المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشورى والديمقراطية حقيقتهما وأهم الفروق بينهما

عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

صفحة ٤ من ٦

51 أما الديمقراطية فإن مَن سَبرَ بدقة حال مجتمع يعاديه ، ووقف على نقاط القوة والضعف فيه فإن بإمكانه أن يتغلغل بسهولة إلى ذلك المجتمع من خلال السعي إلى توجيه الرأي العام لإقرار أمر يكون فيه بالغ الضرر بذلك المجتمع الذي يعاديه، ولا سيما إذا استثمر الإعلام، وبث الأموال لتعزيز ما أراد، وبذلك يسهل على العدو أن يرس خ ما أراد من الإضرار من خلال توجيه الكثرة إلى ما فيه خلاف المصلحة العامة لذلك المجتمع الذي يعاديه. ولا يخفى أن من اليسير أن ي وج ه الدهماء إلى ترسيخ ما هو ضرر محض ع لى مجتمعهم، لسهولة التلاعب بهم، استثمارًا جزهلهم وقلة بصيرتهم، ولذا قال إسحاق بن راهويه : ((احذروا الغوغاء، فإن الأنبياء قتلتهم الغوغاء))(1). ومن أعجب وألطف ما في هذا الفرق بين الشورى والديمقراطية أنه يبين أن (إرادة الأمة) التي تدعيها الديمقراطية يمكن بهذا الوضع أن تكون بيد عدو الأمة، ليحقق هذا العدو مبتغاه من الإضرار بالأمة لا بغزو وتدمير، ولكن على يد اجزماهير، وباسم: إرادة الأمة! الفرق السابع: يتطرق للديمقراطية دومًا وجوه من النق ض بديعة، يبقى معها أنصارها في حيرة حقيقية، منها أن الشعب ـ الذي جعلوه ال ـم ع و ل وإليه وحده المردُّ والرجوع ـ لو قرّر بأكثريته رفض الديمقراطية، فما عسى هذا المبدأ البائس أن يصنع؟ فإنه إن قَبِل خيار الشعب فلابد من إلغاء الديمقراطية، لأن منطقها يقتضي هذا، فعند ذلك تنتهي الديمقراطية من خلال حكمها على نفسها بجعل الشعب مصدرًا ومرجعًا. (1) رواه أبو نعيم1/231.)

عدد الصفحات ٥٠

50 أما إن م نعت رغبة الشعب برفض الديمقراطية فذلك يعني أنهالابد أن تنقلب إلى ما ي سم ى بالدكتاتورية التي يدعي أنصار الديمقراطية أن من أولوياتهم محاربتها وإزالة بطشها عن كاهل البشرية، بالنظر إلى أنها ضد للديمقراطية من جميع الوجوه. وعليه فإن الديمقراطية إن ر د ت على الشعب اختياره الحرّ برفض الديمقراطية صارت في المنطق الديمقراطي نفسه: دكتاتورية، وعذر الديمقراطية الوحيد في ذلك أنها احتاجت إلى فرض نفسها من خلال الدكتاتورية! وذلك أشبه ما يكون بتقرير فاقدي العقول لما يقولون، وهو كتقرير بعض المنافحين عن الديمقراطية أن علاج مشاكل الديمقراطية يكون بالمزيد من الديمقراطية! فصار الدواء بزعمهم في المزيد من نشر الداء. وقد دعت قوى غربية إلى انتهاج القوة في نشر الفكرة الديمقراطية تحت ما سم ته: فرض الديمقراطية بالقوة، مع أنها تزعم أن الشعوب لابد أن تكون حرةً في اختيارها، فأي حرية لمن رفض الديمقراطية، بل واستهجنها، ثم فرضت عليه بالقوة؟ أما الشورى المنضبطة بالشرع فلا يكون فيها شيء يتطرق من خلاله النقض، كما ذكرنا عن الديمقراطية، لما تقدم من كون الشورى على جانب عظيم جداا من التنظيم، سواء من جهة مجالها المحدد، أو رجالاتها المؤهلين ، أو هدفها الدقيق القائم على تحقيق مصلحة الأمة وفق ضوابط الشرع الكريم، فهي جزء من دين المسلم، ولا يطلب المسلم أبدًا أن يزال دينه عن واقعه ويستبدل به غيره، فإنه ـ إن كان مسلماً حقاا ـ قد رضي الإسلام دينًا وتسمى باسمه، وذلك يستلزم أن

عدد الصفحات ٥١

51 يستسلم لله تعالى ولا يبتغي غير حكمه عز وجل. الفرق الثامن: أن نتيجة الشورى غير ملزمة إلا في حالة وحيدة بي ن اها، وما سوى هذه الحالة فإن نتيجة الشورى غير ملزمة لما بي ن اه أيضا من كون الشورى إنما تكون في المسائل الاجتهادية فقط، أما الديمقراطية فتقد م أن نتيجة التصويت فيها م لزِمة إذا أسندتها الأكثرية ، وإن أدّى ذلك الاعتبار للأكثرية إلى ما أدى إليه من الضرر بالأمة في خ لقها أو أمنها أو اقتصادها أو غير ذلك. الفرق التاسع: أن الشورى تعزّز أمر الثبات على المبدأ الحق وعدم تغييره، لأن تغيير الحق انكفاء عنه إلى الباطل وارتداد عن الخير إلى الشر وعن الصواب إلى الخطأ. وقد أثنى الله على من لم يبدل ولم يغيرّ ما لزمه من الحق بعد ما علمه، فقال سبحانه: ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭾ [الأحزاب21]. وكان أكثر دعاء النبي : "يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك "(1). ودخل أبو مسعود على ح ذيفة فقال: ((اعهد إلي، فقال: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكِر، وأن تنكِر ما كنت تعرف، وإياك والتلوّن في دين الله تعالى، فإن دين الله واحد))(2). وع لِم من دين الله بالضرورة أن الثبات هو سبيل الحق ال وحيد الذي يح مَد (1) رواه أحمد1/115.) (2) رواهاللالكائي (121.)

عدد الصفحات ٥٢

53 عليه من لزمه، وأن عدم الثبات مَذم ة عظيمة يترتب عليها مخالفة شرعية قد تصل في شدتها إلى حد الإخراج من الملة، بحسب درجة ما تنك به المرء من الحق. ولما كان (الحق) غير قابل في الإسلام للتغير والعبث ترتب على ذلك حالة من الثقة الكبيرة بأمة الإس لام المستمسكة بدينها، لأنها ذات مبدأ ثابت، فإذا قالت صدقت، وإذا عاهدت وَفَت، وللأمة مع خصومها الذين عاهدتهم مواقف كانت مضرب المثل في الوفاء، سواء أكان المعاهَدون رعايا داخل حدود الدولة الإسلامية كأهل الذمة أو كان العهد مع د ور الكفر التي دخل أهلها مع الدولة الإسلامية في عهود ومواثيق فما وجدوا من أمة الإسلام إلا أعظم درجات الالتزام بها. وما ذاك إلا لثبات (الحق) عند الأمة، ومنه الوفاء بالعهد فإنه من (الحق) الذي لا يتغير، ويجب التزامه مع المسلم والكافر على حد سواء، كما قال ميمون ابن مهران : ((ثلاثٌ المؤمن وال كافر فيهن سواء: الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبر الوالدين، قال الله تعالى: ﭿﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﭾ الآية، والعهد تفي به لمن عاهدت من مسلم أو كافر))(1). فـ(الحق) في مثل هذه الأمور يجب أن يؤدّى لأهله، بقطع النظر عن إسلامهم من عدمه، إذ الأمة أمة وفاء، فترعى العهود والأمانات مع من أحب ت ومن أبغضت. أما الديمقراطية فإنها قد جعلت (التغيير) أمرًا مرتبطًا بثقافة الديمقراطي (1) رواه أبو نعيم3/84.)

عدد الصفحات ٥٣

54 لا يحيد عنه، فالديمقراطي كما تقدم هو من يغيرّ أفكاره ومبادئه وقيمه، لأن البنى الاجتماعية ـ في نظره ـ لا ينبغي أن ت بنى على قواعد ثابتة من الأساس، ولا يصح أن يوجد منظور جماعي واحد للخير والفضيلة، ولما كان (التغيير) و(عدم الثبات) هو ما ترسخه الديمقراطية، تفرع عن ذلك أن (الحق) و(العدل) غير مردودين إلى أمر ث ابت يرجع له الديمقراطي ويلزمه، بل (الحق) و(العدل) عرضةٌ للتغير، بحسب ر ؤية الأفراد أنفسهم، فما يرونه ممث لاً للحق والعدل، فهو الحق والعدل. وغير خاف أن المبدأ الذي لا يكون للحق فيه ثبات مبدأ مدمّر. ولذا فإن الديمقراطية تلقي وحشة حقيقية في التعامل الإنساني، فإن الفرد أو المجموعة التي يسهل أن تنقلب مفاهيمها ومبادئها لا يمكن أن ت ؤمَن، ولا سيما مع التنظير الفلسفي لهذا المسلك وتبريره، كما تفعل الديمقراطية، فلا عجب أن تنتشر في البشرية جوانب كبيرة من الترقب والريبة وعدم الثقة، إذ ما الذي يضمن أن يقرر مجتمع ما تغيير ما ارتآه من الحق، وفي ضمنه جوانب من التعامل مع الآخرين الذين لا يدرون متى يبغتهم ذاك المجتمع بوجهة تخالف ما أعلنه؟. وتبدّى هذا في الانسحاب المعلَ ن من طرف واحد في اتفاقيات دولية كان لها مدى محدد من السنين، فتقرر الانسحاب منها قبل ذلك، لا لخرق أحد لبنودها، ولكن لأن المجتمع الديمقراطي ـ بكل سهولة ـ قرّر الانسحاب، حين رأى أن الوقت مناسب للانسحاب. وعلى هذا تقاس جوانب كثيرة من التعامل الإنساني التي لابد أن يسودها الترقب، إذ لا ي ستغرب أن تنقلب المواقف من التأييد إلى ضده أو العكس، لأن

عدد الصفحات ٥٤

55 الأمور كلها قابلة للتغير والانكفاء الفرق العاشر: أن الشورى من أعظم أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل المجتمع المسلم، بخلاف الديمقراطية التي تتسبب دومًا في زعزعة مجتمعها في اجزوانب السياسية والاجتماعية. وذلك أن الشورى تقيم علاقة متّزنة بين الحاكم والمحكوم، أساسها النصح ومحبة الخير وسعي المشير والمستشير إلى هدف واحد يجلب مرضاة الله تعالى ويحقق المصلحة العامة للأمة. ولذا فإن الحاكم لا يرتقب خطرًا من أهل الشورى، بل هم عنده بالمحل اللائق من الثقة والأمانة، ومشورته م في المقام العالي، لعلمه بصدقهم وحرصهم على نفع أمتهم، فالحاكم المسد د على أحرص ما يكون من الأخذ بمشورتهم، إذ هم في نظره شركاء له في همَ ه وم عِينون له في عزمه. وفي المقابل فإن أهل الشورى لا يرون هذا الحاكم خصماً ينبغي السعي في إسقاطه، إذ لا يوجد مبرّر يستدعي التربص به وتتبُّع أخطائه، سعيًا في تصعيد أمر مقاومته إلى أن يسقط فيتسارع أهل الشورى أو بعضهم لأخذ مكانه، بعد أن تمكنوا بطريقتهم المنس قة من إسقاطه. فهذا الهاجس غير وارد بحمد الله بفضل ما يسَّ الله للأمة من هذا التشريع الحكيم القائم على النصح والثقة المتبادلة بين كبراء الأمة من حكامها وعلمائها. ولذا قلنا: إن الشورى إذا سارت في المسار السليم كانت من أعظم ما يسبّب الاستقرار السياسي داخل الأمة المسلمة. وإنما يتطرق الخطر إلى الأمة إذا و جِد الشر بين الأكابر من العلماء والحكام

عدد الصفحات ٥٥

56 الذين سماهم الله تعالى جميعا بأولي الأمر في قوله سبحانهﭿﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﭾ[النساء51] حيث اختار عدد من أهل العلم أن اسم ﭿ ﭗ ﯽﭾ يشمل العلماء والحكام معًا، كما تقدم في كلا م ابن تيمية، وقرره غيره من أهل العلم رحمهم الله(1)، فهذان الصنفان إذا ساء الحال بينهما ساءت أوضاع الأمة ومن أعظم ما يصلح الله به الحال أن تسود المشورة بين الصنفين لما جعل الله في مشورتهم من التعاون على البر والتقوى وتقارب القلوب، بما يعود على الأمة باستقرار وضعها السياسي. ويتبع الاستقرار السياسيّ الاستقرار الاجتماعي، فإن عامة الناس تبع لكبرائهم من العلماء والحكام، فصلاح الناس تبع لصلاحهم كما تقدم في كلام شيخ الإسلام. فبقدْر ما تستقر الأمور السياسية تستقر الأمور الاجتماعية وتأتلف قلوب العامة على ولاة أمرها من حكامها وعلمائها، فعند ذلك تكون (جماعة المسلمين) على أقوى ما يكون من الاستقرار بمعونة الله تعالى. أما الديمقراطية فهي ذات الزعزعة الحقيقية لاستقرار المجتمع سياسياا واجتماعياا، لأن من طبي عتها جعل المجتمع منقسماً على نفسه بين أنصار حاكم منتخَ ب وأنصار ج بهة معارِ ضة، والحاكم في شغل شاغل بأمر استقرار حكمه منذ أن يعلو كرسي الرئاسة، وقد يسعى إلى ممارسات خطيرة تجعل أمر وصول المعارضة إلى كرسيه أقل احتمالا. ولذا وج ه للديمقراطية نقد كبير من هذه اجزهة، بالنظر إلى الواقع الفاسد (1) انظر: تفسير ابن كثير (1/518)، وإعلام الموقعين لابن القيم2/231.)

عدد الصفحات ٥٦

57 الذي خل فته، حيث بات واضحًا ـ كما رصد صاحب كتاب (النقد الغربي) ـ أنه في ظل الحكم الديمقراطي أصبح كل شيء مباحًا وممكنًا شراؤه: المناصب السياسية، والقرارات السياسية، والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لقوى خارجية، ولو على حساب المصلحة العامة للأمة، ووصل الأمر إلى حد إثارة الحروب وقتل الأنفس من أجل الترويج لمنتجات مصانع الأسلحة، وكذا سرقة وبيع الأعضاء البشرية، إضافة إلى آفتي البغاء والشذوذ. واستشهد صاحب الكتاب بما دوّنه الإعلامي الأمريكي (جريج بالاست) الذي صنّف كتابًا ذاع صيته في أنحاء العالم، سماّه: (أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها) أثبت من خلاله بالوقائع والأرقام فساد السلطة في بلده، وبرهن على ذلك من خلال أرقام ذات مدلول مذهل، سواء في اجزوانب الاقتصادية، أو التلاعب الشديد بنتائج الانتخابات، إضافة إلى التغاضي عن النشاطات المدمرة للبيئة من قِبَل شركات الطاقة التي تدعم الحملة الانتخابية للرئيس، مقابل أن لا تتعقب حكومته أنشطتها المدمرة للبيئة، تلك الأنشطة التي ترتب عليها انتشار الأمراض وقتل الأطفال في المناطق المحيطة بتلك الشركات أو مناطق دفن نفاياتها النووية الخطيرة، وذلك كله قد وقع في البلد الذي ي عدّ معقل الديمقراطية الأول(1). فهذا نموذج محد ود على جانب مما يقع من الساسة، بغرض تثبيت حكمهم. أما جانب المعارَ ضة فإنها منذ اليوم الأول من فوز الحاكم وهي في سعي (1) انظر: النقد الغربي ص21-11.

عدد الصفحات ٥٧

58 دؤوب لإفشال عمله، وتتبع أخطائه وتصعيدها على النطاق الشعبي، مستخدمة ضغط وسائل الإعلام، وربما افتعلت المعارضة أحداثا على جانب كبير من الخطورة ع لى المجتمع، بغرض إسقاط الحاكم الذي انتزع المقعد الر ئاسي الذي خططوا للوصول إليه سنين عددًا. وهذا اللون من التنافس بين أكابر المجتمع يترتب عليه جزمًا انقسام الناس على أنفسهم، حتى لتجد البيت الواحد منقسماً، ثم بقدر ما تشتد الخصمة بين الحاكم وجبهة المعارضة بقدر ما تشتد الخصمة بين الناس، لأن عموم الناس تبع لهؤلاء الأكابر، كما تقدم. وبذلك يمكن القول: إن الديمقراطية سبب في نشوء ما يعرف في اصطلاح السياسيين بالحرب الباردة داخل المجتمع الواحد، وقد تتفاقم هذه الحرب فتكون حربًا دامية. واعتبرْ ذلك بنتائج المعارضة المستد يمة وسيادة ثقافة تقديس المعارضة، وما ينشأ عن ذلك من تباعد القلوب وتنافرها وكثرة التّهم المتبادلة، وما يترتب على ذلك من المرافعات القضائية المغل فة بغلاف الحرص على المجتمع والذود عن مصالحه وأمنه، بينما الواقع أن ذلك ـ في أحيان غير قليلة ـ ناشئ عن السعي إلى تحقيق مصالح فئة معي نة، اتخذت من الحرص على الوطن ومصالح المجتمع ستارًا لتحقيق مصالحها هي. والعجيب أن المعارضة إذا أسقطت الحاكم وانقلب الحاكم وحزبه إلى جبهة معارضة سعى ذاك الحاكم ومنذ اليوم الأول لسقوطه إلى إسقاط من أسقطه، وانتهاج النهج الذي انتهجه خصمه، وند د هو به حين كان حاكماً! فتعود

عدد الصفحات ٥٨

59 الد وّامة من جديد، وتنقلب الولاءات في المجتمع، حيث يتحول عدد من الأفراد والمجموعات من جبهة مناصرَ ة إلى جبهة معارَ ضة، وكذلك العكس، تبعًا لذلك الحاكم الذي سقط، وذاك اجزديد الذي صعد، وهكذا دواليك. إذًا فاجزانب الاجتماعي عرضة دومًا في المجتمعات الديمقراطية للوهن والهزال ـ وذلك تبعًا لعدم الاستقرار السياسي ـ. ومهما حاول أنصار الديمقراطية التخفيف من حدة ذلك بالزعم بأن اجزميع قد رضي خيار الشعب الذي قال كلمته، فأقصَ هذا وقرّب ذاك، فالواقع البشري لا يمكن تجاوزه بمثل هذا الهراء، مع ما اشتملت عليه القلوب من الغيظ الشديد وسوء الظن وتقاذف التهم المتبادلة بين الفرقاء، مصحوبة بكثرة الطعون في النتائج حتى بعد إعلانها واستقرارها، وهذا واقع أكثر الانتخابات، ولم تسلم منه حتى أكبر الدول تبجُّحًا بممارسة الديمقراطية. واعتبرْ هذا بحال الدول التي لا يتمكن الحزب الحاكم فيها من إكمال مدته الرئاسية، نظرًا لكثرة ما يسعى المعارضون إلى إسقاط من وصل إلى سدة الحكم، حتى اشتهرت دول بهذا، فبلغت أعداد الحكومات التي تولت الرئاسة فيها في بضع سنين أرقامًا غير عادية، وترتب على هذا تأخر شديد في خطط التنمية التي لا يمكن أن تسير في مسارها المخطط لها إذا سقطت الحكومات المكلفة بتنفيذها بين فينة وأخرى. وهذا كله في حال انحصار النزاع بين القوى السياسية داخل برلماناتهم، ومقابلاتهم الإعلامية وحملاتهم الانتخابية. أما إذا أ قْحِمت اجزماهير في الصراع وطلب ت القوى السياسية من اجزمهور

عدد الصفحات ٥٩

61 النزول إلى الشوارع لإعادة الحق إلى نصابه والوقوف في وجه من تعدى على الدستور ـ كما ي عبر ون ـ فإن الأمور تتجاوز الملاسَ نات الكلامية والمرافعات القضائية، حيث انتقل الصراع بين من ي سم ون بالنُّخَب إلى الغوغاء، بالنظر إلى أن الشعب صاحب السلطة، حيث تذكرت النخب هذا الشعب في هذا الموطن حين احتاجت إليه، وصارت الهمم متجهة إلى استثارة أكبر قدر ممكن من الناس، واستعراض القوة بالاستناد للكثرة العددية، مما يوجِ د حملات متضادة يتبارى فيها الفرقاء، في إحصاء ما جمعوه من الأنصار الذين امتلأت بهم الميادين والشوارع الرئي سة، مصحوبة بمهرجانات حاشدة تدعم هذا الفريق أو ذاك، ويترتب على هذا تعطيل شديد لمصالح الناس وتعسَُّّ أو تعذُّ ر وصولهم إلى مواقع عملهم أو مستشفياتهم، مع إمكان اقتراب الحشود المتضادة من بعضها، بما يؤدي إلى مصادمات بين هذه الألوف، ثم تبدأ التهم المتبادلة بين الأحزاب في المتسب ب في الصدامات التي قد تخ لّف قتلى وجرحى، ويطالب اجزميع بإجراء تحقيق يلتزم ما يسمونه الشفافية، وإذا خرجت نتائج هذه التحقيقات فمن الممكن أن تثور الخلافات من جديد، إما انتقامًا من الطرف الذي أ دين، وإما طعنًا في نتائج التحقيق أو اتهامًا للقضاء بالمحاباة ومجانبة العدالة، وهكذا دواليك. وقد رأى الناس كيف أن الصراعات التي أوجدتها البيئة الديمقراطية بين أبناء المجتمع الواحد تسببت في انقسام بعض البلاد إلى قسمين أو أكثر، فاستقل قسم من البلاد وتسم ى باسم بحسب موقعه اجزغرافي، حيث أضحى يمثل اجزنوب أو الشرق من البلاد، وبقي القسم الأول يمثل الشمال أو الغرب. وباجزملة فإن الشورى لا توجد معها هذه الأدواء، لأنها لا تتسبب في

عدد الصفحات ٦٠

60 نشوء الأحزاب من الأصل، لأن بناء الشرع للمجتمع قائم على أساس امتثال الحاكم والمحكوم لأوامر الله تعالى فيما هو منصوص. أما مسا ئل الاجتهاد فهي محل المشورة بين كبراء الأمة من (أولي الأمر) الذين بيّنّا المراد بهم، فلا معنى لنشوء أحزاب في الأمة تفرّق جماعتها وتبثّ البغضاء فيها. والأمر الذي أوجبه الله هو المناصَ حة التي هي عماد المشورة الشرعية، وعند الاختصام في أمر فالواجب أن ي ردّ إلى ما أمر الله به في قوله: ﭿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒﭾ[النساء51]. أما الديمقراطية فالتحزبات مما لا قوام لها إلا به، كما رأيت، فلذا انقلبت المجتمعات الديمقراطية إلى تجمعات كبرى للأحزاب، وبطريقة قد لا يتخيل كثيرون عددها، حيث ي ظن أن دولةً ما ليس فيها إلا حزبان أو ثلاثة، والواقع بخلاف هذا، فالأحزاب كثيرة جداا، لكن شهرة بعضها أضعف ظهور الأحزاب الأخرى للمتابع الخارجي. أما في الداخل فهذه الأحزاب قد شعّ بت المجتمع الواحد، وفرّقته، بسبب الممارسات الديمقراطية المهيئة لهذا الوضع المخرّب لأحوال المجتمعات السياسية والاجتماعية. ولا يخفى وجود خيبة أمل كبيرة لدى ملايين الناس في مجتمعات ديمقراطية كثيرة، نظرًا للممارسات الفاسدة التي أوجدتها الديمقراطية، وقد نشأ على خلفية ذلك شعور عدد كبير من اجزماهير بالرغبة في الانتهازية، والتعامل مع هذا الوضع بما يناسبه، فصار الناخب يشعر أن صوت ه بدلاً من أن يستفيد منه

عدد الصفحات ٦١

61 المحتالون فينبغي أن يستفيد منه هو، فانتشر بيع هذا الصوت لمن يدفع أكثر، بقطع النظر عن حرصه على المصلحة العامة من عدمه. والإحصاءات والمتابَ عات في هذا السبيل أَ وقَ فت على نتائج مذهلة، تنبئ عن تعوّد الناس على اتخاذ الانتخابات طريقًا من طرق الكسب، بما برهن على أن نسبة غير قليلة من اجزماهير لم تعد تقدّر ما تدعيه من رعاية مصالح مجتمعها، إذ لم تعد تنظر للمرش حين نظرة ال ـم جِلّ المحترِم، فلذا دخلت فيما يسمى بالصراع الانتخابي، لا لتحسمه لصالح من ترى أنه الأفضل، وإنما لحسمه لتحقيق مصالح شخصية تعود على الناخب الذي فقدَ ثقته بهؤلاء المتنافسين الذين يتهافتون على استجداء الأصوات حتى من ذوي الممارسات الشاذة، م قرونة بوعود كثيرة بتحقيق مطالب تلك الفئات في شكل تشريعات ترسّخ تلك الممارسات وتضفي عليها ما يسمونه الشرعية، مع كثرة الفضائح التي طالت الكبراء في مجتمعات عدة، مصحوبةً بما قد غدا عادة مألوفة بإخلاف الوعود الانتخابية. ومعلوم أن لكل أمة رموزًا كبارًا تحترمها لاعتبارات تتفاوت المجتمعات في تقديرها، بحسب ما لدى كل مجتمع من اعتقاد وثقافة، فإذا اهتزت الثقة بهؤلاء الرموز ضعف جانب الانتماء لهذا المجتمع، إذ تهاوى فيه الرموز والكبراء الذين هم محل التقدير والاحترام عادة، فضعف أو انعدم جانب الاحترام لذلك المجتمع من قِبَل ناشئته وعوامّه. وباجزملة فإن طبيعة البيئة الديمقراطية تنتج حالة بالغة السوء في النواحي الخلقية والعلاقات الإنسانية، نظرًا لما تقتضيه هذه الطب يعة الفاسدة من نشوء الصراعات داخل أبناء المجتمع الواحد، وحالة الترقب المصحوب بسوء الظن

عدد الصفحات ٦٢

63 وتلمس عثرات الخصوم إلى حد التسبب فيها وتهيئة الفِخاخ لإيجاد فضائح ت نشرَ على نطاق واسع، بغرض زعزعة الثقة بالمنافس. فكيف يجرؤ م نصِ ف ـ يعي حقيقة الشورى في الإسلام ـ على خلط ما بين الشورى والديمقراطية، مع هذا البَ وْ ن العظيم الذي تنتجه كل واحدة منهما في الأمة! الفرق الحادي عشر: هاهنا فرق يتعلق بتحقيق الهدف المربوط بالمبدأ، فالشورى حقّقت الحكمة من مشروعيتها بطريقة لا لبس فيها، فلذا كانت العصور التي ط ب قت فيها الشورى كما ينبغي أحسن العصور التي مرت بالأمة، والعكس بالعكس، ف إن الأزمنة التي ساد فيها الظلم وانتشر فيها الاختلاف والف رقة على نطاق واسع كانت الشورى فيها م غي بة أو مجعولة في غير أهلها، وذلك من الدلائل البينة على ما في الشورى إذا أقيمت كما ينبغي من الأثر العظيم في تحقي ق مصالح الأمة وائتلاف القلوب وقوة اجزماعة، والوصول إلى ما فيه مرضاة الله تعالى، كما أنه من الدلائل على أن ضياع مصالح الأمة له أسباب من أشدها: إقصاء الشورى أو جعلها في غير أهلها الذين أوجب الله أن تكون فيهم. وعليه فإن الشورى إذا طبقت كما ينبغي فإنها تحقق هدفها، وإذا وجد وقت لم يتحقق فيه هذا الهدف فليس ذلك راجعًا إلى الشورى من حيث هي تشريع حكيم، بل ذلك راجع إلى عدم إقامتها كما أمر الله تعالى. أما الديمقراطية فإن هدفها المعلن، وهو تمكن الشعب من الحكم مما لم يقع عبر تاريخها، ولذا بدت الديمقراطية في نظر كثير من مفكري الغرب مجرد خيال أو وَهْم، لأن قِلّة قليلة هي التي تحكم وتسيطر على مقاليد الحكم في ضوء نظرتها

عدد الصفحات ٦٣

64 ومصالحها، دون أن تكون السلطة الفعلية للجماهير، ولا حتى للأغلبية، فأصحاب السلطة في النظم الديمقراطية يجتمعون في مجالس تتسلط باسم كائن خيالي لا وجود له هو: (الأمة) وتدّعي تلك المجالس أنها ت عبر عن إرادة الأمة، وتعد نفسها الممثّل الوحيد لسلطة الشعب والمصدر الأوحد للقانون الذي لا يملك الرعايا إلا طاعته، فانتهى الأمر إلى طاغية بمئات الرؤوس، بديلا لطاغية برأس واحد(1). ولذا سخر بعض مفكري الغرب من الديمقراطية بقوله ((إنه نظام لا يتحقق إلا إذا حكمت الآلهة))(2). فكما أن الآلهة المتخذة من قبل الوثنيين خرافة من خرافاتهم فكذلك وهْم الديمقراطية لدى أنصارها خرافة مماثلة لا حقيقة لها. وذلك أنه إذا ن ظر إلى الديمقراطية على أنها حكم الأغلبية فمن المعروف أنه في أي نظام سياسي لا يمكن اعتبار الأغلبية أغلبيةَ سكان الدولة، لأن الذين يسمح لهم القانون بالتصويت أقل بكثير من عدد مواطني الدولة، ثم إن الذين يشتركون بالفعل في التصويت أقل دائما من عدد الذين ي سمح لهم بالتصويت، فأعداد كثيرة لا تشارك في الانتخابات، إما بحكم السن أو عدم الاهتمام، وهذا يعني أن السيطرة على شئون الدولة تصبح بيد (الأقلية) لا (الأغلبية) التي تدعيها الديمقراطية، فالواقع في الأنظمة الغربية أن الشعب ليس هو الذي يحكم، كما تفترض النظرية الديمقراطية، لكن الذي يحكم أقلية تسمى: (النخبة) تتوف ر (1) انظر لتوضيح ذلك وكلام الغربيين في هذا: النقد الغربي ص28. (2) النظام السياسي في الإسلام للدكتور سليمان العيد ص11.

عدد الصفحات ٦٤

65 لها قدرة على التحكم في الموارد ومصادر الثروة والقوة، ويؤدي ذلك إلى تحكّم فئات اجتماعية تسعى إلى ترسيخ مصالحها ومزاياها الاجتماعية، لتصبح جزءًا من النظام فيألفها الناس، ولذلك فإن من أراد التطبيق الحرفي للديمقراطية ـ وهو حكم الشعب ـ فإنه لن يجد مكانًا للنخب في النظام، ولكن ذلك يعني من ناحية أخرى أنه لن تكون هناك ديمقراطية في أي مكان في العالم(1)! فمحترفو السياسة هم (القلة) التي تضطلع بالحكم، أما عامة اجزماهير فبعيدة تمامًا عن سدة الحكم، وأقصَ ما يمكنها فعله هو التوجه إلى صناديق الانتخابات مرة كل عدة سنوات لإضفاء شرعية على حكم الأقلية، وهذه القلة تنفرد بالحكم وتنقطع صلتها بالناخبين بمجرد انتهاء عملية التصويت، ولو أ حصِ يت نسبة المتعاطين للسياسة في الديمقراطيات الغربية لما وجدنا نسبتهم تتجاوز جزءًا صغيرًا من واحد في الألف من عامة الشعب، فأين حكم الأغلبية إذًا؟(2). وبه ي علم أن أهم خصائص ال ديمقراطية وأساس وجودها، وهو قيام الشعب بحكم نفسه لم يتحقق عبر التاريخ، بل ظل الحكم خاصاا بفئة أو طبقة صغيرة من الناس ت سير بقية أفراد الرعية، كما كان حال طبقة النبلاء وأشراف القوم عند الإ غريق قديماً، وكما هو حال طبقة كبار الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال في المجتمعات الديمقراطية في عصرنا الحديث، حيث تملك هذه الطبقة الأحزابَ ووسائل الإعلام التي تصنع الرأي العام وتوجّهه، وتحارب بلا هوادة (1) انظر: نقض اجزدور الفكرية ص11-14. (2) انظر: النقد الغربي ص28.

عدد الصفحات ٦٥