08 الأولى التي تتولى مهمةاختيار الإمام. فهؤلاء هو المؤهلون للنظر والمشورة في مهام الأمور، ومن أكبرها أمر اختيار الإمام، إذ هم: ((أهل الحل والعقد)). وقال ابن اجزوزي في بيان المقصودين بالشورى في قول الله ﭿﭭ ﭮ ﭯﭾ: ((عَم هم بالذكر؛ والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم)) (1). وفصّله ابن خ ويز منداد المالكي بقوله: ((واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه اجزيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الك ت اب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها))(2). فهذا التفصيلفيه بيان للمقصودين بوجوه الناس ورؤسائهم، فعلماء الأمة ي رجع إليهم في بيان الأحكام الشرعية التي تخفى على الحاكم، والمسائل ذات المجال التخصصي كالأمور العسكرية يرجع فيها للأمناء من وجوه العسكر، ومصالح البلاد الدنيوية التفصيلية ي رجع فيها إلى العمال و الوزراء و المختصين ذوي الدراية، ممن هم محل للأمانة. وباجزملة فإن أهل الشورى صنف محدد، كل فيما يخصه، لأن المقصود بالمشورة كما قد منا أن يبدي المستشار ما يعلمه من واقع خبرته، لا رأيًا مجردًا من ذلك. فإذا استحضرنا أن هذه المشورة في أمور اجتهادية لم يح سم حكمها بالنص (1) زاد المس1/381.) (2) نقله القرطبي في اجزامع لأحكام القرآن3/111.)
عدد الصفحات ١٨09 علمنا دقة تفصيل ابن خويز منداد ، والحاجة لمثل هذا التنويع في الاستشارة مؤكدة، ولاسيما مع كثرة التخصصات وتشعّب ميادين الحياة، فيحتاج الوالي إلى من يشير عليه في هذه الميادين المنو عة، كل فيما يخصه. وما دام أهل الشورى من أهل الأمانة والتقوى فلن يشيروا إلا بما يرونه محقّقًا للمصلحة العامة التي يجعلها كل مؤمن نقي نصب عينيه عند مشورته، أياا كان مجال تخصصه. وقد قال ابن عطية: وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالـماً دي نًا، وقَلّ ما يكون ذلك إلا في عاقل، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلا مج ر بًا، واداا في المستشير(1). لما كانت الشورى دائرة بين الحاكم وأهل الشورى الذين قدّمنا وَصْفهم ناسب أن يخ تَم الكلام في الشورى بالكلام على الغاية من الشورى، مقرونًا بحكم التزام النتيجة التي أظهرتها تلك المشورة. ولا ريب أن المقصود بالمشورة شرعًا أن ي توص ل إلى ما فيه رضا الله عز وجل، فذلك هو ما يحقق للأمة صلاح دينها ودنياها. وإذا اجتهد الحاكم وأهل الشورى في تحقيق هذه الغاية فقد ساروا بالشورى المسار السليم الذي لأجله شرعها الله. وإنما يكون الخلل إذا ق صد بالمشورة خلاف هذه الغاية، من تحقيق مصلحة (1) انظر: المحرر الوجيز2/315.)
عدد الصفحات ١٩11 مقصورة على فئة من الناس، أو تحقيق هوى ي نشر في الناس وي غل ف بغلاف المشورة. وقد كان كلام غير واحد من أهل العلم في غاية الشورى مقرونًا بحكم التزام نتيجتها. فابن عطية ذكر أن ((الشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، ويتخير(1)، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه، متوكلاً على الله، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر الله نبيه في هذه الآية))(2). وذكر القرطبي نحوًا من كلام ابن عطية هذا، غير أنه قال: ((والمستش ينظر في ذلك الخ لاف، وينظر أقربها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء الله منه عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله)) (3). وكلام القرطبي أدق من كلام ابن عطية، من جهة تنبيهه إلى أن الناظر نتيجة الشورى يراعي عند اختياره أقرب الأقوال للكتاب والس نة، لا أي قول يعزم عليه. وهذا التقرير لمسألة نتيجة الشورى يربطها بكون الشورى في أصلها لا تقع إلا في المسائل الاجتهادية، فلزم أن يعمد المستشير إلى أقرب الأقوال للكتاب والسنة فيعزم عليه وينفذه متوكلاً على الله، كما أمر الله نبيه بذلك في الآية (1) وردت في الأصل: ويتحيز، والصواب إن شاء الله ما ذكرت (2) المحرر الوجيز2/315.) (1) اجزامع لأحكام القرآن3/112.)
عدد الصفحات ٢٠10 ﭿﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭾ [151]. ولما ذكر ابن تيمية أن ولي الأمر لا غنى له عن المشورة، وأن الله أمر بها نبيه ، أوضح أن ولي الأمر عند الاستشارة إن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيماً في الدين والدنيا، أما إن كان الأمر مما قد تنازع فيه المسلمون فينبغي أن يَستخرج من كلٍّ منهم رأيه، ووَجْه رأيه، فأيّ الآراء أشبه بالكتاب والسنة عمل به، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقيل: ليس له أن يقلد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد(1) . وهذا التقرير لنتيجة الشورى، مربوطًا بغايتها، من أدق الكم، لأن القول بلزوم نتيجة الشورى أو عدم لزومها لا بد فيه من هذا التفصيل. فيلزم الحاكم العمل بنتيجة الشورى إذ ا تبينّ له في مشورة بعض أهل الشورى قول يدل عليه النص أو الإجماع، فهنا لا خيار للحاكم في ترك هذه النتيجة، لارتباطها بالغاية المقصودة بالشورى، وهي الت وصل إلى ما فيه رضا الرب سبحانه. أما إن كان الأمر مما قد اختلف فيه أهل العلم قبلنا فإن الحاكم يستخرج من أهل الشورى ما يرجحونه في المسألة، مقرونًا ببيان الوجه الذي بنى عليه كل (1) انظرمجموع الفتاوى (28/181-188.)
عدد الصفحات ٢١11 منهم ترجيحه، فعند ذلك ينظر الحاكمفي الأشبه بالكتاب والسنة من هذه الآراء فيعمل به، فإن لم يتمكن قلّد من يراه منهم مرضياا في دينه وأمانته، وأنفذ مشورته. وذلك أن الشورى كما قدّمنا إنما تكون في مسألة اجتهادية غير منصوصه، والأمر فيها كما أوضح ابن عطية والقرطبي من كونها مبنية على اختلاف الآراء. وما دامت كذلك فلا مناص من اختيار قول محدد وفق الضابط الذي ذكرنا وإلا بقيت المسألة ـ محل المشورة ـ غير محسومة، مع حاجة الأمة إلى حسمها وتقرير موقف محدد منها. وقرر ابن الملقن نحو هذا المنقول عن ابن تيمية فقال: ((فإذا أشار أحد برأيه سأله: من أين قاله؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم قولاً بالكتاب والسنة، ولا يحكم بشيء حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها... وليس كل ما أشير به على المستشير يلزمه، إذا تبين له الصواب في غيره))(1). فأكد على ما أكد عليه ابن تيمية من أن الغاية بالمشورة التماس القول الأقرب للكتاب والسنة، بيْدَ أن ابن الملقن ذكر أن المستشير لا يحكم بالشيء حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها، وهذا يعني أنه م لزَ م بعدم التقليد، كما هو أحد الأقوال في المسألة، وقدّمنا أن ذلك قد يصعب في بعض المسائل أو الأحوال، كما نبه ابن تيمية، فأما إذا تمكن الحاكم من تبينّ الصواب في الأقوال بمعرفة حجة كل قول وترجيح الراجح، فالأمر كما قال ابن الملقن. وأوضح ابن الملقن هنا أن نتيجة الشورى غير ملزِ مة للحاكم إذ رأى أن الصواب في غير ما أشير به عليه، لما قدّمنا من كون الشورى إنما هي في المسائل (1) التوضيح لشرح اجزامع الصحيح11/111.)
عدد الصفحات ٢٢13 الاجتهادية ولذا قال أيضًا: ((فيه من الفقه أن للمستشير والحاكم أن يعزم من الحكم على غير ما قال به م شاوِره، إذا كان من أهل الرسوخ في العلم، وأن يأخذ بما يراه، كما فعل في مسألة عائشة (1)، فإنه شاور عليّا وأسامة فلم يأخذ بقول أحدهما ، وتركها عند أهلها حتى نزل القرآن فأخذ به، وكذلك فعل الصّدّيق فإنه شاور أصحابه في مقاتلة ما نعي الزكاة، وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من الترك(2)، لما كان عنده متّضحًا من قوله : "إلا بحقها" وفَ هْ مه هذه الآية مع ما يعضدها من قوله : "من بدّل دينه فاقتلوه "(3). فقي د ترك الحاكم الالتزام بنتيجة الشورى بما إذا كان عنده من الرسوخ العلم ما يؤهله لترك ما أشير به عليه، فعند ذلك له أن يأخذ بما يراه، ودلّل على ذلك بترك النبي الأخذ بمشورة علي وأسامة ، وكذا ترك أبي بكر لمشورة الصحابة بالامتناع من قتال ما نعي الزكاة، لأنه قد قام عنده من الأدلة ما رجّح له عدم الأخذ بتلك المشورة، إذ كان الصديق من أهل الرسوخ في العلم، فلذا قاتل المرتدين بنفسه وتبعه الصحابة في رأيه، فكان في ذلك أحسن العاقبة على الإسلام وأهله(4). وقد تقدم قول البخاري معقّبًا على محاورة عمر لأبي بكر في شأن المرتدين (1) يعني في حادثة الإفك (2) أي ترك قتال ما نعي الزكاة (1) التوضيح لشرح اجزامع الصحيح11/141.) (3) انظر: أحداث الردة وقتال أبي بكر بنفسه للمرتدين أول الأمر في البداية وال نهاية (1/111) وما بعدها
عدد الصفحات ٢٣14 ((فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ كان عنده حكم رسول ا )). ولما تولى علي الخلافة أشار عليه ابن عباس بمشورة فأجابه علي بقوله: "تشير عليّ وأرى، فإذا عصيتك فأطعني ". فقال ابن عباس : "أفعلُ، إن أيسر ما لك عندي الطاعة "(1). ومما يبين حكم أخذ الحاكم بنتيجة الشورى من عدمه ما قرره أهل العلم من إلزام أهل الشورى بمتابعة الحاكم إذا قرر العمل بقول خالف به مشورتهم، فإن الواجب على من لم ت قبل مشورتهم أن لا ي شغ بوا على الحاكم، لأنه ينظر في أقرب الأقوال للكتاب والسنة في مسألةٍ غايتها أن تكون محل اجتهاد، فليس لهم أن يلزموه أن يترك اجتهاده لأجل اجتهادهم. قال ابن أبي العز: ((وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة اجزماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل اجززئية))(2). وظاهر صنيع أبي بكر وعمر الذي أسلفنا ذكره عن عمرو بن ميمون يدل على أن أهل الشورى إذا أجمعوا على أمر ولم يختلفوا فإن الحاكم يمضيه على حسب ما أجمعوا عليه، كما قال عمرو بن ميمون: ((فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به)). (1) تاريخ الطبري2/413.) (2) شرح الطحاوية2/513-515.)
عدد الصفحات ٢٤15 ومما يقوي ذلك ـ والعلم عند الله ـ ما رواه أبو الزناد عن عمر بن عبدالعزيز أنه ((حين ولي المدينة دعا عشرة من فقهاء البلد: عروة بن الزبير وعبيد الله ابن عبدالله وأبا بكر بن عبدالرحمن وأبا بكر بن سليمان، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله وعبد الله بن عبد الله وعبد الله بن عامر وخارجة بن زيد وقال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرّج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني، فجَز وه خيرًا وافترقوا)) (1). فهذا يدل على أن إجماع أهل الشورى ينبغي أن يكون له اعتباره، لأنهم ما داموا من أهل الأمانة والعلم فيرجى أن لا يتفقوا إلا على ما هو حق إن شاء الله. ويبعد جداا أن يتفقوا عن آخرهم على أمر يكون الصواب في خلافه، فينبغي أن يلاحظ الحاكم ذلك. وبذلك يكون الإنصاف في هذه المسألة، فلا الحاكم ملزمٌ بقول بعض أهل الشورى في أمر وقع فيه الخلاف بينهم، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن ي غفِل الحاكم قولاً اتفق عليه اجزميع ـ وهم أهل العلم والأمانة ـ ويستبدّ برأي انفرد به دونهم، وهو إنما استشارهم لكونه مترددًا في الصواب، متطلعًا لإنارتهم له بمشورتهم. والمقصود أن يحصل الائتلاف ويج تنب الاختلاف كما أوضح ابن أبي العز، فينبغي أن يراعي الحاكم هذا من جهته، وهكذا أهل الشورى ينبغي أن يراعوا (1) رواه ابن سعد5/113.)
عدد الصفحات ٢٥16 ذلك حتى لا يترتب على الإصرار على قول ما فرقةٌ ت وهن الأمة وتضعفها، فتلك مفسدة أكبر من مفسدة ترك القول الذي يرجحه صاحبه. والظاهر أن الحاكم إذا أصر على قول خالف به اجزميع فإنه يطاع، تركًا للخلاف والشقاق، على أنه بفعله هذا إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب، إذ خالف هذا اجزمع الكثير الذي اتفق على رأي خالف به الحاكم، لكن إن كان الحاكم راسخًا في علمه واختار قولاً هذه صفته فشأنه شأن انفراد العالمِ بقول خالف به أهل العلم في مسائل هي محل للاجتهاد، والعلم عند الله تعالى.
عدد الصفحات ٢٦17 لما كانت الديمقراطية مبدءًا أرضياا تفاوتت وجهات المعر فين لها في تحديدها، فلا يوجد تعريف معاصر جامع مانع لمعناها، وقد قدّمَت التقاليد الغربية المعاصرة عددًا من المفاهيم عن الديمقراطية، لكن ثمة خلطًا بين مفهوم الديمقراطية للحكم وبين تطبيقات هذا المفهوم بالنظر إلى خصائص كل مجتمع وسماته. ولذا و جدت عشرات التعريفات للديمقراطية، وإن كان لها من حيث العموم قوانين تتعلق بالحر ية والمساواة والعدالة ونحوها من المصطلحات البراقة. ويرى البعض أن كل أشكال الديمقراطية تعتمد لبعض المدى على المفهوم اليوناني القديم : (ديمقراطيا) ويعني (حكم الشعب) المشتق من الكلمتين: (ديموس) وتعني الشعب و(كراتوس) وتعني الحكم. والديمقراطية ليست نوعًا واحدًا كما قد ي ظن، بل هي أنواع قد يبدو بعضها متضاداا، فثمّة ديمقراطية ليبرالية (حرة) وديمقراطية غير ليبرالية (غير حرة) وديمقراطية اشتراكية! وديمقراطية ملكية وديمقراطية الحزب الواحد، إلى غير ذلك من الأنواع(1). إذًا فالديمقراطية في أصلها فكرة يونانية قديمة، شأنها شأن أفكار كثيرة (1) انظر لما تقدم: النقد الغربي للفكرة الديمقراطية للدكتور عبدالعزيز صقر ص14-11.
عدد الصفحات ٢٧18 نشأت لدى اليونان، لكن تميزت الديمقراطية بأنها قد واجهت نقدًا شديدًا من عدد من أشهر فلاسفتهم، وص ن فت عند بعضهم ضمن أنظمة الحكم المنحرفة أو الفاسدة(1)، فهذا مما واجهته هذه الفكرة في مهدها وقد و جِ دت للديمقراطية لاحقًا تعريفات منوعة، أقتصر منها على تعريفين، هما: أولاً : التعريف المعياري الكلاسيكي، وي بنى بزعم أنصار هذا التعريف على قاعدتين تدفعان الأفراد نحو المشاركة في الحكم، تحقيقًا لكون الحكم للشعب، والقاعدتان هما: (الإرادة العامة) التي تجعل الأمة مصدر السلطات، إضافة إلى قاعدة: (الخير العام). ومراد أصحاب هذا التعريف وجميع أنصار الديمقراطية بكون الأمة مصدر السلطات أن إلى الناس لا إلى الدين المردّ في تحديد أمر السلطات الثلاث: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ولا يخفى أن أخطر هذه السلطات : السلطة التشريعية المسماة بأ مّ السلطات، لأن من خلالها يتم تقرير ما ي تاح وما ي منع، بل يتم تحديد هوية الأمة بأسرها، فهذه السلطة تقر ر الديمقراطية بسائر أنواعها أن إلى البشر تنظيمها، ولا دخل للدين فيها. وقد و ج ه للتعريف الكلاسيكي انتقادات كثيرة، من أهمها مناقضة الواقع الملموس لمفهوم الح كم من قِبَل الشعب، وأن القاعدتين المبنيتين على حكم الشعب لا ت عبرّان عن حقيقة الممارسات السياسية، فليس هناك خير عام واحد (1) انظر: السابق ص21-22.
عدد الصفحات ٢٨19 متفق عليه، بل للأفراد في كل مجتمع تفسيرات مختلفة للخير العام. وإذا لم يوجد خير عام متفق عليه فلا يتصور أيضا وجود إرادة عامة، إضافة إلى ذلك فإن مفهوم (الحقوق الطبيعية) الذي ت بنى عليه الديمقراطية الكلاسيكية لا يعدو كونه تصورًا ذهنيًا لا علاقة له بالواقع التاريخي، وإنما و جِد مرتبطا بالعلمانية التي جعلت (الطبيعة) المرجع الأساسي لقياس الحقوق والواجبات، بعد أن أنكرت وجود قوانين إلهية. ثانيًا: التعريف الأ يديولوجي، وهو قائم على نظرة معينة للكون والحياة والإنسان، ذات وجهة عقدية، وي مث ل هذا التعريف نسقًا فلسفيا ا للديمقراطية، مستمداا من أفكار المدرسة الليبرالية التي رغم اختلاف وجهات مفكريها إلا أن ثمة أمورًا مشتركة بينهم، كالنظرة الفردية للإنسا ن التي تجعل الفرد وحدة مستقلة تتصل بغيرها لتحقيق مصالحها الذاتية، إضافة إلى تقرير أن النظرة الليبرالية للإنسان ت بنَى على انعدام القيم المشتركة، فلا توجد وحدة اجتماعية تحدد القيم أو السلوك المقبول من قِ بَ ل الأفراد، إذ النظرة للمجتمع غائبة في الفكر الليبرالي. والديمقراطية ـ وفقًا للتعريف الأيديولوجي ـ طراز معين للعيش ينبثق من إطار ذهني ي بنَ ى على عدة افتراضات، منها الإحساس الدائم بالرغبة في (التغيير) بما يح رك الأغلبية نحو تعديل أوضاعها الاجتماعية، فالديمقراطي هو الإنسان القادر على تعديل أوضاع حياته وأفكاره، بل ومبادئه وقيمه، وفقًا للمتغيرات الاجتماعية المحيطة به. والسبب في شمول التغيير لدى الديمقراطي حداا ت غير فيه القيم والمباد ئ
عدد الصفحات ٢٩31 لا يقل خطورة عنه، إذ قرّر أصحاب هذا التوجه أن البِنَى الاجتماعية لا ت بنَى ع قواعد ثابتة أصلاً، فبناءً عليه فلن تستقر القيم و المبادئ، إذ هي نتاج لتفاعل الأفراد وخبراتهم واتفاقهم، فمن هنا قرّر أصحاب هذه الوجهة بأن ما يراه الأفراد ممث لاً للحق والعدل فهو الحق والعدل! ولذا صار موضوع (التعددية) أمرًا ملازمًا للديمقراطية، فلا يوجد منظور جماعي واحد للخير والفضيلة . وقد رتبوا على هذا أ ن وجود منظور أخلاقي واحد للقيم في المجتمع يتعارض مع الفكر التعددي، وحين يسود أو يسعى أي منظور عقدي أخلاقي لفرض رؤيته على المجتمع فإن من المتعذر بناء ذلك المجتمع بناءً ديمقراطيًا، لأن الديمقراطية ت بنى ـ بصريح العبارة ـ على المنظور العلماني التعددي للمجتمع، كما يقرر (ميشيل نوفاك) في كتابه (روح الديمقراطية)، إذ الديمقراطية، كما أوضح (كرن شيلدز): نظام سياسي علماني، فالدين لا علاقة له بالديمقراطية. فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتيا ا أو يهودياا أو ملحدًا أو مؤمنًا، والديمقراطي ـ نظرًا لمعتقداته ـ لا يقبل ولا يرفض أي تعاليم دينية! إذًا فالديمقراطية نظام لا ديني منبثق من تصور عن الحياة قائم على فصل الدين عن الدنيا ، ويسعى إلى بناء النظام السياسي على قاعدتين: قاعدة حيادية الدولة تجاه العقيدة، وقاعدة سيادة الأمة المترتبة عليها، وتعطي الأمة حقاا مطلقا في تبني نظام الحياة الذي تراه مناسبًا، أياا كان هذا النظام(1). ومن أخطر ما يترتب على ذلك ما ذكره (داريوش شيغان) من أن (1) انظر: نقض اجزذور الفكرية للديمقراطية للدكتور أحمد مفتي ص11-24.
عدد الصفحات ٣٠30 الديمقراطية تتطلب ((عَلْمنة العقول والمؤسسات (1)، أي أن ت بنى على أساس علماني، وذلك يستلزم قيام المجتمع الديمقراطي بتكريس المفاهيم العلمانية، لتـتشربها العقول والأفكار، كما يستلزم صبغ المؤسسات الكبار في الدولة بالصبغة العلمانية. فهذا بيان لحقيقة الديمقراطية، أخذًا عن منظّريها الذين لا ي ت همون بالتجني عليها، وقد حرصت على النقل عن مرجعين وث قا النقول من المراجع الغربية مباشرة، ليكون التعريف بالديمقراطية من كلام أهلها الذين صدّروها. فأما كثير من الكتابات العربية حولها فهي بكل أسف لا تصو ر الديمقراطية بالصورة الحقيقية التي يصرّح بها أهلها، وبخاصة تلك الكتابات التي سعت إلى عمليات التهجين المزوّرة بين الإسلام والديمقراطية، وسعى كتّابها لتسويق الفكرة على حساب الحقيقة. ولا أريد في هذا المبحث أن أتوسع في ذكر آثار الديمقراطية وما خلّفته في المجتمعات من آثار مدمّرة، فذلك ما سأجعل كثيرًا منه إن شاء الله في المبحث الآتي عند الكلام على الفرق بين الشورى والديمقراطية. كما أني لا أرى في مثل هذا المقام أن أتوسع في ذكر الفروق بين أنواع الديمقراطية فذلك مما يطول على القار ئ، إضافة إلى كونه أقرب إلى المصنفات المتخصصة بالمذاهب المعاصرة منه إلى بحثنا هذا. ويمكن تلخيص ما تقدم من التعريف بالديمقراطية في النقاط الآتية: 1- أن اختلاف الاتجاهات الحديثة في التعريف بالديمقراطية يخرجها (1) انظر: السابق ص88.
عدد الصفحات ٣١31 عن كونها مؤسسة على النهج العلماني، فلا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا في ضوئه، فالمناخ المناسب للديمقراطية يستحيل أن يكون دينياا، بل لا بد أن يكون لاديني. ومن أوضح ما يجلي ذلك أن جَ عْ ل السلطان بيد الشعب، بما في ذلك سلطة التشريع لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء عزل تام للدين عن الحياة، ولذا قررت الديمقراطية أن ما أقره الشعب فهو الحق المقبول، وما نبذه فهو المردود المنبوذ، حتى وإن كان ما اتجه إليه الشعب يخالف الشرع مخالفة تامة، لأن التشريع ليس لأحد سوى الشعب عندهم. 2- يقرر المنزع الأيديولوجي أن المبادئ والقيم والأفكار غير ثابتة، وبناء عليه فإن (الحق) و(العدل) المقرر اليوم قد يتغير لاحقًا، لأن تحديدهما راجع إلى ما يقرره الأفراد، وسبب ذلك عدم وجود قواعد ثابتة للبنى الاجتماعية. 1- بناء على ذلك فإن أي مجتمع يفرض منظورًا عقديا ا أخلاقيا كالمجتمع المسلم ذي الاعتقاد الراسخ الذي أقامه رسول الله ، وقامت على أساسه الخلافة الراشدة، وانطلق اجزهاد في سبيل الله على ضوئه، كل هذا ـ وفق المفهوم الديمقراطي ـ منتقَد أيما انتقاد، لأن الديمقراطية لا تقر بوجود مبادئ ، وقيم ثابتة ينبغي ترسيخها في المجتمع، فضلا عن نشرها في جميع المجتمعات البشرية، كما هي رسالة هذا الدين العظيم. 3- من خلال ما تقدم تتجلى للباحث في الديمقراطية حقيقة تلك الشعارات البراقة التي ربطتها بالإسلام، كالمساواة والعدالة ونحوهما، مما ضج به أنصار الديمقراطية في هذه الأمة، بدعوى اتفاق ما بين الإسلام والديمقراطية فيها، مع علمهم بالأساس البشع الذي قامت عليه الديمقراطية من جهة، وكذا
عدد الصفحات ٣٢33 علمهم بالبَوْ ن العظيم بين ما يقرره الشرع حيال هذه المصطلحات وبين ما تقرره الديمقراطية، وهو ما سنفرد له بإذن الله فقرة مستقلة في آخر المبحث الآتي.
عدد الصفحات ٣٣