استئناف ابتدائي، وهو جار مجرى النتيجة لحكم إيتاء أموال “- وقال ابن عاشور : اليتامى، ومجرى المقدمة لأحكام المواريث التي في قوله تعالى الآي ال أنهم كانوا قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشداء بالأموال، وحرمان الضعفاء، وإبقاءهم عالة على أشدائهم حتى يكونوا في مقادتهم، فكان الأولياء يمنعون عن محاجيرهم أموالهم، وكان أكبر العائلة يحرم إخوته من الميراث معه فكان أولئك لضعفهم يصبرون على الحرمان، ويقنعون بالعيش في ظلال أقاربهم، لأنهم إن نازعوهم طردوهم وحرموهم، فصاروا عالة على الناس.وأخص الناس بذلك النساء فإنهن يجدن ضعفا من أنفسهن، ويخشين عار الضيعة، ويتقين انحراف الأزواج، فيتخذن رضا أوليائهن عدة لهن من حوادث الدهر، فلما أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم، أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون.فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه مما ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم مما ترك الوالدان والأقربون، وذكر النساء }وَإِذَا حَضرََ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى {هناك تمهيدا لشرع الميراث، وقد تأيد ذلك بقوله [ الأبناء ذكورا، فلا ميراث للنساء لأنهم كانوا يقولون إنما يرث أموالنا من طاعن بالرمح، وضرب بالسيف ... فلما جاء الإسلام... شرع الله الميراث بالقرابة، وجعل للنساء حظوظا في ذلك فأتم الكلمة، وأسبغ النعمة، وأومأ إلى أن حكمة الميراث صرف المال إلى القرابة }وَلِلنِّرسَاءِ نَصِيبٌ ممَِّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ {بالولادة وما دونها.وقد كان قوله تعا أول إعطاء لحق الإرث للنساء في العرب.ولكون هذه الآية كالمقدمة جاءت بإجمال الحق والنصيب في الميراث وتلاه تفصيله، لقصد تهيئة النفوس، وحكمة ورود الأحكام المراد بيان لما ترك لقصد }ممَِّا تَرَكَ {نسخها إلى أثقل لتسكن النفوس إليها بالتدريج... وقوله تعميم ما ترك الوالدان والأقربون وتنصيص على أن الحق متعلق بكل جزء من المال، حتى العلوم الإن 195
عدد الصفحات ١٩٥...ومعنى كونه مفروضا أنه مع {نَصِيباً مَفْرُوضاً }لا يستأثر بعضهم بشيء.. وقوله المقدار لكل صنف من الرجال والنساء ... وهذا أوضح دليل على أن المقصود بهذه الآية )) 1(( ”تشريع المواريث ولم يحدد النصيب بعد هذه الآية مباشرة إلا بعد ما جاء بحكاية “ - وقال الشعراوي : اليتامى وتحذير الناس من أكل مال اليتيم ، لماذا؟ لأن ذلك يربي في النفس الاشتياق للحكم، وحين تستشرف النفس إلى تفصيل الحكم ، ويأتي بعد طلب النفس له ، فإنه يتمكن منها . والشيء حين تطلبه النفس تكون مهيأة لاستقباله ، لكن حينما يعرض الأمر بدون طلب ، ) )2(( “فالنفس تقبله مرة وتعرض عنه مرة أخرى ...وفائدته دفع توهم اختصاص بعض {ممَِّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ }قوله“ - وقال الألوسي : الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال ، وبهذا يرد على الإمامية لأنهم يخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس البدني بدون عوض عند أكثرهم ، وهذا من الغريب كعدم توريث الزوجة من العقار مع أن الآية مفيدة أن لاَ يُغَادِرُ }لكل من الفريقين حقاً من كل ما جل ودق ، وتقديم القليل على الكثير من باب ) )3(( ”[ {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ...وهكذا كان المنهج الرباني ينسخ معالم الجاهلية في النفوس ” - وقال سيد قطب : ويمحو سمات الجاهلية في وجه المجتمع ويثبت ملامح ; والمجتمعات ويثبت معالم الإسلام الإسلام . وهكذا كان يصوغ المجتمع الجديد ومشاعره وتقاليده وشرائعه وقوانينه في ظلال تقوى الله ورقابته ويجعلها الضمان الأخير لتنفيذ التشريع... ولقد كانوا في الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصبية - في الغالب - إلا التافه القليل. لأن هؤلاء وهؤلاء لا يركبون فرساً ولا يردون عادياً! فإذا شريعة الله تجعل الميراث - في أصله - ) 250-247/ ابن عاشور : التحرير والتنوير)1( )1377/ الشعراوي : تفسير الشعراوي)2( )211/ الألوسي : تفسبرالألو)3( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 196
عدد الصفحات ١٩٦حقاً لذوي القربى جميعاً - حسب مراتبهم وأنصبتهم المبينة فيما بعد - وذلك تمشياً مع نظرية الإسلام في التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة وفي التكافل الإنساني العام ... لما كان الأمر كذلك جعل الإسلام التكافل في محيط الأسرة هو حجر الأساس في بناء التكافل الاجتماعي العام . وجعل الإرث مظهراً من مظاهر ذلك التكافل في محيط الأسرة . فوق ما له من وظائف أخرى في النظام الاقتصادي والاجتماعي العام ... لأن التكافل في محيط الأسرة أو في محيط الجماعة الصغيرة يخلق مشاعر لطيفة رحيمة تنمو حولها فضائل التعاون والتجاوب نمواً طبيعياً غير مصطنع ... فشعور الفرد بأن جهده الشخصي سيعود أثره على ذوي قرابته - وبخاصة ذريته - يحفزه إلى مضاعفة الجهد فيكون نتاجه للجماعة عن طريق غير مباشر . لأن الإسلام لا يقيم الفواصل بين الفرد والجماعة . فكل ما يملك الفرد هو في النهاية ملك للجماعة كلها عندما تحتاج . . وهذه القاعدة الأخيرة تقضي على كل الاعتراضات السطحية على توريث من لم يتعب ولم يبذل جهداً - كما يقال! -...ثم إن العلاقة بين المورث والوارث - وبخاصة الذرية - ليست مقصورة على المال . فإذا نحن قطعنا وراثة المال فما نحن بمستطيعين أن نقطع الوشائج الأخرى والوراثات الأخرى بينهما. إن الوالدين والأجداد والأقرباء عامة لا يورثون أبناءهم وأحفادهم وأقاربهم المال وحده . إنما يورثونهم كذلك الاستعدادات الخيرة والشريرة والاستعدادات الوراثية للمرض والصحة والانحراف والاستقامة والحسن والقبح والذكاء والغباء . . إلخ . وهذه الصفات تلاحق الوارثين وتؤثر في حياتهم ولا تتركهم من عقابيلها أبداً . فمن العدل إذن أن يورثوهم المال . وهم لا يعفونهم من المرض والانحراف والغباء . ولا تملك الدولة - بكل وسائلها - أن تعفيهم من هذه الوراثات .من أجل هذه الواقعيات الفطرية والعملية في الحياة البشرية - ومن للرجال {أجل غيرها وهو كثير من المصالح الاجتماعية الأخرى - شرع الله قاعدة الإرث نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه ..هذا هو المبدأ العام الذي أعطى الإسلام به}أو كثر نصيباً مفروضاً عشر قرناً حق الإرث كالرجال - من ناحية المبدأ - لأن الجاهلية كانت تنظر إلى الأفراد حسب قيمتهم العملية في الحرب والإنتاج . أما الإسلام فجاء بمنهجه الرباني ينظر إ العلوم الإن 197
عدد الصفحات ١٩٧))1((“الإنسان بعد هذا العر 1 هذه عادة عندهم ، ومخالفة العادات عند الخلق دفعة واحدة يشق ويثقل على النفوس، وإذا كان على التدرج فإنّه يسهل عليها، فلكي ينقلهم ويصرفهم الله -عز وجل- عن هذه العادة التي ألفوها، تدرّج بهم، فأجمل الكلام عن الميراث ثم فصله فيما بعد. 2 وأنصبته المختلفة ، وإبطالا لذلك الحكم المعكوس والرّأي الفاسد ـ من استبداد الكبار الأقوياء بالمال دون الصّغار الضعاف ـ ، وتهيئة للنّفوس لإنفاذ حقّ الميراث للنّساء على حد سواء مع الرجال ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا. 3 الشوق إلى الحكم وإلى التّكليف، فالشيّء الذي تستشرفه النّفس وتطلبه تكون مهيّأة لاستقباله، أمّا إن عرض عليها دون طلب أو شوق فقد تقبله مرّة وتُعرض عنه مرّة أخرى، فلأجل تنمية هذا الشوق لفريضة الميراث أجمل الله حكمه في بداية تشريعه. 4 فحسب .. إذْ أنّ الوالدين والأجداد والأقرباء عامة لا يورثون أبناءهم وأحفادهم المال وحده، إنّما يورثونهم كذلك الاستعدادات الخيرّة والشريرة، والاستعداد الوراثية للمرض والصحّة، والانحراف والاستقامة، والحسن والقبح، والذّكاء والغباء .. فمن العدل إذن أن يورثوهم جميعا المال ـ بما في ذلك النساء ـ كما ورثوهم جميعا تلك الاستعداد المختلفة، يدلّ على عدم اختصاص ” مما قلّ منه أو كثر “وهذا مما أومأ الله إليه بهذا الإجمال ، وقوله : ) 258-257/ سيد قطب : في ظلال القرآن)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 198
عدد الصفحات ١٩٨بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب والعقار والأراضي فإنهّا في نظر البعض مقصورة على الرّجال فقط .. وكذا حلية الميّتة من الذهب والفضة مخصوصة بالنّساء دون الرّجال .. فللرّجال والنّساء الحق في الأخذ من كل ما جلّ ودقّ أو كثر وقلّ ممّا ترك الميّت على حدّ سواء. • إنّ الحكمة تقتضى أن الضعيف أولى بالميراث من الغنّى، وهذا واإجمال نقول :· عكس ما كان عليه الحال على عهد الجاهلية العمياء، فجاء نور الإسلام فأعطى كلّ ذي حقٍّ حقه بصورة عادلة لا يشوبها أدنى ظلم أو ضيم، وعليه أجمل الله -عز وجل- الكلام عن الميراث في هذه الآية تمهيدا وتهيئة لنفوس أولئك الصّفوة من المؤمنين حتّى يكونوا على أتمّ استعداد لما سيشرعه من أحكام جزئية وتفصيلية في هذه المنظومة العادلة للرّجال وللنّساء، وللكبار، وللصّغار، وللأقوياء والضّعفاء، ممّا “على حدّ سواء..تنفيدًا لقاعدة شعار الإسلام في ذلك قوله -جلّ في علاه- : لا يرث أموالنا “، وتفنيدًا لقاعدة شعار الجاهليّة : ”قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا .. نعم ! ذاك هو بيان الله الشافي، وكلمته “ إلاّ من طاعن بالرّمح وضرب بالسّيف الماضية ، وحكمه النافذ .. في عباده وخلقه إلى يوم بعثهم العلوم الإن 199
عدد الصفحات ١٩٩الفرع الثالث: الحكمة في مجيء اآيات الميراث الثلاث بهذا الترتيب وهذا التوالي اقتضت حكمة الله ـ عز وجل ـ أن رتب آيات الميراث في سورة النساء وفق ترتيب الورثة ، وذلك باعتبار مدى القرب أو البعد من مورثهم ، فبدأ بالقريب وانتهى بالبعيد ، وقد ذكر العلماء عدة لطائف في ذلك منها : - قال ابن العر سورة النساء من شأن الفرائض نزلت في الولد والوالد ، والآية الثانية أنزلها الله سبحانه في الزوج والزوجة والإخوة من الأم ، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها الله سبحانه في ذوي الأرحام ، وما ) )1(( ”جرت الرحم من العصبة - وقال الرازي وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة ، فان اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون هو النسب أو الزوجية ، فحصل هاهنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب ، وذلك هو قرابة الولادة ، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم. وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية ، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي ، والذاتي أشرف من العرضي ، وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة ، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه : أحدها : أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية ، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية. وثانيها : أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة ، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة. ) . 519 / ابن العربي : أحكام القرآن)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 200
عدد الصفحات ٢٠٠وثالثها : أن مخالطة الانسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة. وكثرة المخالطة مظنة الألفة والشفقة ، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم ، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين ) )1((“الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات - وقال ابن حجر فالابن أولى من الأب وان فرض له معه السدس وهو أولى من الإخوة وبنيهم لأنهم ينتسبون بالمشاركة في الأبوة والجدودة ، والأب أولى من الإخوة ومن الجد لأنهم به ينتسبون فيسقطون مع وجوده ، والجد أولى من بني الإخوة لأنه كالأب معهم ومن العمومة لأنهم به ينتسبون ، والإخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم لأن تعصيب الإخوة بالأبوة ، والعمومة · ) )2((“بالجدودة .. هذا ترتيبهم وهم يختلفون في القرب فالأقرب أو وبهذا يتجلىّ أن ترتيب الورثة كان مبنيًا على أساس حكمة بالغة ونظر دقيق : فالقريب إلى الميّت أولى بالميراث من البعيد عنه، ومن انتسب إلى القريب من الميّت كان أولى بالميراث ممّن انتسب إلى البعيد منه، وكل من أدلى إلى الميّت بواسطة فإنّ تلك الواسطة أولى بالميراث منه.. فالوارث يتصل بالميّت من ثلاث جهات : أشرفها وأعلاها جهة النّسب والقرابة ويدخل فيها الأولاد والوالدان، وثانيها : جهة الزوجية، وهي متأخرة عن الجهة السابقة في الشرف والعلوّ، لأنّ الأولى ذاتية، أمّا هذه فهي عرضيّة ، والذّاتي أشرف من العرضي .. وثالثها : جهة الواسطة بالغير والمسماّة بالكلالة .. وقد جاءت بهذا الترتيب : لأن الأولاد والوالدين والأزواج لا يعرض لهم السّقوط بالكليّة، وينتسبون إلى الميّت بغير واسطة، بخلاف الكلالة فإنّه يعرض لها السقوط بالكليّة، وتنسب إلى الميّت بواسطة .. وزيادة على هذا أنّ مخالطة الإنسان بالأولاد والوالدين والأزواج أكثر وأتمّ من مخالطته بالغير وهم الكلالة .. وكما هو معلوم أنّ كثرة المخالطة مظنّة الألفة والشّفقة، فكان اهتمام الشارع الحكيم بأحوال القسم الأول والثّاني أكثر من القسم الثالث، وهكذا يجري ترتيب الورثة والعصبة حسب هذا التسلسل العادل وفق هذه القواعد المنضبطة التي لا تحابي أحدًا على حساب آخر. ) . 227/ الرازي: التفسير الكب)1( . )35/ ابن حجر : فتح الباري)2( العلوم الإن 201
عدد الصفحات ٢٠١الفرع الرابع : الحكمة في مجيء الحقوق المتعلقة بالتركة بهذا الترتيب كانت من حكمة الله -عز وجل- اأن رتب الحقوق المتعلقة بالترّكة ترتيبا بديعا اأي 1 ترتيب حروف لفظة قال علماؤنا : هذا فصل }مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصيِ بهَِا أَوْ دَيْنٍ { - قال ابن العر عظيم من فصول الفرائض ، وأصل عظيم من أصول الشريعة ؛ وذلك أن الله سبحانه جعل المال قواما للخلق ؛ ويسر لهم السبب إلى جمعه بوجوه متعبة ، ومعان عسيرة ، وركب في جبلاتهم الإكثار منه والزيادة على القوت الكافي المبلغ إلى المقصود ، وهو تاركه بالموت يقينا، ومخلفه لغيره ، فمن رفق الخالق بالخلق صرفه عند فراق الدنيا ؛ إبقاء على العبدوتخفيفا من حسرته على أربعة أوجه : الأول : ما يحتاج اإليه من كفنه وجهازه اإلى قبره . الثاني : ما تبراأ به ذمته من دينه . الثالث : ما يتقرب به اإلى الله من خير لي . الرابع : ما ي فأما الأول فإنما قدم ؛ لأنه أولى بماله من غيره ، ولأن حاجته الماسة في الحال متقدمة على دينه ، وقد كان في حياته لا سبيل لقرابته إلى قوته ولباسه ، وكذلك في كفنه . وأما تقديم الدين فلأن ذمته مرتهنة بدينه ، وفرض الدين أولى من فعل الخير الذي يتقرب به . فأما تقديم الصدقة على الميراث في بعض المال ففيه مصلحة شرعية وإيالة دينية ؛ لأنه المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 202
عدد الصفحات ٢٠٢لو منع جميعه لفاته باب من البر عظيم ، ولو سلط عليه لما أبقى لورثته بالصدقة منه شيئا لأكثر الوارثين أو بعضهم ؛ فقسم الله سبحانه بحكمته المال وأعطى الخلق ثلث أموالهم في آخر أعمارهم ، وأبقى سائر المال للورثة ...فظهرت المسألة قولا ومعنى وتبينت )) 1(( ”حكمة وحك أن الكفنَ مقدَّم على الميراث، وعلى الدَّيْن ...فكما أن كِسوته فى “ - وقال ابن القيم : الحياة مقدَّمة على قضاء دَينه، فكذلك بعد الممات، هذا كلامُ الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا )) 2(( ”يُعَوَّلُ عليه • فالحكمة من تقديم حقّ الكفن والتّجهيز لأنّه أولى بماله من غيره، ومادامت حاجته ماسّة إليه، فهي متقدّمة على الدّين بعد وفاته كما كانت متقدّمة عليه حال حياته، ثمّ قدّم الدّين على الوصيّة لأنّه قد تعلقت به ذمّته، وصرف المال للمداينين مقدّم على صرفه في أبواب الخير الأخرى، رعاية لحقّ الآدميين في استرجاع مالهم، ثم قدّمت الوصيّة على الميراث حتّى يستدرك ما فاته من الخير والبرّ حال حياته يشرط أن تكون في حدود ثلث المال، حتى ينفع نفسه ولا يؤذي غيره .. وما بقي من مال فهو حقّ خالص للورثة يقسّم بينهم كما أراد الله وحكم ، قال ابن العر فتولى الله سبحانه قسمها بعلمه ، وأنفذ فيها حكمته بحكمه ، وكشف لكل ذي حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم ، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ) )ومصلحتكم ، والله أعلم ـ بقي أن نشير إلى أن القرآن الكريم عند كلامه عن الدّين والوصيّة، قد قدّم الوصيّة ـ وقد تقرّر أن الدّين مقدّم }مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصيِ بهَِا أَوْ دَيْنٍ {وأخّر الدّين، فقال تعا على الوصيّة كما مرّ عرضه ـ فما السرّ في ذلك ؟ ذكر العلماء عدّة حكم بالغة في هذا التقديم، نذكر منها الآتي : ) 342-341 / ابن العربي : أحكام القرآن)1( )241-240/ ابن القيم : زاد المعاد)2( )345/ ابن العربي : أحكام القرآن)3( العلوم الإن 203
عدد الصفحات ٢٠٣فإن قيل : فما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين ، والدين“ - قال ابن العربي : مقدم عليها ؟ قلنا ؛ في ذلك خمسة أوجه : لا توجب ترتيبا ، إنما توجب تفصيلا ، فكأنه قال : من بعد أحدهما “ أو “ أن الأول : “ أو من بعدهما ، ولو ذكرهما بحرف الواو لأوهم الجمع والتشريك ؛ فكان ذكرهما بحرف المقتضي التفصيل أولى .“ أو أنه قدم الوصية ؛ لأن تسببها من قبل نفسه ، والدين ثابت مؤدى ذكره أم لم يذكره الثاني : أن وجود الوصية أكثر من وجود الدين ؛ فقدم في الذكر ما يقع غالبا في الوجود . الثالث : أنه ذكر الوصية ، لأنه أمر مشكل ، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله أم لا ؟ لأن الرابع : الدين كان ابتداء تاما مشهورا أنه لا بد منه ، فقدم المشكل ؛ لأنه أهم في البيان . أن الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصور ، فلما ضعفها الخام النسخ قويت بتقديم الذكر ؛ وذكرهما معا كان يقتضي أن تتعلق الوصية بجميع المال تعلق الدين.لكن الوصية خصصت ببعض المال ؛ لأنها لو جازت في جميع المال لاستغرقته ولم يوجد ميراث ؛ فخصصها الشرع ببعض المال ؛ بخلاف الدين ، فإنه أمر ينشئه بمقاصد صحيحة في الصحة والمرض ، بينة المناحي في كل حال ؛ يعم تعلقها بالمال كله .ولما قام الدليل وظهر المعنى في تخصيص الوصية ببعض المال قدرت ذلك الشريعة بالثلث ، وبينت المعنى المشار إليه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سعد ؛ قال سعد للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، لي مال ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأ تصدق بثلثي الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك {مالي، إلى أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم فظهرت المسألة قولا ومعنى وتبينت }أغنياءخير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) )1(( ”حكمة وحك “ - وقال الجصاص لا توجب الترتيب وإنما هي لأحد شيئين فكأنه قيل من بعد أحد هذين وقد روي عن ” أو ) 82/ الجصاص : أحكام القرآن)1( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 204
عدد الصفحات ٢٠٤على كرم الله وجهه أنه قال ذكر الله الوصية قبل الدين وهي بعده يعني أنها مقدمة في اللفظ )) 1(( “مؤخرة في المعنى أجمع العلماء سلفًا }مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصيِ بهَِا أَوْ دَيْنٍ {- وقال ابن كث وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وأصحاب التفاسير، من حديث أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن على بن أبي طالب -رضي الله عنه - قال: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم }مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصيِ بهَِا أَوْ دَيْنٍ {إنكم تقرءون )) 2((“قضى بالدين قبل الوصية وإخراج الدين لا شك }مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصيِ بهَِا أَوْ دَيْنٍ { وقال السهي قبل إخراج الوصية وبعد الكفن لأن الغرماء في حياته لم يكن لهم سبيل على كفنه وما يجهز به وبدئ به في العمل قبل الوصية لأن أداءه فرض والفرض مقدم على الندب .. فإن قيل: لم بدأ الله بالوصية قبل ذكر الدين ؟ قلنا : في حكم البلاغة أن يقدم ما يجب الاعتناء بشرحه وبيانه ، وأداء الدين معلوم وأمره بين لأنه حق للغرماء ومنعهم منه ظلم ظاهر فبدأ بما يحتاج إلى بيانه . ووجه آخر وهو : أن الوصية طاعة وخير وبر يفعله الميت والدين إنما هو لمنفعة نفسه وهو مذموم في غالب أحواله وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه و سلم من الكفر والدين فبدأ بالأفضل وما يقدم في ترتيب الكلام فقد يكون لقبلية الفضل نحو قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحو قوله من النبيين والصديقيين وقد يكون لقبلية الزمان نحو قوله نوحا وإبراهيم وقد يكون لقبلية الترتيب نحو تقديم اليهود على النصارى في الذكر لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين في الدار وقد يكون تقديمهم في اللفظ لقبلية الزمان لأن التوراة قبل الإنجيل وموسى قبل عيسى وقد يكون تقديم الصلاة قبل الزكاة من قبلية الرتبة لأنها حق البدن والزكاة حق المال والبدن في الرتبة قبل المال .. فاجعل هذه القبليات أصلا في معرفة الحكمة والإعجاز في كتاب الله فإنه لا تقدم فيه صفة على أخرى ولا شء على شء ) 344/ ابن العربي : أحكام القرآن)1( )215/ ابن كثير : تفسيرابن كث)2( العلوم الإن 205
عدد الصفحات ٢٠٥إلا بقبلية من هذه القبليات فترتب الألفاظ في اللسان على حسب ترتيب المعاني في الجنان )) فتدبره والله المستعان - وقال ابن عاشور بعدها تتميما لما يتعين تقديمه على الميراث مع علم السامعين أن الدين يتقدم على الوصية أيضا لأنه حق سابق في مال الميت، لأن المدين موقع }أو دين {لا يملك من ماله إلا ما هو فاضل عن دين دائنه. فموقع عطف )) الاحتراس، ولأجل هذا الاهتمام كرر الله هذا القيد أربع مرات في هذه الآيات )) - وقال الزرقا لا يفيد الترتيب وإنّما يفيد }أودين{ ممّا سبق عرضه يتبينّ أن حرف التّفصيل والاحتراس، وقد قدّمت الوصية على الدّين في هذا السّياق القرآني لفظا لا معنى للتّنبيه على أهميتها والتأكيد على تنفيذها وبيانها وإيصالها لأهلها .. ففي حكم البلاغة أنّه يقدّم ما يجب الاعتناء بشرحه وبيانه على غيره، فالوصيّة في حاجة إلى شرح وبيان وتفصيل، أمّا الدين فمعلوم وبينّ .. فبدأ بما يحتاج إلى بيان وتفصيل .. وكذا أن الباري -عز وجل- علم أنّ أداء الوصية سيكون شاقًا على الورثة، لأنهّا تؤخذ من غير عوض، فأولاها الاهتمام بهذا التقديم ، ولأنّ الدّين عادة له أصحابه يطالبون به، بخلاف الوصيّة فقد لا يسمع بها أصحابها .. فجاء هذا التّقديم ليقرع أسماع الورثة على وجوب تأدية وصيّة ميّتهم على الوجه الذي سمعوه منه، تأديّة للأمانة ووفاء للعهد والميثاق. ) السهيلي : الفرائض)1( . )361/ ابن عاشور : التحرير والتنوير)2( . )414/ الزرقاني :شرح الزرقا)3( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 206
عدد الصفحات ٢٠٦الفرع الخام الميراث بلفظ .. وهي المرّة الوحيدة في ( يوعز وجل- آية المواريث الأولى بقوله –صدّر الله القرآن الكريم كلّه أنّه سبحانه وتعالى يوصي الآباء بالأبناء، إذ الغالب أنّه يوصي الأبناء وقد ابالآباء وقد كرّر ذلك مرارًا في العديد من آيات القرآن .. الحكم لهذا الت أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل }يُوصِيكُمُ اللهُ { - قال ابن كث الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أنه تعالى أرحم }يُوصِيكُمُ اللهُ {أصل الميراث... وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعا بخلقه من الوالد بولده، حيث أوص الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء عليه السلام- امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما – في الحديث الصحيح : وقد رأى وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: « ) )« - وقال ابن حجر في أولادكم ) )2((“أنه الذي أوص بهم إشارة إلى أنه أرحم بهم من أبائهم فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم ... وعدل عن }يوصيكم{قوله“ - وقال الألوسي : )) 3(( “الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام وطلب الحصول بسرعة ) 213/ ابن كثير : تفسيرابن كث)1( ) 4 -3/ ابن حجر : فتح الباري)2( )211/ الألوسي : تفسبر الألو)3( العلوم الإن 207
عدد الصفحات ٢٠٧}يوصيكم{ومن الاهتمام بهذه الأحكام تصدير تشريعها بقوله“ - وقال ابن عاشور : لأن الوصاية هي الأمر بما فيه المأمور وفيه اهتمام الآمر لشدة صلاحه ولذلك سمي ما يعهد ) 1(“به الإنسان فيما يصنع بأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت وصية ... ونعم الرب خالقنا؛ إنه يوصينا في أولادنا ، سبحانه رب “ - وقال الشعراوي : يُوصِيكُمُ الله في {العرش العظيم ، كأننا عند ربنا أحب منا عند أبائنا . وقوله الكريم توضح أنه رحيم بنا ويحب لنا الخير . ومادة الوصية إذا ما استقرأناها في القرآن }أَوْلاَدِكُمْ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ {نجد - بالاستقراء - أن مادة الوصية مصحوبة بالباء ، فقال سبحانه }شرََعَ لَكُم مِّرنَ الدين مَا وص بِهِ نُوحاً {[ }لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حمََلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ {[ [ فكأن الوصية مغروسة}يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ {عندما وصّ الآباء على الأبناء قال )) 2(( “ومثبتة في الأولاد ، فكلما رأيت الظرف وهو الولد ذكرت الوصية - وقال سيد قطب فتدل هذه الوصية على أنه - سبحانه - أرحم وأبر وأعدل من ; للوالدين في أولادهم فهو الذي يحكم ; كما تدل على أن هذا النظام كله مرده إلى الله سبحانه; الوالدين مع أولادهم بين الوالدين وأولادهم وبين الأقرباء وأقاربهم . وليس لهم إلا أن يتلقوا منه سبحانه وأن ينفذوا وصيته وحكمه . . وأن هذا هو معنى يفرض وهو الذي يقسم الميراث بين الناس - كما أنه هو الذي يوصي ويفرض في كل شء وكما أنه هو الذي يقسم الأرزاق جملة - ومن عند الله ترد التنظيمات والشرائع والقوانين وعن الله يتلقى الناس في أخص شؤون حياتهم - وهو توزيع أموالهم وتركاتهم بين ذريتهم وأولادهم - وهذا هو الدين . فليس هناك دين للناس إذا لم يتلقوا في شؤون حياتهم كلها ) 256/ ابن عاشور : التحرير والتنوير)1( )1380/ الشعراوي : تفسير الشعراوي)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 208
عدد الصفحات ٢٠٨وليس هناك إسلام إذا هم تلقوا في أي أمر من هذه الأمور - جل أو حقر; من الله وحده من مصدر آخر... وإن ما يوصي به الله ويفرضه ويحكم به في حياة الناس... لهو أبر بالناس وأنفع لهم مما يقسمونه هم لأنفسهم ويختارونه لذرياتهم . . فليس للناس أن يقولوا : إنما نختار لأنفسنا . وإنما نحن أعرف بمصالحنا . . فهذا - فوق أنه باطل - هو في الوقت ذاته ) )1(( ”توقح وتبجح وتعالم على الله وادعاء لا يزعمه إلا متوقح جهول مما· تتمثل في الآتي يدلّ على أنّ الله هو الذي يوصي ويفرض ويقسّم الأرزاق }يوصيكم{1 والميراث .. فمنه ترد التنظيمات والشرائع والقوانين، فهو مصدر التلقي في أيّ أمر من أمور الحياة جلّ أو حقر. 2 أوص الوالدين بأولادهم، فعلم أنّه أرحم بهم منهم، وأنّه يحب لهم ا ، لأنّه أبلغ وأدلّ على الاهتمام، وطلب ”الإيصاء“إلى ” الأمر“3 الحصول بسرعة التي ” بالباء“4 تفيد الإلصاق، لكن عندما وص الله الآباء على الأبناء في هذه الآية جاء بلفظ الوصيّة دون ، وهذا يدلّ على أنّ الوصيّة مغروسة ومثبتة في الأبناء ابتداء، فكلما رأيت أيّ ولد ”باء“ ذكرت الوصيّة به مباشرة. • لبيان أن الله }يوصيكم{وإجمالا نقول : الحكمة من تصدير أحكام الميراث بلفظ أعدل وأرحم بخلقه، حتى من الوالدين بأولادهم .. فهو الذي يوصي وهو الذي يفرض وهو الذي يقسم، فليس لأحد أن يتعالى على الله ويقول : قسمتي أعدل وأنفع، وأنا أعرفُ بمصالح وشؤون أبنائي من غيري ... فلفت الله قلوب المؤمنين ) 262 -260 / سيد قطب : في ظلال القرآن)1( العلوم الإن 209
عدد الصفحات ٢٠٩ليتيقنوا أن ما أوص به الله من قسمة في المال هو ا ” يوصيكم“بهذا اللفظ كلّه والنّفع كلّه، وما وراءه من قسمة فهي باطلة مرجوحة، لا تفي بالعدل الذي ارتضاه المولى -عز وجل- لعباده المؤمنين في أموالهم وأرزاقهم. - أما فيما يخص حكمة الله ـ عز وجل ـ في التعبير بلفظ فقد بينها العلماء على النحو الآتي : يوصيكم { - قال ابن حجر ـ ولفظ الولد يقع على الذكر والأنثى والواحد والجمع }الله في أولادكم ولم يقل في أبنائكم بخلاف الابن، وأيضا فلفظ الولد يليق بالميراث بخلاف الابن تقول ابن فلان من الرضاعة ولا تقول ولده وكذا كان من يتبنى ولد غيره قال له ابني وتبناه ولا يقول ولدي ولا ولده إذ لو قال وحلائل }وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم{ومن ثم قال في آية التحريم )) 1((“أولادكم لم يحتج إلى أن يقول من أصلابكم لأن الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن ولم يقل في أبنائكم لأن لفظ الولادة هو }وقال في أولادكم{ - وقال السهي الذي يليق بمسألة الميراث... فإن الأبناء من الرضاعة لا يرثون لأنهم ليسوا بأولاد وكذلك الابن المتبنى فقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - تبنى زيدا قبل النسخ للتبني وحلائل أبنائكم {فكان يقول أنا ابن محمد ولا يقول أنا ولد محمد ولذلك قال سبحانه لأن الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن ، غير أن لفظ الأولاد يقع }الذين من أصلابكم على الذكور والإناث حقيقة فلذلك عدل عنه إلى لفظ الأبناء في آية التحريم ، وأما في آية المواريث فجاء بلفظ الأولاد تنبيها على المعنى الذي يتعلق به حكم الميراث ؛وهو التولد فالماء حياة البشر... وهو يسري من الأصل إلى الفرع المتولد منه أشد من سريان الماء من الفرع إلى الأصل ، ولذلك كان سبب الولد في الميراث أقوى من سبب الوالد لأن الولد فرع متولد فإليه يسري المال أقوى من سريانه إلى الأب ، والولد يقع على الذكر والأنثى ) )والواحد والجمع بخلاف الابن ) 26/ ابن حجر : فتح الباري)1( ) السهيلي : الفرائض)2( المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 210
عدد الصفحات ٢١٠