المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشورى والديمقراطية حقيقتهما وأهم الفروق بينهما

عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

صفحة ٣ من ٦

34 موضوع هذا المبحث ي عدّ موضع معركة كبيرة، ولذا فسأفيض في بيانه بعون الله، مع كامل علمي بأن مقامي هذا ليس مقام توفية لحق الموضوع، وسأعرض ما عندي فيه بحول الله من خلال مطلبين اثنين: أولهما: في ذكر تنبيهات لابد من توضيحها. ثانيهما: في سرد أهم الفروق بين الشورى والديمقراطية. نظرًا لخصوصية هذا الموضوع فقد رأيت قبل الدخول في تفاصيله أهمية ذكر تنبيهات تتعلق بالموضوع، هي على النحو الآتي: التنبيه الأول: المقارنة بين الشورى والديمقراطية لابد أن تصل بالباحث إلى المقارنة بين الإسلام والديمقراطية ـ ولو من بعض الوجوه ـ لأن الديمقراطية كما رأيت ليست حكماً جزئياا من ضمن أحكام مبدأ، لتقارن بحكم محدد من أحكام الإسلام هو الشورى، بل الديمقراطية عند أنصارها مبدأ ينبغي أن ينتظم الحياة السياسية، ويَ تْ بَ ع ذلك جوانب الحياة الأخرى، ك اجزوانب الاقتصادية والاجتماعية، وت ستثمر في نشر الديمقراطية الأجهزة الإعلامية والتعليمية، لتكون واقعًا يمارسه الأفراد والمجتمعات. وهذا يستدعي عقد مقارنة موسعة بين الإسلام والديمقراطية، لأن

عدد الصفحات ٣٤

35 الإسلام عند أهله يجب أن يشمل بجميع أحكامه الكريمة سائر مناحي الحياة، وليس الذي يشمل هذه المناحي حكم واحد هو الشورى، بَيْد أن أنصار الديمقراطية في بلاد المسلمين لما ركّزوا في عملية الخلط بين الإسلام والديمقراطية على حكم من أحكام الإسلام هو الشورى ، فقد اتجهت المقارنة بين الإسلام والديمقراطية إلى المقارنة بين الشورى والديمقراطية. وهذا وإن كان هو أكثر ما ينبغي التركيز عليه عند المقارنة إلا أن من المحال أن ت بترَ الشورى عن دين الله عز وجل، لتقارن منفردة بالديمقراطية. ولذا فإن البحث سينصبّ بعون الله على بيان وجوه الفرق بين الشورى والديمقراطية، لكن مع ملاحظة أن الباحث في هذا الموضوع لابد أن يتطرق إلى ذكر وجوه مقارنة بين الإسلام في عظمته وجلالته وبين الديمقراطية في بشريتها وتناقضها. التنبيه الثاني: بعض الفروق التي سأس وق ها بعون الله يمكن أن ت صن ف على أنها آثار، وذلك لتداخل ما بين الفروق والآثار، وبخاصة في هذا الموضوع وما أشبهه. وغرضنا هنا ليس وضع حدٍّ فاصل بين ما يمكن أن يدخل في الفروق وما يمكن أن يدخل في الآثار، إذ المقام ليس مقام تصنيف كتاب في الحدود أو المصطلحات، بل المقام مقام استجلاء وجوه قابلة لتحقيق هدف من أهداف البحث، وهو المقارنة بين الشورى والديمقراطية، لتوضيح ما بينه ما من المباينة العظيمة، تلك المباينة التي خفيت على كثير من الناس، ولا سيما مع الحملة النشطة لتسويق الديمقراطية من خلال وسائل متعددة، من أشدها تأثيرًا على

عدد الصفحات ٣٥

36 المسلمين دعوى وجود توافق أو تطابق بين الشورى والديمقراطية ولما كان هذا واحدًا من أ هداف البحث فإني لن أقف عند كون ما أودعته في هذه المقارنة مصن فًا على أنه فرق أو أثر. التنبيه الثالث: الباحث في الفروق بين الشورى والديمقراطية لا يخفى عليه إمكان وجود شيء من التشابه اجززئي. وهذا التشابه هو ما ف تِن به من سو قوا للديمقراطية في بلاد المسلمين، ولذا ركزوا عليه كثيرًا. وهذا التشابه لن أقف عنده في هذا البحث لسببين: أولهما: أن موضوعنا محصور في بيان الفروق، فأما ما يمكن أن ي صن ف على أنه ضمن وجوه الش به فيحتاج في نظري إلى بحث مستقل، ي نظر فيه إلى جميع ما ادُّعي أنه من وجوه الشّبه، هل هو حقاا موضع مشابهَة؟ وإذا ثبت أنه موضع مشابهة فلابد من النظر في هذا التشابه هل هو أمر عارِضٌ أم لا؟ إلى غير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى تدقيق ومقارنه تستحق أن ت فرَد في بحث مستقل. ثانيهما: أن التشابه اجززئي يقع حتى بين المبادئ المتناقضة المتصادمة، والمقارنة العلمية المنصفة بين مبدأ ين متناقضين لا يمكن أن تنصب على مجرد تشابه جزئي مع إغفال الفروق العظيمة التي تجعل ما بين هذه المتضادات أكبر بكثير من التشابه العارض. والذي ديدن ه إثارة موضوع التشابه العارض بين المبادئ المتضادة قد يوهم الأغمار أن المتضادّات أصبحت متوادّات لا تنافر بينها ولا خلاف. وذلك مسلك غير أمين سلكه دعاة الاشتراكية البائدة حين ركّزوا على

عدد الصفحات ٣٦

37 كون الشرع أتى برعاية حقوق الضعفاء، وأوجب عدم بخس العامل أجره، ونحو ذلك من الأحكام، ليتوصلوا إلى تقرير أن هذا الذي جاء به الشرع هو عين الاشتراكية التي يدعون إليها، ولذا افتروا على الله أن دينه الذي ارتضاه دين اشتراكي، مع إخفاء بلايا الاشتراكية وحقيقة قيامها في مهدها على الإلحاد. وهكذا صنع دعاة الديمقراطية حين ركزوا على جوانب محددة من الفكر الديمقراطي وخلطوا ما بينها وبين الإسلام، حتى إن بعضهم مزج بين الشورى والديمقراطية تحت اسم: (شور وقراطية)!(1) والتشابه العارض كما أنه يوجَد بين المباد ئ المتضادة فإنه قد يوجد بين أصدق البشر، وهم أنبياء الله صلى الله عليهم وسلم، وبين أكذب البشر، وهم مدّعو النبوة، فهل يخلط عاقل بين صنف الأنبياء الصادقين والأباعد الكاذبين لمجرد هذا التشابه العارض؟ وأنقل في هذا الموضع كلمة تناسب المقام ذكرها ابن كثير لما بينّ أن المدّعين للنبوة لابد أن تكون معهم أمور يَ شهد العلماء والمؤمنون معها بكذب هؤلاء المتنبئين، ثم قال: ((فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد))(2). فذكر أن الاتفاق العارض على أمر ما قد يقع حتى بين الكذبة من المدع للنبوة وبين الأنبياء الصادقين صلى الله عليهم وسلم، مع ما بين الفريقين من (1) انظر: نقض اجزذور الفكرية للدكتور أحمد علي مفتي ص11. (2) تفسير القرآن العظيم1/313) وتحرفت فيه كلمة (الاتفاق) إلى كلمة (الإتقان) وهو خطأ، وك تب على الصواب في نسخ أخرى.

عدد الصفحات ٣٧

38 البَون الشاسع الذي هو كالبون بين الصدق والكذب، فكذلك يقال فيما قد يقع من الاتفاق العارض بين الإسلام وبين أي مبدأ ضال في أمر من الأمور. وإنما دلّس من دلّس على الأمة في تسويق مبادئ الضلال من هذه اجزهة، فلزم التنبه والتنبيه إلى ذلك، حتى يتضح الأمر. وعليه فإن وجود تشابه عارض لا ي ستغرب حتى بين المتضادات. فالذي يح تاج إليه في حال كهذه هو إبراز الفروق في المقام الأ ول، ولا يمنع ذلك من توضيح ما قد يوجد من تشابه جزئي من باب استكمال المقارنة، لا من باب خلط المتضادات وتذويب الفروق بينها، فذلك تدليس وتزوير، وليس من البحث العلمي في قليل ولا كثير. التنبيه الرابع: لا يصح أن يحسب أحد على الشرع أي ممارسة خاطئة، س م يت باسم الشورى، ثم ينتقد الشورى الشرعية الصحيحة، بدعوى وجود سلبيات للشورى تح سب عليها، كما تح سَب على الديمقراطية سلبياتها. فهذا من الخطأ الكبير ومن الإجحاف العظيم عند المقارنة، لأن الذي يح سَب على الشرع هو نصوصه وقواعده الشريفة، فأما الممارسات الخاطئة المتسمية بالأسماء الشرعية فلا علاقة لدين الله بها. وهذا وارد حتى في غير الشورى، فمن تعدى وسفك الدم الحرام وسمّى تعديَه جهادًا في سبيل الله، أو ترهْ بَ نَ وأضرّ بنفسه وسمى رهبانيته زهدًا في دنياه، أو أساء خلقه مع والديه وذوي رحمه، وسمى صنيعه: غضبةً لله، فكل هؤلاء وأمثالهم، وإن تسم وا بالأسماء الشرعية، بل وإن استدلوا على أباطيلهم بالنصوص القرآنية والنبوية فلا يحل أن يح سب تجاوزهم على دين الله.

عدد الصفحات ٣٨

39 ولذا فإن الشورى الشرعية لا يمكن أن يشْكِل عليها عند المنصف أي ممارسة باطلة تسم ت باسم الشورى وترتب عليها ما ترتب من ضرر، لأن المقارنة هنا بين الشورى التي يصح أن ت نسب للشرع بضوابطه الكريمة وبين الديمقراطية التي يقررها منظروها المعتبرون. التنبيه الخامس: سأفاوت إن شاء الله عرض هذه الفروق، فبعضها سأجعله موجزًا، وبعضها قد أسهب في عرضه، للحاجة إلى ذلك الإسهاب، كما أن بعض الفروق قد يكون بينها تقارب شديد، لكن النظر فيها جعلني أفرد كل واحد منها على حدة، لأن لكل منها مسارًا في بيان مباينة الشورى للديمقراطية، وهو موضوع هذا المبحث، كما أن الإسهاب في بعض الفروق ربما وصل معه القارئ إلى أن شيئًا منها قد تضمن ـ في الواقع ـ أكثر من فرق، غير أني رأيت ـ تسلسلاً للموضوع ـ أن أورد كل ما عندي في هذا الموضع، وإن رأى قارئ كريم أني دمجت أكثر من فرق ـ ضمن بند واحد ـ فالمقصود الأهم هو بيان شدة مباينة الديمقراطية للشورى وإن اختلف النظر في كون هذه الفقرة قد تضمنت فرقًا واحدًا أو أكثر، فذلك مما أرى أنه لا مشاحة فيه، والأمر فيه واسع إن شاء الله. التنبيه السادس: لابد من التنبيه إلى أن البحث بحاجة إلى جملة من الإحصاءات الحديثة المعلنة في مواقع غربية معتبرة تؤكد ما وصل إليه الباحث بشأن الديمقراطية، بيْدَ أن ضيق الوقت منعني من نقل كثير منها، فلعل الله أن ييسَّّ عودة له ذه الإحصاءات لاحقًا وتزويد البحث بها، حتى يكون تقرير ما نصل إليه من نتائج في أمر الديمقراطية مدعومًا بشواهد تؤكد ما وصلنا إليه بعون الله.

عدد الصفحات ٣٩

41 المقارنة العلمية تكون في الغالب بين أمرين يقبلان المقارنة ، لقربهما من بعضهما، فت ذكر الفروق بينهما لتتضح بها مواطن اجزَمْع ف يما عداها، فأما المقارنة بين الإسلام أو حكم من أحكامه الكريمة وبين مبدأ بشري وضعي فلا شك في أنه عجيب، إذ كيف يقارن المرء بين الثريّا في ارتفاعها والثّرى في سفوله! ومن أول ما ينتاب الباحث في موضوع كهذا هو المبتدأ الذي ينطلق منه، إذ يحار أي الفروق ي قد م، فالفروق من جهة عددها كثيرة، ومن جهة اشتداد المباينة كبيرة. وسأسرد ما تيسَّ من هذه الفروق بحول الله في الفروق الثلاث عشرة الآتية: الفرق الأول: أن الشورى ـ من حيث مصدرها ـ لفظة شرعية، قد أمر الله بها في كتابه في قول ه سبحانه: ﭿﭭ ﭮ ﭯﭾ [151] وذكرها سبحانه في خصال المؤمنين ـ مقرونة بالاستجابة لله تعالى وإقام الصلاة والإنفاق ـ فقال عز وجل: ﭿﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﭾ[14]. فهي إذًا لفظة شرعية معلومة، كما أن لفظ الصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية معلومة لا يخفى المراد بها. أما الديمقراطية فأصلها مصطلح يوناني مكو ن من كلمتين، معناهما: (حكم الشعب).

عدد الصفحات ٤٠

40 واليونان أمة وثنية كانت تعبد الأصنام، وشاعت فيهم الفلسفة بأقسامها وضلالاتها الم نوّعة، ثم ط وّرت الديمقراطية في ظل الفكر الأوروبي الذي تلفُّه المبادئ الإلحادية منذ دهور، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. فشتّان ما بين الشورى الشرعية والديمقراطية اليونانية الأوروبية من جهة المصدر. وإدراك هذا الفرق من البداية مهم، لأن ثمة فروقا كثيرة ترتبت عليه وانبثقت منه. الفرق الثاني: بناء على تباين ما بين مصدر الشورى ومصدر الديمقراطية ترتب فرق كبير، وهو أن الشورى ممارسة شرعية لا تتم إلا من خلال تطبيق أحكام الشرع، إذ هي جزء من أحكامه. فمن هنا تكلم أهل العلم عن أحكام الشورى كما تكلموا عن بقيةأحكام الشرع الأخرى، إذ هي حكم شرعي شريف، ضمن غيره من أحكام دين رضيه الله للناس، ولذا فإنه بقَدْ ر ما يكون التطبيق لشرع الله سليماً وشاملاً جزميع مناحي الحياة بقَدْر ما تكون ممارسة الشورى سليمة، إذ هي مربوطة ربطً ا وثيقً ا بتطبيق سليم لشرع الله. أما الديمقراطية فلما كانت ذات ارتباط تام بالعلمانية [SECULARISM ] فإنها ظلت على أبعد ما يكون من الخضوع لأحكام أي دين، فلذا ج علت السيادة فيها للأمة لا للدين، ولا ي ستكثر هذا على مبدأ يقرر رموزه أنه لا قوام له إلا في البيئة العلمانية. وهذا يستدعي ضرورة التعريف الموجز بالعلمانية التي ارتبطت بها

عدد الصفحات ٤١

41 الديمقراطية هذا الارتباط. والترجمة الصحيحة للعلمانية هي: اللادينية أو ا لدنيوية، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعني في جانبها السياسي: اللادينية في الحكم(1). فإذا أردنا المقارنة بين (الشورى) و(الديمقراطية) بدقة فلابد من إعادة كل منهما إلى أصله، فالإسلام الذي انبثقت منه الشورى ي ـخضِع الحياة كلها لأحكام شريعته الكريمة دون استثناء مجال واحد ﭿﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﭾ[الأنعام112-111] ف تتأتّى الشورى إلا في ضوء (سيادة الشرع). وواقع الأمة في عصورها الزاهية كان تحقيقًا دقيقًا لإخضاع الدنيا للدين وسياستها به، وبذلك ع ر فت الإمامة، فهي كما قال الماوردي: ((مو ضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا))(2). أما العلمانية فهي تنحية تامة للدين عن الحياة، واجزانب السياسي منها قائم على بناء الحكم على هذا الأساس، ولذا فإن دائرة المعارف البريطانية لما قسمت الإلحاد إلى قسمين، الأول: الإلحاد النظري، والثاني: الإلح اد العملي، أدخلت العلمانية في الإلحاد العملي(3) وذلك لأن العلمانية ترسخ اجزانب التطبيقي للإلحاد في الواقع الذي تسود فيه. فإذا تبين فرق ما بين الإسلام والعلمانية تبين فرق ما بين ما انبثق من (1) انظر: الموسوعة الميسَّة ص114. (2) الأحكام السلطانية ص5. (1) انظر: العلمانية وثمارها الخبيثة ص4-8.

عدد الصفحات ٤٢

43 الإسلام، وهو (الشورى) وما بين ما انبثق من العلمانية وهو (الديمقراطية). فمن أراد مقاربة ما بين (الشورى) و(الديمقراطية) فليستحضر أنه يقارب ما بين دين يجعل شريعته أساسًا تخ ضَع له جميع مناحي الحياة دون استثناء، وبين مبدأ يعزل هذا الشرع عن مناحي الحياة بلا استثناء. وكل من لم يلاحظ هذا الأمر فقد يتناقض إلى درجة تجلب له السخرية، كث ل ة غير قليلة ممن ناصروا الديمقراطية، في الوقت الذي ناصبوا فيه العلمانية العداء، مع أن الديمقراطية كما رأيت مرتبطة بالعلمانية أتم الارتباط. الفرق الثالث: في المجال الذي تتناوله الشورى والديمقراطية. لما كانت الشورى لا تتأت ى إلا تحت مبدأ (سيادة الشرع ) كما تقدم فإن المجال الذي تتناوله الشورى لابد أن يكون محدّدًا، فالمنصوصات الشرعية لا مجال للمشورة فيها، إذ قد ك في أهل الشورى أمرها بحكم الحكيم الخبير سبحانه وتعالى، وبقيت المجالات الاجتهادية موضع المشورة الشرعية، ولهذا فإنه لو فرض أن أحدًا من أهل الشورى أشار بما فيه مخالفة للشرع ـ لأي اعتبار ادّعاه ـ لوجب أن ت ردّ عليه مشورته، حتى لو افترضنا أن هذه المشورة جاءت من الأكثرية المخوّلة بالمشورة، ولذا كان الصحابة عندما يريدون المشورة على النبي في أمور يحتمل أن يكون الوحي نزل ببيانها يسألون أولاً عن هذا اجزانب، ليتحققوا: هل المجال للمشورة ممكن أم لا؟ كما تقدم في مشورة النبي للس عدين ، لأن من المتقرر أن النص الشرعي ليس معه أي موضع للمشورة. فمن هنا صار نطاق الشورى محدودًا بما لا نص فيه، ولذا فإنها لا ت قحَم فيما

عدد الصفحات ٤٣

44 ليس من مجالها، مما قد حسمه النص الشرعي وجلاّه، لما أن ذلك تشريع مستقر لا يحل أن يزعزع. والتشريع عند أهل الإسلام خالص حق الله تعالى، وكما أن الله نهى عن إشراك أحد في عبادته فقد نفى إشراك أحد في حكمه، قال تعالى ناهيً ا عن الشرك في العبادة: ﭿﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜﭾ [111] وقال نافيًا الشركة الحكم: ﭿﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﭾ [21] وقد قرئت الآية على أنها نهي عن جعل شريك في الحكم، فقرئت بالتاء الفوقية وإسكان الكاف ﭿولا ت شرِْكْ في ح كْمِهِ أحَدًا ﭾ(1). ومن أعظم ما ترتب على هذاأن ثوابت الشرع والأحكام المنصوصة التي لا تستقيم حياة المسلمين إلا برسوخها، لا يمكن أن تقبل التزعزع، بدعوى إدخالها تحت نطاق المشورة، وفي ذلك ضمانة عظيمة لاستقرار هذه الثوابت، مهما تغيرت الأزمنة أو الأمكنة، لأن الحكيم الخبير سبحانه وتعالى قد علم ضرورة رسوخها في الأمة، فلم تكن قط قابلة للتغيير باسم شرعي، كالشورى، فلذا صار التعرض لها بالتغيير عَلَـماً على أهل الضلال والانحراف يميزهم عن أهل الحق والاستقامة، فمن هنا صارت المناقشات التي تسود أهل الشورى مناقشات مؤص لة علمياا وخلقياا للوصول إلى ما ي رجَى أن يكون فيه الصواب حسب الضوابط الشرعية المعتبرة، وليس لأهل الشورى حق التشريع لما لم يأذن به الله، بل كل نقاشاتهم وإن تباينت وجهاتهم يراد بها شيء واحد، هو ما تقدم بيانه من تحري طاعة الله والْ تماس ما دل عليه الكتاب والسنة، ولذا فإن الشورى لا يمكن (1) انظر: فتح القدير للشوكا1/241.)

عدد الصفحات ٤٤

45 أن تكون تشريعًا خاضعًا لميول أهل الشورى ت لزَم به الأمة، بالنظر إلى أن أهل الشورى مجموعة من المشرّ عين الذين يخولهم مجلسهم حق التشريع، فهذا التسيّب لا يكون في دين الله قط. أما الديمقراطية فإنها لمّا كانت تقرر أن السيادة للأمة فقد أطلقت العنان للخوض في كل شيء، بما في ذلك القطعيات الشرعية المنصوصة وال ـم جمَع عليها، إذ ليس يوجد في نظر الديمقراطية شيء مقد س لا يمكن الخوض فيه، ولذا أضحى المجال مفتوحًا بل سائبًا ليشرّع البشر ـ بما عندهم من قصور وهوى ـ ما شاؤوا تشريعه، باسم (سيادة الأمة) حتى ولو بخروج (الأمة) اليوم على نفس ما قررته (الأمة) بالأمس، بحيث يمكن أن تقرر الأغلبية منع ما أتاحته من قبل، أو العكس، لا لشيء إلا لأن الأغلبية عدلت عن قرارها السابق! ولهذا فإن كل شيء في المجتمع الديمقراطي قابل للتغيير، بما في ذلك ما قد ي عدّ في وقت من الأوقات نوعًا من أنواع الثوابت التي قررتها الأمة لنفسها، وجاهدت في سبيل تشريعها، حتى حصلت عليها، وبأكثرية ساحقة، كما يسمونها. ولذا فإن الديمقراطية ينشأ عنها مجلس يكون له صلاحية التشريع وسَ نّ القوانين، دون أدنى نظر لحكم شرعي، وأعضاء هذا المجلس لهم أن يشرّعوا ما لم يأذن به الله تعالى، فضابط الإباحة والمنع عندهم هو ما تقرره الأغلبية التي خوّلتها النظم الديمقراطية أن ت شرّع، بالنظ ر إلى أنها قد أ نيبت من قِبَل الشعب : المالك الأصلي للتشريع عندهم. فأين هذا كله من الشورى في الإسلام التي قدّمنا أنها لا يمكن أن تكون

عدد الصفحات ٤٥

46 تشريعًا لما لم يأذن به الله، بل إن مجرد إطلاق اسم التشريع على غير الله خطأ، ف يقال لبشر: شارع ولا مشرّع، ولذا نبّه الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز إلى أن من غير اللائق إطلاق لفظ: (المشر ع) على من قام بوضع نظام، وبناء عليه صدر قرار مجلس الوزراء بالمملكة العربية السعودية بعدم استعمال كلمة (مشرع) في الأنظمة ونحوها(1). والمتأمل لما ذكرناه هنا يدرك مدى ما تحمله الشورى من تنظيم وانضباط، ومدى ما تحمله الديمقراطية من تسيّب واضطراب. الفرق الرابع: الشورى مبناها الْ تماس الرأي الصائب الذي يسنده الدليل الشرعي ويحقق المصلحة العامة، بقطع النظر عن أي اعتبار آخر. فقبول المشورة أو ردُّها يلاحظ فيه دائما هذا المعيار الدقيق. أما الديمقراطية فمبناها الكثرة العددية التي تفرزها نتائج التصويت، بقطع النظر عن الواقع الذي ستصل إليه الأمة لاحقًا، حتى وإن كان في قرار الأكثرية إهدار تام للمصلحة التي يعيها عقلاء تلك الأمة الذين ي غلَبون على أمرهم بسبب اجزموع الغوغائية التي لا يتصور كثير منهم أبعاد ما أيدوه من رأي، فضلاً عن أن يدركوا أن مصلحة أمتهم فيه. وقد ذكر الله تعالى حال أكثر الناس، وبينّ عاقبة طاعتهم بقوله: ﭿﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﭾ [الأنعام111]. فهذا حال أكثر الناس بخبر من خلقهم تبارك وتعالى، فطاعتهم ـ سواء (1) انظر: معجم المناهي للشيخ بكر أبو زيد ص511.

عدد الصفحات ٤٦

47 بصناديق الاقتراع أو غيرها ـ طريق للضلال والهلاك، وذلك أن الأكثرين تسود فيهم مفاهيم من لا يعلمون، ممن رأس مالهم الظن والخرص، فمن جعل هؤلاء معياره في القبول والرفض فلا ريب في ضلال مسلكه وب عده التام عن الحق. الفرق الخامس: المخو لون بالمشورة شرعًا ث ل ة ذات مؤهلات محدّدة استحقوا معها أن يكونوا محل الثقة وتحمُّل المس ئولية، لما حباهم الله من خصال قد مْنا الكلام عنها. وقد منا أن النبي أخبر أن المستشار مؤتمَن، وعليه فلا ينبغي أن ي قد م للمشورة كل أحد، بل ينبغي أن ي نتَقى لها المؤه لون المؤتمَنون. وإذا كان العاقل لا يستشير في أموره الخ اصة إلا من يراه أهلاً لها، ولا يجعل المشورة لكل من هب ودب ، ويَع دُّ الناس ذلك من دلائل الحزم ورجاحة العقل، فكيف ي ستكثر أن يخ صّ بالمشورة في عظا ئم أمور الأمة ونوازلها المؤه لون لذلك دون غيرهم؟ أما الديمقراطية فلما كان مبناها كما تقدم هو مجرد الكثرة ال عددية لا مصلحة الأمة التي تترجح لأهل الأمانة والدراية فإنه لم ي شترَط لا في الناخب ولا المنتخَب كثير من المزايا التي تؤهل المرء للإدلاء برأي سليم أو اختيار وجهة صائبة، بمعنى أن الأهلية التي تمك ن المرء من القيام بأعباء المسئولية لم تكن محل اكتراث الديمقراطية. ولذا كان ضابط الاستحقاق في الديمقراطية هو الحصول على العدد الأكثر، لأن الكمّ ـ بكل سهولة ـ مقد م في الديمقراطية على الكيف. فمن هنا صار الإدلاء بالصوت حقاا مكتسبًا لمن لا يستحق، إذ

عدد الصفحات ٤٧

48 الديمقراطية تتيح للجماهير الإدلاء بأصواتهم بقطع النظر عن قوة التأهيل العلمي المناسب الذي يمك ن صاحبه من الاختيار الدقيق، وبقطع النظر عن أمر العدالة المعتبرة شرعًا، تلك العدالة التي ي قصََ فاقدها عن استحقاق المشورة شرعًا، لما تلب س به من مزاولة الفجور أو الفواحش ونحوهما من موانع الركون إلى مشورته، إذ هو بالمحل الذي لا يليق بأمة فاضلة أن يكون فيها لهذا الصنف تأثير في عظائم الأمور، ما دام متلبسًا بباطله الذي استحق به الإقصاء. أما الديمقراطية فتتيح لأصحاب الفجور والفحش، ولذوي السذاجة وقلة البصيرة من العوام والرعاع المشاركة بالرأي ، حتى وإن رجّح هؤلاء ـ بمجرد كثرتهم ـ رأيًا له أبلغ الضرر بأمتهم. ومن هذا الباب انفتح على شعوب كثيرة رضيت المسار الديمقراطي مفاسد وقبائح ترسخت في شكل تشريعات لا مجال للاعتراض عليها، كما وقع في عدد كبير من الدول الغربية التي حصل فيها أرباب فاحشة اللواط ـ المسمُّون بالشواذّ ـ على تشريع برلماني ي قرّ هذه القذارة، باعتبارها حقاا يجب أن ي كفل لهم، مع إدراك عقلاء كثيرين ممن اعترضوا على قرارات كهذه لعواقبها المرّة على أي مجتمع يتيحها، بل وعلى المجتمعات البشرية كلها، ولكن كثرة الأصوات من قِبل هواة الرذيلة وكذا عديمي النظرة السديدة ت رس خ في ظل النظام الديمقراط ي قرارات د نسة كهذه ، وفيها من الإضرار بالأمة ما فيها، دون أن يكون لذوي الدراية الحقيقية بمصلحة الأمة أي تأثير في منعها. وفي الوقت نفسه فإن بإمكان أي جَه ول سفيه أن يصل من خلال أصوات الناخبين إلى مواقع ذات تأثير في إصدار القرار، بشرط أن تدعمه جموع كبيرة من

عدد الصفحات ٤٨

49 الغوغاء، حتى وإن كان هذا اجزهول ذا مستوى متدنٍّ من التعليم، بل حتى وإن كان من ذوي الاستعلان بالفجور أو الإلحاد وإنكار الرب جل في علاه. أما في ظل الشورى المنضبطة بضابط الشرع فلا يصل هؤلاء قط، لافتقادهم الأهلية التي يتمكنون معها من تعاطي مسائل الأمة العظام والإشارة الصائبة بالموقف المناسب في النوازل المدلهمة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. على أن موضوع الأكثرية في الديمقراطية متفاوت، فتارة يكون الإلزام بنتيجة التصويت معتبرًا ولو في جزء من الواحد في المائة، بينما يكون الإلزام بالنتيجة معتبرًا ـ في حالات أخرى ـ إذا كان في حد الثلثين فأكثر، وهذا في ذاته يدل على أن الأكثرية في الديمقراطية ليست أمرًا مط ردً ا في كل حالة، مع أن ضابط القبول كما تقدم هو هذه الأكثرية. وعليه فإن نسبة (11%) مع كونها أكثرية لا تؤثر في استصدار ما يسمونه بالتشريعات، لأن النسبة المعتبرة تبدأ من الثلثين فصاعدًا، ومعنى ذلك أن الأقلية التي تمثل (31%) غلبت الأكثرية، مع أن الفارق بين الأقلية والأكثرية هنا يصل إلى الخ م س، وهو ( 21%) فهل العمل هنا برأي الأقلية أو الأكثرية؟ الفرق السادس: لما كانت الشورى ذات أعضاء مأمونين، ولها هدف شريف معلوم، ومجال محدد مرسوم ترت ب على ذلك أنها بقيت مصدر أمان للأمة، فمن أعسَّ الأمور على العدو أن يتوصل من خلال الشورى إلى الإضرار بالأمة، اللهم إلا أن يخ تار لعضويتها من ليس أهلاً للأمانة فهذا خطأ من جهة من اختار، لا من جهة التشريع نفسه، فلي حسب الخطأ على أهله، لا على شرع الله تعالى، كما قدّمنا في مطلب التنبيهات.

عدد الصفحات ٤٩