جيل قراآني فريد ٩٢ وهكذا ا حينما يسلم نفسه للبيئة وللمجتمع ويعيش بوراثاته، فيلغي عقله، ويأخذ كل ما ورثه على أنه بدهيات مسلم بها، فيتقبل المستحيل ويرفض البدهي، ويظن أنه على صواب .حتى أنهم كانوا يقولون- كما يحكي عنهم القراآن -إِنْ ﴿ كَادَ لَيُضِل عَنْ هَتِنَااآلِ � ا صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾]الفرقان: ٢٤[، ويعتبرون هذا فوزا عظيماً؛ أنهم نجحوا في مواجهة الفتنة؛ فتنة التضليل التي جاء بها محمد ﴿ لَوْ ا صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾]الفرقان: ٢٤[... ف شك أن جدة ا كان لها أثر كبير جداً في حياة الصحابة، نقلتهم نقلة هائلة، �� عاشوا الض فلما تفتحت يونهمع وأبصارهم وعقولهم على ذلك النور كان شعورهم با شعوراً من العمق ومن الحب بحيث استطاع أن يغير ويزيح كل اتالعقب التي كانت في نفوسهم، وطهر ا كل جوانب السوء والضحالة في قلوبهم ..ف شك أن ذلك العامل، عامل جدة الرسالة وغربة �� كان عام مؤثراً تأثيراً كبيراً جداً في حياة الصحابة.. وجود هذه العوامل في حياتنا هذه العوامل ا جلها موجود في حياتنا٢٤... عامل القراآن موجود، بل أننا نعلم عن القراآن" كمعلومات" أكثر مما كان يعلمه بعض الصحابة .فبعضهم كان �� يعلم من القراآن إ ما سمعه من الرسول ﷺ، أو ما وصله من المقربين إليه من الصحابة .لكننا نحن قد جُمع لنا كل ما قاله الصحابة ووعوه عن القراآن .فنحن نعرف علم الصحابة كله عن القراآن، وعلم الصحابة كله عن السنة .ف شك أن الصحابي كان يجهل كثيراً مما قاله الرسول ﷺ .وكان عمر وأبو بكر يسأ الصحابة عن بعض ا والقضايا المعضلة التي كانت تقابلهما،" من سمع عن رسول الله ﷺ كذا كذاو "، وربما كان أحدهما �� يجد إ صحابيا واحدا عنده خبر عن رسول الله ﷺ فيمضيه. أما نحن فقد جمع الله لنا السنة كلها؛ واآ ا بين أيدينا محققة .والقراآن ك الله محفوظ كما كان في عهد ة،الصحاب وسنة رسول الله ﷺ بين أيدينا كما كانت بين أيدي الصحابة. هل الحياة ا متوقفة على وجود الرسول ﷺ والعامل الذي اختفى هو شخص رسول الله ﷺ، ولو علم الله أن استئناف الحياة ا متوقف عليه لما كلفنا با أو كان قد أطال في عمر الرسول ﷺ مدى ا كلها ..ولكن الله لم يفعل ذلك، فهذا العامل ليس عام أساسياً في استئناف الحياة �� وإن كان عام ضرورياً في تأسيس الحياة ا أول مرة ..فالصحابة كانوا يأسسون ديناً، وكانوا يواجهون العالم كله دةبعقي جديدة، وكانوا يحتاجون لينتقلوا من تلك الوهدة السحيقة لتلك القمة السامقة إلى رافعة قوية جداً ترفعهم، وهذه القوة كانت ةممثل في رسول الله ﷺ .أما الذين جاءوا من بعدهم فقد وجدوا ا يسيراً سه لقد انتشر ا وجاء التابعون وقد تطهرت الجزيرة كلها من كفر،ال ثم مع وجود الصحابة في خ خمس وعشرين عاما انتهت أعظم إمبراطوريتين في التاريخ وخضعتا ل ..فالتابعون دق وجدوا ا ٢٤ يراجع ما كتبه ا محمد قطب عن هذه العوامل في كتاب" منهج التربية ا" الجزء الثاني.
عدد الصفحات ٦٤الفصل ا ٠٣ بين أيديهم سه مُيسراً، وأكثرهم لم يعش الفترتين: فترة الجاهلية وفترة ا وإذا كان عاشهما فقد وجد ا سراً،مي لم يُعذب من أجله، ولم يتعب من أجله، إنما حينما قرر أن يسلم قُد له ا في طبق من فضة أو من ذهب. والذين جاءوا من بعدهم؛ وهم تابعوا التابعين ومن وراءهم، وجدوا ا هو القوة العظمى في ا كلها، تخضع له ممالك المالع وتسترضي خليفة المسلمين في كل مكان، فلم تعد القوة مطلوبة لرفعهم من واقعهم، �� واقعهم كان واقعا إس ..صحابةفال كانوا يحتاجون جهد الرسول ﷺ ليرفعهم أو ولكي يُطَبق ا أمامهم تطبيقاً سليماً، ليظل هذا النموذج ا ل ودا،موج ف يترك �� البشر .وإنما يُترك لنا الرسول ﷺ صورةً واضحة وتطبيقية عن ا وترجمةً عمليةً له، تصبح حجةً وعوناً شريةللب ولمن جاء بعد ذلك ..فكان وجود الرسول ﷺ ضرورياً للجيل ا .أما ا التي جاءت بعده فلم يعد وجود الرسول ﷺ ضرورياً لها السابقك . من أجل هذا لم يصبح هذا العامل مؤثراً في استئناف أي تجربة جديدة، وخاصةً أن هناك ما يعوض فقداننا رسول الله ﷺ، اعندن التاريخ ا كله بكل عظمته وضخامته، والذي عاش ث عشر قرناً على ا ومازال مؤثراً في حياة البشرية حتى ا التاريخف- رصيد التجربة -موجود .وهذا ما يؤثر على الناس، فا قد طُبق في الواقع مرة، فإذن يمكن أن يُطبق مرةً أخرى .وهذا غير ةالصحاب الذين لم يكن أمامهم مثل يقتدون به أو يستروحونه. وعندنا أيضاً رصيد الفطرة موجود، مما يعيننا على استئناف الحياة ا بسهولة. وعندنا سيرة الرسول ﷺ، وكتب الشمائل كلها، وهي- و شك -توصل إلينا نسمات السيرة ونسمات تلك الشخصية المؤثرة .إذاف عشنا مع سيرة الرسول ﷺ، وعشنا مع شمائله، وعشنا مع بصماته على صحابته، فسوف نعيش قريباً من الجو الذي كان يعيشه الصحابة مع الرسول ﷺ بالقدر الذي نحتاجه نحن في تجربتنا، والذي يتناسب مع حاجاتنا التي نحتاجها ا . والعامل ا وهو غربة ا موجود عندنا تماماً في جيلنا المعاصر كما كان في الجيل ا فكما أخبر الرسول ﷺ) أن � بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء( ٣٤ .فهذا العامل فعال جداً في حياتنا؛ وإن لم يكن فعا في عهد التابعين وتابعي لتابعينا ومن ورائهم الذين عاشوا تحت حكم ا وتحت سلطان ا فلم يدفعهم ذلك إلى المجاهدة وإلى ا بل ربما عهمدف وجود ا وقوة ا إلى الرخاوة وإلى الركون إلى الدنيا. وهذا العامل في حياتنا عامل مؤثر جداً، ويمكن أن يكون فعا كما كان فعا مع صحابة الرسول ﷺ ؛ حينما نشعر نحن أننا رباء،غ وأن ا جديد، وأننا عانينا وعشنا الجاهلية بكل ظلماتها وبكل انحطاطها، ثم أنقذنا الله عز وجل با وَاعْتَصِمُوا﴿ لِ بِحَبْ الل جَمِيعًا وَ تَفَر وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الل عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ ا فَا بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَا بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ الن فَا مِنْهَا ﴾]اآل عمران: ٣٠١[. فهذا الشعور نشعره نحن، وكل واحد فينا مر بالجاهلية وعاشها بشكل من ال،شك مث من الله علينا با ..ف شك أننا نحس الفارق كبيراً، ونحس أن الله قد أنقذنا من مصيبة، كنا على شفا حفرةٍ من النار فأنقذنا هالل منها. ٣٤ أخرجه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه.-
عدد الصفحات ٦٥جيل قراآني فريد ١٣ الفارق بين جيل الصحابة وا التي جاءت بعده فإذا كانت العوامل التي أنشأت الجيل ا كلها موجودة، فلماذا �� تفعل فعلها كما فعلت في الجيل ا...؟ ! هذا الذي نستكمله مع كلمات ا سيد في هذا الفصل: "لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتمياً لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوةً للناس كافة، وما جعلها اآخر رسالة، وما وك إليها أمر الناس في هذه ا إلى خراآ الزمان.. ولكن الله سبحانه تكفل بحفظ الذكر، وعلم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله ﷺ، ويمكن أن تؤتي مارهاث . فاختاره إلى جواره بعد ث وعشرين عاماً من الرسالة، وأبقى هذا الد من بعده إلى اآخر الزمان ..وإذن فإن غيبة شخص رسول الله ﷺ �� تفسر تلك الظاهرة و تعللها. فلنبحث إذن عن سببٍ اآخر .لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل ا فلعل شيئاً قد تغير يه،ف ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه، فلعل شيئاً قد تغير فيه كذلك . كان النبع ا الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القراآن .القراآن وحده .فما كان حديث رسول الله ﷺ وهديه إ ثراً أ من اآثار ذلك النبع ..فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ قالت) كان خلقه القراآن ( كان القراآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه، ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك �� لم يكن لبشريةل يومها حضارة، و ثقافة، و علم، و مؤلفات، و دراسات ..ك! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها ونهاوقان الذي ما تزال أوربا تعيش عليه، أو على امتداده .وكانت هناك مخلفات الحضارة ا ومنطقها وفلسفتها وفنها، هوو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم .وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها ذلكك . وحضارات أخرى قاصية ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين ..إلخ .وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان الجزيرةب العربية من شمالها وجنوبها، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب يرةالجز ..فلم يكن إذن عن فقر يف الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده ..في فترة تكونه ..وإنما كان ذلك عن" صميمت" مرسوم، ونهج مقصود ..يدل على هذا القصد غضب رسول الله ﷺ وقد رأى في يد عمر ابن الخطاب- رضي الله عنه - صحيفة من التوراة .وقوله) إنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إ أن يتبعني(٤٤". ا ا: النبع الصافي فكان إذن قصد رسول الله ﷺ هو قصر ذلك الجيل ا على القراآن ليستقي من ذلك النبع النقي وحده، وتخلص نفوسهم يف فترة التكوين ا ويستقيم عودهم على منهج القراآن وحده، وذلك كان السبب في غضبه ﷺ حينما رأى في يد عمر شيئاً راآخ بعيداً عن ٤٤ رواه أحمد في مسنده. ٣ج. ٧٨٣ص. وحسنه ا في إرواء الغليل.
عدد الصفحات ٦٦الفصل ا ٢٣ القراآن ..لذلك قصر رسول الله ﷺ الصحابة على القراآن .وحينما نقول" قصرهم على القراآن" نعني به السنة أيضاً، �� السنة هي شارحة القراآن ومفسرة القراآن.. "كان رسول الله ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين نم أي مؤثر اآخر غير المنهج ا الذي يتضمنه القراآن الكريم ." فهذه النقطة فارق كبير بين جيل الصحابة وبين كل ا التي جاءت بعده .فجيل الصحابة استقى من النبع حيدالو النقي الذي �� يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه .بينما بقية ا قد اختلطت فيها الينابيع، ودخل مع القراآن ثقافات لمجتمعاتا ا وتاريخ المجتمعات ا وكل اآثار المجتمعات ا وصُب في مجرى الثقافة ا روافد أخرى غير الرافد ا وحده، منو ثم اختلطت الينابيع. تلويث الفكر ا بالينابيع ا دخلت إسرائيليات أهل الكتاب، وثقافات الرومان وفلسفة اليونان، وأساطير الفرس، وخزعب المصريين، وغيرهم م،وغيره وأث ذلك بصورة أو بأخرى في تلك ا .وكلما بَعُد الجيل الجديد عن الجيل ا النقي، كلما ازدادت الرواسب، وكلما عُك الثقافة، كلماو دخل في مجرى الثقافة ا ملوثات جديدة لوثت الفكر ا... والذي يدرس التاريخ الفكري في المجتمعات ا يرى كيف أن كثيرا من هذه الثقافات المنحرفة دخلت مبكراً في جرىم الثقافة ا منذ أن فُتحت الشام وفتحت الفرس وفتحت مصر، ودخل كثيرٌ من الناس في ا خوفاً أو طمعاً، أو دخلوا وهم حملوني كثيراً من أفكارهم القديمة وتصوراتهم القديمة، أو دخلوا حقداً على ا لكي يحطموه من داخله، فاد ا ولكنهم لواحم معهم سمومهم إلى حياة وفكر المسلمين.... حدثت أفكار عبد الله بن سبأ اليهودي التي بك منذ عهد عثمان لكي يؤلهوا علياً ويتعصبوا �� البيت، ويوجدوا لكذ التيار البشع الذي مازال يعيش معنا حتى ا وهو تيار التشيع �� البيت، والذي أدى إلى تكفير الصحابة جميعاً ماعدا سبعة عشر صحابياً هم الذين اعتبروهم أولياء لعليْ، أما بقية الصحابة من أول أبي بكر إلى اآخرهم فقد كفروا جميعاً ..ثم رفعوا درجة الولي عن رجةد النبي، وقالوا إن الو أشد أهمية في حياة البشر من النبوة، فالنبوة مؤقتة والو دائمة، وحاجة البشرية إلى الو أكثر من حاجتها لىإ النبوة، ولذا اعتبروا درجة الولي أكبر من درجة النبي، وأعطوا ل ول ا عشر كل أحكام وعصمة ا وعلم ا لب قالوا إن ا يعلمون أكثر مما يعلمه ا. فدخل هذا التيار في تاريخ الحياة ا الفكري بهذه الصورة العجيبة، لكي يُفسد على المسلمين دينهم، همويشتت .ويوجد ما نسمعه حينما نقرأ التاريخ ا من ا الغريبة على عقيدة التوحيد وعلى فكر النبوة. حينما نقرأ رسائل إخوان الصفا؛ هذه الرسائل المليئة بالكفر والمليئة بالشطحات المقصودة، وكانوا جمعية سرية ثقافية، وكانوا ينـزعون إلى من يجدون فيهم الذكاء والفطنة لكي يفسدوا أفكارهم بهذه ا العجيبة.
عدد الصفحات ٦٧جيل قراآني فريد ٣٣ فض عمن سُموا بالف من أول ابن سينا والفارابي والكندي وغيرهم؛ كيف حاولوا أن يصبغوا الفكر الفلسفي نانياليو بصبغة إس فنقلوا كل وثنيات اليونان إلى قلب العقيدة ا وحدث تغيير وتلويث شنيع لعقيدة التوحيد في حياة لمينالمس . ثم حينما ندرس تاريخ الفرِق الكبيرة جداً على عرض التاريخ ا من قدرية ومرجئة وخوارج وشيعة وغيرهم .وكل فرقة من هؤ تتمزق فرقاً كثيرة وهكذا.. �� شك أن هذا كله كان له أثر كبير جداً في عقيدة المجتمعات ا في صراعهم مع أهل السنة الذين لم يستطيعوا أن ضبطواي إيقاع العالم ا على التصور الصحيح، وخاصةً أن بعض الخلفاء أسهم إسهاماً فعا في تحريف التصور ا العقيدةو ا كما حدث من المأمون والواثق والمعتصم وحتى المتوكل، وحدثت فتنة خلق القراآن، وحاولوا نشر فكر المعتزلة ..ف شك أن أشياء كثيرة قد حدثت من الخلفاء- كما حدث في الخ الفاطمية وغيرها -حدثت أشياء أفسدت نقاء النبع الذي استقى منه الجيل ا .فالجيل ا استقى من النبع الصافي، بينما اختلطت الينابيع فيما بعد، ودخلت كل رواسب الحضارات قافاتوالث إلى العالم ا واختلط كل ذلك بتفسير القراآن، ووُجد علم الك هذا العلم الذي يراه علماء أهل السنة المخلصون دخي على فكرال ا و يجوز للمسلم الحق أن يتلقى عقيدته من علماء الك �� علم الك قائم على المنطق ا وعلى يبأسال الفلسفة وغيرها .وحدث أن اختلطت المنابع ا بنـزعات بعيدة عن نقاوة ا وعن إدراك الحق، وما من شك أن اخت النبع �� كان عام أساسياً من عوامل ذلك ا البيّْن بين ا كلها وذلك الجيل المميز الفريد. ونحن إذا أردنا أن نحاكم التاريخ ا ومن ورائه نحاكم خلفاء المسلمين وعلماء المسلمين .وتساءلنا كيف حدث هذا في لمجتمعا المسلم، وكيف سُمح لهذه ا أن تتسلل وأن تنتشر، وأن يكون لها قوة ووجود داخل المجتمع ا �� إلى أن �� �� يمكن أن يكون قد حدث دون فقدان للوعي عند خلفاء المسلمين وعند علماء المسلمين. صحيح أن هناك ما يفسر بعض المصاعب؛ وهو دخول مجتمعات كبيرة جداً إلى العالم ا ودخولها في ا لكن هذا �� يبرر أن تُترك هذه الجموع التي دخلت في عقيدة ا وفي المجتمع المسلم، أن تُترك ب تربية، وأن تُترك ب تعليم، أنو تترك ب متابعة . لكن يبدو أن سعة المجال وكثرة ا وانشغال المسلمين بالفتوحات أدى إلى أن تضعف قبضتهم على مجرى ا التاليوب تسلل إلى صلب العالم ا وإلى روحه وإلى قلبه تلك ا والمعتقدات .لكني �� أعتقد أن هذا يبرئ الخلفاء والعلماء نم تهمة ا وعدم الوعي الكامل بالمسؤولية . كان من الممكن أن يحدث ضبط وأن يحدث إصرار على أن تسود عقيدة التوحيد بنقائها، ويصر على ذلك الخلفاء والعلماء .�� شك أنهم لو بذلوا جهداً كبيراً �� الله في ذلك .ولكن الخلفاء- إ من رحم الله -غرتهم السلطة، وغرهم الملك، وغرتهم الدنيا، مث تبعهم الناس وانشغلوا بالدنيا، ولم يعد ا أو التصور ا هو الذي يحكم الحياة بقوة كما كان في عهد الخ الراشدة ..وإذا كان الخلفاء يتحملون عبئاً كبيراً، فالعلماء أيضاً يتحملون عبئاً اآخر، وإن كانت هناك توازنات كانت تجبر بعض العلماء لىع تفويت بعض المواقف .لكن- كما قلنا -أنه في النهاية فإن الخلفاء والعلماء وبقية الرعية كانوا جميعاً شركاء في وجود هذه التيارات بجحةالمت التي وصلت إلى حد أن يأخذوا الحجر ا من مكانه ويهربوا به لسنوات عديدة ...وقد فعلها القرامطة حينما دخلوا إلى المسجد الحرام فكواوس دماء الحجاج وانتزعوا الحجر ا وأخذوه ..كيف حدث هذا؟؟ كيف يمكن أن تكون سلطة ا قوية ويحدث هذا؟؟ فض أن
عدد الصفحات ٦٨الفصل ا ٤٣ يكون هناك أصحاب فكر منحرف بهذا الشكل يصلون إلى ا المقدسة ويكون لهم شوكة ويكون لهم قوة بهذا الشكل ..كيف حدث ذلك؟؟ �� شك أنه كان هناك تقصير في ا إدارة العالم ا ممثلة في الحكام وممثلة في العلماء الذين لم يبذلوا الجهد لمطلوبا في وقاية العالم ا وفي المحافظة عليه وفي صيانته من كل تيار دخيل.. فإذا كان رسول الله ﷺ قد نجح في أن يقصر الجيل ا على النبع الصافي؛ فإن بقية من جاءوا بعد ذلك لم يتمكنوا نم أن يُبْقوا ذلك النبع الصافي مصدر العلم ومصدر التربية ومصدر ا.. وهذا ا بين قصر الجيل ا على القراآن وبين ا ا التي اختلطت فيها الينابيع؛ أدى إلى ذلك �� النوعي بين ا وبين الجيل ا وما ترتب على ذلك من انحدار الخط من القمة إلى السفح حتى ارتدت ا في يوم من ا إلى الجاهلية مرة أخرى كما نعيش نحن ا.. و شك أن الصحابة حينما تعاملوا مع القراآن كانوا يتعاملون معه- كما قلنا -بروح خاصة وبمشاعر خاصة نلخصها فيما يلي: أو: أنهم كانوا يمج الله سبحانه تمجيداً يليق به، ويوقرونه توقيراً يليق بألوهيته، وهذا كان يجعلهم يتلقون كتاب الله ويتلقون دين الله وكلمات الله بهذا التمجيد وهذا التوقير وهذا ا العميق لكل ما يأتيهم من عند الله ... ثانيا: أنهم كانوا على يقين من معية الله لهم، ونظره إليهم، وأن الله قد منّ عليهم بنعمة الهداية، ونعمة النبوة، ونعمة القراآن، وأن ذلك كله هدية ربانية، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عتامة الجهل إلى وضاءة العلم، ومن شقاء الجاهلية والهوى إلى نعيم مانا وا ..كل هذا كان له اآثار عميقة في حياتهم، وكانوا يرون رسول الله ﷺ وهو يمثل قمة العبودية وا لرب ن،العالمي ا الذي جعلهم يعيشون وقد م ا بمعية الله ورقابة الله ورعاية الله. ثالثا: أنهم كانوا حينما يأتون إلى القراآن كانوا يأتونه متخلصين من كل ما كانوا عليه، أو من كل المقررات السابقة كما رحسنش بعد قليل . رابعاً : أنهم كانوا زاهدين تماماً في أي مصدر اآخر غير القراآن وغير الرسول ﷺ . خامساً : أنهم ترجموا القراآن إلى حياة حقيقية معيشة، فلم يكونوا يأخذونه كمعلومات أو كفلسفة. ا الثاني: منهج التلقي للتنفيذ وهذا هو العامل الثاني، أو ا الثاني بعد اخت طبيعة النبع والينابيع التي استقت منها ا التي جاءت بعد الجيل ا .. ا الثاني: هو منهج التلقي لهذا القراآن .."إنهم- في الجيل ا -لم يكونوا يقرأون القراآن بقصد الثقافة � و بقصد التذوق والمتاع ..لم يكن أحدهم يتلقى القراآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة، و فليضي إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصو يم به جعبته ..إنما كان يتلقى القراآن ليتلقى أمر الله في خاصة أنهش وشأن الجماعة
عدد الصفحات ٦٩جيل قراآني فريد ٥٣ التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك ا ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى لجنديا في الميدان" ا اليومي" ليعمل به فور تلقيه .."! وهذا طبعاً اخت كبير جداً .حينما يسمع ا ا محطات إذاعة القراآن الكريم على كافة محطات العالم ا يقف مدهوشاً من كمية العلم التي ترد في هذه المحطات؛ سواء عن عقيدة التوحيد الخالصة أو في ضرورة اتباع الرسول ﷺ أو في الرؤية لعميقةا �� المنهج ا عن بقية المناهج وفي عظمة المنهج ا وفي عظمة وحكمة التشريعات ا وفي مةعظ الصحابة، وفي خسارة ا التي تنكبت الطريق، ومعرفة السبب فيما نحن ا عليه من ضحالة وضنك ..كل هذا واضح وضوح الشمس في هذه المحطات.. ولكن أين هو واقع الذين يقولون هذا الك إن الذين يتكلمون في محطات ا هذه هم الذين يسندون النظم الجاهلية، وهم ذينال يفتون للطواغيت ليعطوهم شرعية الوجود، ويعطون �� شرعية السمع والطاعة ..فهؤ الذين يُسمون علماء إنما هم وجامع معلومات .. يأخذون ا للثقافة ول ..وحينما تسمع في برنامج ب القراآن، وب السنة، تقف مدهوشاً ...من دقة ا :لماذا استعمل الرسول ﷺ تعبير" إن" أو" من"، أو هذا الفعل المضارع ..تجد دقة في إدراك حكمة الك ومراميه وأثره وكذا وكذا ..ثم ينأ هؤ! ماذا يفعلون في هذا المجتمع؟ إنهم إن لم يكونوا جنوداً مخلصين للطواغيت فهم يُعتبرون هم �� يؤثر في حياة ناسال ..أحسنهم من �� يؤثر في حياة الناس ..وهذا وحده جريمة، �� مطلوب من العلماء أ يكتموا ما عندهم من العلم ..فما بالك بهؤ الذين عطوني صكوك الطاعة وصكوك الغفران إلى كل ما يحدث في واقعنا المعاصر؟ !! ف شك أن ا التي جاءت بعد الجيل ا أخذوا القراآن للدراسة وللثقافة، وأخذوه للتذوق والمتاع ..يتذوقون هب وأدبه وما فيه من إعجاز بياني وغيره ..كما أنهم أيضاً يستكثرون منه كزاد للدراسة يأخذون به شهادات الدكتوراه وشهادات العالمية ..ثم رقّونيت بها في أعين الناس ليأخذوا من ورائها مكسباً مادياً ..وإذا كان التابعون وتابعو التابعين وأجيال المسلمين ا لم يكونوا يأخذون اآنالقر بنفس الصورة التي أخذها الصحابة، لكنهم كانوا يحاولون ...يحاولون أن يعيشوا القراآن بقدر ما يستطيعون، وإن كانت الدراسة قد خذتأ قسطاً كبيراً من حياتهم ..اهتموا كثيراً بعدد اآيات القراآن وعدد حروف القراآن ..وهذا لم يشغل الصحابة يوماً ما .. لكن جاء من المسلمين ومن أجيال المسلمين من اهتموا كثيراً أن يقولوا لك" عند هذه الكلمة يوجد نصف القراآن أو ربع القراآن، كذاو " .. صحيح أن ا بالقراآن وبكل ما حول القراآن شيء عظيم في ذاته؛ ولكن إذا كان هذا سيسحب قوة التفاعل مع القراآن ابلحس هذه الشكليات ف شك أنه يكون خسارة كبيرة.. فا التي جاءت بعد الجيل ا درسوا القراآن للدراسة وللتذوق والمتاع، أو للتبرك ولمنع الحسد، ولمنع المصائب ...بينما عند الجيل ا كانت هذه ا موجودة؛ كانوا يتبركون بالقراآن وكانوا يتذوقون القراآن؛ ولكن هدفهم ا كان هو الطاعة للقراآن حياةوال مع القراآن ..وهم حينما كانوا يعيشون مع القراآن كما يعيش الجندي في الميدان- ينفذ ا فور تلقيه -تحقق لهم في نفس لوقتا العلم والمتاع والتذوق بكل أبعادها وبكل أعماقها.. فالفارق بين الجيل ا وغيره أن الجيل ا تلقى للتنفيذ، بينما ا ا كانت تتلقى للدراسة والمتاع ..التلقي للتنفيذ كان هو سمة المجتمع ا وظلوا كذلك يعيشون مع القراآن وينفذونه حتى بعد وفاة رسول الله ﷺ.
عدد الصفحات ٧٠الفصل ا ٦٣ فكانت حياتهم مع الرسول ﷺ وما بعد الرسول ﷺ أمراً عجيباً ...كانت كلمة من القراآن، أو كلمة من رسول الله ﷺ كافية للتحوي مسار ا أو لتحويل مسار ا ..وكما رأينا في تحريم الخمر؛ انتهى المسلمون عن شرب الخمر حينما سمعوا منادياً يسير في رقاتط المدينة ويقول" أ إن الخمر قد حُرمت .."انتهى ا في لحظة حينما نزل قول الله فَهَلْ ﴿ ا مُنْتَهُونَ ﴾]المائدة: ١٩[قالوا: انتهينا يا رب .. لم يحتج ا �� إلى شرطة و جيش و محاكم و أحكام بالقتل كما حدث عندما حاولت أمريكا أن تفعل، ولم تنجح وأرجعت الخمر مرةً أخرى بعد أن فعلت كل ما استطاعت من سجن وإعدام، لكن �� ا لم يكن ديناً ولم يكن التلقي بقلوب مؤمنة من ربهم سيدهمو لم يخضع ا واضطرت الحكومة ا إلى إباحة الخمر بعد ذلك.. ورأينا كيف تلقت المسلمات أمر الحجاب؛ وكيف ذهبن إلى رسول الله ﷺ وهن معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ..مع أنه نكا يمكن أن يذهبن أو إلى رسول الله ﷺ ويسمعن اآيات الحجاب ويساومن في تفاصيل ا بطريقة النساء المعلومة وحرصهن لىع الزينة وكراهيتهن �� شعورهن، كان يمكن ذلك، وخاصةً أن النساء في الجاهلية كن يفعلن ما تفعله الجاهليات ا من المسافحة صدورهنب وضرب الخلخال وإثارة الفتنة والخضوع في الك ...لكن الصحابيات رضوان الله عليهن ما أن سمعن أن اآيات الحجاب نزلت حتى تمنطقن بمناطقهن وقسموها واحتجبن بها وذهبن إلى رسول الله ﷺ معتجرات" ..كأن على رؤوسهن الغربان" ٥٤ ..وهذا تعبير السيدة أم سلمة وهو تعبير فني ودقيق جداً، يوحي بأن ما يهمهن هو التنفيذ الفوري، �� الشكل وا التي تحاول المرأة أن تبدو هاب ...ليسمعن من رسول الله ﷺ ا التي نزلت في الحجاب ..لكننا نرى ا المرأة التي تتحجب، �� تغفل عن الزينة في الحجاب لذيا تلبسه، أو خصلة الشعر التي تحرص على إبدائها، أو الماكياج الذي تضعه وهي مرتدية للخمار!!! ليس هناك أي إدراك لمعنى الحجاب ..معنى الحجاب هو وقاية المرأة من الفتنة ووقاية الرجل من الفتنة أيضاً ووقاية الشارع ا من الفتنة ..لكن ال يتحجبن اليوم كثير منهن يحرصن على ا والزينة. لكن الصحابة والصحابيات كانوا يتلقون ا للتنفيذ؛ التنفيذ ا جداً، بل قمة التنفيذ.. حينما تحولت القبلة؛ تحول المسلمون وهم ركوع للقبلة الجديدة، و أعرف كيف حدث هذا ..�� الذين كانوا في المدينة انواك يتوجهون لبيت المقدس، وا الجديد عكسي تماماً ل القديم ..فكيف تحولوا وهم ركوع إلى القبلة الجديدة؛ ينوأ موقع ا لكنهم كانوا ينفذون ا تنفيذاً دقيقاً ..كانوا يصلون فجاءهم رجل وقف على باب المسجد" أ إن القبلة قد حولت إلى لكعبةا" فتحولوا وهم ركوع ..وهذا على مستوى المجموع، ولم يكن على مستوى أفراد ..كانت هذه الروح موجودة على مستوى المجموع وليس على مستوى ا ..أما على مستوى ا فحدث و حرج ..كانت هناك صور عجيبة في حياة الصحابة كأفراد في تلقيهم نم الله وتلقيهم من رسول الله ﷺ. سيدنا علي في غزوة خيبر؛ حينما قال الرسول ﷺ) غداً أعطي الراية رج يحب الله وسوله ويحبه الله ورسوله(، فبات حابةالص جميعاً يشرئب كل واحد منهم أن يكون ذلك الرجل .ويقول عمر" لم أشتهِ ا يوماً إ ذلك اليوم .."ثم أعطى الرسول ﷺ الراية لعلي نب أبي طالب- رضي الله عنه-، وكان في عينه رمد فطيبها الرسول ﷺ وقال له) امض و تلتفت( ..فبعد أن خطا عليٌ بعض ات،خطو خطر له أن يسأل رسول الله ﷺ" ع أقاتل الناس؟" فوقف ولم يلتفت ونادى بأعلى صوته سائ ذلك السؤال ..تصرف عجيب، صرفت نعتبره ٥٤ سنن أبي داود. ٤ج. ١٦ص.
عدد الصفحات ٧١جيل قراآني فريد ٧٣ نحن بتفكيرنا تصرفا غير مفهوم ..نحن نتصور أن من ا أ نعطي ظهرنا للرسول ﷺ ونحن نكلمه ..ونتفلسف ...صحابةال لم يكونوا يشغلون عقولهم كثيرا في قضية السمع والطاعة ..قال له الرسول ﷺ" و تلتفت" إذن �� يلتفت، ويسأل وظهره لرسول للها ﷺ، ويسمع ا ويمضي ولم يلتفت ..تصرف �� يفعله إ الصحابة ..لكننا اليوم ندخل عقولنا دائماً وذواتنا وفلسفتنا ..�� المزاج يتدخل والتقدير السيء يتدخل، و ا ليس هو الهدف ا الممتزج بالروح والممتزج بالقلب والعقل والكيان كله... هكذا كان الصحابة يفعلون ..واقرأوا تاريخ الصحابة لتروا نماذج عجيبة في هذا ا تروا أنهم كانوا يتلقون كل شيء فذوهلين تنفيذاً حرفياً، كي يضمنوا صدق العبودية لله عز وجل.. فالتلقي للتنفيذ كان هو سمة وصفة المسلمين ا من الجيل ا بينما الدراسة والمتاع كانا سمة ا التي اءتج بعدهم . ولذلك وجدنا التفريط يأتي في سلوكيات المسلمين بعد الجيل ا ..ودخلت الترخصات، ودخلت الكثير من ا يف حياة المسلمين، وظلوا ينحدرون حتى وصلوا إلى ما وصلنا إليه، فأصبح ا لعبة ال ات دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَر الْحَيَاةُ يَاالد ﴾]ا: ١٥[. هذا هو سمت من يسمون بالمسلمين في ا ا إنهم اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ...يعلنون عن السحور في هاتكازينو الهرم؛ سحور على الموسيقى! ...على أنغام راقصة!! تتفنن بيوت ا في ابتكار أزياء للمحجبات، وتقيم عروضا زياء المحجبات .. أصبح ا لهواً ولعباً، ولم يعد ديناً ..ف شك أن ا بين الجيل ا الذي تعامل مع الحقائق ا بهذه لروحا العجيبة، وبين ا ا كان هو الفارق الذي أحدث ا في النوعية.. "هذا الشعور ..شعور التلقي للتنفيذ ..كان يفتح لهم من القراآن اآفاقاً من المتاع واآفاقاً من المعرفة، لم تكن تُفتحل عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة وا ..وكان ييسر لهم العمل، ويخفف عنهم ثقل التكاليف، طويخل القراآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي، وإلى ثقافة متحركة �� تبقى داخل ا و في بطون الصحائف، إنما تتحول اآثاراً وأحداثاً تحو خط سير الحياة ". ف شك أن العيش مع القراآن بروح العبودية، وبروح التلقي للتنفيذ، وبروح الخلوص من الذات ومن الفكر ا ومن ا ا يُحدث من البركة في حياة المجتمع المسلم، ُحدث وي من الفرقان والنور يَا﴿ ا ال اآمَنُوا إِنْ تَت الل يَجْعَلْ لَكُمْ افُرْقَانً ﴾]ا: ٩٢[يحدث من ذلك ما شاء الله أن يكون ..نعم إن العيش مع القراآن بروح العبودية وروح التلقي للتنفيذ يحدث ل وران يرى به ا ويُحدث من السكينة في قلب ا وقلب المجتمع ما �� تقدر على وصفه الكلمات وذلك إنما يكون حينما ونيعيش عبيداً �� يناقشون و يجادلون و يستحدثون و يغيرون مما وُج إليه وما ا به ..فض أنه يُحدث من الطمأنينة وا ماب يرد عليهم ما يجعل حياتهم تسير سهلة مُيسرة ..ففرقٌ كبير بين أن تتلقى ا وفي نفسك منه شيء، أو أنك تحتاج إلى مناقشته وإلى إدراك حكمته، وبين أن تتلقاه وأنت على يقين منه واطمئنان وثقة ..الفرق كبير في ا وفي تيسير التكاليف ..فالصحابة انواك يتلقون ا للتنفيذ، بينما كانت ا التي جاءت بعدهم تتلقاه بغير ذلك التصور وبغير هذه الروح.. "إن هذا القراآن �� يمنح كنوزه إ لمن يُقبل عليه بهذه الروح .روح المعرفة المُنشئة للعمل .إنه لم يجيء ليكون تابك متاعٍ عقلي، و كتاب أدبٍ وفن، و كتاب قصةٍ وتاريخ- وإن كان هذا كله من محتوياته -إنما جاء ليكون منهاج حياة .جاً منها
عدد الصفحات ٧٢الفصل ا ٨٣ إلهياً خالصاً .وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقاً، يتلو بعضه بعضاً وَقُرْاآنًا﴿ فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَا عَلَى اسِ الن عَلَى مُكْثٍ وَنَز تَنْزِي ﴾]ا ٦٠١[." وكما قلنا قبل ذلك؛ إن عدم نزول القراآن جملةً واحدة كان له أثر كبير في التعايش مع القراآن زمناً طوي ومع اآيات القراآن اً زمن طوي . وتحولت اآيات القراآن إلى أحداث وإلى مواقف وإلى انفعا أحدثت في قلوب وحياة الجيل ا ذلك الذي نراه في حياة صحابةال .. فكما قلنا: كان الصحابي يبيت وهو يتوقع في الصباح أن ينـزل فيه قراآن؛ أو أن يعاتبه الله في أمر، أو أن يُنـزل الله كماً ح ليحل مشكلة له، أو يأمر أمراً جديداً يترتب عليه تحو في حياته وفي سيره ..هذا الشعور المتوتر المترقب المتشوف المتشوق كان صنعي في قلوب الصحابة روحاً من الحيوية الدائمة، وعدم الغفلة وعدم ا وعدم ا وعدم النمطية التي عاشتها ا التي اءتج بعد ذلك الجيل . أما ا التالية فكانوا يعيشون والقراآن كله بين أيديهم، يقرؤونه حين يريدون، ويضعونه على الرف حينما يريدون، �� يختلط القراآن بحياتهم الواقعية اليومية كما اختلط بحياة الصحابة في حياتهم ا ..ف شك أن هذا القراآن الذي نزل مُفرقاً، ومكث وي في حياة المسلمين كان له أثر كبير في أن يتحول إلى مفاعل يفعل في نفوس المسلمين حياةً وحيويةً وتغييراً مستمراً في لوبهمق وعقولهم ونفوسهم وحياتهم.. "لم ينـزل هذا القراآن جملةً، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة، ووفق النمو المط في ا والتصورات، والنمو ط في المجتمع والحياة، ووفق المشك العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في تهاحيا الواقعية ..وكانت يةا أو ا تنـزل في الحالة الخاصة، والحادثة المعينة، تُحد الناس عما في نفوسهم، وتُصو لهم ما هم فيه من ا موترس لهم منهج العمل في الموقف، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم، وتعر لهم فاتهبص المؤثرة في الكون، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الم ا تحت عين الله، في رحاب القدرة، ومن ثم تكيفوني في واقع حياتهم، وفق ذلك المنهج ا القويم ." وحدث هذا مع الصحابة في المدينة كثيراً ..ونذكر قصة الج بن ٦٤سويد- وكان ممن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك -عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ ا قَالَ : كَانَتْ ا عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ الْجُ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَالَ الْجُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ : إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَم حَق فَلَنَحْنُ شَر مِنَ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهَا عُمَيْرٌ فَقَالَ : وَالل إِن � إِنْ لَمْ ا إِلَى الن صَل اللهُ عَلَيْهِ وَسَل ا يَنْزِلَ لْقُرْاآنُ ا فِيهِ، وَا ا بِخَطِيئَتِهِ، ِعْمَ وَلَن ا هُوَ لِي، فَا الن صَل اللهُ عَلَيْهِ وَسَل فَدَعَا الْجُ فَعَرَفَهُ وَهُمْ يَتَرَح فَتَحَالَفَا، جَاءَ فَ الْوَحْيُ إِلَى الن صَل اللهُ عَلَيْهِ وَسَل فَسَكَتُوا فَلَمْ يَتَحَر ا وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ � يتَحَر إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ، رُفِعَ فَ عنِ الن صَل اللهُ عَلَيْهِ وَسَل فَقَالَ : يَحْلِفُونَ ﴿ بِالل مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْ وَهَم بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِ ا ا الل وَرَسُولُهُ مِنْ ضْلِهِ فَ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَل يُعَذ الل عَذَابًا ا فِي الد وَا وَمَا لَهُمْ فِي ا مِنْ وَلِي وَ نَصِيرٍ ﴾]التوبة :٤٧[، ويجثو ٦٤ مصنف عبد الرزاق. ٠١ج. ٥٤ص.
عدد الصفحات ٧٣جيل قراآني فريد ٩٣ الج على ركبتيه، فيقول" بل أتوب يا رسول الله، بل أتوب، صدق عُمير وكذبت يا رسول الله"، ويظل يترجى حتى يتوب الله عليه، ويحسن إس بعد هذا، ويقول" جزى الله عميرا عني خيراً، فقد نجاني من الكفر .."موقف عجيب ب شك ..فنـزول الوحي هذاب الشكل على الصحابة ليقرر الواقع بهذا الشكل أمر �� شك كان يحرك نفوس الصحابة، ويجعلهم يسيرون وهم خائفون على نفسهمأ أن يسمعوا شيئاً يُغضب الله، أو يُغضب رسول الله ﷺ في الخفاء، فينـزل عليهم بسبب ذلك قراآن يُتلى إلى يوم القيامة.. ف شك أن حياة الصحابة مع القراآن جعلهم يتلقونه للتنفيذ، ويعيشون معه بهذه الروح التي عاشوها.. "إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل ا ..ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خر يالا التي تليه، وما من شكٍ أن هذا العامل الثاني كان عام أساسياً كذلك في اخت ا كلها عن ذلك الجيل المُمَي ريدالف ". هل من الممكن أن يتكرر هذا ا في أي جيلٍ من ا كيف نستطيع أن نوجد هذه الروح المترقبة القلقة المتوترة شوفةالمت التي كان يحياها أفراد الجيل ا حينما كان الوحي يتنـزل مفرقاً، وحينما كان" الخط الساخن" مفتوحاً بين السماء وا نماوحي كان جبريل يتنقل بين ا والسماء يحمل أوامر الله، كيف تتكرر هذه المسألة؟ بالتأكيد أنها �� يمكن أن تتكرر، وأن هذه روفالظ كانت وقفاً على التنـزيل ا وعلى الوحي ا وعلى الفترة ا وبالتالي فإن هذا القلق وهذا التوتر ليسا ممكنين صورةبال التي كانت في الجيل ا ولكن هل هذا ممتنع امتناعاً كام أم أننا نستطيع أن نجعل قلوبنا في تعاملها مع الله الذي يراها في كل ظة،لح يَعْلَمُ ﴿ خَائِنَةَ ا وَمَا تُخْفِي الص ﴾]غافر: ٩١[مَا﴿ يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَ إِ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ خَمْسَةٍ إِ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ ا مِنْ ذَلِكَ وَ ا إِ هُوَ مَعَهُمْ ا مَا كَانُوا ﴾]المجادلة: ٧[.. حينما نعيش بهذه الروح يمكن أن نعيش مع الله، وأن تمتلئ قلوبنا بمشاعر الخوف والتوتر ما يجعلنا نخاف أن يكشفنا للها عز وجل ويفضحنا، وأن يُعلم إخواننا بما في قلوبنا، وأن كل إنسانٍ مهما خفي على الناس أمره فإنه �� بد أن يفتضح يوماً ما إذا أصر على ا وعلى ا. وكم ستر الله عز وجل على الصحابة .ولكن أيضاً كم كشف من ا في عهد الصحابة! ...فكذلك كم يستر الله علينا، كنول أيضاً كم يفضح من الناس ولو بعد حين ..فلو أننا استشعرنا رقابة الله علينا لتعاملنا مع الله بنفس التوجه وبنفس وفالخ وبنفس التوتر وبنفس التشوف والتشوق الذي كان للصحابة منه نصيبٌ كبير. إنه من الممكن أن نستحدث في حياتنا شيئاً مما كان يجده الصحابة في أنفسهم وذلك حينما نحس أن القراآن مازال يخاطبنا �� بشخوصنا وبأوضاعنا وبواقعنا كما كان يخاطب الجيل ا وأن الله عز وجل حي �� يموت، وباقٍ �� يزول، وبالتالي فإن لهال الذي كان يرى الصحابة هو الذي يرانا، والله الذي كان يُنـز القراآن ليثني أو ليفضح هو الذي يستطيع ا أن يلهم القلوب الرضى نا،ع أو أن يفضحنا ولو في عقر دارنا ..فإذا عشنا مع الله بإحساس أنه قادر أن يفعل ذلك كما فعل قبل ذلك، فإننا نستحدث هذا شعورال في قلوبنا، ونعيش قريباً من مشاعر الصحابة يوم أن تنزل عليهم القراآن فهل نحن فاعلون؟ ا الثالث: ا الكامل من الجاهلية والو الكامل ل ثم يقول ا سيد قطب- رحمه الله -"هناك عامل ثالثٌ جدير با والتسجيل.
عدد الصفحات ٧٤الفصل ا ٠٤ لقـد كان الرجل حين يدخل في ا يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية .كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى ا أنه يبدأ عهداً جديدًا، منفص كل ا عن حياته التي عاشها في الجاهلية .وكان يقف من كل ام عهده في جاهليته موقف المستريب الشاكّ الحذر المتخوف، الذي يحس أن كل هذا رجس �� يصلح ل! وبهذا ا كان يتلقى هَدْي ا الجديد، فإذا غلبته نفسه مرة، وإذا اجتذبته عاداته مرة، وإذا ضعف عن تكاليف � مرة .. شعر في الحال با والخطيئة، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من ديدج أن يكون على وفق الهَدْي القراآني ". "كان الرجل حينما يدخل في ا يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية".. ولعل هذا الذي يفسر كلمة حابةالص حينما كانوا يقولون" أحدنا يؤتى ا قبل القراآن"٧٤ .كان الواحد منهم حينما يتحول إلى ا يسعى إليه وقد امت قلبه با .إذاف تلقى القراآن فعل في نفسه ما نسمع عنه ..لم يكونوا يقرأون القراآن أو ليؤمنوا به؛ وإنما كانت تستحوذ عليهم الحقيقة لكبرىا وحقيقة ا وتستحوذ عليهم الدعوة، وكان يستحوذ عليهم التصور الجديد .ثم يسمعون القراآن فيعيشون به من خ وضاءة �� ونور ا الذي كان ينير جنبات نفوسهم وقلوبهم. فكان الرجل إذا دخل ا ترك على عتبته كل ما كان عليه في الجاهلية، ونظر إليه نظرة المستريب الشاك .فكانوا رفونيع أنهم كانوا على ض وانتقلوا إلى الهدى، وأنهم كانوا في ظ وانتقلوا إلى النور، وكانوا في انحطاط وارتقوا إلى ا ا .كان هذا الشعور الذي يعيشونه يجعلهم يتركون كل شيء كانوا عليه في الجاهلية، بل ينظرون إليه نظرة الحذر الخائف الشاك، ولذلك رتكث تساؤ في القراآن عن كل شيء يواجهونه، حتى نُهوا عن ذلك، �� كانوا قد ضاقوا بكل ما كانوا عليه، وكانوا يشعرون أنهم أمام قيادة جديدة تصورو جديد وفهم جديد وحياة جديدة ينبغي أن يستفتوها في كل صغيرة وكبيرة . هذا التحرج من كل ما كانوا فيه من الجاهلية أمام واقعهم الجديد هو الذي صنع الجيل ا .كانوا يخافون أن يُقدِموا على شيء بلق أن يستفتوا، �� الدين الذي اعتنقوه كان يصنع في نفوسهم تحرجاً وتخوفاً يجعلهم دائماً يقفون موقف الجندي، وموقف لخائفا من أن يخطو خطوةً خاطئة واحدة بعد أن من الله عليه با .ولعل هذا أيضاً هو الذي يفسر معنى الو الجديد الذي امت به لوبق العصبة المؤمنة حينما اآمنت بهذا ا ..أصبح و لهذا الدين، ولقيادة هذا الدين، ولتصورات هذا الدين، ولقيم هذا ،الدين ولتوجيهات هذا الدين .ونفضوا أيديهم تماماً من كل القيادات القديمة؛ شيخ القبيلة وعصبية القبيلة وقيم الجاهلية اداتوع الجاهلية وأخ الجاهلية .تركوا هذا كله وداسوه بأقدامهم، ودخلوا بروحٍ جديدة إلى ا بتصور جديد وبو جديد. فالو الصافي لهذا الحق كان سمة الذين يدخلون ا أول مرة ..لم يدخلوه وقد جَر معهم عاداتهم وتقاليدهم وو القديم .. لم يأتوا ليساوموا على ا وليقولوا" نعبد إلهك يوماً وتعبد اآلهتنا يوماً " أو" خفف عنا من التكاليف!" ...أو غير كذل ..لم يفعلوا ذلك، وإنما أسقطوا كل شيء قديم وتحرجوا منه، ونظروا إليه نظرة مستهينة مستقذرة، وانطلقوا إلى النور الجديد وا دالجدي والطُهر الجديد ليتلقوا منه.. ٧٤ السنن الكبرى للبيهقي. ٣ج. ٠٧١ص.
عدد الصفحات ٧٥جيل قراآني فريد ١٤ العزلة الشعورية والعزلة العملية "كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إس تنشأ عنه عزلة كاملة في �� بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه ة،ا فهو قد انفصل نهائياً من بيئته الجاهلية واتصل نهائياً يئتهبب ا . حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي .فالعزلة الشعورية شيءٌ عاملوالت اليومي شيءٌ اآخر ". وهذه القضية من أهم القضايا التي تَخفى على كثير ممن يتلقون ا في هذا العصر؛ إنهم �� يعرفون و يفرقون نبي العزلة الشعورية وبين العزلة العملية .فالعزلة الشعورية شيء، وا من الواقع شيء اآخر؛ فمطلوب من المسلم أن يتحدد و للدين لجديد،ا وأن تتحدد عقيدته بنور التوحيد وبصور التوحيد الجديد، وأن يتنقى قلبه من كل ما كان عليه من عقائد الشرك قبل ذلك .أما في عالم التعامل فا يحتاج فقهاً متحركاً مع الواقع ومع المراحل ومع ا .ويحكم كل ذلك القواعد الشرعية وا الشرعية .ويحتاج لمسلما وتحتاج الجماعة المسلمة في هذا الوقت إلى الفقه الحركي، وليس إلى فقه ا .الفقه الحركي الذي يجعل المسلم حركيت من خ قياساتٍ دقيقة �� المرحلة واحتياجات الجماعة، وليس احتياجات اللحظة و احتياجات الفرد، وبالتالي تُنَظ ياتهح مجموعة من التصورات الدقيقة التي تحكم تعام مع الجاهلية .. "وكان هناك انخ من البيئة الجاهلية، وعُرْفها وتصورها، وعاداتها وروابطها، ينشأ عن ا من عقيدة الشرك لىإ عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور ا عن الحياة والوجود .وينشأ من ا إلى التجمع � الجديد، بقيادته الجديدة، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل و وكل طاعته وكل تبعيته. وكان هذا مفرق الطريق .وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد لتيا يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه .ولم يكن هناك إ ما يلقاه المسلم من أذى ،وفتنة ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، و لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من يلسب ". و شك أن ا منا حينما يتلقى ا تلقياً صحيحاً، ويفهم عقيدة التوحيد فهماً سليماً، ويقيس المجتمع الذي ولهح قياساً دقيقاً؛ فإنه يجد نفسه قادراً على ا من هذا المجتمع ..�� يجد أثقا تشده، بل يجد جواذب ترفعه ليهرب من ذلك المجتمع، ف يشعر بأنه مضطر أن ينافق ذلك المجتمع، و أن يعيش معه ..بل يجد نفسه كارهاً أن يعيش في هذا المجتمع. ويعمل المنهج ا في عكس ذلك ا بأن يثقل خطوات المسلم في عملية ا غير المحسوب من العزلة عوريةالش إلى ا وا العملي ..فيثقل خطواته، ويطالبه أن يتريث كثيراً في تعامله مع الجاهلية؛ فهو ا ليس في كْنَتِهمُ - وهو مستضعف، وهو قليل -أن ينسلخ انس كام من الواقع الجاهلي ويقف أمام المفاصلة العملية والمجابهة العملية، فهو غير قادر على لكذ ..وإنما يطالبه المنهج ا أن يتريث كثيراً، وأن يتحرك حركةً مدروسةً محسوبةً، ويُنَق خطواته تنق دقيقة تتمشى مع نموه الحركي ونموه العقدي، وتتمشى أيضاً مع قدراته وإمكانياته، بحيث إنه بقدر نموه الحركي ونموه العددي ونموه العملي يكون قادراً على أن يتخفف من أثقال الجاهلية ويُنمي تقاليده وعاداته ا حتى يصل إلى اللحظة النهائية، حيث ينسلخ انس عملياً من عالواق الجاهلي، ويواجهه
عدد الصفحات ٧٦الفصل ا ٢٤ مواجهةً عملية؛ يقاتله ويصنع مجتمعه الصافي الخالص لعقيدة التوحيد، ويكون السلطان كله ل في ذلك المجتمع، ويواجه المجتمع الجاهلي مواجهةً صريحة، ويتحقق قول الرسول ﷺ) �� يتراءى ناراهما(٨٤ ف يجتمع في وقتٍ واحد المشرك والمؤمن على ا . ولكن قبل ذلك هناك خطوات طويلة جداً يحتاجها المسلم بعد أن يشهد شهادة الحق، حتى يصل إلى نقطة ا الكامل ا الكامل من ذلك المجتمع .لكن العزلة الشعورية ينبغي أن تبدأ منذ اللحظة ا وتُنَق خطواته من خ دراسة واعية سوبةومح لما يغذيه به المنهج ا من قواعد وأحكام تتمشى مع المرحلة التي يمر بها، ومع خطوات هذه المرحلة أيضاً في داخل كل حلةمر .. ولكن المسلم في أي مرحلة كان متخفف تماماً من شعور الخضوع النفسي أو التثاقل النفسي أو الهزيمة النفسية داخل مجتمعال الجاهلي .. فهو متحرر ومستعلٍ دائماً .لكنه في الوقت ذاته يحسب خطواته بدقة، وينقل خطواته بدقة، حسب مقتضيات المنهج بوديتهوع لله، وليس من خ رغباته أو هواه، أو تشدداته وتسرعه، أو هزيمته وتفريطه .فهو محكوم بمنهج يوجهه كيف يعمل وكيف يتعامل فوكي يتحرك وماذا يأخذ وماذا يدع في هذا المجتمع، حتى يأتي الوقت المناسب الذي ينخلع فيه انخ كام من المجتمع الجاهلي وّنليُكَ مجتمعه الخالص المؤمن تماماً في الوقت الذي يشاؤه الله له عز وجل.. ختام الفصل: جاهلية الواقع المعاصر وواجب الحركة ا "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها ا أو أظلم .كل ما حولنا جاهلية ..تصورات الناس وعقائدهم، اداتهمع وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم واآدابهم، شرائعهم وقوانينهم .حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إس جعومرا إس وفلسفة إس وتفكيرًا إس ..هو كذلك من صنع هذه الجاهلية "!!. هذه الفقرة تتحدث عن جاهلية الواقع المعاصر ..ولن نتحدث ا عن قضية الجاهلية و عن مفهوم الجاهلية، فسيأتي هادور بعد ذلك إن شاء الله ..لكننا نعيش مع التعبيرات التي جاءت في هذه الفقرة: إن هذه الجاهلية "كالجاهلية التي عاصرها ا وأ أظلم.." �� شك أنها أظلم في جوانب كثيرة ..�� شك أنها أشد ظ وأشد تعقيداً، وأشد استهتاراً، وأشد خواءً من القيم وا وأشد نحرافاً ا عن طبيعة الفطرة، وأشد زخرفةً وتضلي حيث أنها صنعت لكل انحراف نظريات وواقعاً ووسائل ضاغطة على المجتمع ..هيف �� شك -من هذا الجانب -أظلم كثيراً من الجاهلية ا التي كانت تتميز إلى حد كبير بالبساطة والسذاجة، وخلوها من ا لمؤثرةا والمزخرفة، والتي كان عندها بعض القيم الفطرية وا ا التي منعت كثيرا من طواغيت الجاهلية من املالتع السيء مع المسلمين .بل كانت هناك بعض التقاليد في الجاهلية العربية كانت عوناً للمسلمين؛ مثل الجوار وصدق الوعد وعدم وصالنك عن العهد والكرم والمروءة ..كل هذا كان من المعينات التي خففت وطأة الجاهلية على الجيل ا ..لكن الجاهلية المعاصرة خلت من كل القيم ا والقيم ا بل تحمل في أعماقها كراهية عميقة لكل ما جاء به ا من قيم وأخ واآداب ..جانبوب هذا .. هناك ضخامة ا والتمرس والخبرة في محاربة ا ومحاربة انتشار واتساع ا.. ٨٤ أخرجه أبو داود والترمذي من حديث قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال) أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين ( ثم قال) �� تراءىي ناراهما(، قال الشوكاني في نيل ا: حديث جرير أخرجه أيضا ابن ماجة ورجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي الدارقطنيو إرساله إلى قيس بن أبي حازم ورواه الطبراني أيضا موصو.
عدد الصفحات ٧٧جيل قراآني فريد ٣٤ فمن هنا كانت الجاهلية المعاصرة أشد وأظلم من كل الجاهليات السابقة التي عاصرها المسلمون في أجيالهم المختلفة، وفي راحلهمم المختلفة.. "تصورات الناس وعقائدهم.." هذا واضح من خ الواقع .عاداتهم وتقاليدهم أيضاً جاهلية . "موارد ثقافتهم"؛ فالجاهلية المعاصرة رجعت مرة أخرى إلى مواردها القديمة من الجاهلية اليونانية أو الرومانية أو" التراث ونانيالي الروماني Greco-Roman" كما يسمونه .�� تغذي كل ما يريدونه من تفسخ وانح وقسوة واستعمار واستغ ل كذلك كانت الجاهلية الرومانية والجاهلية اليونانية. "فنونهم واآدابهم" فقد استوحوا مرةً أخرى الفنون القديمة التي كانت تعيش في أيام الرومان واليونان؛ وهي فنون شديدة �� وشديدة العري والتفسخ .وا يخجل ويشعر بالحياء حينما يدخل مسارح الرومان أو يذهب إلى روما أو اليونان وأثينا؛ يستحي نم التماثيل المجسمة التي تتجسم فيها العورات بشكل مخز جداً ومقزز جداً، وفي كل الميادين في أثينا وفي روما تجد تماثيل ضخمة جداً عارية تماماً للرجال والنساء بأعضائهم التناسلية ..أشياء مقززة جداً ..هذا غير ما يوجد في المتاحف القومية عندهم من مجسمات ماثيلوت �� يستطيع المسلم أن ينظر إليها، أشياء منعتنا من أن ندخلها أص ..وهم عمدوا اليوم إلى تلك الفنون فأحيوها ونشروها ..دتج المج والجرائد والصور العارية موجودة على محطات الترام- محطات مترو ا Underground- في كل ب أوروبا وفي أمريكا ..تجدها بسهولة جداً ..فض كما قلت قبل ذلك عن أن العري أصبح هدفا من أهداف الفكر اليهودي في تعرية ا وفضحه ..الفنونف وا المعاصرة فنون شديدة الجاهلية وليس فيها حياء ..بينما كان هناك كثير من الحياء والقيم الموجودة في الجاهلية عربيةال والجاهليات الشرقية عامة، �� نجد مثله في الجاهليات التي وُجدت في أوروبا القديمة وفي أوروبا المعاصرة.. "شرائعهم وقوانينهم" أيضاً كلها جاهلية.. ثم يقول ا سيد قطب- رحمه الله -"حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إس ومراجع إس وفلسفة مية،إس وتفكيراً إس هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!!" وهذا القول يستفز بعض الكتاب وا المعاصرين ويغيظهم جداً، لكن هذه يه الحقيقة فع .فالذي تصفو له تصوراته ا ويفهم عقيدة التوحيد كما جاء بها ا ثم يقرأ ثقافاتنا معاصرةال وكتبنا المعاصرة وفكرنا ا أو فلسفتنا ا- كما يطلقون عليها -يشعر تماماً بأن هذه الثقافة ا هي ردود أفعال اتللثقاف الجاهلية أو تقليد ومنافسة للجاهليات المعاصرة وللتفكير المعاصر.. ولم يحدث هذا في العصر الحديث فقط، وإنما حدث في العصر القديم أيضاً، حينما دأ ب بعض علماء المسلمين يحاولون أن يتصدوا للفكر اليوناني الوثني وللفلسفة الرومانية وا و الفرس بمقو الفرس أو مقو الفلسفة، وافأنشأ ما يُسمى" بعلم الك" الذي اقتبس المصطلحات الوثنية والمصطلحات ا وحاولوا أن يجعلوا لها محتوى إس ..ف هي صارت إس و هي ظلت وثنية خالصة ..فاختلطت الوثنية وا الرومانية واليونانية بالتصورات ا .فنشأت ثقافة مشوهة ..وكل ما كتب عن الفلسفة ا نجد واضحاً فيه هذا التشوه.
عدد الصفحات ٧٨الفصل ا ٤٤ وأما من خ الواقع المعاصر فقد غزت الحضارة أو الفكر ا الغربي العالم ا وبدأت تلون الثقافة القومية وأ الثقافات الموجودة في العالم الذي كان إس بمفاهيم الثقافة الغربية ..وهذا واضح جداً، سواء في ا أو في المصطلحات أو يف المقاييس، أو في القيم والموازين ..وبقدر وجود هذا في المجرى القومي في العالم الذي كان إس بقدر ما يُحسب نجاح الغزو الحضاري والفكري الذي جاءنا من أوروبا ..و شك أننا نستطيع أن نقول إنهم نجحوا نجاحاً كبيراً جداً في إفساد الحياة ا سواء في بجوان العقيدة، أو في جوانب ا أو في جوانب السلوك أو اللباس أو التعام أو ا أو السياسة، أو الرياضة، أو التعليم . ف شك أن الجاهلية المعاصرة الموجودة في العالم ا هي جاهلية أشد انحطاطاً من الجاهلية الغربية، �� جاهلية غير صيلةأ .. الجاهلية الغربية جاهلية أصيلة، أما جاهليتنا فهي جاهلية مستوردة مزيفة، اختلطت فيها الحقيقة بالباطل، فنتج نهاع صورة مشوهة ليست أصيلة وليست محترمة ..إننا نجد كثيراً من الفكر ا المعاصر وما يُكتب فيه متأثراً بالفكر الجاهلي وبالتصورات الجاهلية، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم المعاصر الصادق أن ينتقي انتقاءً دقيقاً جداً كل ما يُكتب باسم ا ..كثيراً ما نجد عناوين فخمة وموضوعات تبدو عة،رائ لكن حينما ندخل فيها نجد أنها تقتبس كثيرا من تصورات الجاهلية ..حتى كتب ا وقصص ا نجد كثيراً منها متأثراً التصوراتب الجاهلية والفكر الجاهلي الغربي .ولذلك ينبغي أن نضع هذه الثقافة ا وهذه المراجع ا وهذه الفلسفة ا تفكيروال ا في خانة ا الجاهلي وليس في خانة ا ا ..لكي يدفعنا ذلك إلى عملية التمحيص والتحقيق الجيد ينماح نريد أن ننشئ مجتمعاً إس. �� بد أن نتمثل مرةً أخرى الجهود التي صنعها أجدادنا في مراجعة كل مخلفات الحضارات السابقة، ثم كيف عملوا فيها يةتنق وتصفية، ثم بعد ذلك استبقوا منها الصالح وبنوا عليه، وصبغوه بالصبغة ا الصحيحة ..فبذلك نفهم ذلك التعبير لذيا جاء في هذه الفقرة "حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إس ومراجع إس وفلسفة إس وتفكيراً إس هو كذلك من نعص هذه الجاهلية" .وتعبير" من صنع هذه الجاهلية" يوحي أيضاً أن هذه الجاهلية تقصده، وهذه حقيقة أخرى، قد �� تكون واضحة ثيرللك من الناس ..الجاهلية ا عندها دراسات دقيقة لقياس ردود ا فحينما تريد من العالم ا أن يكتب في موضوعٍ ينمع بطريقة معينة يعملون له فع معينا، بحيث يكون له رد فعل بالمقياس الذي يريدونه ..فالفعل ورد الفعل له قياسات دقيقة علمية ا .فحينما تريد أن تجعل من أمامك يرد بطريقة معينة، أو يهتم بموضوع معين، تستحدث له موضوعا من نوع معين وبطريقة معينة تدفعه وتستفزه إلى أن يرد عليك بالطريقة التي تريدها، ومن المنطلق الذي تريده أنت، ومن الزاوية التي تريدها أيضا ..فمن ثم نستطيع أن قولن إن كثيرا من كتابات ا ا هي رد فعل للكتابات الغربية، ومقصود قصداً من الجاهلية أن تدفعهم إلى أن يفعلوا ما يريدونه نهمم .ولذلك- كما صنعوا قبل ذلك في علم الك -حيث أراد الغيورون من المسلمين أن يكتبوا أو يدافعوا عن ا بطريقة الفلسفة كيل يخاطبوهم بلغتهم وبمصطلحاتهم، فوقعوا في الفخ، حيث حولوا العقيدة ا إلى مصطلحات جافة وتعبيرات ممسوخة، �� وجِدت إيماناً و تصنع يقيناً، فيظل ا يقرأ ويقرأ ثم يجد في النهاية ك هامشياً ومشوشاً �� يصنع إيمانا في ا.. ا له قالبه الخاص، والعقيدة ا لها طابعها الخاص .قالبها القراآن .والقراآن تناول العقيدة بطريقته الخاصة، منو ثم ينبغي لمن يريدون أن ينشروا عقيدة ا أن يضعوها في القالب القراآني أو في القالب الرباني الذي نتعلمه من دراستنا للقراآن أساليبو القراآن
عدد الصفحات ٧٩