المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 1432 – 2011 م 00

باحثون

صفحة ٨ من ٢٦

في المقابل يرى الدارسون والمختصون في علوم الفقه والتفسير والحديث وسائر أي الإلزام- غير مقصورة على القانون، بل إن قواعد –علوم الشريعة أن هذه الخاصة أو –التشريع الإسلامي تدرج هذا الإلزام الجزائي العقابي ضمن مجموعة من الإلزامات الالتزامات-الأخرى مما يجعل القاعدة التشريعية الإسلامية النموذج الأكمل للقانون المصلح للمجتمعات والحافظ للدماء والأنفس والأموال والأعراض. بينما يرد آخرون بأن الدين مسألة علاقة روحية شخصية بين الإنسان وربه والجزاء الذي إذا أخرج من هذا الإطار...." الروحية والطهارة"يحمله جزاء أخروي، وأنه يفقد صبغة فما مدى حقيقة اإعجاز ت اأول: طبيعة الإلزام في القانون الو رد الفعل أو العقاب "تقدم أن الإلزام في القانون الوضعي يكون بإيقاع الجزاء المتمثل في ، وتصنف الجزاءات "أو الإجبار على الالتزام والاحترام عن طريق استعمال القوة العامة ):إ ١. جزاءات جنائية وهي العقوبات وتدابير الأمن. ٢. جزاءات مدنية متمثلة في إبطال التصرف. ٣. جزاءات إدارية ممثلة في إلغاء القرارات الإدارية. ثانيا: طبيعة الإلزام في الن لم يقع فصل في الإسلام بين الغيب والشهادة، وبين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، وكما تضمنت شريعة الإسلام أحكام الصلاة والحج والصيام والكفارات ... تضمنت أحكام القضاء والشهادة والبيع والإجارة والفصل في الخصومات وغيرها ...، وإنه من الواضح مثلا أن الحدود التي تُتلى أحكامها في كتاب الله كحد السرقة والقذف . المرجع السابق ص)1( العلوم الإن 115

عدد الصفحات ١١٥

والقصاص تمثل عقوبات وإلزامات دنيوية عاجلة التنفيذ كالمنصوص على أنها من خصائص القانون الوضعي. ولكن رغم ذلك فإن التشريع الإسلامي تشريع إلهي يختلف عن أكمل تشريع بشري ولا بد أن يتفوق عليه، ولذلك وجب أن ننظر إليه نظرة أشمل وأعمق تستجلي تعدد أوجه الإلزام فيه وتنوعها، وقد وجدنا إشارة إلى شء من ذلك في حديث مشهور للنبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث الحلال والحرام. فقد روى مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه اإن الحلل بين واإن الحرام بين وبينهما م " و سلم يقول : من النا الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يو واإن حمى الله محارمه، اإل واإن في ا ).1("ف ، )وهذا الحديث عده العلماء من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام حتى جعلوه ثلثه وقد تضمن جملة من الأمور منها: 1 أ- حلال بين واضح لا يخفى حله ب- حرام بين واضح لا تخفى حرمته. . صحيح مسلم ج)1( قال جماعة هو ثلث الإسلام وإن الإسلام يدور عليه" انظر شرح النووي على صحيح مسلم ج)2( ، وقال أبو داود السجستاني: يدور ع"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"وعلى حديث الأعمال بالنية وحديث ازهد في الدنيا "، وقيل حديث:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث ."يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس قال العلماء وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه و سلم نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي أن يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك المشتبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب فقال صلى الله عليه و سلم ( ألا وإن في الجسد مضغة الخ ) فبين صلى الله عليه و سلم أن بصلاح القلب يصلح باقي . "الجسد وبفساده يفسد باقيه المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 116

عدد الصفحات ١١٦

ج- مشتبهات لم يتبين لكثير من الناس حلها أو حرمتها، غير أن حكمها لا يخفى ع وأما المشتبهات فمعناها أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا " العلماء، قال النووي: لا يعرفها كثير من الناس ولا يدركون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع . )1("اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي ، وعرضه من أن يتحدث الناس فيه 2 قال حسان" بسوء فيَسِموه بالفسوق والجرأة على حدود الله، فليتورع وليجتنب الشبهات، ).2("بن أبي سنان ما رأيت شيئا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ؛ يأخذ مرة حطبا ويمسك مرة حية، ولذلك - اأن الواقع في ال 3 فسيقع في الحرام، وقد ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلا بالراعي الذي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، وإن المحارم هي حمى الله الملك الحق، والواقع في الشبهات حائم ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى " حول المحارم يوشك أن يقع فيها: ومعناه ": "حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه أن ملوك العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله، فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه: أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك؛ فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة، ومن قاربه يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية فلا يدخل في شء من . )3("الشبهات 4 للحرام، وأن من استسهل الوقوع في المشتبهات أوشك أن يستسهل الوقوع في الحرام، وقد . شرح النووي على صحيح مسلم ج)1( 291/ صحيح البخاري - (ج)2( شرح النووي على صحيح مسلم ج)3( العلوم الإن 117

عدد الصفحات ١١٧

الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك"وقع ذلك صريحا في لفظ البخاري: ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن ).1("يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه على صغره- إذا صلح فكان تقيا خائفا من مواقعة الحرمات صلح بصلاحه –5 سائر البدن والجوارح وصلحت أعمالها، وإذا فسد فكان فاسقا متجرئا على حرمات الله فسد ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح " بفساده سائر البدن والجوارح وفسدت أعمالها: قال أهل اللغة: ". قال النووي:"الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب يقال: صلح الشيء وفسد بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح وأشهر، والمضغة القطعة من اللحم؛ سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها. قالوا: المراد تصغير القلب . )2("بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب هذا عما تضمنه الحديث، وقد وقعت فيه الإشارة إلى المنهج الرباني الفريد في الإصلاح الفردي والجماعي وبناء الرقابة الذاتية والجماعية المانعة من الفساد؛ فلقد وضع الإسلام منهجا يتضمن ثلاثة أصناف من أسباب الإلزام: الحاجز الديني ممثلا في التقوى والخوف من مواقعة الحرمات، وإليه الإشارة بـ اأولها: األ واإن في ا " بمعنى أن من كان له قلب صالح يخاف الله تورع عن بعض الحلال "كله األ وهي القلب فضلا عن الحرام والشبهات فصلحت جوارحه وصلحت أعماله، ومن كان ذا قلب خاو من الإيمان لا يخاف الله اجترأ على الحرام البين فضلا عن الشبهات ففسدت جميع أعماله. أي السمعة- في قوله صلى – الحاجز الاجتماعي: وإليه الإشارة ببراءة العرض الثاني: ."استبرأ لدينه وعرضه" الله عليه وسلم: الحاجز العقابي ممثلا في الحدود والتعازير المنصوص عليها بالبيان والتفصيل الثالث: (الحدود) أو على وجه العموم والإطلاق (التعازير). ). صحيح البخاري - (ج)1( شرح النووي على صحيح مسلم ج)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 118

عدد الصفحات ١١٨

وفيما ياأتي بيان لها ب الحاجز الإيماني: يملك القانون الإسلامي (الشريعة الإسلامية) وجها فريدا من وجوه الإلزام يجعل الخاضعين له من المؤمنين برسالة الإسلام يلتزمونه التزاما تلقائيا، ويفرض عليهم فيه رقابة لا تنحصر في الزمان والمكان؛ فالأصل أن المؤمن بهذا التشريع يلتزمه ولو كان لا يخاف من سلطة عقابية، ومن نتائج ذلك أن الملايين من المؤمنين في كثير من البلدان ذات القوانين والتشريعات والثقافات والديانات المختلفة في جميع أنحاء العالم لا يشربون الخمر ولا يأكلون الربا ولا يعتدون على أموال الناس ولا يقعون في الزنا والفواحش رغم أن هذه الأشياء -أو جزءا منها على الأقل- لا تعتبر جرائم في تشريعات البلاد التي يعيشون فيها، بل المزينات والمرغبات فيها والمحفزات عليها كثيرة ومتعددة. وحتى البلاد الإسلامية التي تجرم هذه الفواحش أو بعضها أو تفرض عليها عقابا، فإن عامة من يتورع عن الوقوع فيها من أهل هذه البلاد يفعله خوفا من الله لا خوفا من العقاب الدنيوي القضائي. من هذا الباب، فإن السلطة المدنية في البلاد التي تتخذ الإسلام نظاما لحياتها وتشريعاته قوانين لها تخف مسؤوليتها من جهتين: • فمن جهة، فهي تتعامل مع فئة قليلة شاذة بالنسبة لعموم المجتمع مما يجعل الأمر بالنسبة إليها أخف وأسهل. • ومن جهة ثانية فإن الفئة الغالبة في المجتمع داعمة لها في هذا المسعى من منطلق الدين والقناعة، سواء بالدعم الفعلي المعين على كشف الجرائم والمعاقبة عليها، أو بالسند المعنوي الأدبي. وفي هذا الباب أيضا نلحظ بعض القوانين والتشريعات التي لا يمكن أن تفرض في غير التشريع الإسلامي لأن الرقابة المدنية عليها غير ممكنة، ولنضرب لذلك مثلا بمسألة العلوم الإن 119

عدد الصفحات ١١٩

تتعلق بالأحوال الشخصية. فقد جاء الإسلام بنظام فريد في مجال العلاقات الأسرية يبدأ من التفكير في إنشاء العلاقة الزوجية (الخطبة)، والأمور المفروضة ثم المستحبة في اختيار كل من الزوج والزوجة، ومن يقوم بإنشاء العلاقة الزوجية؟ والحقوق والواجبات المترتبة عنها، وانتهاء بحل العلاقة الزوجية أو انتهائها بالطلاق أو الوفاة وما يترتب على ذلك من أحكام (النسب، الميراث، العدة ...). وعند إرادة إنهاء العلاقة الزوجية جاء الإسلام بشيء فريد وهو إلزام الزوج بألا يوقع الطلاق إلا في فترة محددة، وهي أن تطهر زوجته من الحيض وألا يمسها في ذلك الطهر وهي فترة تمنح الزوج فرصة أولى للتفكير وتقدير عواقب فعله فلا يكون طلاقه نزوة أو ردة فعل ناشئة من غضب ونحوه، كما بين ذلك حديث عبد الله بن عمر ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضيَِ اللهُ عَنْهُماَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلىَ عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَْطَّابِ رَسُولَ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ مُرْهُ فَلْيرَُاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تحَِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ "اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: )1("شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لهََا النِّرسَاءُ يَا أَيَُّا النَّبِيُّ إِذَا " فإذا طلقها بقيت في البيت ثلاثة أشهر يراجع فيها نفسه متى شاء: طَلَّقْتُمُ النِّرسَاءَ فَطَلِّرقُوهُنَّ لِعِدَّتهِِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تخُْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهِِنَّ وَلاَ يخَْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّرنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .سورة الطلاق الآية"لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يحُْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا وإذا أوشكت العدة أن تنتهي ربما فكر الزوج في إيذاء زوجته بأن يسد في وجهها باب زواج آخر فيراجعها بقصد حبسها وتعليقها لا رغبة في إمساكها، وهذه النية المبيتة لا يمكن أن يطلع عليها قاض أو شرطي. وهنا يتجلى التشريع الرباني الفريد الذي يفرض على الرجل الرقابة في شء إن كتمه في نفسه لم يطلع عليه من البشر أحد، ولا سبيل لمخلوق للعلم به، َجَلَهُنَّ فَاأَمْ وَاإِذَا طَلَّقْتُمُ الن " وهو ما نص عليه قوله تعالى: يَا أَيَُّا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّرسَاءَ فَطَلِّرقُوهُنَّ لِعِدَّتهِِنَّ وَأَحْصُوا { صحيح البخاري، كتاب الطلاق، بَاب قَوْلُ اللهِ تَعَالىَ )1( .)(ج}الْعِدَّةَ المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 120

عدد الصفحات ١٢٠

اأَوْ َنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَلَ تَتَّخِذُوا اآَيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهَِّ عَلَيْكُمْ وَمَا اأ .سورة البقرة الآية"وَالحِْكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهََّ وَاعْلَمُوا اأَنَّ اللهَ بِكُل وإننا نلاحظ هذا التكامل العجيب بين جملة هذه التشريعات التي تبدأ من التفكير في العلاقة الزوجية، ثم من نشوئها القانوني (العقد) ثم الفعلي (البناء) وما يصاحبها ويكفل سلوكها للمسلك الصحيح (الحقوق الزوجية)، وما يوصف من علاج للاضطرابات الطارئة (علاج النشوز) وحتى ما يتعلق بإنهائها انطلاقا من التفكير في إيقاع الطلاق وَعَا " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم " ، وانتهاء إلى ما يصاحب الطلاق:) 1("كَثِيرًا -سورة النساء الآية"إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيثئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا يتفرع عنه (أحكام العدة، الرضاع، ...). ونريد أن ندرس خاصة الإلزام الإيماني التي تخول التشريع الإسلامي إصدار تشريعات وأحكام لا يمكن أن تصدر في قوانين وتشريعات أخرى عبر المثل المشار إليه سابقا، وهو قرب انتهاء عدة المرأة المطلقة وما قد يبيته الزوج من إمساكها رغبة في تعليقها لا رغبة وَاإِذَا طَلَّقْتُمُ الن " فيها، والذي وقع عنه النهي في الآية السالفة: : َمْ فَاأ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْ َنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالحِْكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهََّ وَاعْلَمُوا اأَنَّ اللهَ بِكُل اأ ، أيا الرجال "وإذا طلقتم"يعني تعالى ذكره بذلك:" قال ابن جرير في تفسير الآية: "عَلِيمٌ ، يعني: ميقاتهن الذي وقته لهن، من انقضاء الأقراء الثلاثة، إن "فبلغن أجلهن "نساءكم ، يقول: "فأمسكوهن"كانت من أهل القرء، وانقضاء الأشهر، إن كانت من أهل الشهور، ، فإنه "بمعروف"فراجعوهن إن أردتم رجعتهن في الطلقة التي فيها رجعة ... وأما قوله: أو سرحوهن "عنى: بما أذن به من الرجعة، من الإشهاد على الرجعة قبل انقضاء العدة .... سورة النساء الآية)1( العلوم الإن 121

عدد الصفحات ١٢١

، يقول: أو خلوهن يقضين تمام عدتهن وينقضي بقية أجلهن الذي أجلته لهن "بمعروف لعدتهن، بمعروف. يقول: بإيفائهن تمام حقوقهن عليكم، على ما ألزمتكم لهن من مهر : يقول: ولا "ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا"ومتعة ونفقة وغير ذلك من حقوقهن قبلكم ، تراجعوهن، إن راجعتموهن في عددهن، مضارة لهن، لتطولوا عليهن مدة انقضاء عدتهن، أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم، لمضارتكم إياهن، بإمساككم ، يقول: لتظلموهن بمجاوزتكم "لتعتدوا"إياهن، ومراجعتكموهن ضرارا واعتداء. وقوله: )1("في أمرهن حدودي التي بينتها لكم وَإِذَا طَلَّقْتُمُ " والتشريع المتضمن في الآية يحمله الجزء الأول منها كما هو واضح: النِّرسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سرَِّرحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تمُْسِكُوهُنَّ ضرَِارًا ."لِتَعْتَدُوا ": وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ " ومن العجيب أن الآية أتبعته بخمسة وصايا ."وَلاَ تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللهِ هُزُوًا " أ- ."وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالحِْكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ " ب - ."وَاتَّقُوا اللهَ " ج - ."وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّر شَْءٍ عَلِيمٌ " وتلك الوصايا الخمسة لم تخرج في مجملها عن الترهيب والتحذير والموعظة والتذكير، وجميعها تفرض في النفس رقابة شخصية وخوفا من مجاوزة الحد، فتنشئ التزاما من المؤمن بهذا الوحي لا يحتاج فيه إلى رقابة قضائية وقانونية. خلافا للقوانين البشرية- غير ناشئ عن –ويلاحظ أيضا أن الإلزام في التشريع الإسلامي الخوف من العقاب فقط. ) تفسير الطبري - (ج)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 122

عدد الصفحات ١٢٢

الإلزام والعقاب تقدم أن الجزاءات الجنائية في القوانين الوضعية هي العقوبات وتدابير الأمن، والأولى يتم إنزالها كعقوبات على الجرائم، والثانية كحرز ووقاية من وقوعها. وفكرة العقاب (الأخروي) على مجاوزة التشريعات الإسلامية (حدود الله) قائمة أيضا في نصوص القرآن والسنة كما هو بين وواضح، ولكن تجدر الإشارة إلى أن الجزاء في التشريع الإسلامي يَصُفُّ الجزاء الحسن على التزام التشريعات إلى جانب العقاب على مخالفتها، وهو ما لا يوجد في القوانين الوضعية، وأحيانا قد يكون سبب الإلزام ترغيبا فقط كما في قوله سبحانه سورة النور "َلَ تُِبُّونَ اأَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلْيَعْفُوا وَلْيَ " وتعالى: الآية " أَلاَ تحُِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهَُّ لَكُمْ " وهو أن يغفر الله للعبد كما يغفر لمن ظلمه ووقع في عرضه: تمثيل وحجة؛ أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، وينظر " وهو ).1(" (من ل يرحم ل يرحمإلى هذا المعنى قوله عليه السلام: وأكثر من ذلك، فإن الإلزام قد يتجاوز أحيانا الجزاء والعقاب إلى أمور أخرى منها: • َبْ قُلْ لِلْمُوؤْمِنِينَ يَغُ " الإقناع بفائدة الالتزام للإنسان نفسه كفرد: . فقوله )2("وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ اأَزْكَــى لَهُمْ اإِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بمَِا يَ فيه تنبيه على فائدة الالتزام للشخص نفسه؛ " ذَلِكَ أَزْكَى لهَُمْ " سبحانه وتعالى: أطهر من دنس الريبة أو أنفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد " بمعنى أنه ).3("الزنا وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى • مَا يُرِيدُ اللهَُّ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ " الإقناع بفائدة الالتزام لعموم الناس: ، سورة المائدة الآية"يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَ ) تفسير القرطبي - (ج)1( سورة النور الآية)2( ) تفسير الألوسي - (ج)3( العلوم الإن 123

عدد الصفحات ١٢٣

َنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ال وَاللهُ يُرِيدُ اأ " .سورة النساء الآيتان"27( • التنبيه على مآلات الفعل الفاسد ووصية المنهي عنه بتقدير عواقبه وافتراض وصول مثل ضرره إليه أو إلى ذريته، وهذا من روائع أسباب الإلزام في كتاب الله، ومثاله وَلْيَخْ " قوله سبحانه وتعالى: .. سورة النساء الآية"عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلً يقول: من حضر ميتًا فليأمره بالعدل " روى ابن جرير بسنده عن قتادة في تفسيرها قال: والإحسان، ولينهه عن الحَيْف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله ).1("لو نزل به الموت وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسنْ إليه " ).2("وليأت إليه في حقه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل " وفي تفسير القرطبي: بأولادكم من بعدكم، قاله ابن عباس. ولهذا قال الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ).3("ظل مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلىَ "تهويل الجرم والتنبيه على عظمته وخطره، ومثال ذلك قوله تعالى: ). 4("بَنِي إِسرَْائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِْ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فيِ الأَْرْضِ فَكَأَنَّماَ قَتَلَ النَّاسَ جمَِيعًا فتهويلا لجريمة القتل وبيانا لبشاعتها جعلت الآية من قتل نفسا واحدة بغير سبب موجب للقتل في حكم من قتل الناس جميعا، ونفس هذا الوصف يحمل تعظيما وترهيبا من هذا على أنّ فيه معنى نفسانياً جليلاً ، وهو أنّ " الجرم مهما كان تفسير ذلك. قال ابن عاشور: ) تفسير الطبري - (ج)1( ) تفسير البغوي - (ج)2( ) الجامع لأحكام القرآن - (ج)3( . سورة المائدة الآية)4( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 124

عدد الصفحات ١٢٤

الداعي الّذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني النّاشىء عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النّفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم ، فالّذي كان من حيلته ترجيحُ ذلك الدّاعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشرّيفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دَوْماً إلى هضم الحقوق ، فكلّما سنحت له الفرصة ).1("قَتل ، ولو دعته أن يقتل النّاس جميعاً لفعل ويضاف إلى أسباب الالتزام شء آخر ينفرد به التشريع الإسلامي وهو حصول العلم به والتذكير المستمر بأحكامه وبأسباب الإلزام به لعموم الناس خلافا للقوانين البشرية. الت لا يعرف قانون من القوانين البشرية يفترض تعلمه على نطاق واسع كقانون المرور لمن يريد أن يحصل على رخصة لقيادة سيارة ونحوها، ومع ذلك فقد وجدنا من تعلمه تعلما كاملا في فترة الامتحان سرعان ما ينسى كثيرا من تفاصيله، وكم من الناس يلقيه بعد الاختبار وراءه ظهريا لا يستذكر منه شيئا إلى قيام الساعة. وأما سائر القوانين الأخرى فإن المختصين فيها والمتعاملين معها تعاملا مستمرا كالقضاة والمحامين يحتاجون إلى مراجعة موادها وتفاصيلها مراجعة دائمة ومستمرة، وأما عموم الناس فبضاعتهم منها مزجاة، ولعل كثيرا من الناس لا يعلم عنها شيئا، مع أن استحضارها شء أساسي في التزامها والعمل بها. وأما التشريع الإسلامي فإنه ينفرد بخاصة الارتباط بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولذلك يسمعه العالم والأمي والمختص والعامي، يسمعونه يُتلى في محاريب الصلاة كل يوم وعلى المنابر بل وفي التلاوات الفردية وفي أحاديث الناس، وشخصيا تعاملت مع رجال ونساء لا يقرؤون حرفا ولا يحسنون كتابة أسمائهم ومع ذلك كانوا يعرفون تفاصيل مثلا- مما يحتاج إلى مراجعة مثله –كثير من الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية أو الميراث المختصون في القانون في التشريعات الأخرى. وهذا التعليم والتذكير الدائم والمستمر المقترن بأسباب الالتزام الإيمانية المذكورة سابقا ). محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير - (ج)1( العلوم الإن 125

عدد الصفحات ١٢٥

ينتج شحنا وشحذا متجددا لعزيمة الملتزم وفرضا متواصلا للرقابة الذاتية النابعة من عمق القلب، وهو ما لا يتهيأ لأي تشريع من التشريعات الأخرى. الحاجز الأدبي الاجتماعي: تقدم أن أول سبب من أسباب الإلزام في التشريع الإسلامي هو الخوف من الله (الحاجز الإيماني)، ومن تجاوز هذا الحاجز فإنه يواجه حاجزا آخر وهو الحاجز الأدبي والاجتماعي، وقد وقعت الإشارة إليه في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحلال والحرام المذكور . أي طلب سلامة دينه من الوقوع "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"سابقا: في الحرام وسلامة عرضه من أن يتحدث الناس فيه بسوء ويَسِمونه بالمعصية والجرأة على حدود الله. وهذه الإشارة على صغرها واختصارها وقلة ألفاظها تحمل تنبيها على مسألة مهمة، وهي أن المخالف للتشريعات الإسلامية يحس بأنه منبوذ بين المؤمنين مما يجعله يقيم حسابا لعواقب فعله على المستوى الأدبي والاجتماعي حتى ولو كان لا يملك من التقوى والورع ما يجعله يلتزم هذه الأحكام، فهو يلتزمها خوفا من هذا الجزاء الاجتماعي إذا لم يلتزمها خوفا من الجزاء الأخروي. ولعل الأمر قد يبدو من جهة ما غريبا، إذ أنه قد اشتهر عند الناس أن الدين مبني على إخلاص العمل لله، وإذا التزم الإنسان شيئا خوفا من الناس فقد جاء بتدين فاسد غير مقبول؟ غير أن المقام هنا ليس مقام تدين ولكنه مقام حفاظ على النظام العام، وهذا الذي يُشكل على كثير من الناس؛ فإن تشريعات الإسلام بالنظر إلى كونها علاقة بين العبد وربه هي تدين، وبالنظر إلى الإلزام الاجتماعي والعقابي أيضا هي أحكام قانونية متعلقة بالنظام العام. ولنضرب لذلك مثلا؛ فالزنا محرم، وتاركه يريد بتركه رضوان الله مأجور عند الله، وأما تاركه خوفا من الحد -ولو افترضنا كونه كافرا-، يكون قد تحقق للمجتمع المصلحة من تركه للفاحشة وإن لم يلتزم ذلك تدينا. المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 126

عدد الصفحات ١٢٦

وبناء على هذا يظهر الخطأ والمغالطة المتكررة الصادرة عن فريقين متضادين من الناس الفريق الأول يريد اأن يح التي ل علقة لها بالدنيا. والفريق الثاني يخت الجزائية (الحدود والتعازير). • وهذا الجزاء الأدبي والاجتماعي قد يكون تلقائيا كالمشار إليه في الحديث وهو وقوع الناس في عرض المواقع للشبهات أو المحرمات. • وقد يكون ناشئا عن سبب ديني وعلى هذا يحمل تغيير المنكر بالقلب الذي جاء في من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم "الحديث المشهور: ).1("يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان • وقد يكون عقوبة صادرة بأمر من ولي الأمر تأديبا، كالذي حدث لكعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف عن غزوة العسرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهجره، حتى اعتزلته زوجته، وأقام مدة من الدهر لا يكلمه أحد، ثم أنزل الله )سبحانه وتعالى توبته وإننا نلحظ بعدا اجتماعيا آخر لا يوجد إلا في التشريع الإسلامي، وهو الاستعاضة عن التحكيم القضائي السلطوي بتحكيم اجتماعي أقرب إلى الإصلاح والإحاطة بحقائق الأشياء وأقدر على معرفة خبايا العلاقات الأسرية في حالة تنازع الزوجين ووقوع الشقاق وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِماَ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا " بينهما، قال تعالى: ).3("إِصْلاَحًا يُوَفِّرقِ اللهُ بَيْنَهُماَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرًا أخرجه مسلم في المقدمة بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ المُْنْكَرِ مِنْ الإِْيماَنِ وَأَنَّ الإِْيماَنَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَْمْرَ بِالمَْعْرُوفِ )1( .)وَالنَّهْيَ عَنْ المُْنْكَرِ وَاجِبَانِ (ج وَعَلىَ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ { أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، بَاب حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَوْلُ اللهَِّ عَزَّ وَجَل )2( )(ج}خُلِّرفُوا سورة النساء الآية)3( العلوم الإن 127

عدد الصفحات ١٢٧

يعني مشاقة كل واحد منهما من صاحبه ، وهو}وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِماَ {"ومعنى الآية إتيان ما يشق عليه من أمور أما من المرأة فنشوزها عنه وترك ما لزمها من حقه ، وأما من الزوج فعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، والشقاق مصدر من قول القائل شاق فلان فلاناً إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه بما يشق عليه ، وقيل لأنه قد صار في شق ).1("}فَابْعَثْواْ حَكَماً مِّرنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا {بالعداوة والمباعدة والحكمان هنا بصورة استثنائية ليسا قاضيين ولا وكيلي ولي الأمر، ولكن قرابتهما وقدرتهما على الاطلاع على ما لا يطلع عليه القاضي تخولهما الإصابة في الحكم فأعطيا صلاحية إمضائه : هَذَا نَصٌّ مِنْ اللهَِّ سُبْحَانَهُ }حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا {قَوْله تَعَالىَ "قال ابن العربي: فيِ أَنهَُّماَ قَاضِيَانِ لاَ وَكِيلاَنِ ، وَلِلْوَكِيلِ اسْمٌ فيِ الشرَِّيعَةِ وَمَعْنًى ، وَلِلْحَكَمِ اسْمٌ فيِ الشرَِّيعَةِ . )2("وَمَعْنًى وتفريقهما جائز على الزوجين، وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، وكلهما " ).3("الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما عدلين "قال القرطبي: عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما. فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر. أن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا ويقال: حتى أعلم مرادك ؟ فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله النشوز. إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعلم أنه ليس واإن قال: بناشز، ويخلو الحكم من جهتها بالمرأة ويقول لها: أتهوي زوجك أم لا؟ فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، فيعلم أن النشوز من قبلها. ) الماوردي، النكت والعيون - (ج)1( ) أحكام القرآن لابن العربي - (ج)2( ) تفسير القرطبي - (ج)3( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 128

عدد الصفحات ١٢٨

وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهى، فذلك قوله ).1("تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وخاصة تحكيم الصالحين والفقهاء وأهل الإصلاح من الأقارب لها بعد اجتماعي انفرد به التشريع الإسلامي بما يتميز به من البعد الديني الروحي ومن المرونة والقدرة على الإصلاح. الحاجز العقابي القانوني: وإذا تجاوز الإنسان الحاجز الإيماني ثم الحاجز الأدبي فعند ذلك يواجه الحاجز الأخير وهو حاجز الخوف من العقاب الدنيوي العاجل، وهو ما عبر عنه الخليفة الثالث عثمان بن ."إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن "عفان رضي الله عنه بقوله: وهذا الحاجز العقابي هو فقط ما يملكه القانون الوضعي البشري من إلزام، مما يجعله متخلفا بصورة كبيرة عن التشريع الإسلامي، وذلك أن العقوبات المادية لا تكفي وحدها في الإلزام بالتشريعات والأحكام. وللتدليل على ذلك أخذنا واقع الجرائم في أقوى دولة من الناحية التكنولوجية والمادية والتي صارت رمزا للتطور في هذا العصر، أعني الولايات المتحدة الأمريكية. جاء في موقع Crime in America" " In America, the crime clock continues to click: one murder every 22 minutes, one rape every 5 minutes, one robbery every 49 seconds, and one burglary every 10 seconds. Americans are scared, and they are angry. The increase in violent crimes has made average citizens afraid to walk the streets in front of their homes. And this fear has fueled a public cry to end the killing fields in America. ) المصدر نفسه - (ج)1( العلوم الإن 129

عدد الصفحات ١٢٩

In recent months, even apathetic Americans have been shaken from their false sense of security as they have seen criminals invade nearly every sanctuary where they felt they were safe: their cars James Jordan; their public transit the Long Island Rail Road murders; and even their bedrooms the abduction of Polly Klaas. Crime victims often find themselves ignored by law enforcement, and confused by the court system. Approximately thirteen million people in the United States are victims of crime every year. Approximately one and a half million are victims of violent crime. Since 1960, we have seen our crime rate in America increase over 300%. Our police departments continue to arrest the crazies and our courts continue to release them. Many of these criminals are home grown terrorist. Many are illegal immigrants. From 1989 through 2002 our great nation witnessed a shameful 159,000,000 crimes on our citizens and many are not counted because they go unreported. في أمريكا، ما زالت ساعة الجرائم في دوران: جريمة قتل كل " 5 الأمريكيون خائفون، وقد أصبحوا غاضبين. لقد جعل الارتفاع في جرائم العنف نصف المواطنين يشعرون بالخوف من السير في الطرقات أمام بيوتهم، ولقد غذى هذا الخوف النداء لإنهاء مجال القتل في أمريكا. في الأشهر الأخيرة، بعض الأمريكيين الغافلين تعرضوا لهزة عنيفة في شعورهم الخادع بالأمن حين رأوا مجرمين يكتسحون أمامهم كل مكان آمن حيث كانوا يحسون بأنهم سالمون: ، وحتى في غرف نومهم."جيمس جوردان" سياراتهم من نوع ضحايا الجرائم يجدون أنفسهم متجَاهلين من طرف منفذي الأحكام، وتائهين في نظام المحاكم. نحو من ثلاثة عشر مليون شخص في الولايات المتحدة يتعرضون لجرائم كل سنة، ونحو من مليون ونصف تقريبا هم عرضة لجرائم عنيفة. منذ سنة أقسام الشرطة تقوم باعتقال المجانين وتقوم المحاكم بإطلاق سراحهم. عدد كبير من هؤلاء المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 130

عدد الصفحات ١٣٠