للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 19 الصَّلاةَ } (1) ففي ضوء هاتين القاعدتين يتوصل المجتهد إلى الحكم الفرعي، وهو وجوب الصَّ لاة من دليله التَّفصيلي، وهو قوله تعالى: {أَق يمأوا الصَّلاةَ } (2) . وعليه فإن علم أصول الفقه: هو العلم الذي يأ بينِ المناهج التي انتهجها الأئمة المجتهدون في استنباطهم وتَ عرفهم للأ حكام من الن صوص والبناء عليها باستخراج العلل التي تبنى عليها الأحكام، وتلتمس المصالح التي قصد إليها ال َّ ع الحكيم، وأشار إليها القرآن الكريم ، وصرَّ حت بها أو أومأت إليه الس نة النَّبوية. فعلم أصول الفقه على هذا : مجموعة القواعد التي تأبينِ للفق يه طرق استخراج الأحكام من الأدلة التَّ فصيلية، سواء أكانت تلك الطرق لفظية : كمعرفة دلالات الألفاظ ال َّ عية على معانيها، واستنباطها منها، وطرق التَّوفيق بينها عند تعارض ظواهرها، أو اختلاف تاريخها، أم كانت معنوية : كاستخراج العلل من الن صوص وتعميمها، وبيان طر ق استخراجه ا، وأسلم المناهج لتعرفها...(3). (1) الأنعام: من الآية72 . (2) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص26-27، وتسهيل أصول الشاشي ص 6-7 . (3) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص3-6 .
عدد الصفحات ١٨20 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية المطلب الثَّ اني: الفرق بين علم الأصول وعلم الفقه: فمن خلال هذه التَّعاري للفقهاء، وبعد الاطلاع السَّ ابق على تعري الفقه عند الأصوليين، تظهر الفروق التَّالية بين علم الفقه وعلم الأصول، ومنها: 1.إن الأصول مستمدة من علم الكلام واللغــة والأحكــام ـ كــما ســيأتي ـ، بخلاف علم الفقه، فإنَّ مباحثه مستمدة من الأدلة ال َّ عية: كالكتاب والس نة والقياس وأفعال المكلفين وما يصدر عنهم من تصرــفات، باعتبارهــا المــادة التــي يبحث لها عن أحكام.
عدد الصفحات ١٩للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 2.إن الغاية من الأصول إجمالاً هي معرفة الأحكام مــن أدلتهــا التَّ فصــيلية، أما الفقه فغايته الفوز بسعادة الدَّ ارين باتباع الأوامر واجتناب النــَّ واهي، والفــوز برضا الله تعالى بالامتثال والعلم. 3.إن موضوع الأصول الأدلة والأحكام ـ كما سيأتي ـ، بينما موضوع الفقــه أَفعال العباد من حيث ما ثبت لها من أحكام شرعية(1). 4.إن الفقهاء اعتنوا في الفقه من حيــث بيــان حكــم فعــل المكلــ ، لا مــن حيث دليل حكم الفعل كما هو حال اعتناء الأصوليبن؛ إذ أنَّ وظيفة الفقيــه بيــان الحكم بغض النَّظر عن دليله، ووظيفة الأصولي بيان دليل كلِ مسألة فقهية، وهذه التَّفرقة بين الفقيه والأصولي يغفل عنها كثير من النَّ اس. 5.إن الفقه في علم الأصول: هو العلم بالأحكــام مــن دلائلهــا …، فلــيس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المأقلِد الحافظ للمسائل مجاز، لكــن صرَّح الأصوليون بأنَّ الحقيقة تــتَّك بدلالــة العــادة، وحيننــذك فينصرــف كــلام الواقــ الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنَّه حقيقة كلامه العرفية، فتــتَّك بــه الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء. وتكلَّ موا في المقدار الأدنى الذي يب أن يحفظه الشَّ خص حتى يطلق عليــه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أنَّ هذا متَّوك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أنَّ عرفنــا ا لآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يَ عرف موطن الحكم مــن أبــواب الفقــه المتنــاثرة ، بحيث يَ سهل عليه الر جوع إليها(2). (1) ينظر: أصول الفقه لأبي العينين ص40-41 . (2) ينظر: رد المحتار1 :26، وحاشية الخادمي ص3، والموسوعة الفقهية الكويتية1 :14، والمنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص20-21 .
عدد الصفحات ٢٠22 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية 6.إن علم الأصول يتعلّق ببيان القواعد الأصولية الكلية التي يستند إليهــا المجتهد في استخراج الأحكام من الأدلة التَّفصيلية، بخــلاف الفقــه ، فإنــَّ ه يتعلــَّ ق بالأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والمناكحات والهبات وال ــَّ كات وغيرها. 7.إن الأصول هي المناهج التي تدد وتبينِ الطريق الذي يلتزمــه الفقيــه في استخراج الأحكام من أدلتها، وترتيب الأدلة من حيث قوتها، فيأ قدِ م القرآن عــلى الس نة، والس نة على القياس وهكذا، أما الفقه فهو الأحكام المستخرجة مــع التَّ قيــّد بهذه المناهج(1). 8.إن علم الأصول يطلق على القواعــد الأصــولية في الاســتنباط، بخــلاف الفقه، فإنَّه يطلق على أصول البناء من قبل المجتهد في المذهب من فروع وقواعد المجتهد المستقل في المذهب، وهــذه هي الطريقة التي سار عليها المتأخرون في معرفة الأحكام. وبيان ذلك: أنَّ المجتهدين في المذهب كما يَ صفهم الإمام الــدِهلويّ (2) :«قــوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلك م ن المأ تقدِ مين، وكان أكثر أمرهم حمــل النَّ ظــير عــلى النَّ ظــير، والــرَّ د إلى أصلك من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار ». ومصدر الاجتهاد الوحيد عندهم هو«ما نقل إليهم من كلام أئمة المذهب (1) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص7 . (2) في الإنصاف ص93 .
عدد الصفحات ٢١للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 23 الذين يقلِدون أهله»1)، قال النووي الشَّ افعي(2) والمــرادي ا لحنــبلي(ت 885هـــ (3) : «يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص ال ع». فالأمر أمر مرحليــة وتــدرج، ولــيس إتــالاً وتركــاً للأدلــة ال ــعية؛ لأن أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِلها، ولكنَّها قطعــت مرحلــة للمجتهــد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبينها المجتهد المستقل. وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد الفقهية التــي اســتخرجت مــن مجموعــة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن ثم يمكن الاعتماد على القاعــدة في معرفة الأحكام غير المأ بيَّ نة ـ كما هو معلوم ـ)4(. (1) ينظر: الموسوعة المصرية1 :38، وغيره (2) في المجموع 1 :76 . (3) ينظر: الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف 12 :260، وغيره (4) ينظر: المنهج الفقهي ص148-149 .
عدد الصفحات ٢٢24 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية المبحث الثَّ اني تاريخ علم الأصول وتطوّ ره وأهم المؤلفات فيه وطرق التأليف
عدد الصفحات ٢٣للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 25 تمهيد بعد العرض السَّ ابق لمعنى أصول الفقه ، فإنَّه يمكننا القول: إنَّه عبارة عن القواعد والأسس الكلية المرتكزة في الذِ ه ن والتي يحتكم إليها المجتهد في استخراج الأحكام من الأدلة الجزئية. وهي تمثل المناهج التي سار عليها المجتهدون مــن الصــَّ حابة والتــ ابعين والأئمَّ ة المجتهدين في اجتهادهم: أي القواعد التي احتكموا إليها في أذهانهم عنــد استخراجهم للأحكام من أدلتها(1). ففي هذا المبحث سنعرض لنشأة علم الأصول والمراحل التي مَرَّ بهــا حتــى نضج ووصل إلى ما وصل إليه الآن، مع أبرز الكتب المأؤلَّفة فيه ومناهج أصــحابها فيها، وذلك من خلال المطالب الآتية: المطلب الأوّل: أصول الفقه في العهد النَّ بوي: إنَّ النَّشأة التَّاريخيّة لعلم الأصول تَ فى على كثير مــن النــَّ اس، فيظنــ ون أنــَّ ه وجد في نهاية القرن الثَّ اني على يد الإمام الشَّ افعي، ولكن مَن يدقق النَّظر في ضــوء ما سبق أن ذكرناه من المراد بأصول الفقه، يلاحظ أنَّ نأواته تكونت في عهد الن بوة، وأنَّ بعض أسسه بيَّنها رسول الله ؛ لأنه لا يكون اجتهاد إلا بأصول، والاجتهاد (1) ينظر: المنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص 17، ومنهج النقد التاريخي والمنهج الغر ص14-15 .
عدد الصفحات ٢٤26 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية حاصل في زمن النَّبي وأصحابه ومَن بعدهم، وتفصيل ذلك فيما يلي: إنَّ الاجتهاد في زمن النَّبح له صورتان، وهما أولاً: اجتهاد رسول الله : من المقرّر في محلــِه أن النَّبــي كــان مجتهــداً، وهــذا مــا ذهــب إليــه عامــة الأصوليين ومالك والشَّ افعي وأحمد وعامة أهل الحديث، ومنقول عن أبي يوس أنه مأمور بالاجتهاد مطلقاًفي الأحكام ال َّ عية والحروب والأمور الدِ ينيــة من غير تقييد بشيء منها أو من غير تقييد بانتظار الوحي(1). والمختار عند الحنفية المتأخرين: أنَّه مأمور في حادثة لا وحي فيها بانتظار الوحي أولاً ما كان راجي الوحي إلى خوف فوت الحادثة بلا حكم، ثم بالاجتهاد ثانياً إذا مضى وقت الانتظار على حسب الحادثة ولم يــوح إليــه؛ لأنَّ عــدم الــوحي إليه فيها إذن في الاجتهاد. فإن أأ قر على ما أدى إليه اجتهاده عند خوف الحادثة، أَ وجب إقراره عليــه القطع بصحة ما أدّى إليــه اجتهــاده؛ لأنــَّ ه لا يأ قــرّ عــلى الخطــأ، فلــم يــز مخالفتــه كالنَّص، بخلاف غيره من المجتهدين، فإنَّه يوز مخالفته إلى اجتهــاد مجتهــد آخــر ؛ لاحتمال الخطأ. والاجتهاد في حقّه يختص بالقياس، بخلاف غيره من المجتهدين، (1) ذهب الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلمين إلى أنه لا يكون الاجتهاد في الأحكام ال عية حظه . ينظر: المدخل ص37 .
عدد الصفحات ٢٥للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 27 فيكون في دلالات الألفاظ على ما هو المراد منها؛ لعــروض خفــاء واشــتباه فيها، وفي البحث عن مخصص العام وبيان المراد من المشتَّك وباقي الأقسام التــي في دلالتها على المراد خفاء من المجمل والمشكل والخفي والمتشــابه ، وفي التَّجــيح لأحد الدَّ ليلين عند التَّعارض بينهما؛ لعدم علم المتأخر. وأما النَّبي فهذا غير متأت في حقّه؛ لانتفاء تقق التَّعارض بالنِسبة إليــه ، وانتفاء عزوب تأخر المتأخر عــلى المتقــدم عــن علمــه عــلى تقــدير وجــود صــورة التَّعارض(1). ومن اجتهادته: إذنه بالتخل عن غزة تبوك لمن ظهر نفاقه، فعوتب من الله تعالى بقوله: {عَفَا اللهَُّ عَنْكَ لِهَ أَذهنْتَ لهَُمْ } (2)،وكذلك اجتهاده بعدم قتل أسارى بدر وأخذه الفداء منهم بعد مشاورته لأبي بكر وعمر وميله لرأي أبي بكــر ، فنزل قوله تعالى: {مَا كَانَ لهنَبهحٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسَْْى حَتَّى يُثْخهنَ فيه الأَْرْضه... لَُُوْ كهتَابٌ مهنَ اللهَّه سَبَقَ لمََسَّكُمْ فهيماَ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظهيمٌ } (3)، وأيضاً ما روي من قضائه بالمتخاصــم ين؛ فعــن أم ســلمة ر الله عنهــا قالــت : «جــاء رجــلان مــن الأنصار إلى النَّبي في مواريث بينهما قد دَرَ سَ ت ـ بادت ـ، فقال النَّبي : إنما أنا ب وإنَّكم تتصمون إليّ ، وإنَّما أقضي برأيي فيما لم يَن زل عليَّ فيه، فمَن قضــيت لــه (1) ينظر: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص23-27 . (2) التوبة: من الآية43 . (3) الأنفال67-68 .
عدد الصفحات ٢٦28 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه ، فإنَّما أقطع له قطعةً من النَّار يأتي بهــا يــوم القيامــة على عأ نقه»(1). فهذه بعض الحوادث التي وقع من النبي اجتهاد فيها، مما جعــل جمهــور العلماء يقولون: إن النَّبي كان مجتهداً؛ إذ أن الاجتهاد منصب شري فلا يحأ رمه أفضل الخلق وتناله أمته، وأكثرية الثواب؛ لأكثرية المشقة. وطالما ثبت اجتهاده فلا بدَّ أن يكون له أصــول اعتمــد عليهــا في ذلــك، وليس هنا محل تريرها، وإنَّما نكتفي بالإشارة إليها فحسب؛ إذ سبق أنَّ اجتهــادَ ه خاص بالقياس بخلاف غيره من المجتهدين، وفي حديث معاذ الآتي دلالــة على ذلك، قال الزَّ ركشي(2)« :أشار المصطفى في جوامع كلمه إليــه ـ أي إ علم الأصول ـ ونبَّ ه أرباب اللسان عليه وفي أصول أصحاب المــذاهب المختلفــة بيــان لأصــول النَّ بــي إجمــالاً اجتهاده؛ إذ أنَّ كلاً منهم باذل أَقصى جهده للوصول للعلــَّ ة والقاعــدة والأســاس الذي مَشَى عليه رسو ل الله ، فأخذهم بالإجماع؛ لما ورد عنه :«إن اللهَ تعــالى (1) في سنن البيهقي الكب 6 :66،10 :260، وسنن الدَّارقطني 4 : 238، قال ابن أم حاج في التَّقرير والتَّحبير 3 :298« :هو حديث حسن أخرجه أبو داود، ورواته رواة الصَّحيح إلا أسامة بن زيد, وهو مدني صدوق في حفظه شيء وأخرج له مسلم استشهاداً وفي صحيح البخاري 2 :952، وصحيح مسلم 3 :1337، وغيرتا بلفظ إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيناً بقوله فإنَّما أقطع له قطعة من النَّار فلا يأخذها (2) في البحر المحيط1 :4 .
عدد الصفحات ٢٧للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 29 لا يمع أمَّتي على ضلالة»(1) مثلاً، وأَخــذهم للقيــاس لحــديث معــاذ وغــيره، وهكذا، فالإجماع أشار النَّبي إلى الأخذ به واعتماده والقياسأ طَ بَّ قه رسول الله في كثيرة مــن الحــوادث، وقــد مــرَّ أن اجتهــاد رسول الله متعلّق بالقياس؛ فعن جابر بن عبد الله ، قال عمر :«هششت فقبَّ لتأ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليــوم أمــراً عظــيماً ، قَ بَّ لــتأ وأنــا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بــه ، قــال: فَ في مَ)2(، فقد قاس القأبلة من غير إ نزال عــلى المضمضــة مــن غــير ابــتلاع، وأنَّ حكم إحداتا كحكم الأخرى)3(. ثانياً: اجتهاد الصحابة في عصر النَّبح : إن رسولَ الله قام بإعداد عــددك مــن الصــحابة للاجتهــاد، وبــينَّ لهــم طريقه، امتثالاً لأمر الله :{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذَكْره إهنْ كُنْتُمْ لا تَ عْلَمُو نَ } (4)،إذ الآية صريحة في تمَ يّز بعض النــَّ اس بــالعلم والاجتهــاد والــذِ كر، وقيــام بقيــة المســلمين بالاستَّشاد برأيهم وقولهم في أمر دينهم، وتطبيقاً لهــذا قــام رســول الله ببعــث (1) في سنن التَّمذي 4 :466، ومسند أحمد 6 :396، والمستدرك 1 :201، ومعجم الطبّاني2 :28 . (2) في سنن أبي داود1 :725، ومسند أحمد 1 :21، وصححه الأرنؤوط، وسنن الدارمي 2 :22 . (3) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص14 . (4) النحل: من الآية43 .
عدد الصفحات ٢٨30 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية أصحابه إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد، فبعــث معــاذاً وعليــاً إ اليمن، وبَينَّ لهم الأصل في استنباط الأحكــام، فقــال لمعــاذ :«بــماذا تقضيــ إذا عرض لك القضاء؟ قال: أَقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبســنّة رســول الله ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أَجتهد رأيي لا آلو ـ أي لا أأقَ صرِ ـ فقال رســولأ الله : الحمدأ لله الذي وَفَّق رسولَ رسول ه بما يرضى به رسوله»(1). وفي هذا الحديث بيان لمراتب الأدلة في استخراج الأحكام، وكــذلك دليــل على اعتماد القياس من الأدلة ال َّ عية، وهذا هو الأســاس في أصــول الفقــه؛ لأنَّ علم الأصول يدور في مسائله حول ذلك، وبذلك يكون رسول الله ب الأدلــة الإجمالية التي يب ألا يتعداها المجتهد، وهي مصادر الأحكام ال َّ عية كالكتــاب ال َّ ي والس نة المأ طهَّ رة والإجماع والقياس. (1) أخرجه أبو داود في سننه3 :313، والتَّمذي في جامعه 3 :616، وأشار إلى ضعفه، وله شواهد موقوفة عن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10 :114 عقيب تريج هذا الحديث؛ تقويةً له كذا في مرقاة الص عود شرح سنن أبي داود للس يوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه 1 :188: إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله « : لوارث في البحروله « : في الثَّمن والسِلعة قائمة تالفا وترادا « :العاقلة» الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافَّة عن الكافَّة غنوا بصحتها عن دهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا بهجميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص 82-83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290 .
عدد الصفحات ٢٩للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 وهنا ينبغي الانتباه أن هــذه الأصــول كانــ ت راســخةً في نفــوس الصــَّ حابة المجتهدين بتعليمك وإرشادك من رسول الخلق ؛ لأن معاذ ذكرهــا وفصــَّلها بمجرد سؤال النَّبي له، بما أرضى رسول ا عنه؛ لأنه لم يخال النَّبي في رسمه وعلَّ مه لهم، قال الكوثري )1(« : الصــحابة عــ الرَّ أي والاستنباط في أحكام النَّ وازل غير المنصوص عليها من الن صوص، بإرجاع النَّظير إلى النَّظــير، و كــان الم جتهــدون مــن أَصــحاب النَّبــي يقولــون بــالرأي، وكذلك الفقهاء من التَّابع وقد طأ بِ قت هذه الأصول من الصَّ حابة بمحضر النبي وفي زمنه؛ لأن مجموعة من الصَّ حابة كانت تفتي في زمن النبي في المدينــة وخارجهــا، قــال سهل بن أبي حثمة على عهد رسول الله ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر، وعثمان، وعليّ ، وأأ بي بن كعب، ومعاذ بن جبــل ، وزيــد بن ثابت »(2). ولو أردنا استعراض الحوادث التي اجتهــد فيهــا الصــحابة في زمنــه لطال بنا المقام(3)، لكننا نأمثِ ل بفعل عَ مرو بن العاص حين قــد م عمــوم ال قــرآن واحتج به عندما أَ جنب، فإنَّه «كان على سرية وأصابهم بــرد شــديد لم يــروا مثلــه، (1) في تأنيب الخطيب ص168 . (2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره (3) من أراد التوسعفي اجتهادات الصحابة فليرجع إلى الفصول في الأصول4 :37 وما بعدها.
عدد الصفحات ٣٠32 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية فخرج لصلاة الص بح قال: والله لقد احتلمت البارحة، فغســل مغاب نــ ه ـ الأرفــا والآباط ـ وتوضأ وضوءه للصَّ لاة، ثم صلىَّ بهم، فلما قَ د مَ على رسول الله ســأل رسول الله أصحابهفقال: كي وجدتم عَ مراً وأصحابه؟ فــأثنوا عليــه خــيراً ، وقالوا: يا رسول الله، صلىَّ بنا وهو جأ نب، فأرسل رسول الله إلى عَ مرو فسأله، فأخبّه بذلك وبالذي لقي من البّد، وقال: يا رسول الله، إنَّ الله قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } (1)، ولو اغتسلت مت، فضحك رسول الله »(2). المطلب الثاني: أصول الفقه في عصر الصَّ حابة : استمرّ الص حابة بعد وفاة النبي على ما بيَّنه ووضحه لهــم مــن طريــق الاجتهاد واستخراج الأحكام، وقــارب عــدد الصــَّ حابة الــذين بلغــوا درجــة الاجتهاد الع ين، قال الإمام ابن الهأمام(3) :«لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء مــنهم أكثر من ع ين: كالخلفاء والعبادلة(4) وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنــس وأ هريرة وقليل، والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم». وأيّده الإمام الكوثري(5 )فقال«ومن أحاط خبّاً بأدلة الجمهور من الكتاب (1) النساء: من الآية29 . (2) في صحيح ابن حبان4 :143، والمستدرك1 :285، وسنن البيهقي الكب1 :226، وسنن الدارقطني1 :179، وغيرها (3) في فتح القدير3 :469 . (4) وهم: عبد الله بن عباس وعبد ا بن الز بير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العا ص . ينظر: طبقات الفقهاء للشِيرازي ص 32، وغيرها (5) في الإشفاق ص33 .
عدد الصفحات ٣١للأستاذ الدكتور صلاح أبوالحاج ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 33 والسنة وأقوال السَّ ل وبأحوال الصَّ حابة ، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهــمام عدَّ ة المجتهدين مــن الصــَّ حابة، وإن ســعى ابــن حــزم في تكثــير عــددهم جــداً في «أحكامه»، بأن حَ في عدادهم كلّ مَن رأ وي عنه مسألة أو مســألتين في الفقــه ، لا إجلالاً لمن زلة الصَّ حابة في العلم، بــل ليــتمكَّن مــن معاكســة الجمهــور في مســائ ل الإجماع باشتَّاط النَّقل عن كلٍّ منهم، وأنَّ ى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه أو حديث أو حديثان في الس نة أن يعــدَّ في المجتهــدين كائنــاً مــن كــان، وإن كانت مَن زلة الصَّ حابة في الصحبة عظيمة القدر جداً » . هذه المبالغة من ابن حزم في تضخيم عدد المجتهدين من الصَّ حابة كان محــلّ انتقاد من العلماء، قال العلاَّ مة ابن القيم: «وما أدري بأي طريق عد ابن حزم معهم الغامدية وماعزاً » أي من المجتهــدين، وقــال العمــة الحجــوي (1) :«وفي ذكــر مــَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر». وهذا موافق لما نقل عن مسروق ، قال فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء السِتة: عمرأ وعــليّ وعبــدأ الله وأأبيّ وأَبي الــدَّ رداء وزيدأ بن ثابت »(2). فهؤلاء المجتهدون من الص حابة كانت لهم مناهج واضحة الاجتهاد، وهي المأ سماَّ ة بأصول الفقه؛ لأنَّ م ن المعرو ف أنَّ قواعد علم أصول الفقه ومناهجه مستقرَّة في نفس كلِ مجتهد وإن لم يصرحوا بها ويدونونها، وكانوا (1) في الفكر السَّامي 1 :341-342 . (2) ينظر: طبقات الفقهاء للشِيرازي ص 26، وغيرها
عدد الصفحات ٣٢34 ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية يعملون بالأصول وإن لم يعلنوا ذلك، ومن الأمثلة على الأصول التي استندوا لها في اجتهاداتهم: 1.مراتب الأدلة في استخراج الأحكام،فيأ قدَّ م الكتاب على الس نة، والس نة على اجتهاد العلماء، واجتهاد العلماء على اجتهاد نفسه، قال ابن مسعود :«إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إنَّ الله تعالى قدَّ ر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عَرَضَ له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتا ب الله، فليقض بما قضى به نبي ه ، فإن جاء أمر ليس في كتاب ا ولا قضى به نبي ه ، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنيّ أخاف وإنيّ أخاف، فإنَّ الحلالَ بينِ والحر امَ بينِ ، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يَ ريبك إلى ما لا يَ ريبك»(1). 2.التعارض والتَّّ جيح، فيعملون بالدَّ ليل الأقوى عند تعارض الأدلة، إذ كانوا يتحرون في قَ بول الس نة، فليس كل من نسب شيناً لرسول الله يأخذون به دون أن ينظروا موافقته لغيره من نصوص ال َّ ع العظي م، فمثلاً: قالت فاطمة بنت قيس ر الله عنها: «إن رسول الله لم يعل لها سكنى ولا نفقة، فرد عمر : لا نتَّك كتاب الله وسأن ة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها الس كنى والنَّ فقة، قال الله تعالى: {لا تُُْرهجُوهُنَّ مهنْ بُيُوتهه نَّ وَلا يََْرُجْنَ إهلاَّ أَنْ يَأْتهينَ بهفَاحهشَةٍ مُبَيَنَةٍ } (2) )(1). (1) في سنن النَّسائي3 :469، وقال النَّسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8 :230 . (2) الطلاق: من الآية1 .
عدد الصفحات ٣٣