المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 1432 – 2011 م 00

باحثون

صفحة ١٦ من ٢٦

وهو نظام يراعي أصل تكوين الأسرة البشرية من نفس واحدة . فلا يحرم امرأة و صغيراً لمجرد أنه امرأة أو صغير . لأنه مع رعايته للمصالح العملية - كما بينا في الفقرة الأولى - يرعى كذلك مبدأ الوحدة في النفس الواحدة . فلا يميز جنساً على جنس إلا بقدر أعبائه في التكافل العائلي والاجتماعي. وهو نظام يراعي طبيعة الفطرة الحية بصفة عامة وفطرة الإنسان بصفة خاصة . فيقدم الذرية في الإرث على الأصول وعلى بقية القرابة . لأن الجيل الناشىء هو أداة الامتداد وحفظ النوع . فهو أولى بالرعاية - من وجهة نظر الفطرة الحية - وهو نظام يتمشى مع طبيعة الفطرة كذلك في تلبية رغبة الكائن الحي - وبخاصة الإنسان - في أن لا تنقطع صلته بنسله وأن يمتد في هذا النسل . ومن ثم هذا النظام الذي يلبي هذه الرغبة ويطمئن الإنسان الذي بذل جهده في ادخار شء من ثمرة عمله إلى أن نسله لن يحرم من ثمرة هذا العمل وأن جهده سيرثه أهله من بعده . مما يدعوه إلى مضاعفة الجهد ومما يضمن للأمة النفع والفائدة - في مجموعها - من هذا الجهد المضاعف . مع عدم الإخلال بمبدأ التكافل الاجتماعي العام الصريح القوي في هذا النظام . وأخيراً فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المتجمعة على رأس كل جيل وإعادة توزيعها من جديد . فلا يدع مجالاً لتضخم الثروة فيتم والنفس به ; وتكدسها في أيد قليلة ثابتة ... وهذا التفتيت المستمر والتوزيع المتجدد راضية لأنه يماش فطرتها وحرصها وشحها! وهذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه · )النفس وتشريع الناس وبعد تأمّل طويل ... هدانا الله بحكمته وعلمه إلى أن هاتين الآيتين تضمّنتا إعجازًا تشريعيا بديعا وحكمة بالغة من الله الحكيم العليم .. فيما نرى -والله أعلم-، وهو : أن الذين خوطبوا بهاتين الآيتين أساسا على عهد زمن نزول الوحي : هم الرّجال خاصّة، لأنّ الأحكام التي تضمنتها آيات المواريث كانت لصالح النّساء ... ولذلك لم يكن الاعتراض منهنّ، بل كان الاعتراض من الرّجال لأنهّم رأوا أن حظهم من الميراث قد نقص .. لذلك ) 269/ سيد قطب : في ظلال القرآن)1( العلوم الإن 243

عدد الصفحات ٢٤٣

كانت عليهم شديدة، فخاطبهم الباري -عز وجل- بهذا الوعد وهذا الوعيد .. وهذا ما بيّنه وقال العوفي عن ابن عبّاس ... وذلك أنّه لما “ابن عبّاس -رضي الله عنه- : قال ابن كثير : نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها النّاس أو بعضهم، وقالوا : تعطى المرأة الرّبع أو الثمن، وتعطى الابنة النّصف، ويعطى الغلام الصغير، [ اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينساه، أو نقول له فيغيرّه، فقالوا : يارسول الله : تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصّبي الميراث وليس يغني شيئا، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون )1(”رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا“الميراث إلاّ لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر ولمّا استقرّت الأحكام وثبتت المقادير والأنصبة للورثة من الرّجال والنّساء .. رضي الرّجال بهذه الأحكام باعتبار أنّ قسمتها وتفصيلها كان من الباري -عز وجل- لأنّ شعار سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا {المؤمن من أحكام الله -عز وجل- هو : القبول والتسليم، لقوله تعا وَمَا كَانَ لمُِؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضىَ {[ }غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَْصِيرُ [ }الله ُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهَُمْ الخِْيرََةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ولكن يستدار الزّمان كهيئة يوم جاء هذا الدّين .. ويصبح الاعتراض من جهة النّساء لا الرّجال .. حيث نادت كثير من الجمعيات النسويّة في البلاد العربيّة والإسلاميّة بتغيير منظومة الميراث بدعوى أن الله -عز وجل- ظلم المرأة بعدم تسوية ميراثها بميراث الرّجل.. فيكون هذا الوعد والوعيد موجّه بصورة أدقّ في هذا الزمان إلى هؤلاء النسوة اللاّتي أنكرن لِلرِّرجَالِ نَصِيبٌ ممَِّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ {جميل خالقهنّ عندما سوّى بينهن في أصل الميراث، فقال ، }وَالأَْقْرَبُونَ وَلِلنِّرسَاءِ نَصِيبٌ ممَِّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ ممَِّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ولعلّ هذا من الإعجاز التشريعي في توالي هاتين الآيتين المتضمنتين للوعد والوعيد لآيتي الميراث- والله أعلم بالصواب - ) 213/ ابن كثير : تفسير ابن كث)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 244

عدد الصفحات ٢٤٤

• وفي الأخير نختم بهذه الكلمات التي تخ حقيق بمن علم أن الدنيا منقرضة وأن الرزايا قبل الغايات معترضة، “ - قال الماوردي وأن المال متروك لوارث ، أو مصاب بحادث ، أن يكون زهده فيه أقوى من رغبته ، وتركه له أكثر من طلبته ، فإن النجاة منها فوز ، والاسترسال فيها عجز ، أعاننا الله على العمل بما )213/الماوردي : الحاوي” نقول ، ووفقنا لحسن القبول إن شاء الله. الخاتمة بعد رحلتنا مع هذا البحث انتهينا اإلى النتائج الآتية 1 هو معقول المعنى، ظاهر القصد، جليّ الحكمة .. وذلك لدورانها حول موضوع المال الذي قنّنته الشريعة أحسن تقنين . 2 على أتمّ استعداد لما سيشرعه من أحكام جزئية وتفصيلية في هذه المنظومة العادلة للرّجال وللنّساء، وللأقوياء والضّعفاء، على حدّ سواء . 3 بالميراث من البعيد عنه فجاء ترتيب الورثة حسب هذا التسلسل العادل وفق هذه القواعد المنضبطة التي لا تحابي أحدًا على حساب آخر. 4 من غيره، ثمّ قدّم الدّين على الوصيّة لأنّه قد تعلقت به ذمّته،ثم قدّمت الوصيّة على الميراث حتّى يستدرك ما فاته من الخير والبرّ . 5 من الوالدين بأولادهم ، فلفت الله قلوب المؤمنين ليتيقنوا أن ما أوص به الله من قسمة العلوم الإن 245

عدد الصفحات ٢٤٥

المال هو الخير كلّه والنّفع كلّه، وما وراءه من قسمة فهي باطلة مرجوحة،وجاء التّعبير بلفظ « 6 هي حالة توازن وعدل بين أعباء الذكر المتعدّدة، وأعباء الأنثى المحدودة ، ولأن المنفق مترقب للنقص دائما، والمنفق عليه مترقّب للزيادة دائما، فراع الشّارع الحكيم في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة،ومن هنا يبدو العدل الرباني جليّا، كما يبدو التناسق البديع بين الغنم والعرم في هذا التّوزيع الحكيم العادل. 7 مدى احتياج الطرفين إلى المال: فالأبناء جاءوا إلى هذه الدّنيا وهم يستقبلون الحياة ومن ثمّ فاحتياجهم إلى المال كبير، بخلاف الآباء فإنهّم في الغالب يستدبرون الحياة ومن ثمّ فحاجتهم إلى المال أقل من حاجة أبنائهم . 8 من عدل الشرّيعة وقسطها، إذْ قد يصرف ما في يد الأب ويبقى نصيب الأم كما هو، وهذا فيه من حسن الشرّيعة ما فيه . 9 الإخوة لأم لأنهم يدلون إلى الميّت بواسطة الأمومة -الأنوثة- فلم يفضل ذكرهم ع أنثاهم، بخلاف غيرهم من الأبناء والأبوين والزّوجين والإخوة ، فإنهّم يدلون إلى الميّت بأنفسهم أو بالذكورة . 10 يقول لعباده بعد تشريعه لمنظومة الميراث أن الله : عليم بمصالحكم المالية التي من أجلها جمعتم هذا المال ونميتموه ، وإذا كان الأمر كذلك فاعلموا أن قسمته لهذا المال على مستحقيه من ورثتكم بعد هلاككم كانت وفق حلمه البالغ وحكمته العادلة، فسلّم له بالقسمة التي اختارها فيما تملك من مال سمعا وطاعة له فيما شرّع لأنّه هو المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 246

عدد الصفحات ٢٤٦

قائمة المصـادر والمراجـع التعريف في البداية ” ال“رتبنا قائمة المصادر والمراجع وفق الحروف الهجائيّة دون مراعاة مبتدئين بعنوان الكتاب. بيروت-. –1 1405 ( –بيروت– 2 بيروت–3 –4 )بيروت 5 6 7 8 1404( 9 10 العربي - بيروت 11 12 :)بيروت- ط– 13 1372( بيروت–14 1414( القاهرة–15 16 العلوم الإن 247

عدد الصفحات ٢٤٧

المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 1415 ( 7 بيروت– الكتب العلمية بيروت-.–18 بيروت–19 بيروت– 20 سوريا- ط–21 22 1405 : )2( 23 بيروت- ط– 24 الرّباط–25 المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 248

عدد الصفحات ٢٤٨

المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة اإعجاز القراآن في دللة الفطرة على الإيمان د ع

عدد الصفحات ٢٤٩

المقدمة الحمد لله فاطر السموات والأرض، فطر عباده على توحيده ومعرفته، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون، والصلاة والسلام على من أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد:- فقد عظم الإسلام أمر الفطرة وأعلى شأنها، حيث وصف الله تعالى في القرآن الكريم الدين بها، وأمر باتباعها وحذّر العباد من تغييرها مبينًا أن اتباعها هو سلوك للدين الذي ارتضاه الله وجعله مستقيماً قيِّرماً لجميع ما يحتاجه البشر في أمر دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ( ومن تعظيم الإسلام [ )ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ للفطرة أنه جعلها الأساس السابق لأي دليل شرعي أو عقلي. فرسالة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وشرائعهم مكملة للفطرة ومذكرة بها، وهذا ما بينه الله تعالى في كتابه وقوله [ )ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ (الكريم في مواضع عدّة، منها قوله تعالى: [ )ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ(تعالى: ٍٍِِ في هذا المعنى ~قال الإمام ابن تيمية لها، وتقويته وإمداده، ونفي المغير للفطرة، فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير ).الفطرة وتحويلها، والكمال يحصل بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة إن معرفة الله تعالى فطرية، والمراد بهذا أن كل إنسان يولد على صفة تقتضي إقراره بأن له خالقًا مدبرًا، وتستوجب معرفته إياه، وتألهّه له. وهذه الصفة ذاتها هي القوة المغروزة في ).348/ مجموع الفتاوى لابن تيمية)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 250

عدد الصفحات ٢٥٠

الإنسان، التي تقتضي اعتقاده للحق دون الباطل، وإرادته للنافع دون الضار، وإذا كان قد عُلم بالبراهين اليقينية القاطعة، أن وجود الخالق هو أعظم الحقائق، وأن معرفته والتألّه له ).أعظمُ المنافع، فإنه يتعين بذلك أن يكون في الفطرة ما يقتضيه معرفة الصانع والإيمان به والقرآن الكريم كلام رب العالمين يجلي هذه الحقيقة ويقررها بأبدع البيان، وأوضح البرهان، غير أنه مما يؤسف له إعراض بعض المسلمين عن هذه الحقائق الربانية، وإنكارهم لهذه المعرفة الفطرية. فجماهير المتكلمين على اختلاف طوائفهم يقررون أن معرفة الله نظرية، وأنها إنما تدرك بالنظر والاستدلال، ويجعلون الطريق إلى معرفته تعالى النظر، فأوجبوه على كل مكلف وجعلوا لهذا النظر طرقًا وأدلة كلامية وفلسفية صعبت على نُظَّارهم فضلاً عن عامة المسلمين، وقولهم يتناقض مع القول بفطرية معرفة الله، لأن المعارف الفطرية لا تحتاج إلى نظر واستدلال، وإنما تكون معلومة بالبداهة والفطرة. إن حديث القرآن الكريم عن هذه المعرفة الفطرية كافٍ شافٍ شامل لحقيقتها وبيان المراد منها، ولو رجعنا للقرآن الكريم بفهم سلفنا الصالح لوجدنا فيه غنية عن المناهج والمدارس الكلامية والفلسفية التي أشغلت المسلمين بمسائل لا تبني اليقين والإيمان بل تؤسس للشك والحيرة والاضطراب، ومما يؤسف له أن هذه المسائل والدلائل البدعية لا تزال تشغل حيزًا في مناهجنا التعليمية معرضة عن المنهج القرآني الرباني ذلكم الوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة التي أجريت على فئات مختلفة من الناس في مناطق متعددة وبواسطة علماء من جامعات أكاديمية مشهورة: (أن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هي إحدى النزعات العالمية الخالدة)، وقد سبقهم القرآن العظيم بتقرير هذه الحقيقة التي لا ينازع فيها إلا مكابر!. والله تعالى أسأل أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا وهادينا إلى الصراط المستقيم. ).458/ انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية)1( العلوم الإن 251

عدد الصفحات ٢٥١

المطلب الأول : الفطرة في لغة العرب الفطرة في لغة العرب تطلق على معانٍ متعدّدة تدور حول: الشق، والخلقة، والابتداء، ، )والاختراع، والخلق، والقبول. وشواهد هذه المعاني متوافر في معاجم اللغة العربية ، كما يشهد لبعض معان الفطرة آيات كثيرة في القرآن )وكتب غريب القرآن والحديث ) ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ(الكريم. فالفطرة بمعنى الشق، مثل قوله تعالى: ﮟ ﮠ ﮡ ([ (ال[ )ﮢ ﮣ ). إشارة إلى قبولها ما اقتضاه خلقه وإبداعه لها(منفطر به)[به فلم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في سورة الروم " فِعْلة"على وزن " فطرة"أما كلمة [(فطرت الله التي فطر النافي قوله تعالى: إلى أن أحدًا لم يستعمل هذه الكلمة قبل ورودها في القرآن، واستدلّ )ويذكر المطهري ، وذلك أن ابن عباس وهو حبر ”أنا فطرتها“مع الأعرابيين وفيه: {بحادثة ابن عباس الأمة وهو العربي القرش لم يعرف معنى هذه الكلمة من قبل سماع الأعرابي، فدلّ ذلك على أن هذه الكلمة لم يسبق لها أن استعملت قبل القرآن الكريم، ويمكن الاعتراض عليه بقول عنترة: و 330-325/418-417/ انظر: مادة (ف ط ر) في كتاب العين للفراهيدي)1( .)59-55/781/الصحاح للجوهري 457/ انظر: المفردات في غريب القرآن للأصبهاني: ص)2( .)300-299/الحديث لأبي عبيد ). انظر: المفردات في غريب القرآن للأصبهاني: ص)3( .) الفطرة للمطهري: ص)4( .)313/ انظر: لسان العرب)5( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 252

عدد الصفحات ٢٥٢

المطلب الثاني: أقوال علماء أهل السنة والجماعة في معنى الفطرة تعددت أقوال العلماء في بيان معنى الفطرة، وسأجمل ذكر أبرز هذه الأقوال دون ذكر أدلتها ومناقشتها طلبًا للاختصار. أنّ الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه إذا بلغ مبلغ القول الأول: المعرفة، وهي السلامة من المعرفة والإنكار أو الكفر والإيمان، وأبزر من نصر هذا القول ابن ، وغيرهم من العلماء.)، وتقي الدين السبكي)، وبه قال ابن الأث)عبدال الفطرة هي البداءة التي ابتدأ الله الخلق عليها من الحياة والموت والشقاء القول الثاني: .وممن قال )والسعادة، وكل ما سبق في علم الله مما يصيرون إليه عند البلوغ أو عند العاقبة ).، والإمام أحمد في إحدى الروايات عنه)بذلك من السلف: عبدالله بن المبارك بأن الفطرة هي ما فطر الله عليه بني آدم من الإنكار والمعرفة والكفر القول الثالث: والإيمان، وذلك حين أخذ من ذرية آدم الميثاق، وممن قال به: إسحاق بن راهويه، ).وصححه الأزهري القول بأن الفطرة هي الميثاق، الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم قبل أن القول الرابع: يخرجوا إلى الدنيا، فأقروا له جميعًا بالربوبية، ونسب هذا القول إلى الأوزاعي، وحماد بن ).سلمة، وحماد بن زيد، وغيرهم ).69-68/ انظر: التمهيد)1( .)457/ النهاية في غريب الحديث)2( .) كل مولود يولد على الفطرة، للسبكي: ص)3( .)78/ انظر: التمهيد)4( .)22/ انظر: غريب الحديث لأبي عبيد)5( انظر: شفاء العليل لابن القيم: ص)6( .)76/389/تركه الإمام، انظر: درء التعارض ).328/83/ انظر: التمهيد)7( .)91-90/ انظر: التمهيد)8( العلوم الإن 253

عدد الصفحات ٢٥٣

وقد ذكر ابن عبدالبر أن أصحاب هذا القول يفسرون الفطرة بمجموع أمرين: أخذ الميثاق يوم استخراج ذرية آدم من ظهره، ثم إخراجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على معرفة الله والإقرار بربوبيته، وحينئذٍ يكون هذا عين مذهب السلف، لا قولاً مستقلاً، كما . )ذكره أثناء عرض الأقوال في الفطرة وهو أن المراد بالفطرة: الإسلام، وهذا الذي عليه أكثر الصحابة القول الخام والتابعين، و غيره من علماء السلف، ومنهم: معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وابن عباس، والقاضي شريح، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن البصري، والباقر، وقتادة، وابن شهاب، وجعفر الصادق، ، وابن جرير، وأبو بكر الخلال، )، وأحمد بن حنبل، والبخاري)والأوزاعي، وحماد بن زيد ، )، وابن كث)، وابن القيم)، وابن تيمية)، والبيهقي)وأصحاب أبي حنيفة، وابن حزم وغيرهم.)، والشوكا)وابن حجر قال ابن عبدالبر: خلق الطفل سليماً من الكفر مؤمنًا مسلماً، على الميثاق الذي أخذه الله )..94-90/ انظر: التمهيد)1( 454/184-183/ انظر: تفسير ابن جرير)2( 72/377-367/8( .)312/للماوردي 454/ انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه)3( 184-183/1792/سورة الروم، باب لا تبديل لخلق ا ).377-367/8( .)104/ انظر: الإحكام لابن حزم)4( .) انظر: الاعتقاد للبيهقي: ص)5( 249-243/468-359/ انظر: مؤلفاته مثل: درء التعارض)6( 349-333/الكبرى 609-523/ انظر: مؤلفاته: كشفاء العليل: ص)7( .)323-320/ انظر: تفسير ابن كث)8( .)294/ انظر: فتح الباري، لابن حجر)9( .)224/ انظر: فتح القدير، للشوكا)10( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 254

عدد الصفحات ٢٥٤

.)على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم وهذه الخلقة على الإسلام والتوحيد هي الفطرة بمعناها الشرعي، ولهذا فسرها أئمة السلف بالإسلام، قال ابن عبدالبر: هو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل، وقد أجمعوا في قول الله عز وجل: [(فطرت الله التي فطر النا الإسلام... وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله ) [فطرت الله التي فطر الناعزوجل: وقال ابن حجر: الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة . ولهذا قال البخاري: الفطرة: الإسلام. قال ابن حجر: جزم المصنف )إلا الإسلام . وجزم به أيضًا كثير من الأئمة، كالطبري والبيهقي وأبي العباس )بأن الفطرة الإسلام القرطبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن أبي العز الحنفي وابن حجر ).والشوكاني وغيرهم ولا بدّ من تقرير أنه ليس المراد بقول السلف: ولد المولود على فطرة الإسلام: أنه حين خرج (والله اأخرجكم من بطون اأمهاتكم من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول: [ ل تعلمون فنفس فطرة المولود تستلزم الإقرار بالخالق ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ).ومقتضياته تحصل شيئًا بعد شء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض ).77/ التمهيد)1( .)72/ التمهيد)2( .)250/ فتح الباري)3( .)248/ فتح الباري)4( 676/40/ انظر: تفسير الطبري)5( 432/531/371/والنقل ).224/248/الطحاوية ص ).384-383/ انظر: درء التعارض)6( العلوم الإن 255

عدد الصفحات ٢٥٥

وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أن المراد بالفطرة على الإسلام خلق الطفل على معرفة الحق وإرادته بالقوة لا بالفعل، فكما يولد وفيه قوة النطق والعقل والفعل والمعرفة والإرادة حتى إذا قدر نطق بالفعل وعقل وفعل وعرف ما يلائمه من الأغذية والأشربة والمنافع وطلبه بمقتضى طبعه إلا لمانع من مرض ونحوه، فإنه كذلك يولد وفيه قوة معرفة الحق وإرادته، ثم تنمو فطرته بنموه حتى يعرف الإسلام ويريده بالفعل، ويطلبه ويؤثره بمقتضى طبعه وجبلته بحيث لو سلم المانع والمعارض وخلي وفطرته لكان بمقتضاها عارفًا بربه، موحدًا له محبًا له، ولا يحتاج في معرفة ربه ومحبته لسبب من خارج فطرته إلا في التذكير بما أودعه الله فيها من الحق أو تفصيله وتقويته وتكميله. قال ابن القيم: المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك، كما إذا خوطب الجائع بوصف الطعام والمغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكر ويحرك لكن لا يشترط ذلك لوجود الشهوة، فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته وإن كان ذلك مذكرًا ومحركًا . )ومزيلاً للمعارض المانع ﯟ ﯠ ﯡ (ومما يؤكد أن الله تعالى فطر عباده على توحيده ومعرفته قوله تعالى: ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ (، وقوله [ )ﯢ ﯣ قال ابن القيم: هذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم [ )ﭭ ﭮ بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له، ). ومحبة شرعه الذي هو العدل والمحض، وإيثاره على ما سواه و ).383/607/ أحكام أهل الذمة)1( .) شفاء العليل ص)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 256

عدد الصفحات ٢٥٦

المطلب الثالث: حقيقة الفطرة من خلال الأدلة القرآنية تقرر كثير من الأدلة الشرعية حقيقة معنى الفطرة وسأذكر أبرز وأجلى هذه الأدلة مركزًا على أدلة القرآن الكريم: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ (اأولً: قوله تعالى: [ )ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ وهذه الآية الكريمة تبين بكل مفرداتها على أن مقتضى الفطرة التي أمر الله تعالى بإقامة الوجه لها ولزومها هي الدين الحنيف الإسلام، وأن خلق الناس على هذا المقتضى سُنة مطردة لا تتبدل ولا تتغير. و ٍٍِِ في تفسير هذه الآية~ قال ابن كث) ﯔ ﯕ(* قوله: على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملّة إبراهيم الذي هداك لها وكملها له غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر ).خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره ). : المقصود به دينٌ معينّ فأل فيه للعهد، وهو دين الإسلام ) ﯖ( * قوله: : الحنف هو الميل، )ﯗ ﯘ(* قوله: الباطل أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق، أي عادلاً ومنقطعًا عن الشرك، كقوله تعالى: ).3( [ )ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ( ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ (ومن الآيات التي تشهد أن الحنيفية هي الإسلام قوله تعالى: ﮥ ﮦ (، وقوله: [ )ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ).320/ تفسير ابن كث)1( .)89/ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور)2( .)89/ المصدر السابق)3( العلوم الإن 257

عدد الصفحات ٢٥٧

ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ( [ )ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ومن الأحاديث الدالة على ذلك أيضًا [ )ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ )قوله صلى الله عليه وسلم: (( بعثت بالحنيفية السمحة أي: إن إقامة الوجه للدين حنيفًا هو فطرة الله التي فطر الناس (فطرت الله)* قوله: عليها، وذلك مأمور باتباعه إما صراحةً وإما تلميحًا، لأنها جاءت مضافة إلى الله إضافة مدح لا إضافة ذم، وفي هذا ما فيه من تشريفها وتوكيد تمامها وكمالها وتمام الدين المعبرّ بها ).عنه وكماله، وقد أمر نبيه بلزومها فعلم أنها الإسلام �( وقد جاء التنزيل بنحو هذا في قوله تعا ).[ونحن له عابدون ، وتصريح (فطرت الله): بيان لمعنى الإضافة في قوله: (فطر النا* قوله: بأن الله خلق الناس سالمة عقولهم مما ينافي الفطرة، وكون الإسلام هو الفطرة وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه أما ).أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية في (فطرت الله)وقد ذكر ابن عبدالبر إجماع أهل التأويل من السلف على أن المراد بـ : ذكر ابن كثير في تفسيره قولين هما:(ل تبديل لخلق الله). قوله: )الآية دين الإسلام أنه خبر بمعنى الطلب، ومعناه: لا تبدلوا خلق الله بإفساد الفطرة، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها. أنه خبر على بابه، ومعناه: أن الله تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، فلا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس ). أخرجه أحمد في مسنده برقم)1( 24/293/372/ انظر: الدرء لابن تيمية)2( .)200/453/الوجيز لابن عطية ).121/ انظر: تفسير البغوي)3( .)90/ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور)4( .)72/ انظر: التمهيد لابن عبد ال)5( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 258

عدد الصفحات ٢٥٨