنع أمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة، وعمرو بن نفيل، وأشباههم، إلا توجست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره، ودعوته" 2. اقتضت طبيعة المرحلة المكية، أن تكون بداية التعامل مع غير المسلمين، على هذا النحو من السرية، والكتمان دد الداخلين إلى الدين الجديد، وبذلك الدعوة، واستمر هذا الأمر ثلاثة أعوام، قويت فيها شوكة المسلمين، وكثر ع فشا ذكر الإسلام في مكة، وتحدث الناس به، فأصبح "الدين الجديد"، الشغل الشاغل للمشركين، وحديث مجامعهم، وهم يومهم، حتى نزل قوله تعا فَاصْدَعْ بممَا ت ُؤْمَرُ وَأَعْرمضْ عَنم الْمُشْرمكمينَ } [42.] فاظا على حياة أصحابه، كان الرسول عليه السلام يمنع الجهر وتفاديا لأية مواجهة محتملة مع كفار قريش، وح بالإسلام، خلال هذه المرحلة الدقيقة، والحرجة من عمر الدعوة، ولكنه صلى الله عليه وسلم قد أذن لفئة قليلة من تطيع داموا في منعة من أقوامهم، ولا يس المسلمين، من إظهار دعوتهم، والجهر بإسلامهم أمام مشركي قريش، ما أحد من المشركين أن يمد يديه إليهم بسوء. لقوة عشيرتهم، أو نفوذها. "فمن هنا تدرك أن أسلوب دعوته عليه 1 -86. 2 -68.

عدد الصفحات ٧

8 السلام في هذه الفترة، كان من قبيل السياسة الشرعية، بوصف كونه إماما، وليس من أعماله التبليغية عن ا تعالى، بوصف كونه نبيا" 1. المسلمين بغيرهم في حالة الضعف، خاضعة لشروط الواقع المعيش، وقراءة موازين وبناءا على ذلك، فإن علاقة القوى، وتحكيم حجم المصالح والمفاسد، والتصرف وفق ذلك كله، كما أن هذه العلاقة مرتبطة بسياسة الإمام إعلان الحرب على الشرعية، ومراعاة أحوال الزمان والمكان، فلو سمح الرسول عليه السلام بالمواجهة المباشرة أو مشركي مكة، لكان المسلمون الطرف الخاسر بكل تأكيد لكثرة الكفار وغلبتهم. "ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة، بحيث يغلب الظن أنهم يستقيلون من غير أي ي أن تقدم هنا مصلحة النفس، لن المصلحة المقابلة هي: مصلحة نكاية في أعدائهم، إذا ما أجمعوا قتالهم، فينبغ حفظ الدين موهومة، أو منفية الوقوع" 2. فمسالمة المسلمين للكفار في حالة الضعف أو الخوف، أمر لا مفر منه، لأن المواجهة لا تجدي شيئا، ولم تتحقق في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام، لقلة أسبابها بعد، وهي في هذه الفترة مفسدة محضة لأن "الجهاد، لو وجب المؤمنين، وكثرة الكافرين" 4. "فإذا لم تحصل النكاية أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة، ليس في طيها مصلحة"2 إن كتمان الدعوة، و الأسرار بها، سياسة مصلحية، شرعها الرسول عليه السلام، استجابة لضرورة، فرضها الواقع، وإلا فالأصل هو بيان الدين، وتوضيحه للناس، وقد استغل الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة سرية الدعوة، في البناء العقدي للصحابة رضوان الله عليهم، حيث رسخ أركانها في عقولهم وقلوبهم ، لأن العقيدة الصحيحة هي التي تنبثق منها العبادة الصحيحة، والسلوك القويم، والموقف السليم، فالعقيدة كانت حضن السابقين الأولين، وملاذهم الآمن كلما اشتدت بهم المحن والشدائد، والدليل على ذلك أنه لم يرتد أحد منهم عن دينه، في مرحلة التعذيب والإيذاء، واحتدام المو اجهة. كما كان لحديث القرآن المكي، عن اليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر، وتصويره للجنة، والنار تصوريا دقيقا، أثرا عميقا في نفوس الصحابة، وسببا رئيسيا في ثباتهم وصبرهم، وشدة تحملهم. وبهذا كله، "شق الرسول عليه مع التوكل على الله تعالى، فاهتم بالتربية العميقة، والتكوين السلام طريقه، بكل تخطيط، ودقة، وأخذ بالأسباب، الطبيعي في المجتمع، والإعداد الشامل للمرحلة ما بعد والانسيابالدقيق، والتعليم الواسع، والاحتياط الأمني، 1 -106 . 2 -84. 4 -1 / 8 2 . 2 -1 /66.

عدد الصفحات ٨

9 رد، بل نزلت السرية، لأنه عليه السلام يعلم أن الدعوة إلى الله، لم تنزل لتكون سرية، يخاطب بها الفرد بعد الف لتكون الحجة على العالمين، وإنقاذ من شاء الله إنقاذه من الناس"1. وأمام هذا الإصرار من الرسول صلى الله عليه وسلم على الدعوة، وصبر أتباعه على جنون قريش، وتحملهم جميع وضعفت معنوياتهم، أصناف الإيذاء، وألوان العذاب، المعنوية والمادية، خارت قوى أهل الشرك، وفتر حماسهم، ووقفوا عاجزين، مدهوشين أمام صبر المسلمين، وقوة تحملهم، خاصة بعدما جربوا كل ما كان متاحا عندهم من وسائل، وإمكانيات، وخطط، لو أد الدعوة الجديدة في مهدها، حتى لا يصل نورها إلى الناس خارج مكة. إن أهم ة من الدعوة يمكن إجماله فيما يلي:ما ميز علاقة المسلمين بغيرهم خلال هذه الفتر أولا: الصبر على أذى المشركين وفتنتهم: تفننت قريش في تسليط جميع ألوان التعذيب، والتنكيل، على أجساد المسلمين، ونفسياتهم 2 لصدهم عن الإسلام، والرجوع إلى دين الآباء والأجداد، لكن الرسول عليه السلام كان يأمرهم بالصبر، والاحتساب ، ويبشرهم بالجنة، إن هم صبروا، واحتسبوا، كما كان الرسول عليه السلام يأمر أصحابه بضبط النفس، وعدم مقارعة القوة بالقوة، أو رد العدوان بعدوان مثله، حرصا على حياتهم، وحفظا لمستقبل الدعوة لئلا يئدها الشر، وهي لا تزال غضة طرية، ولعل المشركين كانوا يسومون المسلمين سوء العذاب، حرصا منهم لبلو مواجهة مبكرة، وحاسمة مع الدعوة الإسلامية، تنهي أمرها، وتقضي على وجودها، لكن حكمة الرسول عليه السلام، وأناته، وبعد نظره، فوت على زعماء قريش ذلك الهدف المشؤوم، "فكان القرآن ينزل، لتثبيت النبي عليه السلام، وأصحابه، بتعميق المعاني الإيمانية، وغرس الصبر في نفوسهم، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة، وانتزاع شوائب الجاهلية، وبقاياها من سلوكهم، وعاداتهم، وأمرهم بالاستعانة بالصلاة، والصبر، وتوثيق الصلة بالله تعالى، ليزداد إيمانهم، ويقووا على مواجهة أعدائهم"4. :ثانيا: تجنب المواجهة مع المشرك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم -في هذه الفترة -رغم ما أذاقته قريش من أصناف العذاب، المعنوي والمادي، للموحدين، وما نكلته بأجسادهم من تنكيل: أن أمر أحدا من أصحابه الكرام، برد الظلم، ومقاومة ين، لأن موازين القوة، ليست في صالح الإسلام، العدوان، ولم يلجأ عليه السلام إلى التعامل بالقوة، مع المشرك والمسلمين، فهم قلة، مستضعفون، لا سلاح معهم، وبذلك فالمواجهة المباشرة مع أهل الكفر، تعني الإيذان المبكر 1 -1 /102. 2 -، و"البداية 2 /64. 4 -106.

عدد الصفحات ٩

11 بوأد الدعوة الإسلامية الوليدة، والحكم على أتباعها بالموت، دون أية نكاية في صفوف العدو، أو تكبيده خسائر جسيمة. "وقد كان بإمكان الرسول عليه السلام، أن يفعل ذلك، بكل يسر وسهولة، إذ كان يستطيع أن يكلف أحدا من الصحابة، بقتل بعض قادة الكفر، كالوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، أو أبو جهل... وهؤلاء هم أشد الناس مر أحدا من أصحابه باغتيال أحد من المشركين، أو أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه عليه السلام لم يأ غيرهم من أعداء الإسلام، فإن مثل هذا الفعل، قد يودي بالجماعة الإسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة، ليست باليسيرة، كرد فعل من أعداء الإسلام، الذين يتكالبون حربه" 1. .اب العقيدة: رفض الإغراءات والمساومات على حسالثاني المبحث من المسالك التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، في التعامل مع غير المسلمين، في هذه المرحلة: رفض المساومة على حساب الدين، والعقيدة، حيث رفض عليه السلام كافة الإغراءات، وجميع سلام، وتبليغ الرسالة إلى الناس فحينما أدرك مشركو المساومات التي طرحها زعماء مكة، للكف عن الدعوة إلى الإ مكة، أن محاولاتهم في إيذاء الرسول عليه السلام، وتعذيب أصحابه، والتنكيل بهم، قد ذهبت سدى، وقفوا مكتوفي الأيدي أمام ثبات الصحابة رضوان الله عليهم، وصمودهم على الحق، وهم قلة مستضعفون، وعاجزين، ة.لا حول لهم ولا قو فالنبي عليه السلام "لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل، أو آجل إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحق الذي حجبت عنه دهر، ومسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه" 2. م، وارتدادهم عنه، لكن ذلك لم يزد جرب مشركو قريش كل الوسائل، والطرق لثني عزيمة المسلمين عن الإس السابقين الأولين إلا عزما، وتصميما، وثباتا على الإسلام، "عرف زعماء قريش ذلك جيدا، لكن ماذا سيفعلون أمام رجل صادق أمين، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق، لم يعرفوا له نظيرا، ولا مثيلا، خلال فترة طويلة والأقوام؟ ماذا سيفعلون"؟ تحيروا في ذلك، وحق لهم أن يتحيروا"من تاريخ الآباء 4. لذلك رأى زعماء مكة أن يجربوا أساليب أخرى - غير التعذيب والإيذاء -لعلها تفتن المسلمين عن دينهم، وتثنيهم عن أهدافهم، ولعل الإغراء، والمساومة يحقق ما عجز عنه التعذيب، والتنكيل. تكررت سياسة المساومات كثيرا مع الرسول عليه السلام لكنه ظل صامدا على موقفه و ار، وبناءا على هذا القر وذكرت بعض كتب السيرة النبوية، أن قيادات مكة، دخلوا في مفاوضات بعد ذلك، مع رسول .هو الرفض القاطع 1 -142 . 2 -112. 4 -112.

عدد الصفحات ١٠

11 الدنيا وطمع في مغانمها، إلا الله صلى الله عليه وسلم وعرضوا عليه إغراءات تلين أمامها القلوب البشرية، ممن أراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ موقفا حاسما في وجه الباطل، دون مراوغة او مداهنة أو دخول في دهاء سياسي، أو محاولة وجود رابطة استعطاف، أو استلطاف مع زعماء قريش" 1. المساومات الرخيصة، أو الإغراءات لأن قضية العقيدة واضحة، لا مساومة عليها، فهي بعيدة كل البعد عن حين خيره بين الكف عن الباطلة، يتضح هذا الموقف جليا من جواب الرسول عليه السلام على عتبة بن ربيعة، "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به ن يكون له الملك، والجاه والمال... فرد عليه السلام قائلا:الدعوة، وأ رف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أطلب أموالهم، ولا الش أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم" 2. وقف الإيماني، الثابت، جسد النبي عليه السلام حقيقة صدق رسالته، وأنه فعلا رسول من الله إلى العالمين، وبهذا ا كما أثبت أمرا مهما وهو: لا تنازل، ولا مساومة على العقيدة، أو الدين، فمهمته تقتضي تبليغ رسالة ربه للناس، دون أي تحريف أو تزوير. اسة المساومات مع الرسول عليه السلام ما يلي:وما يمكن أن نسجله من خلال سي -أولا: أن سياسة المساومات، جاءت بعد فشل زعماء مكة الذريع في الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، وعجزهم التام عن كف الرسول عليه السلام عن الدعوة، وفشل جميع مخططاتهم السرية، والعلنية في خنق الدعوة هدها، حتى لا تخرج إلى الناس.الوليدة، ووأدها في م -ثانيا: اتضح لكفار مكة أن سياسة التعذيب، والتنكيل، لم تؤت ثمارها، وإنما جاءت بنتائج عكسية، لما كانوا يتوقعون، فالإيذاء، والفتنة لم يزيدا المسلمين إلا إصرارا، وثباتا وعزما، على التمسك بالإسلام، والتعلق به، وبذلك دد على الإسلام، وأصبح أتباعه يزدادون عددا يوما بعد يوم.كثر الوافدون الج -ثالثا: تغيير طاقم المفاوضات في كل مرة: عمدت قريش إلى تغيير المفاوضين، والمساومين للرسول عليه السلام في الرسول كل مرة، في محاولة واضحة للتأثير عليه، بتنويع العقول المفاوضة، وعدم تكرار نفس الوجوه كل مرة، لكن وصلى الله عليه وسلم ظل صامدا في كل محاولة، ولقن المساومين درسا عمليا في التمسك بالعقيدة الصحيحة، حيث لم يتنازل صلى الله عليه وسلم عن أية جزئية منها، مهما صغرت وظل عليه السلام يردد على مسامعهم ه هي تبليغ الرسالة إليهم، فإن هم أطاعوه، سعدوا في أنه مجرد عبد يتبع ما يوحى إليه من الله عز وجل، وأن مهمت الدنيا، والآخرة، وإن هم عصوه، فالله يحكم بينهم وبينه، بهزم الباطل، وإظهار الحق. 1 -46. 2 -1 /482.

عدد الصفحات ١١

12 -رابعا: أن كفار قريش تدرجوا في التنازل من الأكبر إلى الأصغر، لاستمالة قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ء مكة من محمد صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى أكبر بكثير مما طلبوه في المرات والتأثير فيه، فما طلبه زعما المتلاحقة، فكان سقف مطالبهم في المحاولة الأولى: أن يتخلى محمد صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الله على أنه رسول الله، تنازلوا شيئا، مقابل الملك، والشرف، والجاه، والمال، ولكن لما رأوا رده الحاسم، وعزمه الصادق فعرضوا عليه صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم عاما، وأن يعبدوا إلهه عاما آخر، فيصبحوا شركائه في هذا الأمر، فيصيبوا الخير أين كان؟؟ لكن نزل القرآن الكريم منهيا هذه المساومة المضحكة، فصدع عليه السلام بقوله { لَكُمْ دمينُكُمْ وَليمَ دمينم [}4]-لما رأوا من عزم محمد صلى ا عليه وسلم على التمسك بالعقيدة الصحيحة-فطلبوا منه عليه السلام، أن يحذف من القرآن، ما يعيب آلهتهم، ويسفه أحلامهم، ويبطل عبادتهم للأصنام، فجاء جوابه عليه السلام حاسما - مرةكما في كل -أنه مجرد عبد اختاره الله، واصطفاه لتبليغ الرسالة، ولا طاقة له لما يطلبون. وبهذه المواقف الثابتة، ظلت العقيدة صافية من كل الشوائب، الغريبة عنها، سواء في جوهرها أو في الوسائل والإغراءات، مهما عظمت الموصلة بها، وظل موقف محمد صلى الله عليه وسلم، واحدا وثابتا من جميع المساومات قيمتها أو كبر حجم إغرائها. -خامسا: لا بأس بالجلوس مع غير المسلمين للتفاوض أو الحوار معهم، لكن المساومة على العقيدة، والدين خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها، أو تعديها. فكل مساومة أو إغراء يهدران مبدأ من مبادئ الإسلام، أو يسقطان كانه، أو يبطلان حكما من أحكامه، فهما باطلان، لا يمكن القبول بهما، أو العمل بمقتضاهما، والموقف ركنا من أر منهما لا يقبل كثير تردد، أو تفكير، وإنما يجب إعلان الرفض الحاسم وقتئذ، والجهر بذلك، والتمسك بالحق والصبر عليه. .ن النفس عند الضرورة القصوىالثالث: المقاومة السلمية للمسلمين والدفاع ع المبحث* لقد كانت قريش تسعى جاهدة إلى القضاء على الإسلام، منعا لوصول نوره إلى الناس، خارج مكة، فلم تأل جهدا، ولم تذخر وسعا، في محاولة خنق الدعوة الوليدة، في مهدها. "فكانت العلاقة بين الرسول صلى الله عليه المشركين، في مكة المكرمة: علاقة اضطهاد، وظلم، وإيذاء بالغ، ثم حرب وسلم، وصحبه الكرام من جانب، وبين ضروس، ومحاولة للقضاء التام، والتصفية، من قبل المشركين، على الإسلام وأهله، وطمس معالمه، فقد قتلوا بالتعذيب عددا من الصحابة الكرام، وحاولوا قتل الرسول عليه السلام، نفسه، مرات عديدة" 1. ه الحرب الضروس، التي شنها كفار مكة، على السابقين الأولين، غير متكافئة العدد، والعدة، ولم وكانت هذ يعترف فيها المشركون بأية مبادئ، أو أخلاق، كما عرفت عند سائر العرب في الجاهلية. وبذلك تخندق الرسول 1 -84.

عدد الصفحات ١٢

13 ن، والنفس، وقد أبدى الصحابة من عليه السلام، والمسلمين معه، في خندق المقاومة السلمية، والدفاع عن الدي صنوف المقاومة السلمية، ما أذهل قريشا، وزرع في نفوس زعمائها، الشك، والارتياب، من قدرتهم وعلى استئصال خضراء الإسلام، وهدم معالمه، والقضاء على أتباعه. الجديد، فتحركوا وفق لم يقف المسلمون، مكتوفي الأيدي إزاء اضطهاد قريش، وتنكيلها، بكل من اعتنق الدين خطة واضحة المعالم، رسمها الرسول عليه السلام، وأمرهم بتنفيذها بدقة، وحكمة. واقتضت: مقاومتهم لعدوان المشركين بشكل سلمي. وبناءا على ذلك انشغل الصحابة بالدعوة إلى الله، وإبراز محاسن الإسلام، حيث كانوا ل الكعبة ويتصلون بالوافدين إلى مكة، يدعونهم إلى الإسلام، ويشرحون يمضون إلى المجامع العامة، ويتواجدون حو مضامينه، ويوضحون معالمه. ولكن كل ذلك ضمن خطة، محددة، تقتضي عدم الاصطدام المباشر مع العدو، وعدم الوصول معه إلى معركة عنيفة، تقود إلى استعمال السلاح، أو الدخول معه في حرب مميتة. يه السلام، يأمر صحابته بعدم رد العدوان، أو مقارعة القوة بالقوة، بل عليهم التحلي بالصبر، فكان الرسول عل وشدة التحمل، ويمكن أن نبرز مقاصد هذا الموقف النبوي فيما يلي: -أولا: إن فترة المرحلة المكية، كانت فترة تربية، وإعداد، وخير ما يتربى عليه المسلم: الصبر والانضباط، وتحمل لأذى في سبيل الله، فالصبر رأس المكارم، وقمة الأخلاق، "وقد وصف الله الصابرين بأوصاف مختلفة، وذكر ا الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال تعا وَجَعَلْنَا ممن ْهُمْ أَئممَّةً ي َهْدُونَ بمأَمْرمنَا لَمَّا صَب َرُوا [}22]ل تعا وَلَنَجْزميَنَّ الَّذمينَ صَب َرُوا أَجْرَهُمْ بمأَحْسَنم مَا كَانُوا ي َعْمَلُونَ [}48"]1. فالصبر يعلم المسلم حسن العبادة، وحسن التصرف، وحسن اتخاذ المواقف السليمة، فلا يكون مندفعا، أو متهورا، بل صبورا، وحكيما. -ى حياة المسلمين، والإبقاء على الدعوة ثانيا: إن المقاومة السليمة هي أنسب طريقة، وأنجع وسيلة، للحفاظ عل الجديدة، لأن القتال والمواجهة –في هذه الفترة الحرجة -إيذان بنشوب حرب لا تبقي، ولا تذر، ويكون الإسلام والمسلمون الطرف الخاسر فيها، بكل تأكيد، لاختلاف موازين القوى في العدد، والعدة، فحكمة الرسول عليه قراءته للواقع، جنب الإسلام، وأهله مصيرا مشؤوما، متمثلا في انتحار مبكر، جراء السلام، وتبصره، وحسن حرب لا هوادة فيها على الدعوة الجديدة وأتباعها. -ثالثا: تعلم الصحابة، من القرآن الكريم، ومن مواقف النبي صلى الله عليه وسلم: فقه المصالح والمفاسد، وكيفية ل الواقع المعيش، وبذلك فهم الصحابة أن المصلحة إن أدت إلى مفسدة أعظم، التعامل مع هذا الفقه، من خلا تترك. وهكذا أصبحت ثمار تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، تؤتي أكلها، فأدركوا مقاصد، وحكم دعوته عليه السلام، لهم بالصبر، وضبط النفس، وتحمل الأذى في سبيل الله عز وجل. 1 -: كتاب: الصبر والشكر: الكتاب الثاني من المنجيات

عدد الصفحات ١٣

14 ذيب، والتنكيل، الذي صبته قريش على أجساد المسلمين، خاصة المستضعفين منهم، كالعبيد، وأمام ضراوة التع ماء، سجلت كتب السير والتاريخ، حالات مقاومة، ودفاع عن النفس لإوا –وإن كانت قليلة، ومتفرقة -فقد من الصحابة، ظهرت في هذه المرحلة حالات مقاومة فردية، كدفاع مشروع عن النفس، ممن كان يقدر على ذلك كالذين كانت لهم منعة في قبيلتهم، التي تحميهم من رد فعل قريش 1، أو ممن كان يتحمل جسده، ما ينزل به من العذاب2، فلم يكن الرسول عليه السلام يأذن بذلك، إلا لمن وجد في نفسه القدرة على المقاومة الجسدية، أو كان ذا عصبية قبلية، تحميه من أن تمتد أيدي المشركين إليه بالسوء، فكانت أول مواجهة في مكة -حسب ابن هشام -من طرف، سعد بن أبي وقاص حيث: "كان في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير، فشجه، فكان أول دم هريق في قاتلوهم، فضرب سعد الإسلام"4. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي محاولة منه لتخفيف العذاب النازل على المسلمين الأولين، أذن عليه لى أرواحهم، ووقاية لأنفسهم السلام لبعض هؤلاء المستضعفين من مجاراة قريش في سب الدين الجديد حفاظا ع من الهلاك، والموت المحقق، تحت التعذيب، ومن ذلك ما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، حين كانوا "لا نتركك حتى تسب محمدا، أو يعذبونه بالحر تارة، وبوضع الصخر الأحمر على صدره، تارة أخرى، وقالوا له: على ذلك مكرها، وجاء باكيا، معتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ى خيرا" فوافقهمعز تقول في اللات وال وقد روي أن رسول الله عليه السلام قال لعمار - وهو يقص عليه ما لقيه -كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم:"إن عادوا، فعد" وفي ذلك نزل قوله تعا مَنْ كَفَرَ بماللَّهم ممنْ ب َعْدم إميمَانمهم إملاَّ مَنْ أُكْرمهَ وَق َلْبُهُ مُطْمَئمنٌّ بمالإْميمَانم108]2. وانخلعواومن وسائل المقاومة السلمية للمسلمين في هذه المرحلة: عتق رقاب العبيد، والإماء ممن اعتنقوا الإسلام، بهم، عن دين الآباء والأجداد، حيث وضع أغنياء المسلمين أموالهم، لتحرير إخوانهم وأخواتهم ممن يعذبون وينكل كإجراء ضمن الخطة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لتخفيف معاناة السابقين الأولين، وقد أحرز قصب السبق في ذلك: أبو بكر الصديق رضي الله عنه "فكان إذا مر بأحد من الموالي، يعذب، يشتريه من مواليه، ويعتقه ة، وأم عيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية لنبي عدي، في سبيل الله، ومنهم: بلال وأمه حمامة، وعامر بن فهير كان عمر يعذبها على الإسلام، قبل أن يسلم، حتى قال له أبوه: أبو قحافة:"يا بني، أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو 1 -وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم.ن بن عوف، ، والزبير بن العوام، وعبد الرحمكأبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان 2 -، وعبد الله بن مسعود... رضوان الله عليهم.تكبلال بن رباح، وصهيب الرومي، وخباب بن الأر 4 -1 /161. 2 -188.

عدد الصفحات ١٤

15 "إني أريد ما أريد" أعتقت قويا، جلدا، يمنعونك"، فقال أبو بكر 1 أي أريد الله عز وجل، قال: فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه، وفيما قال له أبوه: {4 و8] تعا {14-21]2. ار على الدعوة والجهر بها، فمنذ أن اعتلت وكان من معالم خطة الرسول صلى الله عليه وسلم السلمية: الإصر قدما محمد صلى الله عليه وسلم، جبل الصفا بمكة، جاهرا بدعوته، وحديث الإسلام وخبر الدعوة الجديدة في كل بيت، وفي كل ناد، وطريق، فسواء أسر النبي عليه السلام بدعوته، أو جهر بها، فهي محور حديث مجالس ن زعماء مكة أن الدعوة الجديدة مخنوق نورها بمكة، فيفاجئون بأبي ذر الغفاري رضي المشركين، وشغل يومهم، يظ الله عنه، يطلع عليهم عند الكعبة، ليهزأ بآلهتهم وقد آمن بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه رسولا. ويعتقد الواهمون صوت عبد الله بن مسعود يصدح من المشركين من أن التعذيب كبت أصوات المسلمين، وأخرسها، فيقرع أسماعهم بالقرآن بين ظهرانيهم، ويتمطون يوما، متكاسلين، وقد اطمأنوا أن الدعوة حوصرت في البيوت، فيستيقظون على حدهما حمزة، وعلى الآخر عمر بن الخطاب، وهكذا حرص لمين تدق طرقات مكة في صفين على أأقدام المس ، ولا يغيب ذكرها عن مسامع المشركين، وأعينهم.المسلمون طوال هذه الفترة ألا تنسى دعوتهم وبهذا الإصرار على الدعوة، ومداومة الجهر بها، فقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، تحييد بعض الشخصيات والبطون، من محاربة الإسلام والمسلمين. فالكافرون ليسوا سواءا ! فأبو جهل الذي يؤذي المسلمين بالقول، والفعل، ليس كابن الذغنة، الذي يجير أبا بكر الصديق ليعبد ربه 4، وأبو طالب الذي وفر الحماية المعنوية، والمادية للرسول عليه السلام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس، ليس كألو لهب الذي نزل القرآن بعذابه، وتحديد مصيره يوم القيامة2. الله صلى الله عليه وسلم بعد سنتين من الجهر بالدعوة، ألا وبالرغم من المقاومة السلمية للمسلمين، "أدرك رسول قدرة له على حماية أتباعه من البلاء، الذي ينزل بهم ليل نهار، وأن الزعامة الوثنية ماضية في عنفها، واضطهادها، وتعذيبها لهم، مصممة على استخدام أي أسلوب أي أسلوب لوقف الدعوة عند حدها، وخنقها، وهي بعد في هد، ورأى أن يمنح المعذبين، المضطهدين فترة من الوقت يستردون فيها أنفاسهم، ويستعيدون قواهم النفسية، الم 1 -100 . 2 -، في سبب نزول قوله تعا من أعطى، واتقى، وصدق بالحس 4 -، وفي:"زاد المعاد" لأبي القيم الجوزية 1 /214. 2 -، و"لباب النقول في أسباب [ } 1.]

عدد الصفحات ١٥

16 والجسدية، ويعودون ثانية إلى ساحة الصراع، وهم أقدر وأصلب 1، فأشار عليهم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إ إلى الحبشة، "فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد"2. حتى يجعل ا لهم فرجا مما هم فيه، فاستجاب المسلمون لذلك، فهاجروا متسللين، من مكة صوب الساحل، فأقلتهم سفينتان، كانتا متجهتين صوب الجنوب، فخرج نفر من قريش في آثارهم، لكنهم عادوا بخفي حنين. عنى لها، لذلك بدأ النبي إن البقاء بين براثن الشرك، حتى تتمكن الوثنية من عبادة المسلمين، عملية خرقاء، لا م صلى الله عليه وسلم يبحث عن مكان آمن للدعوة، وقاعدة جديدة للانطلاق، غير مكة، التي حاصر زعماؤها الدين الجديد، ومنعوا الرسول عليه السلام من تبليغ دعوة ربه للناس. م، والتي رسمها للوجود فكانت الهجرة من مكة آخر الحلول السلمية في خطة رسول الله صلى الله عليه وسل الإسلامي في مكة، فلما ضاقت الأرض على المسلمين، بما رحبت، واشتد عليهم الأذى، أشار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة، والهجرة إلى الحبشة، لعل الله يجعل من أرضها تربة صالحة للحفاظ على ارها، فكان الأمر، كما خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاش بذرة الإسلام، حتى يشتد عودها، وتؤتي ثم المسلمون في الحبشة آمنين، مطمئنين، في جوار ملك عادل، وطاب لهم المقام عنده، حتى بعد قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة. .الجوار، والتعصب للقبيلة تعارف أهل الجاهلية على عدة أعراف، كانت بمثابة قوانين تنظم علاقة بعضهم ببعض، وعلاقتهم بغيرهم من القبائل، ومن هذه القوانين: قانون الحماية، والجوار، "ولقد كان المجتمع الجاهلي يقيم وزنا كبيرا لهذا القانون، وهو دخل الضعيف في جوار القوي، فإنه يتمتع بحمايته التامة، ويمنع أي اعتداء يقع عليه، حماية القوي الضعيف، فإذا ويعطيه حرية التحرك، والتفكير، ولا يستطيع العدو، أن ينال من هذا المستجير" 4. ويعد أي خرق أو مس بقانون الحماية، والجوار، بمثابة إعلان حرب بين الفريقين، ومن أجل هذا، كان الذي يعلن الإجارة، لابد أن يكون عزيزا، منيعا في قومه، قادرا على الحماية، ومتوقعا لكل المفاجآت الممكنة. وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسلمين معه من هذا القانون الجاهلي، ولم ير عليه السلام أي حرج ي مبدأ من مبادئ الإسلام، أو لا ينقض أية في استغلال قانون الحماية والجوار لصالحه، مادام لا يتعارض مع أ قاعدة من قواعد الدين. وبفضل هذه الحماية، و الحوار تمكن الرسول عليه الصلاة و السلام في المرحلة المكية من أن يسمع صوته إلى الناس، جاهرا بالدعوة، و متمتعا بقدر لا بأس به من الحماية من أذى المشركين، بخلاف 1 -82. 2 -1 /212. 4 --1 /86.

عدد الصفحات ١٦

17 ستضعفين، الذين نالوا قسطا وافرا من التعذيب، و التنكيل، لفقدان من يحميهم، و يحول بينهم بعض المسلمين ا و بين زعماء مكة المتغطرسين. لقد عاشت الدعوة الإسلامية زمنا طويلا في مجتمع كافر، تحكمه قوانين الشرك، لكن المسلمين، وهم يحاولون تبليغ هم حين يجدون قانونا من قوانين الكفر، من وضع هذا القانون؟ و إنما كانوا الإسلام لغيرهم، ما كانوا ليسألوا أنفس يستبدلون بهذا السؤال: سؤالين مهمين: هل يناقض هذا القانون شريعة الإسلام؟ و هل يفيدني هذا القانون في شيء؟ فإذا كانت الإجابة الأولى بلا والثانية بنعم، استفادوا منه، و استغلوه لصالحهم دون حرج. لقد كانت الإجارة الأولى في المجتمع المكي، هي : إجارة أبي طالب لمحمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، يقول ابن اسحاق: "وحدب على رسول الله صلى الله عليه عمه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه، و مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهر لأمره، لا يرده عنه شيء، ف لما رأت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء، أنكروه عليه من فراقهم، وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب، قد حدب عليه، و قام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال إلى أبي طالب، فقالوا: "يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، و عاب ديننا، و سفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا و إما أن تخلي بيننا، وبينه"؟ فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله، و يدعوا إليه، ثم شري الأمر بينه، وبينهم، حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتنادموا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه" 1 . ونلاحظ من هذه الإجارة ما يلي -أولا: إن قريشا كانت تعترف بقانون الإجارة، والحماية، وتطبقه على أرض الواقع، لذا حاولت مع أبي طالب ن الجديد، لكونها تعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم في جوار، بالرفق، أن يدعو ابن أخيه للكف عن الدعوة للدي وحماية أبي طالب، لكنها فشلت في المحاولة الأولى. ولا غرو أن يكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم استفادته من قانون الحماية، والجوار، فبعدما اشتد عليه الخناق عوة ربه إلى الناس، ووقفت سدا منيعا في وصول الإسلام إلى في مكة، وحوصرت دعوته، ومنعته قريش من تبليغ د الآخرين، "بدأ عليه السلام يبحث عن منعة، ومكان آمن للدعوة خارج مكة، فقرر التوجه إلى الطائف، في شوال سنة عشر من النبوة، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق، دعاهم إلى الإسلام، فلم ب إليه واحدة منها"تج2. "فوصل صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وأقام بين أهلها عشرة أيام، يدعوهم إ 1 -2 . 2 -و"زاد 2 /28.

عدد الصفحات ١٧