، وهذه ميزة عظيمة: أن تكون الأُمَّة موصولةً بتراثها الزاخر تفيد )والنحوية، والدلالية منه وتنتفع به. وتأمُّلُ مزية استقرار اللغة العربية التي تفردت بـها عن سائر اللغات التي تغيرت وتبدلت تغيرًُّا وَتَبدُّلا جعل من اللغة الواحدة لغاتٍ كثيرةً متباينة ـ يجعلنا نتساءل: ما ال هل يمكن إرجاع هذه الميزة إلى أن اللغة العربية كانت لغة عالمية فيها كل ما تفتقر إليه الأمم في كل الأزمنة والأمكنة من ألفاظ ومعانٍ وأخيِلة، بحيث يجد الناس فيها ما يفتقرون إليه؛ لذلك فهم يحرصون عليها؟! وهذا بعيد؛ فما كانت اللغة العربية ولا غيرها كذلك. أم أن مزية استقرار اللغة العربية ترجع إلى أهلها ومكانتهم الاجتماعية والسياسية والعلمية؟! والواقع يُكَذِّرب ذلك؛ فقد كان أهل العربية في وضع متأخر الشأن بجوار حضارتين عظيمتين هما حضارتا الفرس والروم، وفي حياتنا المعاصرة تتلاحق الهزائم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا على العرب. وهكذا ينتهي بنا التاأمل اإلى اأننا ل نجد اآثار القراآن الكريم، ووجه من وجوه اإعجازه. تـهذيب اللغة العربية (تنقية صوتية): لقد نَحَّى القرآن الكريم عن اللغة التَّقعُّر في الكلام، والألفاظ الحُوشيَّة الثقيلة على السمع، ، "جحيش " إن من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي يرى كثيرًا من الكلمات الحُوْشِيَّة، من ذلك: وغير ذلك كثير." المطاط "، و"البخصات " ، و"جحلنجح"، و"مستشزرات " و من ذلك أيضًا ما رواه القالي في أماليه لأبي محلَّم الشيباني في أواخر القرن الثاني من كتاب Holes: Clive Modern Arabic: Structure, Functions and Varieties.- London: )1( Longman1995-343p. العلوم الإن 51
عدد الصفحات ٥١دِنهْا، فإذا هَـمَّتْ تأتدن، فلا تخَُلِّرها تُـمَرْخِد، " له إلى بعض الحذَّائين في نعل.. قال هذا المتقعِّرر: وقَبْلَ أن تَقْفَعِلَّ، فإذا ائْتَدَنَتْ فامْسَحْها بخِرْقَةٍ غير وكيَّة ولا جَشِيَّة، ثم امْعَسْها مَعْسًا رَقيقًا، ثم .. إلخ."سنَّ شفْرَتَكَ، وأَمْهِهَا، فإذا رأيت عليها مثل الهَبْوة فسِنَّ رأس الإزميل وانظر قول القائل: فـــاحـــذر ولا نَـــكْـــترَْ كَـــرِيًّـــا أعْـــوَجَـــا عِــلْــجًــا إذا ســـاق بــنــا عَــفَــنْــجَــجَــا! وتأمَّلْ تكرار صوت الكاف والعين والجيم على مسافات متقاربة؛ مما يثْقُل على السمع واللسان، حتى يضيق به الناطق ويَمَجّه السامع وتنبو عنه القلوب. وتكفي نظرة إلى ديوان أي شاعر أو راجز من العصر الجاهلي، لنرى إلى أي مدًى كان أثر نظام "القرآن الكريم بالغًا في تصفية أصوات اللغة وتنقيتها؛ وإليك مثالا مما أورده صاحب ، ومن مرادفاتها:"اللبن"لكلمة معروفة للعرب قاطبة هي " الغريب في اللغة لبن أُمْهُجانٌ، وأُمْهَج بالفتح وأُمْهُوج أيضًا: اللبن الخالص. والماضر: اللبن الحامض ومنه سُمِّريَت المضيرة، ومثله الخاثر. والضَّيَاح: اللبن الممزوج بالماء. والرِّرسْل: اللبن الحليب نفسه. والمذيق: اللبن الممزوج بالماء، والصريح الخالص منه. والعُجَالِط والعُجَلِط: الرائب الغليظ. والرُّوبة بغير همز: اللبن الحامض الذي قد رُوِّربَ به الحليب. والعَكِيُّ بتشديد الياء: اللبن الحامض. والهُجْمة والهَجِيمة: اللبن قبل أن يحمض. والحاذر: اللبن الحامض، فإذا تقطَّعَ وصار اللبن ناحية والماء ناحية فهو ممُْذَقِرٌ، فإن تكبَّدَ بعضه على بعض وحمض فلم يتقطع فهو إذْك. والعُثَلِط والهُدَبِد: ما خَثَر منه وتلبَّد. والصَّقْر: أحمض ما يكون من اللبن، فإذا صُبَّ عليه حليب فهو الرَّائثة والمُْرِضَّة. والعكيس: اللبن الحليب يُصَبُّ على مَرَق. والنَّخِيسة: لبن الضأن يُصَبُّ على لبن المعز. والصَّحيرة: الحليب المسخن حتى يحترق. والسَّمْهَج والسَّمْلَج: اللبن إذا كان حلوًا دسماً. والمِلْعاز والمِلْهاز: اللبن يختلط بعضه ببعض عند المخض. والصرَّْب والصرََّب: أحمض ما يكون من اللبن. والسَجَاج: أرَقُّ ما يكون من المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 52
عدد الصفحات ٥٢.)اللبن، والمَْهْو والمَْسْجُور مثله. والنَّسْء: الحليب إذا مزج بالماء، والنَّسيُِّ مثله بينما اكتفى القرآن الكريم بكلمة واحدة هي (اللبن)، ولا عجب أن غابت كل تلك الكلمات الحوشية والغريبة عن واقع الاستعمال اللغوي، وبقيت الكلمة القرآنية. لقد كان القرآن بمثابة غربال لأصوات العربية، ومصفاةً لها أخرجت منها ما ينبو عنه السمع وما يثقل على اللسان، والناظر في هذا الكتاب الكريم يجد بين دفتيه أمثلة ناصعة للنقاء الصوتي والسلاسة وتجسيد المعنى عن طريق الصوت بصورة إعجازية لا نجد لها مثيلا في أرقى مستويات الفصاحة اللغوية لهذه اللغة. كذلك نَحَّى القرآن الكريم كثيرًا من الألفاظ التي تعبر عن معانٍ لا يُقِرُّها الإسلام: من ذلك: وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية.« وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى القوم، أو ما يغنمه الغزاة« الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود وهي دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق الجاهلية.« وفي هذا سُمُوٌّ لغوي يتوازى مع السُمُوِّر الخُلُقِي الذي أتَى به القرآن الكريم .65 : نظام الغريب في اللغة / عيسى الربعي، ص)1( العلوم الإن 53
عدد الصفحات ٥٣ا دُهِشَ العرب حينما سمعوا القرآن، وتحيرَّوا في أمر هذا الكلام الذي تستلذُّه الآذان وتستخفُّه الألسنة وتقشعرُّ منه الجلود وتطمئنُّ به القلوب، ومَبْعَث حيرتهم ودهشتهم يعود ـ في جانب منه ـ إلى هذه الخصائص الصوتية الفريدة للقرآن، وقد جسَّد الوليد بن المغيرة هذه الحيرة حين قال يصف القرآن في مقولته المشهورة: والله لقد وضعته على أقراء الشعر فما هو بالشعر، وما .هو بالسجع ولا الكهانة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه لَيَعْلُو ولا يُعْلىَ عليه في هذه الكلمة يتجسَّد ما تملَّك هذا الرجل وغيره من العرب لـمَّـا سمعوا القرآن الكريم فقد اهتزت قلوبهم وهيمن الصوت القرآنيُّ على مشاعرهم، وتحيروا في شأن هذا النغم الفيَّاض ــ من أين يأتى؟! إنه ليس بشعر؛ لأنه لا يتفق مع أوزان الشعر وطرائق نظمه، وليس بسجع متوازنٍ كسجع الكهان، ومع ذلك تنساب أنغامه انسيابًا في عذوبة وسلاسة وتآلف عجيب، وكأنه تيار موسيقي تتفجر منه النغمات من أعلاه ومن أسفله على حد قول الوليد، ولعلَّ من بين ما تدل عليه عبارته: عمق التناسق بين أنغامه العالية القوية وبين أنغامه الرقيقة الهادئة المنسابة. والنغم القرآني ينبعث من أصواته، وحسن جَرْسِه، وتآلف ألفاظه، وطرائق الأداء المعروفة في فن التجويد منذ عصر النبوَّة، ويشهد لهذا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله ).1("ما أَذِنَ الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنَّى بالقرآن " عليه وسلم أنه قال: والتغنِّري بالقرآن يعني تجويده، باعطاء كلِّر صوتٍ من أصواته ما يستحق من صفات وامتداد وعمق وتلوين؛ حتى يظهر المعنى وظلال المعنى في وضوح تامٍّ، وفي أداء جمالي ممتع للسمع والفؤاد. وليس من قبيل الصدفة أن القرآن الكريم قد أُنْزِلَ على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.. إنَّه خطاب إلى القلب؛ ولذلك كان للإيقاع فيه نصيب كبير، قال الله تعالى: ).(البقرة ﮊﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮋ والإيقاع القرآني يز القلوب ويأخذ بمجامعها؛ ولذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم عند سماع القرآن أحوالٌ، فمرةً يرتجف، وتارةً ينبسط... وهكذا بحسب المعاني التي ). أخرجه البخاري في صحيحه)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 54
عدد الصفحات ٥٤تتضمنها الآيات والإيقاع المصاحب لها،وقد ارتبط أداء القرآن الكريم بالمقامات الموسيقية العربية كالبياتي والنهاوند والرَّست والحجاز والصَّبا وغيرها، ولكل مقام من هذه المقامات طرق عديدة وأساليب متباينة في إبراز وجوه النغم القرآنيّ المتنوِّرع والفريد. وينبعث النغم القرآني من توالى المقاطع الصوتية على مسافات منتظمة متقاربة، بما يمنح الأذن إحساسًا بالتوازن الإيقاعي، دون رتابة أو جمود كالذي نُحِسُّ به حين نسمع الأسجاع المتماثلة في مقاطعها، فالنغم القرآنى متوازن الإيقاع ومتجدِّردٌ في آنٍٍ واحد؛ لتنوع الفواصل أو المسافات الفاصلة بين مواضع النبر في الكلمات، واختلاف الكلمات طولا وقِصرًَا. هذا بالإضافة إلى تلوين الأداء القرآني وتحسينه عن طريق المدِّر والغُنَّة والسَّكْت القصير والسكون، وغير ذلك من خصائص التلاوة القرآنية التي تضيف إلى عظمة النغم القرآني توازُنَ الإيقاع، فتجويد القرآن يشتمل إلى جانب إعطاء الأصوات حقَّها على أمور أخرى، منها: المد بأنواعه والغنة والسكت وما إلى ذلك مما يُعَدُّ من قبيل الانقطاع المؤقت لتوالي الأصوات التي تتكون منها الألفاظ. فإذا قرأ القارئ مع الترتيل أتى بكل رتل وآخر وبينهما فترة انقطاعه إما مد أو غنة أو سكت إلخ.. هذا النوع من الترتيل يضيف إلى إيقاع القرآن الكامن في نظمه إيقاعًا آخر طارئًا عليه من خلال الأداء والقراءة، فإذا اجتمع الإيقاع الصوتي وذلك الإيقاع الترتيلي لم يكن للأذن إلا أن تستمع وتنصت وتستمتع بالجمال، وسبحان الله و تعالى إذ يقول لعباده المؤمنين: )1()(الأعراف ﮊﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮋ كما أن القُرَّاء المجيدين يستطيعون إبراز المعاني القرآنية صوتيًّا عن طريق التنغيم؛ أي رفع الصوت وخفضه وتلوينه بألوان مختلفة تعبرِّر عن الفرح، أو الحزن، أو الخوف، أو الدهشة، أو التعجب، أو الغضب، أو الرضا... إلخ. الإيقاع في العربية: مصطلح الإيقاع في العربية مستمدٌّ من وَقْعِ المطر. وهو في عرف أهل اللغة عبارة عن . ")اتفاق الأصوات والألحان وتوقيعها في الغناء أو العزف" . البيان في روائع القرآن / تمام حسان، ج)1( المعجم العربي الحديث / لاروس،)2( العلوم الإن 55
عدد الصفحات ٥٥والإيقاع غير الوزن، ومن المناسب أن نشير ـ هنا ـ إلى الفرق بينهما، إذ طالما اختلط الأمر لايفتأ قائمًـا دون أن يصيبه "بشأنهما؛ ذلك أن الوزن عندما يتمثل لدى بداية تركيبٍ ما، فإنه . ")تغيير إلى نهايته، مثله مثل الشكل الميكانيكيّ؛ في حين نجد أنَّ الإيقاع خَلْقٌ جماليٌّ محَْضٌ الإيقاع في القرآن: من دوافع الاهتمام بإيقاعية القرآن الكريم: خروج هذه الإيقاعية عن منظومة أشعار اتساق القرآن، وائتلاف "العرب وما أَلِفُوه فيها، حيث وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة متمثلة في حركاته وسكناته، ومدَّاته، وغُنَّاته، واتصالاته، وسكتاته، ذلك ما يسترعي الأسماع، . " )ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم أو منثور إن السمات البارزة في بنية الخطاب القرآنيّ، لهي ذلك الترتيب في الحروف باعتبارٍ من أصواتها ومخارجها، ومناسبة كُلٍّ للآخر مناسبةً طبيعية: همسًا وجهرًا، شدة ورخاوة، تفخيماً وترقيقًا، تفشِّريًا وتكرارًا. وإذا ما رُمْنَا تَـمَثُّـلَ ذلك بآذاننا؛ بل بوجداننا وإحساساتنا، فلنستمع إلى مطلع سورة العاديات وهي تُتلىَ علينا؛ فما من شك أن أول ما يطرق آذاننا هو تلك الحركات والطرقات حال ركضها قالبًا بقالب، فلا ريب أن الألفاظ تفعل فينا ما هو " الخيول"المتواليات، كما تفعل ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮋأجمل وأجلُّ من السِّرحْرِ بمنتهياتها المتماثلة في قوله تعالى: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ويؤكد الرافعي أن المدار في هذه السورة قائم بشكل جَليٍّ ومسموع على خاصية الإيقاع؛ 1994 (1) Jean Cohen, Structure du Langage poetique, Flammation, Paris. 1966. P . 42. .198 : التعبير الفني في القرآن / أمين بكري شيخ . ط)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 56
عدد الصفحات ٥٦ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري" فيقول: الوضع والتركيب مجرَى الحروف أنفسها فيما هي لـه من أمر الفصاحة، فيهيئُ بعضُها لبعضٍ، ويساند بعضُها بعضًا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، متساوقة معها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيًّا كان؛ فلا تَعْذُب ولا تُساغ، ربما كانت أَوْكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة؛ فإذا هي استُعْمِلَتْ في القرآن رأيت لها شأنًا عجيبًا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقًا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا . ")خرجت فيه كانت أعذب شء وأَرَقَّه ومصطفى صادق الرافعي إذ يؤكد هذه الخصيصة لم يفتأ يُقَدِّرم الشاهد تِلْوَ الآخَرِ على فإن الضمة ثقيلة فيها ـ "ما يذهب إليه، ومن ذلك إيراده للفظة: (النُّذُر). وفي ذلك يقول: أي لفظة النذر ـ لتواليها على النون والذال معًا، فضلا عن جَسْأَة هذا الحرف ـ صلابته أو صعوبة النطق به ـ ونُبُوِّره في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في ). (القمر ﮊﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮋ قولـه تعالى: فتأمل هذا التركيب، وأَنْعِمْ ثم أنعم على تأمله، وتَذَوَّقْ مواقعَ الحروف، وأَجْرِ حركاتهِا في حِسِّر السمع، وتأمَّلْ مواضع القلقلة في دال (لقد)، وفي الطاء من (بطشتنا)، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا)، مع الفصل بالمد... ثم رَدِّرد نظرك في الراء من(تماروا)، فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النذر)، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذا انتهى إليها من مثلها، فلا تجفو عليه ولا تغلظ، ثم اعْجَبْ لهذه الغُنَّة التي سبقت الطاء في . ")(أنذرهم)، وللغُنَّة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر ونرى سيد قطب لا يكتفي بالتلويح إلى احتواء النظم القرآني على الإيقاعية من باب . إعجاز القرآن والبلاغة النبوية / مصطفى صادق الرافعي ط)1( . المرجع السابق، ص)2( العلوم الإن 57
عدد الصفحات ٥٧وصفها السطحي؛ وإنما نلفيه في الكثير من المرات يقف وقفة المتأمل في هذه الخصيصة التي " امتاز بها القرآن، ومتتبعًا لأسرارها وحقائق تواجدها بشكلها المتميز، وهو لذلك يقول: فأما تنوع أسلوب الموسيقى وإيقاعها بتنوع الأجواء التي تُطْلَق فيها؛ فَلَدَيْنَا ما نعتمد عليه .")في الجزم بأنه يتبع نظامًا خاصًّا، وينسجم مع الجو العام باطِّرراد لا يَسْتَثْنِي وهو ـ أيضًا ـ يحاول الربط بين جو النص القرآني والإيقاع؛ فيرى بعد تفحصٍ وإمعانٍ أن ذلك الإيقاعَ ما هو إلا انعكاسٌ للجو العام الذي يطبع الخطاب الـمُدْرَج فيه، فهو يرى أن جو سورة (النازعات) أشبه بالزلزال الكبير الذي يُفقد كل شء توالزنه، وتترادف ذلك الجو سريع النبض، شديد "مزعجاته، فإذا القلوب مضطربة والأبصار كسيرة، الارتجاف، والذي ينسجم تمام الانسجام مع إيقاعها، حيث هذه المقطوعة سريعة الحركة، .")قصيرة الموجة، قوية المبنى ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮋ كما أنه يرى في قوله تعالى: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﮊﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ يرى فيه ذلك الجوَّ المفعم بالرعب والهول والفزع، والذي ينسجم تمام الانسجام مع إيقاع إن التكوين الموسيقي للجملة ليذهب طولا وعرضًا في عمقٍ " هذا المقطع القرآني، حيث وارتفاعٍ، ليشترك في رسم الهول العريض العميق، والمدات المتوالية المتنوعة في التكوين . ")اللفظي للآية تساعد في إكمال الإيقاع وتكوينه واتساقه مع جو المشهد الرهيب العميق ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮋومن ذلك أيضا ما ذكره الشيخ محمد الغزالي عند تفسير قوله تعالى: وكنتُ أسمع هذه الآيات من فم قارئ ندىِّر الصوت وقف على "إذ يقول: ﮊ ﭳ ﭴ . التصوير الفني في القرآن / سيد قطب . ط)1( . المرجع السابق، ص)2( . المرجع السابق، ص)3( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 58
عدد الصفحات ٥٨كلمة (مغلوب) وأطال مدَّ الواو ستّ حركات مليئة بالقهر والضراعة والاستنجاد، خُيِّرلَ إليَّ أنها امتلأت بآلام تسعة قرون ونصف من جهاد الدعوة وفشل الاستجابة، ونظرتُ )1(."حولي فرأيت الدموع تطفر من الأعين رقَّة لعبودية نوح واسغاثته إن هذا القرآن ـ في "ويشير الدكتور صبحي الصالح إلى الإعجاز في نغم القرآن بقوله: كل سورة منه وآية، وفي كل مقطع منه وفقرة، وفي كل مشهد منه وقصة، وفي كل مطلع منه وختام ـ يمتاز بأسلوب إيقاعي غنيٍّ بالموسيقى، مملوءٍ نغماً، حتى ليكون من الخطأ الشديد في هذا الباب أن نُفاضِلَ بين سورة وأخرى، أو نُوازِنَ بين مقطع ومقطع، لكننا حين نومئ إلى تفرُّد سورة منه بنسق خاص، إنما نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤكِّردها بالدليل، وندعمها بالشاهد، مؤكِّردين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته وسحر بيانه، إلا أنه متنوِّرعٌ تنوُّعَ موسيقى . ")الوجود في أنغامه وألحانه تكاد تستقل ـ بجرسها ونغمها " وعن اللفظة القرآنية يقول الدكتور صبحي الصالح: بتصوير لوحة كاملة؛ فيها اللون زاهيًا أو شاحبًا، وفيها الظل شفيفًا أو كثيفًا... وحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلما تستريح إلى خفة وقعها في ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮋ قوله تعالى: (التكوير).ﮊ ﮘ (آل عمران: ﮊﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮋوتقرأ قوله تعالى: تُصَوِّرر مشهد الإبعاد والتنحية، بكل ما يقع " زحزح"185 في هذا المشهد من أصوات.. وما أحسب شفتيك إلا منطبقتين استقباحًا واستهجانًا لحال ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮋ الكافر الذي يتجرع صديده ولا يكاد يسيغه، في قوله تعالى: . (إبراهيم)ﮊﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﮏ ﮐ ﮑ ﮋ ولا أحسبك إلا مستشعرًا عنف لفظة الكبكبة في قوله تعالى: نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم/ الشيخ محمد الغزالي..ـ ط )1( .2005 . مباحث في علوم القرآن / صبحي الصالح . ــــ القاهرة : مكتبة وهبة ،)2( العلوم الإن 59
عدد الصفحات ٥٩حتى لتكاد تتصور أولئك المجرمين يُكَبُّون على وجوههم ،)(الشعراء ﮊﮒ . ")أو على مناخرهم، ويُلْقَوْنَ إلقاءَ المهمَلين، فلا يقيم أحد لهم وزنًا أول ما يلاقيك " ويشير الدكتور محمد عبد الله دراز إلى التفرُّد في النظم الصوتي للقرآن قائلا: . ")ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره دع القارئ الـمُجَوِّرد يقرأ القرآن يرتِّرله حقَّ ترتيله نازلا " ويضيف الدكتور دراز: بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبِذْ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومَدَّاتها وغُنَّاتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم أَلْقِ سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جُرِّردَتْ تجريدًا وأُرْسِلَتْ ساذَجةً في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحنٍ غريب لا تجده في كلام آخرَ لو جُرِّردَ هذا . ")التجريد وجُوِّردَ هذا التجويد إن موسيقى القرآن وإيقاعه لا ينبعان من جرس الحروف والكلمات، ولا من تجانس الأصوات والتراكيب فحسب، بل من هذا التآزر بين الصوت والمعنى، بين الأنغام الخارجية والنغم الداخلي المنبعث من المعاني وظلالها المرهفة الباعثة على التأمل العميق والتدبر المتأني لكلماته وآياته، فترتعد لوَقْعِه القلوب، وتقشعر الجلود، ثم تلين وترقّ خاشعة لذكر الله، قال ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﮋ تعالى: ).(الزمر ﮊ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ . المرجع السابق، ص)1( . النبأ العظيم : نظرات جديدة في القرآن / محمد عبد الله دراز . ط)2( . المرجع السابق، ص)3( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 60
عدد الصفحات ٦٠ا ورعاية المعنى أودُّ هنا ـ بدايةً ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف الصالح، حيث أطلقوا على ، تمييزًا لها عن مصطلحات الشعر والنثر، "رءوس الآيات"نـهايات الآيات القرآنية تسمية ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفي النثر نقول: بداية الجملة ونـهايتها، فبداية الآية عندهم كنـهايتها: رأس، أي مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا يبط أبدًا، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قِمم يرقى القارئ إليها، وكلَّما مضى في القراءة اقرأ وارْقَ، ورتِّرل كما كنت ترتل في " ازداد رقيًّا، فهو صاعد أبدًا، حيث يقال لقارئ القرآن: .") الدنيا؛ فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها ومعلوم أن رءوس الآيات توقيفية، أي كما جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والملاحَظ في رءوس الآيات النغم الصوتي الذي يلفت الانتباه وتستريح له الأذن إلى حد يأخذ بالنَّفس، ولعله كان أحد الأسباب التي جعلت الوليد يقول بعد سماعه ، وهما من حِسِّر اللسان وحِسِّر الأذن. "إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة " القرآن الكريم: وإذا ما حاولنا الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات التي تُكَوِّرن هذه الفواصل بـهذا التناسق الصوتي المبدع، فإننا نلاحظ التالي: كثرة الحركات، وبخاصة الطويلة (حروف المد: الألف والواو والياء)، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام. كثرة ورود الصوامت المتوسطة (النون، الميم، الراء، الواو، الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي تسهم في خاصية التنغيم الشجيِّر بشكل واضح. يُدَعِّرمُ هذا ظواهرُ صوتيةٌ خاصَّةٌ بالقرآن كالـمَدِّر والغُنَّة، وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بـهذا التناسب الفريد في غير القرآن من فنون الشعر والنثر. أخرجه أحمد في مسنده)1( .)صحيح الترغيب والتهذيب: حسن صحيح العلوم الإن 61
عدد الصفحات ٦١هل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث يتوالى الكلام� المنثور على حرف واحد؛ ليكتسب النثر ضربًا من الموسيقى والنغم؟ أَمْ هو من قبيل القافية في الشعر؟ لا هذا ولا ذاك؛ فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال في والجواب: كلٍّ من السجع والقافية، فهي لا تلتزم شيئًا من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات القرآن على نمط، ثم تتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريا على نمط واحد، فأغلب ما تقوم عليه هو حرف المد كما في هذه الآيات: ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﮋ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ .( ق)ﮊ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره، ليس رعاية للتناسق الصوتي فقط، بل رعاية للمعنى أيضًا، وهذا هو الإعجاز. .(الفاتحة) ﮊﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮋ مثاله قول الله تعالى: أجابك اللغويون القدماء أصحاب الحس فاإن قلت: لم قدَّم العبادة على ال . وقال أبو "هو من تقديم العلة على المعلول" المرهف، وعلى رأسهم الزمخشري، حيث قال: . "هو من تقديم الأشرف " السعود: لماذا قدم الآخرة على الأولى؟ (الليل)، ﮊﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮋ وقوله تعالى: والجواب: أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها؛ فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن كذَّب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدَّق، فإذا ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظم القرآني المعجز. المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 62
عدد الصفحات ٦٢ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد؛ فالتقديم والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد. كذلك فإن الترتيب في تقديم الصفات الخاصة بالله تبارك وتعالى، أو الأنبياء ـ صلوات ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮋالله وسلامه عليهم ـ مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعالى: (سـبأ). ﮊﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮋ وقوله تعالى: (الحجرات).فقدم الرحمة في آية سبأ؛ لأنـها منشأ المغفرة. أما الغفور فتقدم في كلِّر ﮊﮫ ). موضعٍ في القرآن فيه ولو إشارةً إلى وقوع المعاصي وكفران النعم وإنَّ مـمَّـا يلفت الانتباهَ أن القرآن الكريم قد خلا من التنافر في بنية كلماته، فأصواته كلها قامت على الائتلاف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجلت كلمات القرآن الكريم قمة التناسق بين أصواتـها والمعانى المرادة لها، وهذا هو الجديد في الصوت القرآني: أن يُوَظَّف الصوت المفرد داخل الكلمة لخدمة المعنى المقصود، ومن ذلك كلمات: الصَّاخَّة، الطَّامَّة، القارعة، وكلُّها أسماء ليوم القيامة، وقد جاءت حروف الاستعلاء: الصاد في (الصَّاخَّة)، والطاء في (الطَّامَّة)، والقاف في ( القارعة )، وتلا كلا منها حرفُ المد ( الألف ) ليعطي أقصى مدًى من التفخيم. وفي هذا إشارة إلى أبلغ القوة والشدة والمفاجأ معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم لبيان الملامح الفارقة بين الألفاظ متقاربة المعنى والصيغ والأساليب )1( .المتشابهة / محمد محمد داود . ــــ القاهرة : دار غريب ، العلوم الإن 63
عدد الصفحات ٦٣ا يُقْصَدَ بإيحاء الصوت بالمعنى: أن يُوحِيَ جَرْسُ أصوات الكلمة بمعناها الذي رُصِدَ لها في المعجم، فيلتقي الجَرْسُ والعُرف عندئذ لا على مصادفةٍ ومحض اتفاق، ولكن انتقاء اللفظ ).يكون عن تعمُّد وحسن اختيار وإن من إعجاز القرآن وتفرُّده الرائع في الدلالة: ارتباط الصوت بمعانيه ارتباطًا وثيقًا. وقد تأكَّد لعلماء العربية أنّ الجانب الصوتي ركنٌ أساسي في بناء التعبير القرآنيّ في مواضع عدة من التنـزيل. وقد تنبَّه اللغويون القدماء إلى هذه الظاهرة الصوتية، فنقل ابن جني كأنهم توهموا في صوت الجُنْدُب استطالةً ومدًّا فقالوا: صرََّ، وتوهمَّوا في "عن الخليل قوله: ).صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صرَْ ، ساق فيه "باب في إمساس الألفاظِ أشباهَ المعاني "وعقد ابن جني لهذه الظاهرة بابًا أسماه: ما ذكره الخليل وسيبويه، ثم أورد أمثلة عديدة، نجتزئ منها بقوله: ، ونهَْجٌ مُتْلَئِبٌّ عند )فأمَّا مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسعٌ" عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سَمْتِ الأحداث المُعَبرَّ بها عنها فَيُعَدِّرلونها بها ويحتذونها عليها. وذلك أكثر مما نُقَدِّرره وأضعاف ما نستشعره، من ذلك قولهم: خضم، وقضم، فالخَضْمُ لأَكْلِ الرَّطْب، والقَضْمُ للصُلْبِ اليابس، فاختاروا الخاء لرخاوتها ).للرَّطْبِ، والقاف لصلابتها لليابس؛ حَذْوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث لكنَّ ما في القرآن الكريم من تجلياتٍ لهذه الظاهرة الصوتية أوسع بكثير مما ذكره ابن جني، فلقد فجَّر القرآن طاقات الصوت في العربية إلى أقصى مدًى، بحيث إننا نتخيَّل ـ بل نكاد نرى ـ المشهد المعبرََّ عنه إذا ما لامست أسماعَنا كلماتُه. . البيان في روائع القرآن / تمام حسان، مرجع سابق، ج)1( . الخصائص / ابن جنى، تحقيق محمد على النجار، ج)2( . المرجع السابق، ص)3( . المرجع السابق، ص)4( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 64
عدد الصفحات ٦٤ومن أمثلة ذلك: التكرار لبعض الأصوات بما يوحي بالتتابع، نحو قول الله تعا (الشعراء)، أي: سقط بعضهم فوق بعض، وتكرار ﮊﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮋ صَوْتيَ الكاف والباء ( كب. كب ) يوحي بهذا السقوط المتكرر. حيث دلَّ تكرار (الزلزلة)ﮊ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﮋ ومثل ذلك قوله تعالى: صوتي الزاي واللام على قوة الاضطراب والارتجاف. ﮁ ﮋومن ذلك: التشديد بعد قلب التاء حرفًا مجانسًا لما يليها، نحو قوله تعالى: ). (البقرةﮊ ﮂﮃ الأصل: تدارأتم، فقُلبت التاء دالا وأُدغمت في الدال التالية فنتج عن ذلك التشديد الذي يدل على حدة التنازع والتشاحن. ).(الأعرافﮊ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮋ ومثله قول الله جل ثناؤه: أصل الفعل (تداركوا)، وقُلبت التاء دالا وأُدغمت في الدال، فلما سُكِّرنت جيء بـهمزة الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم في النار متزاحمين بغير نظام، بل إن اشتمال التشديد على سكون فحركة يدل على أن تزاحمهم في النار جعل بعضهم يعوق بعضًا قبل أن يَترََدَّوْا فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة. ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮋ في قوله تعالى: " اثَّاقلتم " ومن هذا أيضًا ). (التوبةﮊﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ وذلك فيما يوحيه التفخيم من الإحساس بالمبالغة في الحدث أو الصفة، ومن ذلك قولـه ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﮋ تعالى: ﮊﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ).(فـاطر فكأن ارتفاع الصوت بالصراخ ومشاركتهم جميعًا فيه، وتكرار ذلك منهم لا يكفي أن يُعبرَّ عنه بالفعل المجرد (يصرخون)، فجاءت تاء الافتعال لتدل على المبالغة، وقُصِدَ لها أن العلوم الإن 65
عدد الصفحات ٦٥تجاور الصاد المطبقة فتتحول بالمجاورة إلى التفخيم فتصبح طاءً؛ ليكون في تفخيمها فَضْلُ مبالغةٍ في الفعل. أبلغ من (يصرخون)؛ للإشارة إلى أنهم يصرخون ﮊﯛ ﯜ ﮋوقوله تعالى: )صراخا منكرًا خارجًا عن الحدِّر المعتاد ﯔ ﯕ ﮋعن الفرق بين قوله تعالى: " الإتقان"ومن ذلك ما حكاه السيوطي في ، حيث ذكر "القتل أَنْفَى للقتل "(البقرة ﮊﯖ ﯗ عشرين وجهًا للفرق بينهما، ومن ذلك: أن في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة، وذلك مُسْتَكْرَه. سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعدها غُنَّة النون. اشتمال الآية على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد؛ إذ القاف من حروف الاستعلاء والإطباق، بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم للقاف، وكذا الخروج من الصاد إلى الخاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لبُعْد ما بين طرف اللسان وأقصى الحنك. سلامتها من لفظ (القتل) المُشعر بالوحشية، بخلاف لفظ (الحياة)، فإن الطباع أميل له )من لفظ (القتل (النجم). ﮊﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﮋ ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: و(ضيزى) تعني: جائرة ظالمة، لكن لفظ (ضيزى) جاء هنا ليحقق غرضين هما: رعاية الفاصلة التي غلبت فيها الألف المقصورة، والثاني: الإيحاء ـ بما في الضاد من تفخيم ـ إلى أن الجور في هذه القسمة لا مزيد عليه. ).(البقرة ﮊﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﮋ وقوله تعالى: . الإتقان/ السيوطى، تحقيق: د. محمد متولي منصور، ج)1( 174 : المرجع السابق، ص)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 66
عدد الصفحات ٦٦