66 من يريد الوصول إلى الحكم سواها(1). وبذلك نعلم أن هدف الديمقراطية الذي هو أكبر أسباب رواجها يتحقق، وأن الديمقراطية يصدق عليها نقد كثير من الغربيين لها من جهة أنها في واقع الأمر مجرد خيال ووهْم يعدو خلفه الناس، كالسَّاب الذي لا حقيقة له، بخلاف الشورى التي لو تتبّع باحث ما حققته من الهدف لأجهد نفسه ولم يكن بوسعه أن يحيط بما انتصب لبحثه، لِ ـمـا جعل الله بها ـ حين تقام كما أمر الله ـ من عظيم الأثر في حالي السلم والحرب، حيث أخذت الأمة في عصور مجدها بالطريق الشرعي الأقوم من خلال المشورة الشرعية في أحداث سجلها أهل العلم في مصنفاتهم ، وصارت ضمن المسائل المؤص لة، يستفيد منها في نظائرها علماء الأمة عبر التاريخ. الفرق الثاني عشر: في تفاوت النظر للأسلاف المتقدمين. المعلوم في العلاقات البشرية أن من يجمعهم الإيمان بمبدأ واحد يكون لديهم رابط مشترك يحمل المتأخرين على إجلال المتقدمين الذين سبقوهم إلى ذلك المبدأ، إذ يرون أنفسهم امتدادًا لأولئك السلف المتقدمين. ولهذا فإن أمة الإسلام متفقة على الثناء على السلف الصالح ، ويرى المتأخرون في أزمنتهم دومًا أن سلف الأمة هم الأسوة ومحل القدوة، وهم أهل لأن يح فظ مقامهم، ويَستغفر لهم مَ ن بعدهم، حيث سبقوا إلى الحق، وثبتت لهم المنة بعد الله ثم رسوله على كل من يأتي بعدهم، لأن بهم قام الحق وبه قاموا، إلى أن وصل إلى مَ ن بعدهم ناصعًا نقيا ا. (1) انظر: النظام السياسي في الإسلام لعدد من أساتذة جامعة الملك سعود ص143.
عدد الصفحات ٦٦67 قال الله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭾ الآية[11]. فذكر الله أمر السبق إلى الحق، نظرًا لما حازه المتقدمون من الفضل بالوصول إليه قبل كل اجزائين بعدهم. أما المؤمنون بالديمقراطية ذات المبادئ المتغيرة والمبادئ المتقلبة فلابد أن يقع تفاوت شديد بين السالفين والخالفين من المؤمنين بها. وذلك أن اجزيل الذي نشأ في مجتمع ديمقراطي سالف، وقرر في وقته مبادئ معينة رأى أنها محل للاحترام والتعزيز يعقبه جيل يمكنه أن يهدم ما قرره سلفه حيال تلك المبادئ، مما يجعل اجزيل اللاحق لا يشعر بالانتماء لذلك اجزيل السالف، بل إن اجزيل اللاحق قد يزدري مَن قبله إلى حد السخرية به، إذ كيف تتجه أكثرية أولئك السالفين إلى منع أمر أتاحته بعدهم أكثرية الخالفين، أو الترخيص بأمر منعته الأكثرية الآتية بعدهم؟! فلولا تفاوت القناعات وتضا دها بين ذينك اجزيلين لما كان التباين بالغًا هذا المبلغ، وإذا اشتد تباين الوجهات تَبِع ذلك ولابد ضعف أو انقطاع في الانتماء، إذ المقر ب للأجيال من بعضها تطابق ما تؤمن به، وبقدر ما تتفاوت الأجيال فيما آمنت به بقدر ما تتباعد، وهذا أمر معروف في التعامل البشري لا يخفى على أحد ، بل إن اجزيل اللاحق الذي غير كثيرًا مما رسخه اجزيل قبله قد يلقي باللائمة على السالفين في أمور يَعدّها مفاسد وأضرارًا عانى منها المتأخرون بسبب تشريع من قبلهم لها. وقد يرى أن غباء اجزيل السابق كل ف اجزيل اللاحق كثيرًا إلى أن تمّت
عدد الصفحات ٦٧68 عملية التغيير التي لابد أن تأخذ وقتًا حتى تتم المصادقة عليها من قبل المجالس البرلمانية، أو الاستفتاءات الشعبية. واستحضرْ هنا أن المتقدمين والمتأخرين ينطلقون معًا من شيء واحد هو: (الديمقراطية) التي بدلاً من أن تقارب ما بين المؤمنين بها باعدت بينهم. وهذه معدودة في ال علاقات البشرية أعجوبة من الأعاجيب وحالة نادرة للغاية في التاريخ البشري الذي اعتاد الناس فيه تقارب ما بينهم إذا آمنوا بمبدأ واحد، فأما أن يكون المبدأ الواحد المؤمَن به هو المنشئ لهذا التباعد والمتسبّب فيه فذلك من الندرة بمكان، وهو امتداد لآبدة عدم ثبات (الح ق) وسهولة العبث بالمفاهيم، وهو ما يراه الديمقراطيون ـ كما قدّمنا ـ أمرًا لازمًا لديمقراطيتهم، لا يسعهم التفريط فيه!. الفرق الثالث عشر: هذا الفَرْق يجمع فروقًا عديدة، إذا ن ظِر إلى كل فَرْق منها مستقلاا أمكن جعله فرقًا برأسه، لكنا أردنا عرضها مجتمعة في فرق عام ينتظمها، وحاصله أن ثمة مسائل تفصيلية يثيرها أنصار الديمقراطية ويطالبون بإقرارها في المجتمع وفق مفهوم يجزم من له أدنى دراية بالعلم الشرعي بأنه مخالف لما أجمعت عليه أمة محمد قاطبة. ويتميز هذا الفرق بشدة تجليته مباينة ما بين الديمقراطية والإسلام حتى عند عوام المسلمين الذين بمجرد أن يسمعوا ما يقرره أنصار الديمقراطية بشأن هذه المسائل ينفرون من هذا المبدأ ويستبشعونه، نظرًا لكون هذه المسائل داخلة في الممايَ زة والمبايَ نة التامة بين دين الله وبين سائر اجزاهليات. والمسائل التي يمكن طرحها هنا كثيرة، بَ يْ دَ أني سأركز بعون الله على ثلاث
عدد الصفحات ٦٨69 مسائل منها، أعرضها من باب الإشارة بها إلى غيرها، لما ذكرته في بداية هذا المطلب من كثرة الفروق العامة، فإذا وصلنا إلى الفروق التفصيلية فإنها البحر الذي لا ساحل له، فلو استرسلنا في عرضها لأطلنا إطالة لا تتناسب مع ما أردناه هنا من الاختصار. والمسائل الثلاث التي أرى عرضها هي على النحو الآتي: مسألة (الحرية) فحرية الرأي في الديمقراطية كما يقرر (جون ستيوارت مل) مطلقة في الدولة، لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، فللمرء مطلق الحرية في اعتناق ما يشاء من أفكار والدفاع عنها، وليس لأحد كائنًا من كان حرمانه من حقه في حرية الرأي. ويضيف أنه مهما كان اعتقاد المرء راسخًا في زيف رأي ما، بل وفي نتائجه الضارة وفي فساده أخلاقيا وإلحاده فلصاحبه الدفاع عنه. وعلى هذا الأساس الفوضوي ب ني مفهوم التعددية السياسية في الديمقراطية. ويرى (كارل كوهين) أن حرية النقد والتعبير عن الآراء المعارضة بغض النظر عن فسادها أو انحرافها وضلالها لابد أن تظل مطلقة، وارتبط بهذا التصور لمفهوم (الحرية) الدعوة إلى احترام الرأي الآخر مهما كان! (1) وعباراتهم الدالة على هذا اللون من الحرية كثيرة إلى حد الإملال. مسألة المساواة، فالمساواة التي تقررها الديمقراطية تلغي جزمًا جميع الفروق الشرعية بين أهل الإيمان وأهل الكفر، كما تجلى ذلك (1) انظر: نقض اجزذور الفكرية ص11-15.
عدد الصفحات ٦٩71 عند توضيح نظرتهم للتعددية، كما أنها تلغي ـ تبعًا لذلك ـ أي ح ق ترتب على ذلك في الأحكام الشرعية التفصيلية التي فرقت بين المسلم والكافر، زد على ذلك أنها تلغي الأحكام الشرعية التي فرقت بين الرجال والنساء، بسبب ما جعل الله لكل منهم من الخصائص التي ب ني عليها هذا التفريق الحكيم. ونماذج هذا في كلام أنصار الديمقراطية طويل كثير أيضًا . مسألة المرأة وعلاقتها بالرجل، فالمرأة في الدي مقراطية ند للرجل، وت ؤزّ أزاا للخروج من بيتها إلى ميادين الرجال ومزاحمتهم فيها، دون أدنى مبالاة لعواقب ذلك عليها حال اختلاطها بالرجال أو خلوتها بأحدهم، فذلك ما ليس محلاا للنظر أصلا، بل الكلام فيه ضرب من ضروب التخلف عندهم، لأن علاقة الرجل بالمرأة في نظر هم مسألة راجعة إليهما دون غيرهما، فلهما أن يعقدا هذه العلاقة بالتراضي، سواء في شكل زواج يعلنانه أو علاقة خارج مفهوم الزواج، حتى إن مفهوم الأسرة يشمل ـ في كثير من المجتمعات الديمقراطية ـ ما كان من قَ بيل العلاقات الخارجة عن الزواج، إلى حدّ عدّ الأولاد الناشئين عن هذه العلاقة الدنسة أولادًا شرعيين منسوبين لهذين الطرفين اللذين لم يحصل بينهما زواج! ونماذج هذا في البلاد الغربية مشهورة، حتى في كبرائهم. وهذا يعني أن كلمة (العِرض) غير موجودة في قاموس الديمقراطية أصلا، ولهذا فإن العلاقات المحرمة المسماة في الشرع بالزنا علاقات صحيحة في الديمقراطية يحميها القانون ويتيحها بلا نكير، ما دامت واقعة بطريق التراضي بين الطرفين، هذا باقتضاب ما تقرره الديمقراطية في هذه المسائل. وقد ب نيت على هذه الأسس في المرأة والحرية والمساواة المواثيق الدولية التي
عدد الصفحات ٧٠70 كانت وراءها القوى الغربية، ومثلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام ( 1114هـ) الموافق للعام 1138م فإن بنودها جميعًا مليئة بتكريس هذه المسائل ومثيلاتها وفق النظرة التي قدّمنا، بغرض تعميمها على دول العالم بأسرها. وسأعرض ـ إن شاء الله ـ لهذه المسائل الثلاث التي ذكرت، لإيضاح مبايَنة ما بين الوجهة الشرعية والوجهة الديمقراطية فيها. فأما ما يتعلق بمسألة المساواة فمعلوم أن الشرع جاء بالمساواة في مجالات معي نة، وجاء بالتفرقة في مجالات أخرى، لأن حكمة الحكيم الخبير سبحانه جعلت التشريعات على هذا الحد العظيم، فمن ساوى بين ما فرّق الله أو فرّق بين ما ساوى الله فقد حادّ الله أعظم المحادة، فإن التسوية بين المتباينات في الشرع أو التفريق بين المتماثلات تمرد صريح على الرب تعالى، وهو أعظم من مجرد انتهاك الأحكام بالمخالفة والعصيان، وقد دلت النصوص القطعية على منع التسوية بين المسلم والكافر، كما قال الله عز وجل: ﭿﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﭾ [القلم15-11] وقال تعا ﭿﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭾ [ص28] وقال سبحانهﭿﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱﭾ [21]. فب الرب تعالى سوء حكم من ظن بالله التسوية بين الفريقين في الدنيا والآخرة. وذلك أن الشرع جعل معيارًا دقيقًا يح د د به التفضيل، فمن امتثله فلا يصح
عدد الصفحات ٧١71 أن يساوَى بغيره، وذلك المعيار هو معيار (التقوى) التي قال ا ﭿﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﭾ [11]. فأهل التقوى لا يساوَ ون بضعيفي التقوى، فضلاً عن مساواة المسلم بالكافر، كما قال الله: ﭿ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﭾ [ا21] فمن ساوى بينهم فقد افترى وردّ على الله قوله. وترتب على عدم التسوية جملة كبيرة من الحقوق التي لا يصح جعلها إلا للمسلم، وليس للكافر فيها أي نصيب، لأن الله خص المسلم بهذه الحقوق دون غيره لإسلامه، ومَنعَها الكافر لكفره. فأما ما يتعلق بعدم التس وية بين الرجال والنساء التي ذكرها الله في غير موضع من كتابه فمعلومٌ أن الله فاوت بين الرجال والنساء في أحكام معلومة، منها ما يتعلق بالشهادة، ومنها ما يتعلق بالإرث، في مسائل لا تخفى، كما أن الله سبحانه خصّ الرجال بأحكام لا تَ لزَ م النساء، وخص الن ساء بأحكام لا تلزم الرجال، قد أطال علماء الأمة وفقهاؤها في بيانها وإيضاحها، فمن ساوى بين الرجال والنساء في هذا فقد هدم جميع تلك الأحكام هدمًا تاماا يترتب عليه تغيير حال المجتمع المسلم تغييرًا جذرياا، ليلحق بأوضاع المجتمعات المتفلتة التي لم تعرف الوحي ونور النبوة. وهذا القدْ ر الذي ذكرنا تقريره شرعًا، كما أنه محل اتفاق أهل العلم فهو محل الرفض التام من أساتذة ومنظّري الديمقراطية، وعرض ذلك يطول، لكن تكفي الإشارة.
عدد الصفحات ٧٢73 أما ما يتعلق بالحرية فمعلوم لدى المسلم أن كلمة التوحيد التي معناها: (لا معبود حق إلا الله) توجب أن يخضع قائلها لربه خضوعًا تاماا ، فلا يتجه بالعبادة إلا لله وحده لا شريك له، ويلزم العبد الذي أقر بهذه الكلمة العظيمة أن لا يتقدم بين يدي ربه عز وجل، فما أباحه له الرب فهو المباح الذي لا يمكن أن يقلبه أحد إلى حرام، وهكذا ما حرمه تعالى لا يمكن أن يقلبه أحد إلى المباح، بل إن طاعة أحد في تغيير ذلك معدودة في الشرك بنص قول الله تعالى: ﭿﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﭾ[11] فإن المراد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا أنهم كانوا إذا حر موا عليهم شيئا حرّموه، وإذا أحلُّوه لهم استحلوه وأطاعوهم في ذلك التحليل والتحريم، لا أنهم كانوا يعبدونهم(1). وانعقد إجماع الأمة على كفر من استحل الحرام ال ـم جْ مَ ع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع الذي أ جمِ ع عليه. قال ابن تيمية : ((الإنسان متى حلّل الحرام الـم جْمَع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بد ل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدا ا باتفاق الفقهاء))(2). أما منطق الديمقراطية الأعوج فهو يقرر أن ما أباحه الشعب فهو المباح وإن حرمه الله، وما منعه الشعب فهو المرفوض وإن أباحه الله. فلا ريب في خطر ما تقرره الديمقراطية في أمر (الحرية) فإن ما تدعو (1) انظر كلام اللالكائي في الآية في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/411)، والسمعا في التفسير (2/111.) (2) مجموعالفتاوى (1/214.)
عدد الصفحات ٧٣74 الديمقراطية إلى تغييره باسم الحرية مما قد ات فق علماء الأمة على ثبوت حكمه، حتى غدا كثير من تلك الأحكام معلومًا من دين الله بالاضطرار، لا عذر لأحد في ادعاء اجزهل به أصلاً، فضلاً عن تبديله وتغييره. فأما مسائل المرأة التي تدعو الديمقراطية إلى إقرارها في المجتمع فعَ ودٌ بالأمة صريح إلى اجزاهلية العربية الأ ولى، قال الله تعالى لما ذكر نكاح الإماء: ﭿﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﭾالآية [25]. قال ابن عباس: ((المسافحات: المعلنات بالزنا، والمتخذات أخدان: ذات الخليل الواحد))(1). ولا ريب أن علاقة المرأة بالرجل في الغرب يقع كثير منها على هذا الحد الذي نهى الله أهل الإسلام أن يفعلوه بعد أن أكرمهم الله بطهر الإسلام، وخلصهم من دناسة اجزاهلية، بل إن العرب في اجزاهلية كان عندهم استبشاع لإظهار الفحش علانية، كما قال ابن عباس : ((كان أهل اجزاهلية يح رّمون ما ظهر من الزنا ويستحلُّون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، و أما ما خفي فلا بأس بذلك فأنزل الله: ﭿﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﭾ [الأنعام151]))(2). وهذا يعني أن العرب في جاهليتهم مع وقوعهم في الزنا إلا أن عندهم شيئًا من التحفظ الذي أبقته فيهم الفطرة من استقباح الاستعلان بالفواحش، على (1) انظر: الدر المنثور2/311.) (2) انظر السابق (2/311.)
عدد الصفحات ٧٤75 خلاف الحال الذي ع لم في البلاد التي هي معقل ل لديمقراطية، حيث لم يقف الأمر عند حد مزاولة الفحش، بل جاوزه إلى تقرير ذلك، وفق فلسفة ترمي إلى ترسيخ هذه الشنائع وإزاحة أي حياء فطري يرفضها، مع تثبيتها بالقوانين الملاحِ قة لمن يسعى إلى منعها في خاصة أهله. واعتبرِْ ذلك بأمر (العِرض) الذي جعل الشرع حفظه ضمن الضرورات الخمس، فإن هذا الأمر لا وجود له في الديمقراطية بتاتًا، ولذا بلغت المفاسد الخلقية في البلاد الغربية حداا فظيعًا، صارت به إحصاءاتهم الرسمية للفواحش أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة ، ولا عجب أن يقع ذلك في مجتمعات غدت المرأة فيها بمثابة السلع الترويجية، إلى الحد الذي أضحت المرأة فيه فقرة لابد من حضورها عند أي برنامج ي عدّ للتسلية والترفيه، إذ أصبحت جزءًا من هذه التسلية، حتى لقد عقدوا لها ما سموه بمسابقات اجزَ مال، ت عرض فيها على ناظر الرجال كما تعرض الدواب من الخيول واجزِمال، وكما تعرض السيارات اجزديدة في المزادات عند بداية تصنيعها، وترتب على ذلك من المواليد الناشئين عن هذه العلاقات الدنسة أعداد كبيرة، شرّعوا لأنفسهم أمام كثرتها الكاثر ة إباحة الإجهاض، حتى بلغت أعداد من يقتل من الأطفال بالإجهاض في أمريكا وحدها (مليون طفل سنوياا) كما أفادت المراكز الأمريكية الحكومية للسيطرة على الأمراض. ولك أن تتصور معنى استمرار إجهاض هذا العدد الكبير في مجتمع واحد مدة نصف قرن من الزمن، لتعي إلى أي حد بلغ الاستخفاف بحياة الإنسان، بسبب هذا الانفلات الخلقي الناجم عن النظرة المنحطة لعلاقة الرجل بالمرأة.
عدد الصفحات ٧٥76 وفي أمريكا أيضًا بلغ عد د الأسر التي تعيلها الأم دون وجود أب (عشرة ملايين أسرة)، كما أفادت دائرة الإحصاءات الأمريكية. كما أنه ـ وبحسب تقرير لوزارة العدل الأمريكية ـ يتم اغتصاب ( 181 ) ألف امرأة سنويًا في أمريكا، أي بمعدل 48) امرأة في الساعة، مع العلم أن (11%) فقط من حالات الاغتصاب هي التي يتم التبليغ عنها. وبلغ متوسط عدد النساء اللاتي يقيم معها الرجل الأمريكي علاقات جنسية (4) نساء، بل إن21%) من الرجال قد أقاموا علاقات جنسية مع أكثر من (15) امرأة في حياتهم كما أفاد تقرير المراكز الأمريكية الحكومية للسيطرة ع الأمراض. وفي تقرير لو زارة العمل الأمريكية فإن وضع النساء الأمريكيات مع العمل كان كما يلي: 81% من الخدم وعمال النظافة من النساء 14% من وظائف السكرتارية تقوم بها نساء 43% من نوادل المطاعم من النساء وأفادت صحيفة (نيويورك تايمز) أن حوالي (51111) امرأة وطفلة يتم تهريبهن إلى أمريكا سنوياا لاسترقاقهن وإجبارهن على ممارسة البغاء. وأصبح استغلال أجساد النساء في أنواع الصور الإباحية صناعة في الغرب تجلب (12 مليار دولار سنويا) في أمريكا وحدها، كما أفادت رويترز وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن (48%) من النساء في القوات المسلحة تعرضن للتحرش اجزنسي من قبل العسكريين.
عدد الصفحات ٧٦77 وأفادت وزارة التعليم الأمريكية أن (أربعة ملايين ونصف المليون ي تحرش بهم جنسياا في المدارس. وأفادت المعاهد الوطنية للصحة التابعة لوزارة الصحة الأمريكية أن (41%) من الممرضات يتعرضن للتحرش اجزنسي من زملائهن ومن المر(1). فأين هذا الوضع اجزاهلي للمرأة من الوضع الشرعي القائم على صيانتها وحفظ عرضها وكرامتها وتشريع الأحكام الشديدة بحق المتطاولين على الأعراض؟ وأين هذا من حياطة الشرع لها حتى لا تخلو بالرجل أو تختلط به؟ وأين هذا من أمر الله لها بالقرار في بيتها وإلزامها عند خروجها من بيتها أن تلزم حجابها، وتنأى عن أي مظهر من مظاهر التبرج ؟ حتى لقد منعها الشرع الحكيم من مجرد استعمال الطيب عند خروجها من منزلها ، وإن كانت محتشمة محتجبة، إلى غير ذلك من وجوه صيانتها عن الامتهان الذي أوصلتها إليها اجزاهليات قديما وحديثا. وباجزملة فإن ما تعزّزه ال ديمقراطية في المجتمعات قلب لما جاء به دين الإسلام، سواء في هذه المسائل التفصيلية أو غيرها مما لم نعرضه، أو في أصل فلسفة الديمقراطية القائمة على النهج العلماني المباين للدين مباينة تامة، كما قدّمناه في كلام رموزها، ضمن ما قدّمْنا من تطبيق العلمانية للإلحاد في واقع الناس، كما رأيته في تعريف دائرة المعارف البريطانية. (1) وهذه الإحصاءات موثّقة من اجزهات التي ذكرت، وليست من نسج خيال أحد، ويمكن الوقوف عليها في روابطها الرسمية باللغة الإنجليزية، مصحوبة بترجمتها إلى العربية على هذا الرابط: http://www.shobohat.com/vb/showthread.php?s=e187db4f527c4825e7f5ced97 4b24534&t=3281
عدد الصفحات ٧٧78 فمن سعى إلى تقريب ما بين الإسلام وبين الديمقراطية: فرع العلمانية في المجال السياسي ـ المصحوب بعَ لْ منة المجالات الأخرى تبعًا لذلك ـ فقد سعى إلى تقريب ما بين المتضادات المتباينات، وكابر في دعواه أعظم المكابرة، وتخلى ولابد عن جملة من الحقائق الشرعية التي تعمّد إغفالها، مع كونها قطعيات في دين الله ، وهذا من الغش العظيم لأمة الإسلام والتجني البالغ على دين الله، فإن ربط دين الله بمذاهب الضلال الساقطة الفاشلة، مع ما فيه مما ذكرنا فإن فيه تَعريضَ دين الله للمذمة والصدّ عنه، إذ إن هذه المذاهب تتهاوى وتتساقط، كما رأى الناس في سقوط الاشتراكية التي ر بطت بدين الله في فترة سابقة، ثم فشلت أشد الفشل فنشط دعاة الديمقراطية كثيرًا بعد سقوط الاشتراكية، ليواصلوا إفك ربط الديمقراطية بالإسلام ، فإذا سقطت الديمقراطية كما سق طت الاشتراكية ر بِ ط هذا الفشل بالإسلام وسب ب هذا صداا عظيماً عن دين الله. وقد بدأت مظاهر لفظ الواقع الغربي للديمقراطية تتزايد بسبب المشكلات الشائكة التي ترتبت على تطبيقها، فإن الديمقراطية إنما و جدت في الواقع الغربي لظروف تاريخية معي نة ثم صار الواقع ال غربي يتنكر لها الآن، بعد اختلاف هذا الواقع في طبيعته وخصائصه عن ذلك الواقع الذي أفرزها ودعا إلى تطبيقها في نظرهم(1). وقد أثبتت الدراسات أن ثلث المحررين الغربيين لا يقبلون الفكرة الديمقراطية أو الترويج لها في كتاباتهم(2). (1) انظر: النقد الغربي ص11. (2) انظر: السابق ص21.
عدد الصفحات ٧٨79 وأعجب من هذا كله أن الغربيين الذين ناصروا الديمقراطية يرون أنها مجرد شكل من أشكال الحكم الأخرى، لها مالها وعليها ما عليها ، وأنها ليست النظام الأمثل في كل الحالات، وعلماء السياسة ورجال الفكر الغربيون يرون أن الديمقراطية شكل من أشكال الحكم، قد لا يكون الشكل الأمثل لمجتمع ما أو في وقت ما (1) هكذا بهذا الوضوح، ولكن ذوي البلا دة من بني جلدتنا لا يتفطنون لهذه الأمور التي تنشأ في تلك المجتمعات إلا بعد ردح طويل من الزمن، وذلك حين تبدو مظاهر الفشل فيها كالشمس في وضح النهار، ولذا لم يخْفَ على أحد أن هؤلاء البلداء ظلوا مصرّين على الاستمساك بمبادئ ونظريات انتهت في مهدها وتنك ر لها واقعها الذي نشأت فيه، ومع ذلك ظل هؤلاء م صر ين ببلادتهم وقلة فهمهم على الانتصار للفشل وأهله، لينقلوه لبلدان المسلمين، لأن البليد لا يحسن إلا هذا اللون من التعامل المتناسب مع قلة بصيرته وسفاهة عقله. وما تنبيه أهل العلم الشرعي على خطر ربط الإسلام بتيارات الت يه قبل سقوطها إلا إبانة للحقيقة من جهة، واستباق لكارثة وصم الإسلام بفشل لا علاقة له به من جهة أخرى، لي حسَ ب فشل الديمقراطية عليها هي، وليسلم دين الله من الصدّ عنه، بجناية المباهتين للحقائق الغاشين للأمة، سواء من دعا ة الاشتراكية البائدين أو دعاة الديمقراطية المعاصرين أو دعاة أي مبدأ تِ يْ ه فاسد قادمين. وفي الختام لابد من التأكيد على أن الفروق بين الديمقراطية والشورى أكبر من هذا الذي قدّمنا في بحثنا الموجز، ولكني أرجو أن أكون قد أتيت على أهم (1) انظر: السابق ص11.
عدد الصفحات ٧٩81 الفروق، فأما الإحاطة بالموضوع فلا ريبأنها لم تتحقق، وتبقى مجالاً للدراسات الموسعة، ولا سيما في مجال الدراسات العليا، من خلال الرسائل العلمية التي تنهج الاستقراء الدقيق لبداية خلط الديمقراطية بالشورى، والتوسع في دراسة اجزوانب التي ر بِ ط بها ما بين الديمقراطية والشورى، مصحوبة بالإحصاءات والدراسات المتجددة في البلاد الغربية، التي تظهر الآثار السيئة للفكرة الديمقراطية، وترصد تململ الواقع الغربي منها، رغم أن الساسة الغربيين يتعمدون تجاهل هذه الحقيقة، ويسعون لفرض الاعتقاد بأن الديمقراطية هي الخيار الوحيد أمام جميع دول العالم(1) والله المستعان فالواجب على المسلمين أن يعودوا إلى دينهم مصدر عزتهم، حيث رفع الله بهذا الدين سلفهم من وضع جاهلي كانوا عليه قبل الإسلام إلى قيادة البشرية نحو ما فيه سعادتها في الدارين، وكانت حضارة الإسلام نمطًا فريدًا لا يدنو منه نمط، فضلاً عن أن يقبل المقارنة، وإنما وصلت الأمة إلى ما وصلت إليه في واقعها المؤلم حين التفت كثير من أبنائها إلى تيارات التيه، يحسبون أن فيها رفعة وعزة، وواقع ها عند من عرفها وخبرها أنها كالسَّاب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. فما أعجب حال قومٍ جعل الله عز الدنيا والآخرة بين أيديهم، ثم يعدلون عنه إلى غيره، يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فصاروا كما قيل: كالعِ يس في الصحراء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها محمول فلا صلاح لحال الأمة اليوم إلا برجوع المسلمين ـ حكامًا ومحكومين ـ إلى النبع الصافي الذي ترك عليه رسول الله أمته ونبْ ذِ تيارات الضلال من (1) انظر لموقف هؤلاء الساسة النقد الغربي ص11،23،24.
عدد الصفحات ٨٠80 ديمقراطية واشتراكيةوغيرهما، ليحقق المسلمون في واقعهم أمر الله، فيصلح الله من حالهم ويعود عليهم بنصره وتأييده، وأما الاستمرار في إضلال الأمة بربط دين الله بتيار ضال يصعد بين الفينة والفينة فجرم عظيم سيجد معه فاعله ما يجده الـم فترون بين يدي الله يوم يلقونه، والله المستعان على ما يصفون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٨١