الفصل الثاني ٤ وأعلى وأفضل عند الله، �� الله طلب منه أن يسجد لهذا المخلوق ا فغار منه، وأبى أن يسجد له، وأدعى أنه خير منه قَالَ ﴿ ا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾]ص: ٦٧[، ثم توعد ذلك ا بأن يَضله ويغويه، ويبعده عن الشرف الكبير الذي خلق من أجله، وهو العبودية لله ..ولذلك كان ذلك الصراع الممتد الذي قام بين ا وبين الشيطان .فا خَلقٌ أرفع يراً كث من ذلك الجنس ا الذي ا قدراً من ا وقدرا من ا ولكنه لم يُعطَ ذلك ا المتسع الذي يعيش فيه ا قهويحق في ا. والمنهج القراآني يخاطب ا بما أنه إنسان، وهذا يبطل كل ما قالته الفلسفة وما قالته المذاهب البشرية عامة في مالقدي والجديد من أن ا متغير، وأن ا في كل وقت غيره في وقت اآخر، وبالتالي فإنه ليست هناك في حياة ا حقيقة تة،ثاب وليس ل في ذاته وجود وكيان ثابت ..فهذه قضية باطلة أرادتها الجاهلية لكي تفسد على ا كثيراً جدا من استقراره وتوجهه لصحيحا الى الحقائق الثابتة بكيانه الثابت. وقضية الثابت والمتغير في حياة ا قضية جديرة أيضا بأن تحرر تماما في حسنا، �� ليس كل ما في حياة انا متطور، وليس كل ما في حياة ا ثابت .وإنما هناك حقائق ثابتة، ومحاور أساسية �� تتغير، يدور حولها ا باستمرار .ولكن اكهن أيضا صور متغيرة، تمثل الشكل أكثر مما تمثل الجوهر ..وبالتالي فهي �� تؤثر في حقيقة المسيرة، و في حقيقة التوجه، � في حقيقة الوظيفة التي يقوم بها ا و في القيم التي تحكم سير هذا ا في هذا الوجود . "إنها قضية" ا" التي �� تتغير، �� قضية وجوده في هذا الكون، وقضية مصيره ..قضية ع بهذا لكونا وبهؤ ا وقضية ع بخالق هذا الكون وخالق هذه ا .وهي قضية �� تتغير، �� قضية الوجود وا". وأهمية إدراكنا أن هذه القضية غير قابلة للتغيير يعطينا ا بأننا نقف على أرض ثابتة، ونتجه لهدف ثابت، دورون حول محور ثابت أيضا .وهذا يعصمنا من الزيغ ويعصمنا من الض .بينما البشرية حينما تغير كل محاورها وتطورها، وتجعلها متغيرة لبةومتق باستمرار، فإن ذلك يجعلها في حالة من الدوار والتخبط الدائم بحيث �� يمكن أن تستقر على وضع، و يمكن أن تهدأ على قرار ..�� ائمةد الحركة العشوائية المضطربة التي �� يمسكها مركز و تأوي إلى ركن شديد .بينما ا الذي يعرف الحق جيدا يعرف أن قالحقائ ثابتة في حياته، يأوي إليها باستمرار ..وهي واضحة باستمرار و تتغير. وحينما يصاب ا بأي غبش ف يرى تلك الحقائق الثابتة فليعلم أن بصره قد زاغ، وأنه قد ضل، وأنه قد وضع امأم عينيه غشاوة .. ف بد أن يحاول إزالة تلك الغشاوة ..ولكن عليه أ يتشكك في وجود الحقائق الثابتة ..وهذا ما تحاول الجاهلية أن عهتصن دائما؛ أن تزيغ عقول البشر وتزيغ أفكارهم وتضللهم حتى يفقدوا رؤية الحقائق الثابتة فيسهل قيادهم إلى السبل المضللة ﴿ إِن ال كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ا ا لَمْ تُنْذِرْهُمْ � يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ۞ الل عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى ا غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾]قرةالب: ٦- ٧[.. فمهمة الشيطان أن يضع هذه الغشاوة على عقول وأسماع وأبصار الناس، فيجعلهم �� يعقلون و يسمعون و يرون ..ن شَر الد عِنْدَ الل الص الْبُكْمُ ال � يَعْقِلُونَ ﴾]ا: ٢٢[.. فهذه القضية- قضية غشاوة العقل ا والبصر ا معوالس ا -يحاولها الشيطان دائما، �� �� يستطيع أن يغير الحقائق الثابتة، لكنه يستطيع أن ينحرف با عن زاوية الرصد الصحيحة، ف يستطيع أن يرى الحقائق الثابتة ..وهذا ما يصنعه الشيطان حينما يتهدد ا فيما نقله عنه القراآن ثُم ن مِنْ بَيْنِ ا
عدد الصفحات ٩٦طبيعة المنهج القراآني ٥ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ ا وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَ تَجِدُ ا شَاكِرِينَ ﴾]ا: ٧١[.. هذه قضية ا ..قضية تجعلنا ونحن نواجه الجاهلية في أي وقت نستصحب الطمأنينة وا �� نواجه قوما يجهلون مهما تعالموا، ومهما تصورنا أنهم على شيء، مهماو تصوروا هم أنفسهم أنهم على شيء فإننا نعلم أنهم ليسوا على شيء، وأننا ا تصوراً، وأننا ا واقعاً ..والتعبير لقراآنيا يقول: هُوَ ﴿ ال ا عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ اآيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُن ا الْكِتَابِ وَا مُتَشَابِهَاتٌ فَا ال فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَت مَا تَشَابَهَ نْهُ مِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِ الل وَالر فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ اآمَن بِهِ كُل مِنْ عِنْدِ رَب وَمَا يَذ إِ ا ا ﴾]اآل عمران: ٧[.. فالرسوخ في اليقين وفي لعلما بهذه الحقائق الثابتة قضية أساسية وهامة جداً ..ف بد أن نطمئن أن قلوبنا راسخة، عقولناو راسخة، وأبصارنا ثابتة، وأسماعنا منضبطة، وكياننا كله قائم على الصراط المستقيم، �� نزيع عنه �� على بصيرة قُلْ ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي دْعُوا إِلَى الل عَلَى بَصِيرَةٍ ا وَمَنِ ات وَسُبْحَانَ الل وَمَا ا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾]يوسف: ٨٠١[.. ف بد أن نكون بهذه الثقة وهذا اليقين وهذا ا وهذه الفرحة أن هدانا الله عز وجل إلى هذا الحق الذي يفتقده بقية البشر. فهذه هي قضية ا التي �� تتغير، �� غير قابلة للتغير على ا. هل قضية العقيدة مقتصَرة على القراآن المكي؟ "لقد كان هذا القراآن المكي"... وحينما يتحدث عن القراآن المكي فليس معنى ذلك أن القراآن المدني لم يتكلم عن نفس لحقائقا .. ولكن �� القراآن المكي قد تخصص في هذه الحقائق ..بينما القراآن المدني كان مشغو بتنظيم المجتمع، ومواجهة المجتمعات البشرية، والصراع معها ..فكان- بجانب حديثه عن العقيدة -يتحدث عن النظام، وعن الع البشرية .لكن القراآن المكي ظل على مدى ث عشر عاما- وهي أطول الفترتين التي عاش فيها رسول الله ﷺ، والتي تنزل فيها الوحي -ظل يركز على قضية العقيدة ماو يتصل بها .."لقد كان هذا القراآن المكي يفسر ل سر وجوده، ووجود هذا الكون من حوله".. وكثير من الناس يفتقد هذا التفسير، كثيرو من الناس يعيشون �� يعرفون لماذا جاءوا، ومن أين جاءوا، ومن الذي جاء بهم، وإلى أين سينتهون؟ يعيشون في عماية، فيسهل ذلكب اصطيادهم وإض .لكن ا كله- جنس ا -لم يتركه الله، ولم يدعه هم لطاقاته وقدراته المتواضعة، ولكن أنزل هل كتباً، وبعث له رس وم فطرته وركز فيها ا بالله عز وجل وا بحقيقته وحقيقة الكون. ضرورة البحث عن الحقيقة والدافع وراء ذلك "لقد كان هذا القراآن المكي يفسر ل سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله ..كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ والى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به، وما مصيره هناك؟ وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيباً يستشرفه و يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء با من ذا يدبره؟ ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ وكان يقول له ذلكك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضاً، كما يبين له: كيف يتعامل العباد مع العباد؟ " ومحصلة هذه التساؤ هي العلم الحق، والعلم الجدير بأن يحرص عليه ا ..والذي يفقد هذا العلم فَقَدَ العلم كله، تصبحف كل علوم الحياة هي قشور يَعْلَمُونَ ﴿ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الد ﴾]الروم: ٧[.. كله ظاهر من الحياة الدنيا �� قيمة له ..لكن العلم الحقيقي هو
عدد الصفحات ٩٧الفصل الثاني ٦ ا عن هذه التساؤ .�� حين يجيب عنها إجابة صحيحة، وحين يدركها إدراكاً صحيحاً ..حينذاك يبدأ مسيرته حيحة،الص ويبدأ صعوده في معراج العبودية إلى الحق سبحانه وتعالى. وجدير بأي إنسان أن يبحث عن هذه الحقيقة ..فالبحث عن الحقيقة ضرورة من ضرورات ا وإذا لم يبحث عن الحقيقة تلهىو عن البحث بترهات ا وا والشرب والشهوات والغرائز وأشكال الحياة التي �� قيمة لها فقد ضل ض بعيداً .سانفا الذي ينشغل بأمور حياته الدنيا، وبأمور رزقه ..و ينشغل بالبحث عن حقيقة هذا الوجود، وعن مكانه هو في هذا الوجود، وعن دوره في هذا الوجود، وعن مصيره في هذا الوجود فهو إنسان ضل الطريق إلى الحقيقة، وضل قيمته ا .فهذه الحقائق التي هاتنشئ هذه التساؤ حقائق ضخمة جدا ترفع من قدر ا وترفع من اهتماماته ..فإذا لم يعرفها ا فإنه ينحدر إلى درك أقل من الحيوان ﴿ إِنْ هُمْ إِ كَا بَلْ هُمْ ا سَبِي ﴾]الفرقان: ٤٤[. فهذه التساؤ فطرية في طبيعتها، و بد أن يقف عندها ا طوي لكي يصل إلى تصور صحيح فيها. و الله عز وجل يعلم أن ا قد تعترضه عقبات وغواشي تجعله غير قادر على الرؤية الصحيحة والصافية، رحمه رمهوأك ..فأنزل له الكتب، وبعث له الرسل، ثم استبقى هذا الذكر الحكيم ليظل مع ا إلى يوم القيامة، ليكون بمنزلة النور الدائم اطعالس الذي يتجه إليه ا بفطرته النقية ..شوقاً إلى الله وبحثاً عن الحقيقة . أما الذين يغمضون أعينهم، أو الذين تغشاهم الغواشي ف يرون هذا النور، ومن ثم �� يسعون إليه، فهؤ هم الذين ضل مسعيه في الحياة الدنيا. ف شك أننا في حاجة إلى أن نقف طوي ونتفكر كثيرا في قضية الوجود، وأن نقف مع هذه التساؤ نجيب عنها إجابات حقيقية، وليس إجابات سطحية .وهذه ا قد تبدو ساذجة يسيرة؛ من أنا؟ وكيف جئت؟ وإلى أين سأنتهي؟ لكن كثيرا من الناس همو يجيبون على هذه ا �� يدركون عمق خطرها، و يرتبون عليها حقيقة مقتضياتها وأهدافها ..وكل الناس تقول لك الله خلقنا ..وكل الناس تقول: سوف نذهب إلى ا وإلى الجنة أو النار ..وتجد أخبث الناس يقول: أنا سأدخل إن شاء الله الجنة!وهم �� يعرفون هذه لحقيقة،ا و مقدارها، و ثقلها ..فالمطلوب من المؤمن أن يقف طوي عند هذه الحقيقة لكي يعطيها وزنها الثقيل، ويقيم على هاأساس مقتضياتها الحقة، ولذلك يخبرنا القراآن أن المؤمنين قليل، وأن الضال هم أكثر البشرية وَإِنْ ﴿ تُطِعْ ا مَنْ فِي ا يُضِل عَنْ بِيلِ سَ الل ﴾ ]ا: ٦١١[.. وَمَا﴿ ا الن وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾]يوسف: ٣٠١[.. لماذا؟ �� ا ليس مجرد علم بارد، أو حقائق سطحية ..ا الحقيقي الذي يتصف به هؤ ا هو ذلك ا الذي يستوعب كيانهم، فيعيشون به في قلب لحقيقة،ا ويسوقهم إلى طريق الحق، فتصطبغ حياتهم به ..أما الذين يلوكون الكلمات ثم �� يدركون معناها، و يدركون مقتضاها، �� يعيشون في أعماقها ..فأولئك الذين يحسبون أنهم يحسنون صُنعا، لكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك .ف شك أننا محتاجون إلى أن أ نقر القراآن المكي ونعيش معه، ونستخرج منه هذه الحقائق، ونحاول أن نستحضر نفسية الصحابة الذين سمعوا هذه ا أول مرة، ونراهم كيف نفعلواا بها، وكيف عاشوا معها. وسأعرض عليكم بعض نماذج من تلقي بعض الصحابة لحقائق الوجود ..فسنجد كأنهم دائما يُفاجؤون بها، وكأنهم يعيشونها ويسمعونها �� مرة، وكأنهم محتاجون إلى أن يتعلموها مرة أخرى من جديد ..وكانوا دائماً - كما قلنا في فصل "جيل قراآني فريد" -نتيجة أدبهم
عدد الصفحات ٩٨طبيعة المنهج القراآني ٧ وإحساسهم بقيمة النبوة والعلم ا والوحي الرباني ..كانوا يقفون مما كانوا عليه موقف الخوف وا والشك، �� انواك يقفون دائما في موقف العبودية الذي ينبغي أن تتعامل مع الله وتتعامل مع رسوله بذلك ا الخاص الذي يجب أن يقفوا نده،ع "وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود" ا"، وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده لىع توالي ا." ومهم جداً حينما نبحث عن هذه القضية أن نحرر الدافع وراء هذه البحث، فقضية هذا الوجود شغلت ا في فترات حياته كلها، وشغلت الف أنفسهم ..ولكن هناك فارق كبير بين الدافع لمن يبحث عن الحقيقة ليعيشها ويقوم بمقتضاها، بينو البحث العلمي الفارغ من الدافع ا والذي يبحث عن الحقيقة لمزيد من المعرفة، أو لمجرد حب ا ولمجرد التفلسف عاليوالت. فمهم جدا أن نسعى إلى التعرف على الحقيقة بدافع الشوق الى الحق، وملء النفس با وا للخضوع ضياتلمقت هذه الحقيقة، وبقدر وجود هذا الدافع، وصدقه وعمقه تنفتح لنا اآفاق هذه الحقيقة، ونُعان على تلقيها، ونُعان أيضا على زاما بمقتضاها .. فلذلك- كما قلنا قبل ذلك -كان الصحابة يقولون: أوتينا ا قبل أن نؤتى القراآن ..وكل الناس سمعوا القراآن، وكل الناس أعجبوا بالقراآن، حتى أبو جهل وا بن شريق، وكثير من طواغيت العرب أعجبوا جدا بالقراآن، لكنهم لم يستفيدوا منه، �� تلقوه لقيت المعجب والمبهور، ولم يتلقوه بإحساس الراغب في أن يعرف ما وراء هذا القراآن من حق. فالذين أوتوا ا كانوا يريدون الحق ليخضعوا له، فإذا سمعوا القراآن وجدوا بغيتهم فيه وخضعوا له .أما الذين �� نيريدو الله و يريدون الحق فكان القراآن يقهرهم بإعجازه وبعظمته، لكنه �� يغير من حياتهم شيئاً، وهذا هو الفارق بين الذين أوتوا ا قبل لقراآنا والذين لم يؤتوا ا و القراآن .فالبشرية كلها في كل أوقاتها تسمع القراآن، ولكن كم من الناس يفرح بالقراآن؟ وكم من الناس يشيع بالقراآن؟ وكم من الناس يخضع خضوع الراضي الفرح بأنه وجد الهدى ووجد النور فيسبح فيه وهو جذ بهذه الحقيقة؟ فالدافع وراء حثالب مهم جدا لكي نعيش هذه الحقيقة . و شك أن الله عز وجل حينما يطّلع على قلب إنسان فيراه مشتاقاً إليه ومشتاقاً إلى معرفته فإنه يصب عليه رحمته با،ص ويصب عليه نوره صبا، ويسوقه إلى الحق بكل الوسائل، حتى يم ويثبته، ويجعله فع عبدا خالصا له. أما إذا رأى الله تعالى من العبد أنه يريد أن يتعالم، أو أنه مشغول وهو يبحث عن الحق بشهواته ونزواته ورغباته، فإنه �� عينهي و يسوقه إلى الهدى .�� بد إذن من البحث، و بد أن يكون الدافع من البحث دافعا صادقا مشوقا .وكما قلت إن هذه الحقائق الهائلة الفطرية التي تبدو سهلة وبديهية هي الحقيقة، وهي من العظمة والخطر بحيث أنها ترفع من قدر ا ا هُوَ قَانِتٌ اآنَاءَ الل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ � وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَب قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ال يَعْلَمُونَ وَال � يَعْلَمُونَ إِن يَتَذَك ا ا ﴾]الزمر: ٩[.. ا يَعْلَمُ ا ا إِلَيْكَ مِنْ رَب الْحَق كَمَنْ هُوَ ا إِن يَتَذَك ا ا ال يُوفُونَ بِعَهْدِ الل وَ يَنْقُضُونَ مِيثَاقَ الْ وَال يَصِلُونَ مَا ا لل بِهِ ا يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَب وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَال صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَب وَا الص وَا مِم رَزَقْنَاهُمْ سِر وَعَ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ الس ا لَهُمْ عُقْبَى الد جَن عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ اآبَائِهِمْ وَا وَذُر وَالْمَ يَدْخُلُونَ يْهِمْ عَلَ مِنْ
عدد الصفحات ٩٩الفصل الثاني ٨ كُل بَابٍ سَ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الد وَال يَنْقُضُونَ عَهْدَ الل مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا ا الل هِ بِ ا يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ا ا لَهُمُ الل وَلَهُمْ سُوءُ الد ﴾]الرعد: ٩١-٥٢[. ما المدى الذي يجب أن تستغرقه القضية الكبرى؟ وكيف نعرف أنها توفتاس حقها؟ "وهكذا انقضت ث عشر عاماً كاملةً في تقرير هذه القضية الكبرى، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة �� إ ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات". وواضح أن ا سيد يؤكد المرة تلو ا وسيظل يؤكد أن قضية العقيدة وقضية �� إله إ الله هي القضية التي سلي وراءها شيء في حياة ا وهذا ا كان يفهمه صحابة رسول الله ﷺ فهماً عميقاً وجاداً، �� يقولونه ك كما يقوله الناس ا أو كما قولهن نحن في كثير من ا ..إنما كانوا يقولونه، وكانوا يعيشونه، وكانوا يعرفون أن ليس هناك شيء في حياتهم مُقد على ذهه القضية، أو بمعنى أدق ليس هناك شيء في حياتهم إ هذه القضية. وهذا ا هو الذي صنع الجيل ا �� عاش مع حقيقة ا وعاشت مشاعره حية مستيقظة مع شعورهم العميق بالله بحانهس وتعالى فكما نعلم أن الرسول ﷺ قد عاش بينهم نبياً لث وعشرين عاما، ث عشر عاما كاملة قُضيت في هذه ةالقضي الواحدة ..وهذا ا �� بد أن يعني أمرا كبير حينما نعلم أن الله مُن هذا القراآن قد أفرد لهذه القضية كل هذه المساحة من الزمان، لكي تتعمق في القلوب، ولكي يعيشها الجيل ا الذي نيط به إقامة هذا الدين في واقع الحياة ." ولم يتجاوز القراآن المكي هذه القضية ا إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام اة،الحي إ بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة مختارةال من بني ا التي قد الله أن يقوم هذا الدين عليها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا نالدي ." فكل هذا القدر من الزمان، وكل هذه السور القراآنية التي نزلت من القراآن المكي كانت تركز على هذه القضية ا ولم تقلين القراآن منها إلى أي قضايا أخرى إ بعد أن علم الله أنها استوفت ما تستحقه من البيان. ولذلك نحن نقول إننا حينما ندعو أي إنسان إلى هذا الحق ينبغي أن تأخذ قضية العقيدة المساحة الكبرى في الدعوة وفي لبيان،ا وفي تربية المدعو إلى الله .سواء في المرحلة السرية التربوية الفردية، أو في مرحلة الع قبل التمكين ينبغي أن كونت هذه القضية هي التي تأخذ المساحة العظمى، بل المساحة كلها قبل أن ننتقل منها إلى أي فرعيات أو تفريعات متعلقة بنظام الحياة. وواضح أن الله سبحانه وتعالى لم ينقلهم في ا المكية من قضية العقيدة والتوكيد عليها إلى بقية القضايا إ عدب أن علم سبحانه أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان في عقولهم، وأنها قد استقرت في قلوبهم.
عدد الصفحات ١٠٠طبيعة المنهج القراآني ٩ أما كيف نعرف أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان؟ فذلك من خ اآثارها في قلوب من يعيشها ويتلقاها .فحينما دنج الناس الذين تلقوها قد انفعلوا بها حقا، وأنها تسي حياتهم، وتضيء طريقهم، وتشكل مشاعرهم، وتصبغ سلوكياتهم، نعرف أنها قد ستوفتا حقها من البيان. فليست القضية قضية اقتناع عقلي، أو كمية البيان النظري .ولكن لكي نعرف أنها قد استوفت حقها من البيان �� بد أن يكون لها ثمرات في حياة هؤ الذين يعيشونها ويتبعونها، و يكون ذلك إ من خ ما تُحدثه من انق في حياة هؤ الناس ..انق يف سلوكياتهم، وفي قيمهم، وفي مشاعرهم، وفي تحركاتهم، وفي و وبرائهم، وفي عباداتهم ونُسكهم ...وحينما نرى أنها دق غيرت حقا وأنها قد أثرت تأثيرا واضحا في حياتهم العملية وفي خطواتهم السلوكية نعرف أنها قد استقرت واستقامت في حياتهم .وليست العبرة بالوعي النظري، و التكرار القولي ..وإنما بتمثل هذه الحقيقة في حياتهم واقعا يعيشونه ..كما تمثل في حياة الصحابة لا في وقوفهم العظيم أمام كل ما عذبتهم به قريش، وكيفية تلقيهم ذلك العذاب وذلك التخويف وسخريتهم ورفضهم لكل ما حاولته قريش من تنهمف وإبعادهم عن هذا الحق ..وهذا أمر نجده في كثير من سلوك الصحابة، وليس كبارهم فقط ...فمث زنيرة التي عذبوها حتى فقدت صرها،ب أخذوا يقولون لها: لقد أعمتك ال والعزى �� كفرت بها، فاستهزأت بهذا وقالت: والله �� تدري ال والعزى شيئا ولكن هذا من الله، فرد الله عليها بصرها ٢ ...ب العبد الذي لم يكن له قيمة في المجتمع العربي تحدى سلطان قريش كلها، وظل يقول: أحدٌ دْ أح على الرغم من درجة العذاب التي يحكيها لنا ب فيقول: إن النار كانت تُطفأ من الدهن الذي كان يسيل من جسدي من قسوة ابالعذ ... هذا هو معنى استقرار حقيقة �� إله إ الله، وليس معناها أنه قد حفظها وفهمها نظريا ...ورأينا كيف كان عثمان بن عفان يُلف في الحصير ُعلق وي من قدميه وتوقد النار من حوله حتى تحترق الحصير من حول جسده و يعود عن عقيدته ..وكيف كان بمصع بن عمير يُكب بالحديد ُمنع وي عنه ا والشراب ويضرب وهو الفتى المدلل الذي كانت تعرفه قريش برائحة عطره حينما يمر يف ا وفي الطرقات ..هذا الفتى المدلل يحتمل كل هذا العذاب ويسخر منه حتى تيأس منه أمه.. وهكذا حينما نستعرض كل صور الفتنة التي عُرّض لها الصحابة ..وثباتهم إزاءها ندرك أن هذا كان مقياس رسوخ هذه القضية � في حياتهم واستقرارها، وليس المقياس هو ا النظري و الحفظ النظري، وكما كان الثبات إزاء الفتنة مقياساً رسوخل قضية العقيدة كان ا وا وا الذي كان يبدو في حياة الصحابة مقياساً كذلك ..فحينما يقول سعد بن أبي وقاص ��: والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت هذا الدين فكلي وامتشطي أو �� تفعلي، وكان يُعلم عنه أنه من أبر اسالن بأمه، وكانت أمه قد أقسمت أ تأكل أو تمشط شعرها حتى يرجع عن دينه، فإننا ندرك من ذلك عمق قضية العقيدة وثباتها في نفسه. كذلك يبدو استقرار حقيقة العقيدة ورسوخها في سلوك ا ف يكون مراوغاً، و يكون كاذباً، و يكون مُسْتحِ مات،للحر و يكون ظاهره غير باطنه... وهكذا ينبغي أن تبدو هذه الحقيقة في حياتنا ثابتة من خ سلوكنا ..فنكون حريصين على أوقاتنا، حريصين على خ حريصين على حدود الح والحرام، حريصين في حديثنا من الكذب والمبالغة، حريصين في تعام مع أنفسنا ومع إخواننا ومع اأهلين على العدل والرفق، وحريصين على العفاف ..فحينما تبدو سلوكياتنا مستقيمة مع قضية �� إله إ الله نقول حينئذ أنها استقرت في قلوب العصبة ٢ ا في تمييز الصحابة. ٨ج. ١٥١ص.
عدد الصفحات ١٠١الفصل الثاني ٠١ المؤمنة المختارة التي نِيط بها أن تقيم دين الله في ا وليس أننا قرأنا عدداً من الكتب وكم عشنا معا ..نحن حينما جدن في سلوكياتنا مصداق هذه الحقيقة فإنه يحق لنا أن نأمل في نصر الله عز وجل وليس قبل ذلك ..فهذا هو ما حدث للصحابة رضوان الله همعلي فحينما تمكنت هذه الحقيقة في نفوسهم في مكة أذن الله لهم بالهجرة ونجاهم من الفتنة، ومكنهم من إقامة دولتهم التي كانت هي دايةالب الحقيقية للمد ا في ا لكن قبل ذلك لن ينزل نصر الله، فالله سبحانه وتعالي �� ينطلي عليه الزيف ﴿ الّمّ ا الن ا يُتْرَكُوا ا يَقُولُوا اآمَن وَهُمْ � يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ ۞ فَتَن ال مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَن الل ال صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ ﴾]العنكبوت: ١-٣[ �� بد أن نمحو كل القيم الجاهلية من قلوبنا ومن سلوكياتنا في شتى مجا الحياة وأن نصبغ حياتنا كلها با � نستبقي جزءاً واحداً منها لم ينصهر في بوتقة ا يَا﴿ ا ال اآمَنُوا ادْخُلُوا فِي الس كَاف وَ تَت خُطُوَاتِ الش إِن لَكُمْ دُو مُبِينٌ ﴾ ]البقرة: ٨٠٢[.. لكن أن نقول ك ونفعل غيره، أو أن يكون لنا باطن غير ظاهرنا، أو يكون لنا ادعاء غير ممارساتنا، فهذا بيانٌ اطعس على أن قلوبنا ليست ممتلئة بهذه لحقيقةا ..وا لنقرأ هذه الفقرة مرة أخرى لكي ندرك معناها ونعيشها ..يقول ا يدس قطب: "ولم يتجاوز القراآن المكي هذه القضية ا إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام اة،الحي إ بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة مختارةال من بني ا التي قد الله أن يقوم هذا الدين عليها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا نالدي." إن قضية العقيدة من الج ومن الجمال بحيث �� يمل من امت بها نفسه وعاشتها جوارحه من تكرارها وتردادها ولذلك يكرر �� سيد- رحمه الله -مرة أخرى، ويصر على هذا التكرار، فيقول: "وأصحاب الدعوة إلى دين الله .وإلى إقامة النظام الذي ليتمث فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طوي أمام هذه الظاهرة الكبيرة، ظاهرة تصدي القراآن المكي خ ثةث عشر عاماً لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها �� يتجاوزها إلى شيء من تفصي النظام الذي يقوم عليها، يعاتوالتشر التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها." وأصحاب الدعوة- وهذا خطاب �� الدعوة المعاصرين -إلى دين الله ما يفتؤون يلقون من معسكر الجاهلية السخرية وا رجاء أن ينقلوهم من هذه النقطة الثابتة التي اختارها الله لهم إلى أن يتحولوا إلى لحديثا عن النظام وعن التشريعات وعن التفريعات ليتسع مجال الجدل والنقاش والمساومة على فرعيات أو على مقتضيات الحقيقة ا الثابتة، وإن علينا نحن الدعاة إلى دين الله أ ننزلق إلى تلك السراديب والدهاليز المظلمة، فأصحاب الدعوة إلى دين الله �� يجوز لهم نأ ينهزموا و أن يُخدعوا و أن يُستدرجوا إلى أن يتركوا قاعدتهم الراسخة إلى منحنيات وأساليب معوجة غير ما اختاره الله لهم. "لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم ا للرسالة، وأن يبدأ رسول الله ﷺ أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا: أن �� إله إ الله، وأن يمضي في دعوته يعر الناس همبرب الحق، ويُعَب له دون سواه". ونحن �� نستطيع أن نتذوق روعة البداية ب إله إ الله إ حينما نعرف مقام ا وحينما نستشرف معنى الوحدانية معنىو الكمال الرباني والعظمة القاهرة التي ينبغي أ نُقَد على التعريف بها شيئاً اآخر مهما كان ..حينما ندرك عظمة الله وحينما نحب للها حق الحب وحينما نعتز بانتسابنا إلى الله حق ا ..حينذاك سنعرف لماذا نُصِرْ أن تكون البداية دائما أن ندعو إلى هذا ا الذي نعظمه ونحبه
عدد الصفحات ١٠٢ا كان ..حينما ندرك عظمة الله وحينما نحب للها حق الحب وحينما نعتز بانتسابنا إلى الله حق ا ..حينذاك سنعرف لماذا نُصِرْ أن تكون البداية دائما أن ندعو إلى هذا ا الذي نعظمه ونحبه ونشتاق إليه ونعرف قدره وج حينذاك لن تستخفنا سخريات القوم، ولن تستخفنا اآراء الناس، ولن ننهزم أمام سخرية لجاهليةا منا وقولهم:
عدد الصفحات ١٠٢طبيعة المنهج القراآني ١١ إننا �� نملك غير هذه الكلمة و نملك من العلم إ هذه الكلمة، وأننا لو كان عندنا علم بالفروع وبا وبالقضايا ا تكلمنال فيها ..كما سنشرح بعد قليل. ولكننا بقدر إج لله وبقدر حبنا له وبقدر معرفتنا بعظمته سبحانه سنستمد القوة وا على أ نتخطى هذه نقطةال ا التي بدأ بها رسول الله ﷺ بوحي من ربه، فكانت خطوته ا أن يدعو الناس إلى �� إله إ الله، وأن يعرّفهم بربهم الحق، وأن دهميعب له دون سواه . البدء بالعقيدة هي أيسر السبل �� هذا الدين "ولم تكن هذه- في ظاهر ا وفي نظرة العقل البشري المحجوب -هي أيسر السبل إلى قلوب العرب!فلقد كانوا عرفوني من لغتهم معنى" إله" ومعنى: "�� إله إ الله ."كانوا يعرفون أن ا تعني الحاكمية العليا ..وكانوا يعرفون نأ توحيد ا وإفراد الله- سبحانه -بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل وا والحكام، ورد لهك إلى الله ..السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، لسلطانوا في القضاء، والسلطان في ا انبد ..كانوا يعلمون أن" �� إله إ الله" ثورة على السلطان ا الذي بيغتص أولى خصائص ا وثورة على ا التي تقوم على قاعدة من هذا ا وخروج على السلطات التي كمتح بشريعة من عندها لم يأذن بها الله"... والعقل البشري المحجوب يتصور أن نقطة البداية هذه ليست هي أيسر السبل إلى قلوب الناس، وهذا تصور جاهل وسطحي ممجوج،و �� الحقيقة- كما سيتبين لنا -أن هذه هي أيسر السبل إذا نظرنا إلى الهدف المطلوب، وإلى طبيعة الفطرة ا وإلى طبيعة العقل البشري في جدله ونقاشه واخت وإلى بساطة هذه البداية التي يترتب عليها هذا البناء الضخم. لكن العقل البشري المحجوب القاصر يتخيل أنه حين يدعو الناس بطرق أخرى فإن هذا قد يكون أقرب إلى نفوسهم مما إذا وادع في البداية إلى هذه القضية العظمى والكبرى التي تواجه أمورا ضخمة في حياة البشر وأن البداية بهذه القضية ستكون أصعب فهماً وأشق التزامات وخاصة على أولئك الذين تقرع أسماعهم أول مرة .فحينما تدعوهم إلى التنازل عن معتقداتهم وعن اآلهتهم وعن معاداته وعن أمجادهم وعن عصبياتهم وعن سلطانهم وعن كل تاريخهم ف شك أنه يبدو- �� وهلة -أن التنازل عن هذا كله صعب جدا .ولكن الحقيقة أن ا ليس كذلك �� سنشرحها بعد قليل. سلطان الله على كل شيء، هل هذا مجرد مفهوم سياسي؟ وحينما يعدد ا سيد- رحمه الله -هنا نواحي سلطان الله عز وجل، وأنه سلطان على الضمائر، وسلطان على الشعائر، لطانوس على واقعيات الحياة، وسلطان على المال، وسلطان في ا انبد وفي القضاء، وسلطان على الواقع ا والسلطان ي،ا وعلى ا التي يقوم عليها با وعلى الحكام والسلطات التي تحكم الشعب بغير شريعة الله ..حينذاك يتبين لنا أن معنى توحيد ا وإفراد الله سبحانه وتعالى بها ليس معنىً جزئياً، و معنى يختص بجانب من جوانب الحياة دون بقية الجوانب ��..
عدد الصفحات ١٠٣الفصل الثاني ٢١ ويقف ا متعجبا من بعض الناس الذي اتهموا سيد قطب وأبا ا المودودي بأنهم حددوا معنى العبادة ومعنى الدين يف المفهوم السياسي فقط، وأغفلوا معنى الع المباشرة بالله، ومعنى التعبد والتنسك والشعائر.. وكلمات الرجل واضحة هنا؛ أن سلطان الله على الضمائر يعني السلطان على المشاعر وعلى ا وعلى الخواطر ..وسلطانه لىع الشعائر يعني النسك والعبادة من ص وصوم وحج وعمرة وذكر ..وسلطانه سبحانه على واقعيات الحياة كلها يشمل السلطان على مالال وعلى القضاء ..وغيرها فهو سلطان على ا وعلى انبد . فالذين يقولون إن سيد قطب حصر دعوته في الحاكمية على مفهومها السياسي فقط ..هؤ قد جانبوا الصواب، �� ك نم الوضوح بحيث �� يدع �� مجا لهذا الفهم المغلوط ..فا إذن هو رغبة في محاربة ا أو هو تضخيم- عندهم -وانحراف في عنىم التنسك والشعائر على حساب واقعيات الحياة ا .وهو اتجاه- كما نعلم -كثير من التيارات ا التي ترى أن س هو مجرد عقيدة فقط، وتركيز من بعضهم في توحيد ا والصفات ..أو تركيز من بعضهم ا على التنسك والتعبد، تبعدونفيس السياسة وا والتدخل في أمور الحياة الواقعية من اهتمامهم، أو من دعوة ا أص. فا سيد هنا يجعل تصور التوحيد تصورا شام كام مسيطرا على الحياة كلها، بما فيها من المشاعر وا واطر،والخ وما فيها من النسك والتعبد والسياسة وا والعادات والتقاليد وشتى نواحي الحياة .فالذين يتهمون سيد قطب وأبا ا المودودي بأنهم حصروا ا في زاوية ضيقة هم في الحقيقة يفترون افتراءً واضحا ..ولو أنصفوا �� أنفسهم ولعلموا أنهم أتوا هذا فهمال الخاطئ من حصرهم ا في قنوات محدودة، أو في ناحية واحدة وإغفالهم شموله .وهذا موجود؛ في جماعات شتى مما تكتظ به الساحة يومال . والعجيب أن الشيخ أبا الحسن الندوي في كتابه: "التفسير السياسي ل في مراآة كتابات ا أبي ا لمودوديا وسيد قطب" الذي ينتقد فيه ا سيد والمودودي يتهمهم بأنهم يتحدثون عن ا السياسي وأنهم تركوا الحديث عن العبادة، عم أنهم يحددون أن مفهوم العبادة مفهوم شامل لكل تصرفات ا من المهد إلى اللحد، وأن التنسك هو جزء من عبادة الله لكنه ليس كل ادةعب الله .. ولكن �� أبا الحسن الندوي- الذي عرف عنه أنه من جماعة التبليغ، على الرغم من سعة علمه وتوقد ذهنه اللذين ظهرا في تابهك القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين -"غلبه التعصب لهذه النقطة. إ أن ك ا سيد هنا، وفي كل الكتاب بعد ذلك سيدحض هذه الفرية وهذه التهمة تماما، فسلطان الله هو سلطان على لك شيء.. لماذا العقيدة أو رغم الصعوبات الظاهرية؟ "ولم يكن يغيب عن العرب- وهم يعرفون لغتهم جيدا، ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة" �� إله إ الله -"ماذا عنيت هذه الدعوة بالنسبة �� ورياساتهم وسلطانهم، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة -ذلك ا نيف،الع وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام .. فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ وَلِمَ اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟"
عدد الصفحات ١٠٤طبيعة المنهج القراآني ٣١ وهو في الحقيقة عناء ظاهري، وليس عناء حقيقيا، فأي اقتراحات أخرى للبدء بالدعوة غير البدء ب إله إ الله مكتوب ليهاع الفشل منذ البداية، �� أي بداية أخرى غير الدعوة إلى �� إله إ الله، أي إلى حاكمية الله العليا المسيطرة على كل شيء في الوجود، علىو كل شيء في حياة ا مكتوب عليها الفشل، �� مدخل غير طبيعي، وسوف تفشل في صياغة ا وفي صياغة لواقعا- أيضا - صياغة صحيحة مادامت �� تقوم على هذه البداية الصحيحة . لماذا لم يبدأ الرسول ﷺ دعوته بأي شيء غير الدعوة إلى التوحيد؟ وهنا يبدأ ا سيد بذكر بعض المقترحات التي قد يظن البعض أنها تمثل بدايات بديلة أكثر يسرا �� ا .فيذكر اقتراح بعض الناس أو تساءلهم؛ لماذا لم يبدأ رسول الله ﷺ بدعوة الناس إلى قومية عربية يعلي فيها شأن العرب على بقية ا �� كفارس والروم الذين كانوا قد استعمروا واقتطعوا أخصب ب العرب في الشمال وفي الجنوب، وأن رسول الله ﷺ كان يستطيع أن ستثيري عصبية العرب لعربيتهم ولقوميتهم العربية، ويثير في أنفسهم العداء والثورة على سلطان فارس والروم، وأن العرب كانوا تجيبونسيس له في هذه الدعوة إلى هذه القومية. وهذا ا قد يراه البعض اقتراحا جيدا، فالعرب يمكن أن تستهويهم هذه الدعوة إلى القومية العربية، فيتحمسون إلى إع الجنس العربي وا من الفرس والرومان الذين أذلوهم واستعمروهم، ولكن هذه الدعوة بهذه الصورة من الممكن أن تصطدم بالعصبيات الكثيرة المتفرقة داخل الكيان العربي الكلي، �� العرب لم يكونوا قبيلة واحدة، ولم يكونوا أباً واحداً، وقد رأينا في حروب الردة يفك اتبع كثير منهم مسيلمة وقالوا: والله إننا لنعلم أنه كذاب ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر ..فما الذي يجعلهم يسيرون وراء حمدم القرشي و يسيرون وراء مسيلمة النجدي؟ فكان من الممكن أن تقوم عصبيات كثيرة، و يستجيبون إلى دعوة من يدعوهم لىإ القومية العربية، �� معنى ذلك أن يتملكهم رجل من قبيلة غير قبيلتهم، و بد أن تخضع له بقية القبائل .فلم يكونوا خضعوالي حتى لو دعوا إلى القومية العربية .ولكن حتى لو تصورنا أنهم استجابوا لهذه الدعوة ..فما الذي كان سيتغير في حياتهم؟ كانوا سينتقلون من طاغوت فارسي أو طاغوت روماني إلى طاغوت عربي، سيحكمهم بفكره وعقله وطموحاته، وبانحرافاته وظلمه أيضا، وما كان ليحكمهم لِيُعب لله .ذافإ كان الهدف من دعوة ا هي تعبيد الناس لله فأي دعوة تبدأ بغير البداية ب إله إ الله والخضوع لله عز وجل خالق الناس ستكونف خروجا- ابتداء - عن الهدف، فض أنه لن يتحقق بها خير للبشرية، لكن مع الدعوة إلى الهدف ا- وهو تعبيد الناس لله -سيتحقق لناسل مصلحتهم الدنيوية ومصلحتهم ا معا .فدعوة الناس إلى القومية العربية- حتى لو تصورنا أنهم قبلوها وخضعوا لها -فإنها ما انتك لتحقق الهدف الذي جاء من أجله ا وما كانت لتحقق مصلحتهم الدنيوية أيضا. فالدعوة إلى ا وإلى القومية هو خروج عن منهج ا الذين جاءوا لِيُعَب الناس لله، فإذا دعوهم إلى راية بشرية؛ واءس كانت عربية أو غيرها، فهو انتقال من طاغوت إلى طاغوت، وكما يقول: "فالطاغوت كله طاغوت!إن الناس عبيد لله وحده، و كونوني عبيداً لله وحده إ أن ترتفع راية: "�� إله إ الله-" �� إله إ الله كما يدركها العربي العارف بمدلو لغته -�� حاكمية إ لله، و شريعة إ من الله، و سلطان �� على أحد، �� السلطان كله لله، و" الجنسية" التي يريدها ��
عدد الصفحات ١٠٥الفصل الثاني ٤١ للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر ا وا تحت راية الله .وهذا هو الطريق"... وهذا ا الذي قد يبدو عند بعض الناس أقرب إلى تجميع الناس ليس هو الطريق .�� الناس لن يكونوا عبيدا لله إ ينماح يدعون إلى" �� إله إ الله ."ومهمة ا ليست مهمة دنيوية يجمعون الناس عليها، وليست سلطاناً أرضياً يريدون أن يحوزوه، اوإنم هم عبيد لله، ورسل من الله، جاءوا ليعبّدوا الناس لله وحده، ليكونوا تحت سلطان الله، و يكونون تحت أي سلطان اآخر .فالله انهسبح وتعالى لم يوجه رسوله ﷺ أن يبدأ بهذه البداية الخاطئة التي يظن بعض الناس أنها كان من الممكن أن تكون أيسر في دعوة الناس إلى للها .وا ا أقل شأنا وأكثر خطأ ..فسواء دعوة الناس إلى ثورة اقتصادية، أو ثورة طبقية؛ ثورة طبقة الفقراء على ا من أجل أن يتغلب بهم الداعية على بقية القوم ثم يقودهم بعد ذلك إلى الله ويدعوهم بعد ذلك إلى توحيد الله، �� العرب اكانو ينقسمون إلى طبقتين؛ طبقة ا والسادة، وطبقة الفقراء والعبيد .ويظن بعض الناس أن دعوة الفقراء والعبيد وإغراءهم بالسلطان وإغراءهم بأن يكونوا هم أصحاب القوة لينتقموا من ا قد تكون طريقة من طرق جمع الناس، ثم بعد ذلك يدعوهم إلى �� إله إ الله .وهذا أيضا ظنٌ واهٍ تماما، فسواء تحقق هذا الظن واستجابت الكثرة الفقيرة المعذبة للرسول ﷺ فإن القلة صاحبة السلطان ام كانت لتخضع وتسكت أبدا عن هذا الوضع ..وحتى لو سكتت ورضخت فهذا يعني أن الدعوة قد قامت على إثارة النوازع البشرية، وكما عوتد الشيوعية إلى زرع الكراهية وزرع الصراع الطبقي والحقد الطبقي بين الناس؛ بين طبقة ا وطبقة الفقراء، وأن يأتي حكم بروليتاريةال- طبقة العمال -لينتقموا من هؤ الرأسماليين الذين كانوا يستعبدونهم ..فكأن هذا ا هو اقتراح يؤدي إلى إخراج أسوأ ما في لنفسا ا لتقوم عليها حياة المجتمع، وهذا أيضا- فوق أنه مخالف للهدف ا الذي جاء من أجله الرسل -فهو مُفْسِد للحياة البشرية يف الدنيا وفي ا .ومن ثم يكون هذا ا ..اقتراح ثورة اقتصادية أو اجتماعية ضد ا بعد تجميع الفقراء وإثارة مأحقاده وحماسهم ضد ا اقتراحاً خاطئاً ومن ثَمً فلم يكن هو الطريق، �� الله يعلم أنهم لن يحققوا بهذا الطريق الهدف الذي من أجله جاء ا .. "لقد كان الله- سبحانه -يعلم أن هذا ليس هو الطريق ..كان يعلم أن العدالة ا �� بد أن تنبثـق في مجتمعال من تصور اعتقادي شامل، يرد ا كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن كافلت الجميع، ويستقر معه في قلب ا والمأخوذ منه سواء أنه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا وا سواء .ف تمتلئ قلوب بالطمع، و تمتلئ قلوب بالحقد، و تسير ا كلها بالسيف العصا،و وبالتخويف وا!و تفسد القلوب كلها وتختنق ا كما يقع في ا التي تقوم على غير" �� إله إ الله"." رأينا كيف أن ا في الرأسمالية وفي الشيوعية وفي أي وضع من أوضاع البشرية تقوم على الحقد وعلى الضغائن علىو الظلم وعلى ا وعلى كل أنواع الفساد النفسي الذي يتعرض له ا .ولكن حينما يكون العدل منبثقا من وقوف الناس اجميع على قدم المساواة أمام رب واحد وأمام قوة واحدة، يستمدون منها نظامهم، ويستجيبون لما يأمرهم به من صور ا ومن صور التوزيع، نذاكحي يستتب في قلوب الناس الحب والتعاون، ويتحقق في المجتمع العدل والتكافل والتعايش ..وبغير ذلك �� تقوم الةعد اجتماعية .فلهذا كان هذا ا اقتراحاً واهماً، وبعيدا عن تحقيق أي خير للبشرية، كما أنه بعيد جدا عن تحقيق هدف ا رادوم الله عز وجل من خلق ا .
عدد الصفحات ١٠٦طبيعة المنهج القراآني ٥١ أما ا الثالث، وهو أن يقوم رسول الله ﷺ بدعوة الناس إلى الترفع ا والعودة إلى الفطرة الطيبة السليمة، إقامةو مجتمع يقوم على القيم الكريمة الفاضلة، في مقابل ما يعج به المجتمع الجاهلي من فساد أخ ومن انحطاط في كل صور الحياة؛ واءس كان في حبهم للخمر، أو في حبهم للزنا، أو في صور كثيرة من صور الظلم ا من ربا وغيره...فهذه الدعوة ا هي دأش صعوبة على المجتمع الجاهلي، �� أهل الجاهلية حينما يعيشون في مستنقع ا ا ويستمرئون طعم الفساد، قلما يقبلون من أحد من المصلحين أن يخرجهم من هذا المستنقع .ونادر جداً من يتوجه إلى هذه النظافة الخلقية .وحتى لو استجابوا فإن افةالنظ الخلقية والتوجه الخلقي �� يتحقق فع إ من خ إيمان بالله وخوف من الله وحرص على إرضاء الله عز وجل .."ولكن الله- انهسبح -كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن ا �� تقوم إ على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تندتس إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين .وإنه قبل تقرير هذه لعقيدة،ا وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة، وتظل ا التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، ب ضابط، �� سلطان، وب جزاء"! وعلى هذا المقياس يصبح كل طريق اآخر وكل اقتراح اآخر �� بداية من البدايات مرفوض، وغير متناسق مع مراد الله عز وجل لذيا يريده من الناس، و يحقق ذلك الهدف ا الذي يظنه بعض الجه أو المنهزمين أمام النظام الجاهلي ويقترحونه . وحينما بدأ الرسول ﷺ ب إله إ الله واستجاب الناس على هذا النحو الذي سجله لنا التاريخ، وسارت ا- كما نعلم من يرهاس في الجيل ا -تحقق الهدف في واقع الحياة منذ تحقق ذلك الهدف ا]�� إله إ الله[الذي استجاب له أول مرة نفرٌ ،قليلون ثم اتسعت القاعدة، ثم حدث النصر ا وحدثت بعد ذلك الفتوحات ..كل هذا �� نقطة البداية كانت صحيحة، وترتب لىع هذه النقطة الصحيحة والبداية الصحيحة كل ا التي كان هؤ المقترحون يقترحونها؛ تحققت الحرية والعزة ا تحققتو العدالة ا وا وتحقق أيضا الترفع ا وا النفسي لدى هؤ العرب الذين كانوا يعيشون اهليةالج بكل سوءاتها وانحطاطها . "فلم تقررت العقيدة- بعد الجهد الشاق -وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة ..لَم عرف الناس همرب وعبدوه وحده ..لَم تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء ..لَم تقررت في القلوب" �� إله إ الله .."نعص الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون ..تطهرت ا من" الرومان والفرس .."�� ليتقرر فيها سلطان" العرب ." ولكن ليتقرر فيها سلطان" الله .."لقد تطهرت من سلطان" الطاغوت" كله ..رومانياً، وفارسياً، وعربياً، على لسواءا . وتطهر المجتمع من الظلم ا بجملته .وقام" النظام ا"، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، فعوير راية العدالة ا باسم الله وحده، ويسميها راية" ا ."�� يقرن إليها اسماً اآخر، ويكتب عليها: "�� إله إ للها !" وتطهرت النفوس وا وزكت القلوب وا دون أن يحتاج ا حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله- إ في الندرة النادرة -�� الرقابة قامت هناك في الضمائر، و الطمع في رضى الله وثوابه، والحياة والخوف من غضبه عقابه،و قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات .
عدد الصفحات ١٠٧الفصل الثاني ٦١ وارتفعت البشرية في نظامها، وفي أخ وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من بلق قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إ في ظل ا ". �� بد من السير على هدي ا هذا التصور وهذا اليقين بأهمية وضرورة البداية ب إله إ الله بهذه الصورة الواضحة مهم جدا أن يكون زاداً لقلوب العصبة ؤمنةالم التي تواجه الناس اليوم، والتي تريد أن تقيم الحق في ا مرة أخرى .و بد أن تكون هذه القضية عميقة في نفوسنا كل عمق،ال وأن نكون معتزين بها كل ا ونكون قادرين على الحجاج عنها أمام كل من يقف أمامنا من أهل ا سواء كانوا أصحاب السلطان، أو كانوا من العلماء، أو كانوا الدهماء من الشعوب، �� بد أن نُصرْ على هذه النقطة وعلى هذه البداية مهما كانت المواجهات التي هناستواج .. وهذا زاد ضروري وأساسي في عملنا وفي دعوتنا ..فبقدر يقيننا بهذه القضية بقدر نصر الله سبحانه وتعالى لنا، هوصون إيانا ..�� هذا أمر الله، وليس من حقنا و من شأننا أن نختار على اختيار الله، وما وسع رسل الله يسع الدعاة إلى الله بعد ذلك ..وإذا كنا دنري أن نكون في ركب ا �� بد أن نقتفي اآثارهم وأن نُصِرْ على السير على طريقهم . أول شروط النجاح؛ إقامة هذا الدين في الضمير وفي الواقع؛ عقيدة وعبادة وسلوكا و بد أن ندرك شروط النجاح في هذا ا لكي نحاولها ونتمسك بها كي نستحق شرف ا وشرف التمكين ورضى الله عز وجل .."ولقد تم هذا كله �� الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك". وهذا الذي نكرره دائما؛ أننا لن نحظى برضوان الله وباصطفاء الله وبوقوف الله معنا وبنصره لنا إ إذا فعلنا كما فعل الجيل ا تماما ..وهم كانوا قد أقاموا هذا الدين من لقب في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك .�� بد أن تكون تصوراتنا صحيحة وعميقة ويقينية ونقية وصافية ماما،ت �� بد أن نطمئن أن قلوبنا وعقولنا قد فهمت العقيدة فهما حقيقيا وصافيا، ليس فيه أي قدر من ا أو التردد أو الشُبَه أو الغَبَشْ، تىح تصبح عقيدتنا واضحة تماما، ويرى الله عز وجل بعلمه أننا مستيقنون بالعقيدة الحقة التي يريدها بصفائها ونقائها .وهذه القضية اجتحت علماً، وتحتاج دراسة في القراآن وفي السنة، وفي أخذ الصحابة لهذه العقيدة، فهماً وإدراكاً ووعياً، كما ينبغي أيضا أن يتمثل هذا الدين يف خلق؛ أن نكون متخلقين حقيقة باآداب ا بأن نكون بيننا وبين الله صادقين ومخلصين، ف تكون ظواهرنا غير نوايانا، � نرائي الناس بأعمالنا، و نخشى الناس، بل نخشى الله وحده، علينا أ نستخفي من الناس و ننسى الله ..وإنما يكون ظاهرنا كباطننا، بل نيكو باطننا أفضل وأكثر ص من ع وأن تكون معام مع الناس قائمة على الصدق، وليس على الت و على الخيانة و ىعل المعاريض و على التجسس و الخوف و الجبن، و بد أن نكون أصحاب خلق متين ومكين يجعلنا مرضيين عند الله، ومرضيين عند لخلقا أيضا، ونكون قادرين أيضا على العدالة بين أو وزوجاتنا وإخواننا، وأن نصون ألسنتنا عن الغيبة وعن النميمة، وأن تتطهر ناأموال من الحرام، وتتطهر خواطرنا من الفساد ..�� بد أن يتمثل هذا الدين في صورة أخ واضحة وجيدة .وحينما نصنع ذلك سيختفي يرالكث جداً من متاعبنا ومشاكلنا التي نعاني منها؛ نتيجة عدم صدق بعضنا مع نفسه ومع الله في أن يلتزم بالقيم ا والقيم ��.
عدد الصفحات ١٠٨طبيعة المنهج القراآني ٧١ لكن هؤ الذين أكرمهم الله بإقامة دولة ا ونظام ا كانوا قد أقاموا هذا الدين قبل ذلك في ضمائرهم في صورة عقيدة نقية صحيحة واضحة صافية، وفي صورة خلق حقيقي يتعاملون به حينما يكونون مع الناس، أو في خلوتهم، مع العظيم ومع حقير،ال يعطفون على الحقير كما يعطفون على الكبير، ويعاملون الوضيع بعدل واحترام كما يعاملون الكبير، وهكذا ينبغي أ يكون يناف تجبر و طغيان، ف نعامل الكبار خوفا ونفاقا، فإذا جئنا إلى الصغار والضعفاء نحتقرهم أو نظلمهم، ينبغي أن نكون قد أقمنا الحق فع يف قلوبنا وفي سلوكنا، وأن نكون قد أصبحنا حججا لله على خلقه، من خ قيامنا بالقيم ا في سلوكياتنا الصغيرة قبل يرة،الكب كيف نتعامل مع الخادم ومع" الفرّاش" ومع" الزبّال" كما نتعامل مع الرئيس والملك والعظيم والحكيم ..فإذا استطعنا أن نكون كذلك، اواستطعن أن نقيم العدل والرحمة والرفق والقيم في كل لحظة وفي كل وقت نأمل أن يصطفينا الله سبحانه وتعالى.. وهم قد أقاموها أيضا في صورة عبادة ...وينبغي أن نكون- أيضا -كذلك، بحيث نشتاق إلى القيام بين يدي الله في � ونشتاق إلى ذكر الله عز وجل، ونفرح حينما نسمع اآيات القراآن، وتضيق نفوسنا وتتقزز حينما نسمع ا والعهر الذي تفعله هلية،الجا ونسعى إلى التنسك والتعبد، وإلى السجود وتعفير جباهنا على ا بين يدي الله، ونحس بح الخضوع لله عز وجل في دتعب حقيقي يصنع من قلوبنا قلوبا رقيقة نقية مخبتة باكية، خوفا من ج الله، وحباً لله، وتوقيراً لله، وخوفاً من عذابه، وطمعاً في جنته .فنهرع إلى العبادة مشوقين، وليس بإحساس المساقين إلى واجب ثقيل على نفوسنا، نفرح إذا أذن المؤذن، �� هذا إيذان بأن نقف بين يدي بنا،ر وأن هذا ا توقيت جعله الله ليفتح أمامنا بابا من أبواب الوقوف بين يديه والتقرب إليه ..فحينما نعيش معنى العبادة هذاب الشكل الراضي المشتاق المحب يتحقق فينا ما يريده الله سبحانه وتعالى، ويحق لنا أن نطمع في نصره وفي معيته سبحانه وتعالى . كما أنهم أقاموها في صورة سلوك، بحيث يكون سلوكنا في كل وقت وفي كل حين شهادة لهذا الدين، لنقيم بذلك الحجة على الناس .. الصفقة الرابحة "وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، �� يدخل فيه الغلب والسلطان ..و حتى لهذا الدين على أيديهم .. وعداً واحداً �� يتعلق بشيء في هذه الدنيا ..وعداً واحداً هو الجنة .هذا كل ما وُعِدُوه على الجهاد المضني، وا الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية با الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: "�� إله إ الله " !" والتعبير هنا قد يشي كما لو أن هذا الوعد الواحد قليل أمام هذا الجهد، وأمام هذه التضحيات وهذه المواجهات!، وهو �� يعني هذا بيعةبط الحال، وإنما يعني أن الوعد الذي وعده الله للمؤمنين، وإن كان وعدا واحدا، ولكنه وعد بعيد عن رغبات أهل الدنيا ووعود أهل ياالدن. وملوك أهل الدنيا وأباطرتها يعدون الناس بنعيم الدنيا ويمنونهم بها- هذا إذا كانوا قادرين على ذلك -ولكن الله عز وجل وعده من العظمة ومن ا ومن الخلود بحيث أنه وعدهم الجنة التي نعرف قدرها، والتي وصفها الله لنا فقال فَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا ا لَهُمْ مِنْ قُر ا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾]السجدة: ٧١[، فهو وعدّ واحدّ حقاً، لكنه وعد من العظمة ومن الروعة ومن الجمال ومن الغنى ومن المتاع بحيث أنه يوازي- بل يزيد بما �� يقاس -على كل هذا التعب الذي يتعبه المؤمنون في إصرارهم على الحق.
عدد الصفحات ١٠٩الفصل الثاني ٨١ والحقيقة أن ا السائر في طريق الله، والذي ينتظر وعد الله بالجنة، وينتظر رؤية وجه الله، وينتظر رضوان الله بحانهس وتعالى، وينتظر صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين �� يجوز أن يشعر أبدا أن ما يبذله في هذا الطريق- مهما كان في مقاييس لبشريةا صعبا - �� يجوز أن يشعر أنه شيء كبير ..ينبغي أن نستحي من شعورنا أننا نضحي في سبيل الله ..نحن �� نضحي، �� حيةالتض معناها أنك سوف تتخلى عن شيء ب مقابل، ولكن الحقيقة غير ذلك ..فأنت حينما تضحي بالدنيا كلها فأنت تختار ا لبك امتداداتها وخلودها وعظمتها ..فما الذي ضحيت به؟ هذه ليست تضحية، ولذلك كلمة التضحية- في مدى علمي -لم ترد �� في القراآن و في السنة تعبيراً عما يقدمه الناس لله، وإنما جاءت كلمة الجهاد والمجاهدة، لكن ليس بمعنى التضحية التي تعني التنازل عن الشيء ب ابلمق. وا المؤمن يجب أن يستشعر أنه مهما بذل في سبيل الله، ومهما تنازل عما يحبه، أو تعرض لما يخيفه في سبيل رضاةم الله فهو في الحقيقة لم يضح، وإنما هو قد دفع ثمنا ضئي حقيراً بسيطاً في مقابل جزاء هو من العظمة بحيث �� يستطيع يالهخ أن يتصوره ﴿ فَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا ا لَهُمْ مِنْ قُر ا ﴾]السجدة: ٧١[ فالتعبير بأن المؤمنين وُعِدوا وعداً واحداً هو كل ما وعدوه ليس معناه التقليل من شأن هذا الوعد، و من شأن هذه الجنة .هو وعد احد،و ولكنه وعد يشمل كل ما يريده ا ..فما الذي يريده ا في ا يريد اللذة والمتاع والمال والراحة وعدم الخوف دموع المرض وعدم الموت ..هذا كل ما يريده ا في ا ..وهذا كله موجود في الجنة؛ �� فيها نصب و تعب، و موت، و خوف، و فراق، وفيها متاع دائم وب تعب؛ يأكل ا و يتعب، ويشرب و يتعب، ويتمتع و يتعب ..فما الذي يريده �� بعد ذلك؟ فالجنة جزاء شامل فوق ما يتصوره وفوق ما يمكن أن يتخيله ا وهو جزاء يجمع كل ما يأمله ا من ألوان السعادة يف ا . فحينما يُوعَد هذا الوعد، وحينما يقال إنه وعدٌ واحدٌ فالمقصود أنه لم يقرن الوعد بالجنة بالنصر في ا و بالجزاء في ا ..هذا هو المقصود بأنه وعد واحد ..فقد يموت المؤمن في المعركة و يرى النصر، وقد يموت المؤمنون جميعا كما حدث للمؤمنين نالذي ألقوا في ا فاستشهدوا جميعا ولم يروا نصراً ..فا المؤمن مطلوب أن يكون هدفه من الجهاد وهدفه من ا هو إرضاء الله سبحانه وتعالى، فيكون الهدف ا ل هو رضوان الله، ثم ما يترتب على هذا الرضوان من حياة طيبة في الجنة .لكن �� يجوز أن يرتبط هدف ا المؤمن و إيمان ا المؤمن و جهاد ا المؤمن في ا بأن يشترط على الله أن ينصره أو يمكنه في ا أو أن يوسع عليه في الدنيا، أو أن يؤمنه من المتاعب وا ..كما �� يجوز له أن يشرك في إيمانه وعبادته ه،لل أو أن يشرك مع رضوان الله شيئا اآخر من أمور الدنيا. فهؤ الذين اصطفاهم الله من الجيل ا ومن كل جيل بعده، وعدوا وعدا واحدا �� يتعلق بشيء في هذه الدنيا، وعدا واحدا وه الجنة، هذا هو كل ما وعدوه على الجهاد المضني وا الشاق والمضي في الدعوة ومواجهة الجاهلية. ا في ا سنة ثابتة للمؤمن والكافر والحقيقة أن صور الب هذه، وصور الجهاد والمجاهدة �� يعانيها المؤمن وحده، فا أص هي دار ابت والناس جميعا في ذهه ا يكدّون ويتعبون ويكدحون إِنْ ﴿ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِن يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الل مَا � رْجُونَ يَ ﴾]النساء: ٤٠١[. وتاريخ البشرية منذ أن وجدت وحتى تنتهي مليء بالصراع والعراك وا للناس جميعا؛ سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين .� يتصور المؤمن أن السير في طريق الله هو الذي يؤدي به دائما إلى التعب وإلى الضنك، وإنما كل سير في الحياة تصاحبه المشقة ويحفه التعب .وهناك
عدد الصفحات ١١٠