الشورى والديمقراطية حقيقتهما وأهم الفروق بينهما تأليف : د/عبدالله بن عبدالعزيز العنقري أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض
عدد الصفحات ١3 F الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... أما بعد فكم يحار العاقل حين يقف على ممارسات مضلّلة لا تنطلي على من أمعن النظر فيها، لا لمصادمتها للجوانب العلمية فحسب، بل لمصادمتها للواقع الذي يراه كل ذي عينين لم يصبهما الغبش. ومن أسوأ هذه الممارسات ما انتدب له فئام سعوا جاهدين لتقريب ش ق ة الخلاف بين الإسلام وبين تيارات معاصرة ضالة ذات مناحي فلسفية معروفة، ت قر ر في كتبها ومؤتمراتها وتصريحات كبرائها موقفاً محدّدًا من الكون والحياة والإنسان، قائماً على إقصاء الدين عن الحياة وإزالة سلطانه عنها بالكلّيّة ، وتنشئة إنسان غير مكترث بتاتاً بأمر الإيمان بالله، ليتجه بكل طاقاته إلى أمر حياته المادّيّه الصرّفة. والبراهين الدّالة على هذا أوسع من أن يحاط بها ، سواء من واقع التّ اريخ الأوروبي أو الشواهد المقر رة لذلك فيما ي عرف بأدبيّات رموز هذه التّيّارات
عدد الصفحات ٣4 ومنظ ريها ومع كل هذا ظل الترويج لهذه التّيّارات ـ داخل أمتنا ـ يمارس أسلوب التضليل في عرضها، إذ أخذ المرو جون على عواتقهم أن يعرضوها بصورة تخالف حقيقتها التي هي عليها. ومن هنا أ قحِم الإسلام في أكثر من تيار وفد إلى الأمّة من الشرق أو الغرب، بدعوى وجود الْتقاء وتوافق بين ذلك التيار وبين الإسلام، فلذا روّجوا لأسماء مهج نة كاسم (اشتراكية الإسلام ) و(ديمقراطية الإسلام) و(ليبرالية الإسلام) وأمثالها من الأسماء التي يصدق عليها قول الشاعر: أيها الـم نكِح الثّريّا س هَيلاً *** عمرك الله كيف يلتقيان هي شاميّة إذا ما استقلّ ت *** وسهيل إذا استقلّ يماني وقد تصدى لمهمة المزج المزوّرة ثلة جانب ت الإنصاف، وانتهجت مسارين متوازيين في هذا السبيل: الأول: يعتمد إخفاء جوانب خطيرة لا تتجلى حقيقة هذه التيارات الضالة إلا عند التصريح بها، ولذا عرضوها بأسلوب يراعي طمس ما يوضح أهم ما فيها من الأسس المبنية على ما قرره أساتذة كل تيار من تحتم إقصاء الدين عن الحياة. الثاني: العمل ـ بعد ذلك ـ على تقريب أو دمج ما بين الإسلام والتيار المختار، من خلال التركيز على مصطلحات عامة، كالحرية والإخاء والمساواة والعدالة، والزعم بأن هذه أمور مشتركة بين الإسلام وبين التيار المرو ج له، رغم
عدد الصفحات ٤5 التفاوت الشديد بين الوجهة الشرعية حيال هذه المصطلحات و بين ما قررته بشأنها جميع تيارات الضلال، بلا استثناء. وهذا الأسلوب البعيد عن الأمانة العلمية انتهجه دعاة الاشتراكية في بلاد المسلمين مدة طويلة كابروا بها المعلوم من الدين المقطوع به ضرورة، فنسبوا الإسلام للاشتراكية، ووصَ م وا أعلامًا كبارًا من سلف الأمة بالا شتراكيين، كما هو الحال مع عمر ، حيث جعله أنصار هذا التيار: (الخليفة الاشتراكي) أجل الله مقامه. ومِثلَ ذلك السبيل انتهج دعاة الديمقراطية، فإن عددًا روّج لها ـ ولا يزال ـ بالأسلوب نفسه، فتحدثوا عما سموه : (ديمقراطية الإسلام) وسم وا عددًا من أحكام الشرع الشريف باسم: (النظم الديمقراطية) ومرة أخرى لم يسلم الخليفة الراشد عمر من إقحامه في هذا التيار، فصار عند دعاة الديمقراطية: (الخليفة الديمقراطي). فالداء هنا يكمن في وجود من يسايرون هذه التيارات الوافدة ويحس نون من وجوهها الكالحة على حساب حقيقة الإسلام، بدعو ى أن ذلك يجعله دينًا مقبولاً في الأوساط العالمية! وهذا الأسلوب المضلّل في عرض هذه التيارات إنما يحدث بكل أسف داخل أمتنا فقط، لأن المروّجين لها ـ ممن يخلطونها بالإسلام ـ يستيقنون صعوبة، بل واستحالة عرض هذه التيارات في أمة الإسلام بوجهها الحقيقي الذي هي عليه في بلادها التي وفدت منها، ولذا سعوا إلى عمليات التهجين الفاشلة تلك. والأمر المؤك د أن التعرف على حقيقة أي تيار قديم أو حديث له مسار
عدد الصفحات ٥6 محد د يعيه كل ذي منهج علمي في دراسة المذاهب والأديان، لأن لكل تيار أساتذته ومنظ ريه المعتبرين، إذ هم المصادر التي عنهم أفكار الت يه قد صدَرَت ، كما أنهم الـمَ ظاهر الذين بهم ظهرت، فالتعرف على حقيقة تلك التيارات إنما يكون من خلال ما سطره هؤلاء، فأما المستوردون الـم تلقُّون لها فهم مجرد تلامذة لأولئك، منهم يتعلمون، ولأقوالهم يرددون، وعلى آثارهم يعمهون ، فهم كما قال ابن القيم : نق طتموا لهم وهم خَطُّوا على *** ن قَط لكم كمعل م الصبيان(1) وعليه فإن ما ينفيه هؤلاء الـم رِيد ون عن تلك التيارات، مما قد أثبته الأساتذة المنظ رون فهو نوع تدليس وتعْ مِية على الناس. وهذا بالتحديد ما ينبغي استحضاره لمن كتب في موضوع الديمقراطية وفَرْق ما بينها وبين الشورى، فإن الإشكال في خلط ما بينهما نابع مما قدّمناه من هذا الأسلوب المجانب للعلم وللحقيقة، وليس نابعًا من كون ممارسة ما للديمقراطية توافق أو تعارض الشورى الإسلامية. وحيث سبق لي الكتابة في موضوع الديمقراطية فسأنقل شيئًا مما يتعلق بحقيقتها من تلك الكتابة السابقة(2) مع زيادة عليها، ثم أركّز البحث في حصر ما تيسَّ من الفروق بين ال شورى والديمقراطية إن شاء الله. (1 )القصيدةالنونية، بشرح الهراس ص(181.) (2) وذلك في مقالة مطو لة ن شرِ ت في جريدة اجززيرة السعودية في 5/1/1311 في العدد (13111) ومقدمة هذا البحث مختصرة منها والمقالة موجودة على هذا الرابط: http://www.al-angarie.com/news-7.html
عدد الصفحات ٦7 وسأعرض للموضوع ـ بعون الله ـ من خلال المباحث الثلاثة الآتية: المبحث الأول: في بيان حقيقة الشورى. المبحث الثاني: في بيان حقيقة الديمقراطية. المبحث الثالث: في ذكر أهم الفروق بين الشورى والديمقراطية.
عدد الصفحات ٧8 الشورى في اللغة من قولهم: شار العسل يَش وره شَوْرًا: استخرجه واجتناه(1). والشورى و الـمش ورة بضم الشين، تقول: شاورته في الأمر، واستشرته بمعنى، وفلان خَير شَير ، أي ي صلح للمشاورة، وشاوره م شاوَرة وشِوارًا، واستشاره: طلب منه المشورة. وأشار الرجل يشير إشارة إذا أومأ بيديه، وأشار عليه بالرأي، إذا ما وج ه الرأي(2). فتحصّل من التعريف اللغوي أن أصل الشورى استخراج للشيء، كاستخراج العسل، ويراد بها أن يخ رِج الـم شير رأ يه حول أمر ط لب منه فيه المش ورة. والشورى في الإطلاق الشرعي مطابقة ـ من حيث العموم ـ لمعناها اللغوي، فهي طلب إبداء المشورة، ولكن الشورى شرعًا تتميز كما سيأتي إن شاء الله بأمور ثلاثة هي: المجال المحد د لها، ونوع المستشار، وال غاية الشرعية المقصودة من الشورى، وذلك موضوع هذا المطلب الذي قسمته إلى ثلاث مسائل تناولت هذه الأمور: (1) انظر: لسان العرب3/313.) (2) انظر السابق3/314.)
عدد الصفحات ٨9 قال الله تعاﭿﭭ ﭮ ﭯﭾ [151]. ف المراد بـ (الأمر) الوارد في الآية، الذي ج عِل محلّ المشورة؟ ذكر ابن اجزوزي أن لأهل العلم قولين في المراد بهذا الأمر، الأول: أن المراد أمر الدنيا خاصة، والثاني: أمر الدنيا والدين، قال: ((وهو أصح)). وقال قبل حكاية القولين: ((واعلم أنه إنما أ مِر النبي بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي))(1). ونقل الطبري كلام أهل العلم في المعنى الذي أمر الله نبيه أن يشاورهم فيه، فأورد قول بعضهم: أمره الله أن يشاورهم في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسهم وتألّفًا لهم على دينهم، وإن كان الله قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه عنهم، ونقل أقوالاً عن المفسَّين في هذا المعنى، ثم ذكر أن من المفسَّين من ذك ر أن الله أمره بذلك، ليتبعه المؤمنون من بعده ويستنُّوا بسنّته في ذلك، فيتشاوروا في أمور دينهم، متّبعين الحق في ذلك، ثم روى بسنده قول ابن عيينة: ((هي للمؤمنين، أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي فيه أثر))(2). وذكر ابن عطية أن مشاورته إنما هي في أمور الح روب والبعوث ونحوها من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حَدّ فتلك قوانين شرع ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﭾ[18](3) أي أنها ليست محلاا للتشاور. (1) انظر: زاد المس1/388-381.) (2) جامع البيان3/111-111.) (1) المحرر الوجيز2/315.)
عدد الصفحات ٩01 ولما ذكر أن في قراءة ابن عباس {وشاورهم في بعض الأمر }قال ((وقراءة اجزمهور إنما هي باسم اجزنس الذي للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم))(1). وذكر القرطبي وابن حجر قول بعض أهل العلم: الشورى فيما لم يأت فيه وحي(2)، وكأن المعنى أنها تكون عامة، لا تخ ص بأمر دون أمر، ما دام الوحي لم ينزل في شأنه بشيء. ولما ترجم البخاري على قول الله ﭿﭭ ﭮ ﭯﭾ في كتاب الأحكام من صحيحه ذكر محاورة أبي بكر وعمر في شأن قتال المرتدين وقال: ((فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ))(3). فتبين بذلك أن ثمة مجالاً لا يجوز أن يكون موضعًا لمشورة أحد، وهو ما جاء فيه النص، لأن المنصوصات الشرعية ليس أمام المسلم م عها، إلا سبيل واحد، وهو اتباعها والتسليم لها، ولذا فمن المحال شرعًا أن تكون موضعًا لمشورة أحد، كما قال اجزصاص: ((لابد أن تكون مشاورة النبي إياهم فيما لا نص فيه، إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات، ولا يقول لهم: ما رأيكم في الظهر والعصر والزكاة وصيام رمضان؟))(4). وأما ما سوى المنصوصات فهي موضع الاجتهاد، ولذا صارت مجالاً (1) انظر المصدر السابق (2) انظر: اجزامع لأحكام القرآن3/111) وفتح الباري (11/311.) (1) انظره في: فتح الباري11/315.) (3) أحكام القرآن2/111.)
عدد الصفحات ١٠00 للشورى. ووقائع مشاورة النبي وخلفائه الراشدين دالة على شمولها لمسائل الدين والدنيا، كما يعلمه مَن وَقَف على استشاراته وخلفائه (1). ومن نفيس ما ورد في ذلك دالاا على أن استشارته ليست في الأمور المنصوصة ما رواه ابن سعد في أحداث غزوة الخندق من أن النبي أرسل إلى عيينة بن حصن: إن جعلت لكم ثلث ثمر الأنصار، أترجع بمن معك من غطفان وت ـخذّل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة، إن جعلتَ لي الش طر فعلت، فأرسل النبي إلى سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنت أ مرتَ بشيء فامض لأمر الله فقال: لو كنت أ مرت بشيء ما أستأمر بكما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما فقالا: فإنا نرى أن لا نعطيهم إلا السيف(2)، فدل ذلك على أن الأمر الشرعي المنصوص ليس محلاا للمشاورة، ولذا أخبر الس عدين أنه لو جاءه أمر من الله لما استأمرهما أصلا، إذ لا مشورة لأحد مع النص الشرعي، كما قال الله تعالى: ﭿﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﭾ[النساء15]. فأي مشورة مع أمر قال الله فيه كل هذا؟ (1) انظر نماذج لذلك في فتح الباري11/311،318-311.) (2) طبقات ابن سعد 2/41) وأورده عبدالرزاق 1414) بلا سند، وفيه: ((لو كنت أمرت بشيء لم أستأمركما)) بحذف الباء، والظاهر أنه الصواب.
عدد الصفحات ١١01 لما كانت الشورى في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها النص كان لزامًا أن يكون المستشار ذا دراية بالأمر الذي يستشار فيه حتى يشير بما ينفع من واقع ما يعلم، وذلك يستوجب أن يكون المستشار من أهل الأمانة في دينه والدراية في علمه، فليست الشورى وجهة نظر مجردة يصح أن يبديها كل أحد، بل الشورى لا تكون إلا في أمر له شأن، ويراد بالمشورة فيه الوصول إلى ما هو أقرب إلى الكتاب والسنة، ولذا احتيج إلى مشورة من هو مؤهل، فمن هنا لزم المستشار شرعًا إذا لم يتبين له وجه الصواب فيما سئل عنه أن يكف عن الإدلاء بالمشورة ويحيل المستشير إلى غيره، فإن مَن هذه صفته داخل في عموم من سئل عما لا يعلم، فيلزمه أن لا يتكلم فيما لا يعلم. وقد قال النبي : "المستشار مؤتمن "(1). قال الخطابي: ((فيه دليل على أن عليه الاجتهاد في الصلاح)) (2)، وذكر المناوي أن المراد بالحديث أن المستشار أمين على ما استشير فيه، فيجب عليه أن لا يشير إلا بما يرا ه صوابا(3). وقد دارت عبارات أهل العلم في تحديد أهل الشورى حول ما ذكرنا فالبخاري في الصحيح لما ذكر بعض ما استشار فيه النبي أصحابه في (1) رواه أبو داود5128) باب في المشورة (2) معالم السنن (3/111.) (1) انظر: فيض القدير12/1118-1111.)
عدد الصفحات ١٢03 باب: (قول الله تعالى: ﭿﮞ ﮟ ﮠﭾ[الشورى18]، ﭿﭭ ﭮ ﭯﭾ [آل عمران 151]) قال: ((وكانت الأئمة بعد النبي يستشيرون الأمناء من أهل العلم))(1). فأوجز بيان المراد بأهل الشورى بهذه العبارة الدقيقة، فهم من جمعوا العلم والأمانة، كما قال الثوري : ((ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله))(2). قال ابن حجر في شرح كلام البخاري: ((أما تقييده بالأمناء فهي صفة موضحة، لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت إلى قوله))(3) يعني وإن كان ذا علم، وكذلك يقال فيمن توفرت فيه الأمانة لكن لا علم له بما يستشار فيه فإنه ليس من أهل الشورى. قال ابن سعدي في قول الله تعالى في خبر موسى عليه الصلاة و السلام: ﭿﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﭾ [القصص21] : ((أي: إن موسى أوْ لىَ من است ؤجر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر من جمعهما: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا بإجارة أو غيرها، فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد أحدهما، و أما باجتماعهما فإن العمل يتم ويكمل))(4). (1) انظر: فتح الباري11/313-315.) (2) نقله ابن الملقن في التوضيح لشرح اجزامع الصحيح11/111.) (1) انظر: الفتح11/318.) (3) تيسير الكريم الرحمن ص513.
عدد الصفحات ١٣04 وقد دلت تطبيقات الخلفاء الراشدين على أن للشورى رجالها المؤهلين، وأنها ليست بالكلأ المباح لكل أحد، ف قد روى ال دارمي بسنده إلى ميمون بن مهران أن أبا بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين: هل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس النا س وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به(1). ورواه البيهقي بلفظ: ((وإن أعياه ذلك دعا رؤوس الناس وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به)) وكذلك كان عمر يصنع(2). فعند سؤال الخليفتين الراشدين عن قضاءٍ لرسول ا سألا المسلمين، فإن نقل أحد لهما سن ة عن النبي قضيا بها، أما عند المشورة فإنما كانا يدعوان رؤوس الناس وعلماءهم لا كل أحد، لأن الشورى لها أهلها. ولذا فإن عمر لما قيل له في آخر حجة حج ها: إن فلانًا يقول: لو مات عمر لقد بايعت فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا ف لتةً فتم ت، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائمٌ العشيّة في الناس فمحذ رهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، فقال عبدالرحمن بن عوف: لا تفعل، فإن الموسم (1) انظر: سنن الدارمي (1/12( )111). (2) انظر: سنن البيهقي (11/113-115).
عدد الصفحات ١٤05 يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة ي طيرها عنك كل م طَير وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمْهِل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والس نّة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمك نًا ، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله ـ إن شاء الله ـ لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة(1). وفي لفظ أن عبدالرحمن قال: ((فتخلص، بأصحاب رسول الله صلى ا عليه وسلم من المهاجرين والأنصار))(2). فهذه الإشارة من عبدالرحمن، وهذه الموافقة من عمر تؤكّد على المعنى الذي ذكرنا من أن المجموعة المناسبة التي ت ذ كر لها مهمات الأمور وعظائمها مجموعة محددة بيّنها عبدالرحمن في كلامه، وهم أهل الفقه والشرف ممن حباهم الله من العلم ما يعون به الخطاب، ويحسنون رد اجزواب، بخلاف من توقف عمر عن عرض ذاك الأمر الكبير عندهم من الرعاع، ـ والمراد بهم: اجزهلة الرذلاء، وقيل الشباب منهم ـ، وكذا الغوغاء ـ وهم: الس فلة المسَّعون إلى الشر(3) ـ، فهؤلاء لا يحسنون التعامل مع عظائم الأمور، وإذا ق د ر ودخلوا فيها كان ما يفسدون أكثر مما يصلحون. فالأمر كما قيل: (1) رواه البخاري1811.) (2) رواه البخاري4121.) (1) انظر في بيان الكلمتين فتح الباري12/181.)
عدد الصفحات ١٥06 وإن للحرب أقوامًا لها خ لِق وا *** وللدواوين ك تّاب وح سّاب (1) ولذا قال ابن عباس في الحر بن قيس: ((كان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان الق رّ اء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شبّانًا)) (2) والقراء هم العلماء الع بّاد(3). فهؤلاءهم اجزديرون بالمشورة، وهو الذي درج عليه عمر في مشورته، إذ كان أهل مشورته هم مَ ن ذكر ابن عباس من أهل العلم، ولما أراد عمر أن يقول ما قال في الموسم الذي يجمع هؤلاء مع غيرهم من عوام الناس وجهلتهم أشار عليه عبدالرحمن أن لا يفعل، فأقرّه عمر على ما أشار به ، فإن أمر ولاية المسلمين له شأن عظيم، فلا ينبغي أن يخوض فيه كل أحد، وإنما يكون الحديث فيه لمن لهم أهلية شرعية وهم: (أهل الحل والعقد)، وهذا هو ما أراده عمر بقوله: ((الإمارة شورى))(4) فإن مراده أنها تح د د عن طريق أهل الحل والعقد، ويدلك على هذا صنيع عمر نفسه، فإنه جعل أمر الخلافة من بعده شورى بين بقية العشرة: عثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد وعبدالرحمن(5) و يجعل الأمر في ذلك جزميع الناس، ولذا فإنه لما جعل الأمر في هؤلاء الستة قال: ((قوموا فتشاوروا ثم، أم روا أحدكم))(6). (1) انظر كتابنا المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن ص28-21. (2) رواه البخاري4281.) (1) انظر: فتح الباري (11/114.) (3) رواه عبد الرزاق5/331( )1411.) (5) انظر الخبر في البخاري1411)، ولم يدخل فيهم سعيد بن زيد، لأنه ابن عمه. (1) رواه عبد الرزاق5/344( )1445)، وابن سعد1/133.)
عدد الصفحات ١٦07 ومن هنا فإن النووي لما ذكر أن البيعة لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا مبايعة كل أهل الحل والعقد قال: ((إنما يشترط مبايعة من تيسَّّ إجماعه م من العلماء والرؤساء ووجوه الناس))(1). ولما تكلم ابن تيمية في مسألة مشورة الحاكم ذكر أن المراد بأولي الأمر قول الله تعالى: ﭿﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﭾ [النساء51] صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، ثم حدّد ما يجب على كل منهم من تحري طاعة الله فيما يقول ويفعل، وكذا الْ تماس الحاكم ما دل عليه الكتاب والسنة فيما أشير عليه من قِبل هؤلاء العلماء(2). فب أن ولاية الأمر لهذين الصنفين، فيلزمهم جميعًا تحري طاعة الله قولاً وفعلاً، ومن ذلك المشورة التي ج علت لأهل العلم أداءًا، وج عل للأمراء التماس ما دل عليه النص من مشورة هؤلاء العلماء كما يأتي بيانه قريبًا بحول الله. ولما ذكر أبو يعلى وجوب نصب الإمام أوضح أن المخاطَب بفرض الإمامة طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من ي وجَد فيه شرائط الإمامة، ثم ذكر أن المعتبرَ في أهل ا لاختيار ثلاثة شروط، أولها: العدالة، وثانيها: العلم الذي ي توص ل به إلى معرفة المستحق للإ مامة، وثالثها: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو أصلح(3). فلاحَظَ وجوب توفر شروط العدالة والعلم والرأي الحازم في الطائفة (1) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج12/44.) (2) انظر: الفتاوى(28/188.) (1) الأحكام السلطانية ص11.
عدد الصفحات ١٧