المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شروح معالم في الطريق

غير معروف

صفحة ٣ من ٣٩

شروح كتاب معالم في الطريق جيل قراآني فريد مقدمة نتحدث ا عن الفصل ا من كتاب المعالم، وهو فصل )جيل قراآني فريد(، ونسير مع هذا الفصل، نتلقى إيحاءات أي كلمة أو أي تعبير أو أي حقيقة فيه، محاولين أن نعيش في رحابها وأن نستمد منها معالم توضح لنا التصور والمنهج كما بينهما احبص المعالم ببصمة كلماته المتميزة المتوهجة بحرارة ا وصدق اليقين .و شك أن العنوان؛ )جيل قراآني فريد( له إيقاع خاص، وله أيضاً مشاعر وإيحاءات وإيقاعات فريدة ومشو للناس الذين دونيري أن يستعيدوا وأن يستأنفوا مرةً أخرى تلك التجربة الرائعة والفريدة التي حدثت يوماً ما على يد رسول الله ﷺ، خاتم يين،النب وأشرف المرسلين. وهذا الجيل القراآني الفريد هو نتاج تربية الله سبحانه وتعالى لهذه الفئة المؤمنة التي حظيت بهذا اللقاء الكريم هابين وبين وحي الله، وبينها وبين رسول الله ﷺ .وبتعبيرنا المعاصر أو العامي هو جيل" محظوظ ..."وكلمة " محظوظ" تعني أن له حظاً كبيراً، وعظيماً، �� أن أهل ذلك الجيل قد كتب لهم منذ ا الخير، وسبقت لهم من ربهم الحسنى، فاستحقوا أن يوجدوا في تلك الفترة ةالعجيب التي التقت فيها ا بالسماء من خ الوحي، فعاشوا فترة من الزمن تحيطهم وتحوطهم مشاعر وأحاسيس قلما تتكرر في تاريخ شريةالب مرة أخرى... فتعبير )جيل قراآني فريد( �� شك أنه تعبير موح ومؤثر ومشوق ورائع جداً، يبدأ به ا سيد- رحمه الله -هذه مالمعال .وسنكتشف أن هذا الفصل هو أهم فصل في الكتاب، رغم ما قد يبدو من أن الحقائق التي تناولها ليست بضخامة الحقائق ا التي ناولتهات فصول الكتاب ا لكن هذا الفصل يعتبر في الحقيقة ا الذي تقوم عليه تلك الحقائق ا �� هذا الفصل كلميت عن الكتاب الذي انبثقت منه تلك الحقائق كلها، والذي شرح وبيّن ووضّح الحقائق التي تكلم عنها الكتاب بعد ذلك. ثم إنه حينما تحدث عن الجيل القراآني إنما تحدث عن ذلك القراآن ممث في جيل من الناس .وهذا أيضاً أمرٌ كبيرٌ وخطير، عدويُ فع أهم ما في الكتاب، �� ما من طائفة من المؤمنين الصادقين إ وغايتهم أن يكونوا جي قراآنياً . لذلك ..فهذا الفصل؛ إذا أدركناه إدراكاً صحيحاً، وإذا فهمناه فهماً دقيقاً، وإذا استطعنا أن نعيش معه في حياتنا بطريقة يمة،سل فإننا نكون قد انتهينا من نصف الطريق، وتخطينا نصف العقبات ..وتأتي كل الحقائق ا بعد ذلك تثبيتاً وتأكيداً مال أدركناه في هذا الفصل العجيب والفريد أيضاً . ظاهرة تاريخية يقول ا سيد- رحمه الله -في مستهل الفصل "هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة ميةا في كل أرض وفي كل زمان .وأن يقفوا أمامها طوي .ذلك أنها ذات أثر حاسمٍ في منهج الدعوة واتجاهها".

عدد الصفحات ٣٦

الفصل ا ٢ وكما تعودنا من كتابات ا سيد وطريقته في التعبير أن كلماته تحوي في طياتها ذلك اليقين، وذلك ا ماب يَستَقِينهُ، وبالحقائق التي يعيشها .وتعبيراته دائماً - كما سبق أن قلت -تجبر ا أن يحدد موقفاً مما يسمع ...�� تتركه هم و تتركه تميعاً،م و تدعه يمر مروراً عابراً على الحقيقة التي يتكلم عنها ..وإنما دائماً تدفعه دفعاً إلى أن يقرر قراراً ويتخذ موقفاً . �� أن التعبير الذي استهل به، أو الحقيقة التي استهل بها هذا الفصل هي من هذه الحقائق التي يفرضها فرضاً على قارئه؛ فإما أن يوافق وإما أن يخالف، فـ "هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي"... فكلمة" ينبغي" توحي بأنه على يقين مما يريد أن له،يقو ومما يريد أن يعرضه، "ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة ا في كل أرض وفي كل زمان، وأن يقفوا أمامها طوي.."، و كش أن هذا ا يعطينا توجها إلى التريث الطويل �� ومحاولة التعرف على هذه الظاهرة التي يريد أن يتحدث عنها، ذهه الظاهرة التاريخية التي ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة ا في كل زمان وفي كل مكان . يقول "لقد خَر هذه الدعوة جي من الناس- جيل الصحابة رضوان الله عليهم -جي مميزاً في تاريخ ا كله وفي تاريخ البشرية جميعه .ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى.." لقد خرجت هذه الدعوة جي من الناس؛ لم يكونوا كة،م ولم يكونوا كائنات اآتية من السماء، أو خارجة من كهف، أو نازلة من كوكبٍ بعيد؛ بل هم جيلٌ من الناس، كمثل كل الناس في كل وقت وفي كل زمان وفي كل مكان، فليسوا عجباً و عجيبةً في التاريخ، وإنما هم جيلٌ من الناس، استطاعوا بفضلٍ من ه،الل وبمعونة من رسوله ﷺ، وبأسبابٍ سنتحدث عنها بعد قليل، استطاعوا واستحقوا أن يكونوا جي مميزاً، وأن يكونوا جي متفوقاً، وأن كونواي جي أثنى الله سبحانه وتعالى عليه، وأثنى عليه رسوله ﷺ أيضاً : )خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم( ١ . لكن لماذا كان ذلك الجيل في تلك المنزلة العظيمة متربعاً على تلك القمة السامقة؟ ...!!هذا هو السؤال الكبير الذي يينبغ أن يقف عنده أصحاب الدعوة في كل زمان وفي كل مكان، ليسألوا أنفسهم، وليبحثوا عن ذلكم السر أو ذلك السبب الذي جعل ذلك جيلال بهذه الصورة التي تحدثنا عنها .إن تلك الصورة المبهرة، تجعل ا الصادق مَشُوقاً إلى أن يعيش مثلما عاش هذا الجيل، ويتمنى لو أنه كان فرداً منه أو أن ينجح في أن يحقق بعضاً ما حققه ذلك الجيل ..وليس كل ما حققه .�� ما حققه ذلك الجيل كان شيئاً عجيباً ...وشيئاً ضخماً جداً، وصورة لم تحدث في تاريخ البشرية من قبل، ولن تتكرر من بعد. ا نيقرو بتميز هذا الجيل وأعداء ا قبل أتباعه، يرون في ذلك الجيل جي عظيماً وجي رائعاً، والمستشرقون وأعداء ا مهما حاولوا الكيد �� ومهما حاولوا الحديث عن بعض ما يتصورونه ثغرات في تاريخ ا يجدون أنفسهم منبهرين بجيل الصحابة معترفين بفضل ذلك الجيل وعظمته .وكل ما استطاعوا أن يقولوه إن هؤ الصحابة ارتفعوا إلى هذا ا الضخم العظيم جداً بعبقرية محمد شخصيةوب محمد، وأنهم عاشوا فترةً غير طبيعية تحت سيطرة هذه الشخصية وعظمتها .ولكنهم حينما ذهب محمد لم يلبثوا في خ ربع رنق أن عادوا مرةً أخرى إلى جاهليتهم ا .فا في ذاته لم يصنع شيئاً، وإنما الذي صنع هؤ هي تلك العبقرية التي اتسم بها حمد،م ذلك الشخص الذي عندما يؤلفون عن عظماء العالم في تاريخ البشرية، يضعونه أول العظماء وأعظم العباقرة .فهم يريدون أن جعلواي عظمة ١ متفق عليه من حديث عمران بن حصين- رضي الله عنه.-

عدد الصفحات ٣٧

جيل قراآني فريد ٣ الصحابة؛ ليست ناتجة من عظمة ا و من تفرد ا و من دين ا وإنما يريدون أن يرجعوها إلى أسبابٍ ة،أرضي وأسباب إنسانية، وأسباب شخصية هي تلك التي تميز بها محمد ﷺ، محاولين بذلك أن ينـزلوا مكانته ﷺ من أن يكون نبياً إلى أن كوني مجرد رجل عبقري وعظيم كغيره من العظماء، وكغيره من العباقرة، غير أنه كان أعظمهم عبقريةً وأشدهم تأثيراً، مما جعله يستطيع نأ يؤثر في ذلك الجيل. ذلك الجيل الذي يقولون عنه أيضاً أنه كان جي أمياً متخلفاً، لم يطلع على أسباب الحياة، وبالتالي كانوا طوع يدي مدمح ﷺ، فقد تأثروا به تأثراً ضخماً، �� كان يفوقهم بصورةٍ ضخمة جداً .ولكن لو أن محمداً ظهر في ب الفرس أو في ب الروم أو في صرم لعله لم يكن ليؤثر ذلك التأثير نفسه، �� هؤ كانوا قوما متحضرين، وكانوا أصحاب ثقافة وأصحاب حضارة، فلعل محمدا ما انك يستطيع أن يصنع ذلك الصنيع في تلك الحضارات، أو في تلك البلدان. و شك أن هذا أعظم ما استطاعوا أن يقولوه، لكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا إن ذلك الجيل لم يكن جي فريداً، ولم وايستطيع أن يقولوا إن ذلك الجيل لم يكن جي متميزاً، وأنه خط في تاريخ البشرية خطوطاً لن يستطيع أحد أن يمحوها أو أن يزيلها. لكنهم يقولون إنه بعد مرور خمسة وعشرين عاماً بدأوا يرجعون إلى جاهليتهم، فتحاربوا، وانقلبوا على بعضهم، وحدث في اريخت ا السياسي خ دموية على السلطة، استُغِلت فيها كل ا البشرية التي يسلكها كل الناس في كل زمان وفي لك مكان .فأعداء ا يركزون على فترات الخ ويقولون إن تاريخ الدولة ا والخ ا على مدى ث عشر أو عةأرب عشر قرناً كان كذلك، فبالتالي ليس هناك ميزة لهذه ا. وهكذا يحاولون الكيد والتشكيك وهم في أثناء ذلك يهملون بقية الحقائق وبقية الخصائص التي ميزت ا والتي فردت بها على مدى تاريخ البشرية، والتي يضطر بعض المنصفين منهم أن يعترفوا بها. ا في الصعود إلى القمة هذه الظاهرة التاريخية- ظاهرة جيل الصحابة المتميز -هي في الحقيقة ظاهرة جيل من الناس ...وهذه الحقيقة تهمنا جداً عندما قولن إنه جيلٌ من الناس، �� يعني أننا مطالبون بأن نقتفى اآثارهم، وأ نشعر أن الوصول إلى هذا ا أمر مستحيل. صحيح، هناك حقيقة أخرى يردفها بعد قوله السابق حيث يقول: "ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى" وهي بقدر ماهي حقيقة إ أنها تبعث ا في نفوس ا التي أتت بعد ذلك الجيل، �� تخبره أنه لن يستطيع جيلٌ من ا أن لحقي بذلك الجيل العظيم . يقول "نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ .ولكن لم يحدث قط أن تجم مثل ذلك العدد الضخم، في كانم واحد، كما وقع في الفترة ا من حياة هذه الدعوة"، فالذي يبدو مستحي هو أن يتحقق جيلٌ بأكمله بهذا العدد كبيرال الضخم في وقت واحد على ذلك المستوى، ولكن ذلك �� يمنع أن يصل بعض ا- أفرادٌ من الناس، أو عشرات من الناس -إلى ذلك لمستوىا الفريد، وهذا يعطي أم �� الهمم العالية و النفوس الكبيرة أن تحاول أن تقتفي ذلك ا وتلك الخطوات علهمل يستطيعون أن يصلوا إلى أن يكونوا أفراداً من ذلك الجيل السابق وَالس ا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَا وَال ات بِإِحْسَانٍ يَ رَضِ الل

عدد الصفحات ٣٨

الفصل ا ٤ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَا لَهُمْ جَن تَجْرِي تَحْتَهَا ا خَالِدِينَ فِيهَا ا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾]التوبة: ٠٠١[إذن، هناك السابقون من المهاجرين ومن ا وهناك الذين اتبعوهم بإحسان .ففي ا إذن أن يأتي بعدهم أفرادٌ وأفذاذٌ من الناس يستطيعون نأ يصلوا إلى ما وصل إليه هؤ السابقون من المهاجرين وا وبذلك �� يقفل باب ا و يقفل باب التنافس، و يقفل باب لسعيا للوصول إلى تحقيق ذلك ا إذا كانت لنا همة عالية، وكانت لنا إرادة غالبة، وكان لنا حرص على بلوغ ذلك ا الرائع الذي لوص إليه أولئك الصحابة الكرام. ثم يقول "هذه ظاهرةٌ واضحةٌ واقعة.." ليست خيا و خرافة، ولكنها حقيقة واقعة حدثت في التاريخ ذات يوم، وما زالت ثارهاأ في البشرية باقية حتى هذا الوقت الذي نعيشه اليوم .ف شك أن كثيرا من الخير الموجود في البشرية ا في شرقٍ ،وغرب وفي شمالٍ وجنوب، هو من ا هذه النخبة المتميزة من البشر، والتي تركت بصماتها على تاريخ البشرية من بعدها وحتى اليوم في كل مجا الحياة، في مجا العقيدة، ومجا ا ومجا السلوك، ومجا العلم اعبد المادي ...في كل هذا لها بصماتها لتيا انطبعت على تاريخ البشرية كله .وهذه حقيقة عجيبة وواقعة، وليست خيا و خرافة، ومن ثم فيمكن أن تتحقق مرة خرى،أ ويكون هذا أيضا مصداقا لنبوءة رسول الله ﷺ التي قال فيها) بدأ ا غريبا وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء( ٢ . جيل خرج من بين دفتي كتاب الله "هذه ظاهرة واضحةٌ واقعة، ذات مدلولٍ ينبغي الوقوف أمامه طوي لعلنا نهتدي إلى سر . إن قراآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله ﷺ وهديه العملي وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أيدي ذلك الجيل ا الذي لم يتكرر في التاريخ ..ولم يغب إ شخص رسول الله ﷺ، فهل هذا هو السر؟ لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتمياً لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما علهاج اآخر رسالة، وما وك إليها أمر الناس في هذه ا .إلى اآخر الزمان ".. ونحن نريد أن نحاول معرفة السر الذي جعل هؤ الصحابة يحققون هذا المستوى الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية .و كش أن القراآن هو العامل ا الذي أثر في ذلك الجيل ..بل نستطيع أن نقول إنه العامل الوحيد .إذا كنا ندرك أن رسول الله ﷺ ذاته هو جنتا لهذا القراآن، وأن شخصيته ﷺ إنما هي انعكاس لهذا القراآن ..فحينما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ التق )كان خلقه القراآن( ٣ يرضى برضاه ويسخط بسخطه .والسنة النبوية أيضاً إنما هي نتاج لهذا القراآن .ف شك أننا من خ هذه لحقيقةا نستطيع أن نؤكد أن القراآن هو الذي صنع ذلك الجيل، وأن ذلك الجيل قد خرج من بين دفتي ذلك الكتاب .ولعل هذه ا الذاتب هي ا الوحيدة التي خرجت من بين دفتي كتابٍ، وظلت تعيش وتستمد منه طوال حياتها .فأجيال البشرية قبل ذلك لم تكن على نفس النمط و على نفس المستوى .ولم يُحفظ كتاب �� فيما سبق ليكون مدداً لها ونبراساً كما حفظ الله قراآن هذا الدين، ظللي ذكرا ومنارة ومثابة للناس إلى يوم الدين. ٢ رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.- ٣ أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها.

عدد الصفحات ٣٩

جيل قراآني فريد ٥ هل العبرة بالكم الذي نحصله من المعلومات عن القراآن أو السنة؟ ولكن كما نقول، إن القراآن بين أيدينا كما كان بين أيدي ذلك الجيل، بل لعلنا نستطيع أن ندرك أشياء عن هذا القراآن لم كني يعرفها كل الصحابة ..فبعض الصحابة كان �� يعرف- مث -بعض أسباب التنـزيل لبعض ا أو بعض السور �� لم يحضر المجلس الذي قال فيه رسول الله ﷺ ذلك ..وبعضهم لم يكن يعرف بعض تفسيرات رسول الله ﷺ لبعض ا أو لبعض السور ..كنناول ا بعد أن جمع لنا علماؤنا الصالحون كل ذلك- جزاهم الله عن هذه ا خيراً -أصبح بين أيدينا كل المعلومات عن القراآن، وكل ما كان في دمغةأ الصحابة جميعهم .فيستطيع كل واحد منا أن يعرف كل ما كان يعلمه الصحابة إذا استعرض تلك الكتب التي كتبها فناسل الصالح، بينما كان الصحابي يكاد �� يعرف إ ما سمعه بأذنه من رسول الله ﷺ أو ما وصل إليه من الصحابة القريبين منه ممن كان يحتك هم،ب ولكن ظل بعض الصحابة �� يعرفون كل ما صدر عن رسول الله ﷺ، حتى أن أبا بكر وعمر كانا في بعض ا يسأ الصحابة: هل عندكم علم في مسألة كذا؟ فيقولون: نعم سمعنا رسول الله ﷺ يقول كذا، فيأخذ الواحد منهم ما يقولون ...فالقراآن ا بين اأيدين كما كان بين أيدي الصحابة، بل إن معلوماتنا عن القراآن لعلها تكون أكثر من معلومات أي صحابي عن القراآن أو عن الحديث، ولكن له العبرة بالكم الذي نستطيع أن نحص من المعلومات عن القراآن، أو من المعلومات عن حديث الرسول ﷺ؟ ...!! الحقيقة أنها ليست كذلك، فكما يقول الرسول ﷺ منوهاً بفضل أصحابه- رضي الله عنهم: )-لو أنفق أحدكم مثل ا ذهباً ما بلغ مد أحدهم و نصيفه( ٤ فكما أن نوعية ا ومشاعر المنفق تصنع ذلك التفاوت العجيب، فإن نوعية العلم ونوعية المعرفة ندع جيل الصحابة كانت ذات تركيز وكثافة معينة تجعلها على قلتها تفوق الجبال المتراكبة من العلوم عند غيرهم من الناس... و شك أن ا يحتاج منا وقتا وجهدا كي ندرك لماذا؟! لماذا كان ما عند الصحابة على قلة كميته ذا أثر فعال في قيمته يوف نوعيته وفي كثافته وفي عمله في نفوسهم؟ ... إنه �� بد لنا إذا أردنا أن نحاول تلك المحاولة الفذة أن نرتفع إلى مستوى الصحابة، وأن نتعرف على ذلك السر الذي عاشه لصحابةا وأدركوه وتمرسوا به وتذوقوه ...وهو ليس أمرا يسيرا، �� ا الشعورية دائماً هي أصعب ا وضوحاً، وأصعبها في التعبير عنها وفي توصيفها؛ �� تُتَذوق وتُستشعر، أكثر مما توصف .. ٤ أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه -ومسلم من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه.

عدد الصفحات ٤٠

الفصل ا ٦ نماذج من تميز الجيل ا وكما جاء عن أبي بكر- رضي الله عنه) -ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام أو ص ولكنه فضلكم بسر وقر في قلبه( ٥ ...ما هو ذلك السر الذي وقر في قلب أبي بكر حتى أنه أصبح أفضل من جميع الصحابة، وأصبح إيمانه لو وُزن بإيمان ا لرجحها ٦!!..، فما بالك حينما يُقارن بإيمان أحدنا في هذا الجيل الذي نعيشه ..�� شك أن ا يحتاج بحثاً . وإذا كان ذلك بالنسبة �� بكر، فهو أيضاً كذلك بالنسبة لبقية الصحابة .ف شك أن ما ينفقه أحدهم مهما كان قلي ماو يعمله أحدهم مهما كان صغيراً نجده يزن في ميزان الله أمثال الجبال مما نفعله نحن ..ف بد أن هناك سراً يحتاج منا تعباً وجهداً يلك نتعرف عليه ونتفهمه .وإدراك هذا السر ليس سه ولكننا سنحاول ...سنحاول أن نتعرف على هذا السر من خ سلوك الصحابة، ومن خ مشاعرهم، ومن خ تصرفاتهم التي توحي بشيء من ذلك السر، وليس كل السر . حينما يقول رسول الله ﷺ عن عمر- رضي الله عنه) -لو كان نبي بعدي لكان عمر(٧ .عندما نقف أمام هذه الحقيقة التي يقولها رسول الله ﷺ عن عمر- رضي الله عنه" -أنه يستحق أن يكون نبياً ..."�� بد أن يكون عمر- رضي الله عنه -قد امتلك في قلبه من اليقين ومن ا ومن النقاء ومن السخاء ما جعله يستحق هذا التكريم العجيب، وأن يقال عنه: لو كان نبي بعدي لكان عمر ...وا � : كيف احتمل عمر أن يتلقى هذه الكلمات وهذا التقييم النبوي الذي �� يمكن أن يقوله رسول الله ﷺ من عند نفسه، وإنما اكم نعلم أنه وَمَا﴿ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ ۞ هُوَ إِ وَحْيٌ يُوحَى ﴾]النجم: ٣-٤[كيف احتملت أعصاب عمر أن تقال له هذه الحقيقة، وما الذي فعله عمر لكي يستحق هذه المنـزلة؟ وما الذي نتج عنها؟ ويقول له رسول الله ﷺ) والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إ سلك فجا غيره( ٨ ..هذا ا الذي ظل ست سنوات بعد مبعث رسول الله ﷺ يشرب الخمر، ويعبث كما يعبث الجه عذبوي المؤمنين والمؤمنات بصورة بشعة و يتعب، وعندما يترك المُعذَبين هؤ يتركهم مل وليس رأفةً و إنسانيةً ..يقول جاريتينل من بني المؤمل كان يعذبهما" والله ما تركتكما إ م"٩ ..فهو لم يترك تعذيبهما شفقة، و تأنيباً لضمير، و استكثاراً لتعذيبهما �� استجابةً ��... لم يتحرك ذلك القلب الصلد في تلك الفترة ولم يتركهما إ مل ..كيف يتحول ذلك القلب إلى أن يكون لباً ق يقال عنه ٥) ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم و ص ولكن بشيء وقر في قلبه( ذكره في ا وقال مخرجه الحافظ العراقي: لم أجده مرفوعا وهو عند الحكيم الترمذي وأبو يعلى عن عائشة وأحمد بن منيع عن أبي بكر ك مرفوعا وقال في النوادر أنه من قول بكر بن عبد الله المزني. ٦) لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر( رواه اسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله، وأخرجه ابن عدي والديلمي ك عن ابن عمر مرفوعا بلفظ) لو وضع إيمان أبي بكر على إيمان هذه ا لرجح بها( وفي سنده عيسى بن عبدالله، وهو ضعيف لكن يقويه ما أخرجه ابن عدي أيضا من طريق أخرى بلفظ) لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل ا لرجحهم( وله شاهد أيضا في السنن عن أبي بكرة مرفوعا أن رج قال يا رسول الله كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت ثم وزن أبو بكر بمن بقي فرجح..( الحديث. ٧ أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وابن حبان من حديث عقبة بن امرع -رضي الله عنه -وأخرجه الطبراني في ا من حديث أبي سعيد- رضي الله عنه.- ٨ أخرجه الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه.- ٩ السيرة النبوية �� هشام ١ج ٩١٣ص.

عدد الصفحات ٤١

جيل قراآني فريد ٧ )لو كان هناك نبيٌ بعدي لكان عمر(،) ولو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غيره(؟ ...!!�� بد أنه كان لعمر صلة خاصة لهبال وأن قلبه قد امت صدقاً وامت يقيناً وامت طهارةً وامت قوةً في الحق واقتداراً على الحق مما لم يكن عند أحدٍ سواه.. حينما يقول رسول الله ﷺ لخديجة) يا خديجة جاءني جبريل يبلغك الس من ربي ويبشرك بقصرٍ في الجنة من قصب �� صخب فيه و نصب(٠١ ..امرأة يأتيها ملَك، بل أفضل الم وحامل الوحي، يأتي لكي يقول لها: إن الله يبلغك الس ..لماذا؟! ما ذيال صنعته خديجة؟! �� بد أنها كانت أيضاً على درجة من الرقي واليقين وعظمة ا والحب لله عز وجل، ومن النظافة والطهارة ما يجعلها جديرةً أن يأتيها أفضل الم ورسول القراآن من قبل الله عز وجل، من فوق سبع سماوات، ليقول لها: إن الله يبلغك الس ...كيفو استطاعت خديجة لو أن قلبها مليء باليقين وبالصمود أن تحتمل هذا النبأ وهذه البشرى وهذا الك الذي يأتيها من ربها ...كيف مل تذب حباً وشوقاً وخج وفرحاً حينما تلقت هذا الخبر العجيب ....�� شك أن ا الذي كان في قلوب هؤ والذي �� يعلمه إ الله، كان من الضخامة ومن الفخامة أيضاً بحيث استحقوا أن يكونوا كذلك، و شك أن هذا كان بارزا جداً في خديجة منذ اللحظة ا بعثة،لل بل من قبل اللحظة ا التي نُبئ فيها رسول الله ﷺ .�� خديجة قبل ذلك ما دفعها إلى الزواج من رسول الله ﷺ إ هاأن كانت تتوقع أن يكون هو نبي تلك ا التي أظل زمان نبيها، وإذا كان ذلك فلن يكون إ محمدا، بعد أن سمعت عنه، وبعد أن هاجاء عبدها ميسرة يحكي لها كيف كانت رحلته مع رسول الله ﷺ، وكيف كان يرى في م من النور، وفي حياته من العظمة والنقاء الطهرو - كما كان يراه كفار قريش كلهم -فاستطاعت بإدراكها البعيد وحسها الدقيق أن تتنبأ بذلك ولذا لم تجد حرجاً أن تعرض سهانف عليه ليتزوجها. وحينما جاءها مرتجفاً مرتعباً من ذلك اللقاء ا مع الوحي؛ لم ترتجف هي ..بل كانت صامدةً وثابتةً، وقالت له" ك هوالل ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق"،١١ بل إنها كما جاء في السيرة أجرت اختبارا لذلك الملك؛ فعن خديجة أنها قالت لرسول الله فيما يُثَب فيما أكرمه الله به من نبوته" يا بن عم طيعأتست أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك" قال) نعم( قالت" فإذا جاءك فأخبرني به"، فجاءه جبريل- عليه الس -كما كان يأتيه، فقال رسول الله ﷺ لخديجة) يا خديجة هذا جبريل قد جاءني( فقالت" نعم فقم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى" فقام رسول لهال ﷺ فجلس عليها، قالت" هل تراه؟" قال) نعم( قالت" فتحول فاقعد على فخذي اليمنى"، فتحول رسول الله ﷺ فجلس عليها، تفقال" هل تراه؟" قال) نعم(، قالت" فتحول فاجلس في حجري"، فتحول فجلس في حجرها، قالت" هل تراه؟" قال) نعم(، فتحسرت فألقت مارهاخ ورسول الله ﷺ جالس في حجرها، ثم قالت" هل تراه؟" قال) ��(، فقالت" يا بن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو طانبشي" ٢١.. من أجل هذا استحقت أن تكون أول من يؤمن برسول الله ﷺ، وأول من يقف بجانبه، وأول من يحتويه بقلبها وبعواطفها اعرها؛وبمش لتمهد له أن يقوم بمهمته على الصورة التي قام بها ..من أجل هذا استحقت أن يبلغها ربها ذلك الس من فوق سبع سماوات . ٠١ الحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله عنه -قال ثم أتى جبريل النبي ﷺ فقال" يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها الس من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب �� صخب فيه و نصب". ١١ أخرجه البخاري. ٢١ ٩٣٢. ص١.

عدد الصفحات ٤٢

الفصل ا ٨ "حينما يقول الرسول ﷺ �� بكر- رضي الله عنه) -يا أبا بكر، جاءني جبريل ليقول لي: ربك يسأل أبا ،ربك هل هو راضٍ عنه( هل أنت راضٍ عن ربك؟؟!! حينما يأتي �� بكر عن طريق رسول الله ﷺ عن طريق جبريل عن الله عز وجل، ليسأله" هل أنت راضٍ نع ربك".. هذا أمر عجيب.. �� يستطيع ا أن يتخيله و أن يتصوره و أن يحتمله، رغم أنه ليس له هو.. ولكنه يرتجف لمجرد نأ هذا حدث لبشر في يوم من ا أن يقال له هل أنت راضٍ عن ربك!! ولذلك يقول سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه" -أنا؟ أنا؟ ...!!"لكنه ستحقا أن يقال له ذلك، �� هو أيضاً الذي لم يُكذ رسول الله ﷺ قط، ولم يتردد في إيمانه قط، ولم يرتكب ما يخجل منه قط ىحت في الجاهلية، ناهيك عن ا ." حينما تحكي لنا السيرة أيضاً ويحكي لنا تاريخ الصحابة مواقف من عامة الصحابة، ليس من أبي بكر و من عمر و من ديجة،خ هؤ العمالقة العظام ...بل من عوام الصحابة: تلك المرأة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ لتشكو زوجها ...ويتنـزل قراآن من رب المينالع ﴿ قَدْ سَمِعَ الل قَوْلَ ال تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الل وَالل يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾]المجادلة: ١[ينـزل قراآن ليحل مشكلة هذه المرأة بتشريعٍ يظل على مدى الزمان، ليهدئ من روع هذه المرأة، وليرد لها حقها، وليحدد لها ح لمشكلتها، ويقول الله عز وجل دْ قَ ﴿ سَمِعَ الل قَوْلَ ال تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الل ﴾]المجادلة: ١[ لم يقل لرسول الله ﷺ قل لهذه المرأة التي جاءتك كذا وكذا، ولكنه يسند ا إلى نفسه سبحانه، لكي تستشعر المرأة مدى قرب الله منها ومدى قربها من الله، ومدى اهتمام الله بها وهي مرأةا من عامة المسلمات" قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله"، كان معكما ..كان يسمع كما تسمعان، واهتم ا أكثر مما اهتممتم به، وأنزل قراآناً من فوق سبع سماوات ليحل مشكلة هذه المرأة الضعيفة التي تعنت معها زوجها بعد أن ركب سنها وبعد أن نثرت له بطنها ..ثم بعد ذلك استغنى عنها، وقال لها" أنت علي كظهر أمي"، فجاءت تشكو إلى رسول الله ﷺ هذا العنت، ليحل الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة مشكلتها . كيف كان حساسإ المرأة با! كيف كانت تستشعر الطمأنينة، وكيف استشعرت تلك الع الخاصة بالله ...�� طيعيست ا مهما أوتي من القدرة على التعبير والبيان أن يصف شعور تلك المرأة حين ذاك، �� ا لو وضع نفسه مكانها وحاول أن تخيلي بكل ما أوتيه من قوة الخيال لما استطاع ذلك وقد نزل قراآن ليحل لها مشكلتها، وقد رأت كيف يهتم بها ربها وخالقها الجليل يمالعظ الذي ليس كمثله شيء، يهتم بمشكلتها هي بينما زوجها يتعنت معها ..ونظل نردد كيف كانت شعور تلك المرأة ساعتها، وكيف احتملت ذلك ا وتلك المشاعر التي تنوء بحملها الجبال الرواسي الشامخات . "حينما تقول امرأة لزوجها؛ ذلك الصحابي الذي كان يصلي في الصف ا دائماً مع رسول الله ﷺ ويجلس ليسمع رسول هالل ﷺ، ثم احتُبس فجأة �� ما، ولم يعد يراه رسول الله ﷺ في الصف ا كما كان، فسأل عنه، فقال له الصحابة إنه يأتي ا في اآخر لحظة من ا ويصلي في اآخر الصف، ثم ينطلق راجعاً إلى بيته، وغمزه بعض الصحابة في إيمانه. فيستدعيه رسول الله ﷺ ويسأله، فيجيب بأنه ليس له وزوجه إ ثوبا واحدا، فهو يأتي ليصلي به، ثم يسرع العودة لبيته كي تدرك زوجه الص. عطيهفي رسول الله ﷺ ثوبا اآخر، فيرجع الرجل فرحاً بهذا العطاء ليعود مرةً أخرى إلى الصف ا ولكيْ �� يظن به شراً .. فبماذا قابلته امرأته حينما اءج بهذا ا! قالت له: "أتشكو ربك لنبيه؟!" هذه امرأة من عامة الصحابيات، تعيش حياةً خاصة مع الله عز وجل، وتوقن يقيناً كام أن لهال هو الذي بيده كل شيء، فهي ترضى بقضاء الله.. وتوقن أنه �� يجوز- في عرفها، وفي درجتها ا -أن تسأل أحداً من الناس تىح ولو كان

عدد الصفحات ٤٣

حياةً خاصة مع الله عز وجل، وتوقن يقيناً كام أن لهال هو الذي بيده كل شيء، فهي ترضى بقضاء الله.. وتوقن أنه �� يجوز- في عرفها، وفي درجتها ا -أن تسأل أحداً من الناس تىح ولو كان نبياً .. "أتشكو ربك لنبيه؟"، هي واعية جداً أن هذا هو الله وهذا نبيه، نبي الله نعم.. ولكنها كانت تحب أ يطلع على الهمح أحد،

عدد الصفحات ٤٣

جيل قراآني فريد ٩ وأن يرضيا بما رضيه الله لهما، وأ يشكوا �� من الناس حتى ولو كان رسول اللهﷺ .. فتقول لزوجها" أتشكو ربك لنبيه؟.. "هو لم يشكُ في الحقيقة، ولكنه سُئِل، فكان ينبغي أن يجيب، وكان الذي يسأل هو النبي ﷺ... لكن الوقفة هنا في تلك اعرالمش التي تعيشها تلك المرأة، كانت تعيش مع الله عيشةً غنيةً راضيةً رغم ذلك الب الصعب الذي كانت تعيشه هي وزوجها، ولم تكن تريد أن يعرف أحد ما أصابهما من فاقة، فاعتبرت هذا شكوى �� تليق بهؤ السابقين والمؤمنين المحسنين.. تلك المشاعر التي هاتشعر المرأة وأمثالها في تاريخ ا هي التي تجعلنا نرى طرفاً من ذلك السر الذي جعل هؤ الصحابة في ذلك المقام العظيم :﴿ كنتم رخي أمةٍ ا للناس ﴾ ". وحينما نسمع قصة أم سُليْم التي مرض ولدها، ثم مات، ثم جاء زوجها من الخارج يسألها عن ابنه، فقالت له: هو أسكن ما يكون ..لم تشأ أن تزعجه، فقالت له: أسكن ما يكون ..وتزينت له حتى قضى منها حاجته، ثم قالت له: يَا ا طَلْحَةَ ا تَرَ إِلَى اآلِ �� اسْتَعَارُوا عَارِيَةً فَتَمَت بِهَا فَلَم طُلِبَتْ كَا كَرِهُوا ذَاكَ، قَالَ : مَا ا قَالَتْ : فَإِن ابْنَكَ كَانَ عَارِيَةً مِنَ الل تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِن ل قَبَضَهُ .. فغضب أبو طلحة �� لم تخبره وجعلته يأتيها وهو في هذه الحالة .لكن، لماذا فعلت أم سليْم ذلك؟! وأم سليْم لها في لتاريخا ا مواقف عظيمة دائماً، ولكنها لو حللها علماء النفس المعاصرون بمناهجهم الجاهلية القاصرة لقالوا عنها ما قاله مالك في الخمر؛ قالوال عنها إنها امرأة شهوانية، وإنها امرأة �� حس لها و إنسانية ..و و و ..والحقيقة أن ما يمكن أن يقال في هؤ ممن يسمون همأنفس علماء ..إنهم لم يستطيعوا أن يرتقوا إلى ذلك ا الذي ارتقت إليه تلك المرأة ...تلك المرأة التي وقفت عند اعبوديته الكاملة لله عز وجل؛ أن الله رضِيَ أمراً وقضى قضاءً، وأن قضاء الله أحب إلى نفسها من ولدها، وإنه ليس لها أن تختار و أن تضيق من قدرٍ أو م ن حُكمٍ حَكمَ به الله عز وجل، فهي تعلم أنها أمَة الله، وأنها �� ينبغي أن تعترض أو تضيق من أمر يريده الله عز وجل، فأرادت نأ ترتفع إلى هذا المستوى، وأن ترفع زوجها إلى ذلك ا بأن تمارس حياتها كما لو كانت في عرس وليست في مأتم.. هذه المشاعر التي ارتقت إليها تلك المرأة �� أنها مشاعر ما كان لها أن تبلغها إ بعد أن جاهدت نفسها وعاشت مع القراآن معو هذا الدين ومع ع بالله، بحيث وصلت إلى تلك القمة العجيبة التي استطاعت أن ترتفع فيها على بشريتها، أنو تنجح في أن تصاغ تلك الصياغة الربانية العجيبة، ولذلك قال رَسُولُ الل ﷺ لزوجها الذي جاء يشكوا من فعلتها: )فَبِت عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى نْبِكُمَاجَ ( قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ الل فَقَالَ رَسُولُ الل ﷺ) بَارَكَ الل لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا( ٣١ ...وتحققت دعوة رسول الله ﷺ فوُلد لها سبعة من ا كلهم كانوا يحفظون كتاب الله عز وجل، ببركة هذه الليلة، التي ارتفعت فيها تلك المرأة إلى ذلك المستوى السامق من الرضى وا واليقين بما قدره الله سبحانه وتعالى، ولم تجد في نفسها حقاً في أن تضيق أو حتى تتألم لمصيبة قد أصابتهم، �� قد تقراس في أعماق نفسها أن خيرة الله خير لهما من خيرتهما لنفسيهما .حينما نرى أيضاً ذلك الصحابي عمير بن الحمام الذي يسمع رسول الله ﷺ في غزوة بدر وهو يقول: والذي نفس محمد بيده، �� يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقب غير مدبر إ أدخله الله الجنة، وكان في يديه بعض تمرات يأكل منها بعد أن ستبدا به الجوع وحتى يقوى على مواصلة القتال فيلقيها ويقول: "بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إ أن يقتلني هؤ ثم قذف مراتالت من يده وأخذ ٣١ أخرجه مسلم وأحمد من حديث أنس -رضي الله عنه.-

عدد الصفحات ٤٤

الفصل ا ٠١ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل"٤١ فيذهب إلى الجنة ..هذا هو الصدق وهذه هي المنطقية مع ا فمادام أنه قد اآمن أن هذا رسول الله ﷺ، وأن ما يقوله حق، وأنه يبشره بأنه إذا قُتل سيدخل الجنة، فهذا الصدق والتصديق يجع ينطلق في نفس اللحظة ..إذا كان صادقاً يريد الجنة حقاً فها هو باب الجنة مفتوح، ينتظر فقط أن يقاتل فيُقتل، فكيف ينتظر أن يأكل بضع تمرات؟ إنها ذنإ لحياة طويلة ..عجيب أمر هؤ الرجال؛ كيف كانوا يعيشون وكيف كانوا يتلقون حقائق القراآن وكلمات رسول الله ﷺ لتصبح حياةً يعيشونها، تصبحو حقائق يمارسونها، تغير من صميم حياتهم فينقلبون من أولئك ا القاسية قلوبهم إلى هؤ الذين تشف قلوبهم إلى هذه درجةال من ا والرقىْ وا لله سبحانه وتعالى ..عمر ذلك الذي أصبح بهذه الصورة التي نعرفها هو ذلك الذي قال عنه أحد ةالصحاب وهم ذاهبون في هجرتهم إلى الحبشة، وقد التقى عمر بزوجة ذلك الرجل وهي تنتظره، فقال لها: إلى أين؟ قالت: نهاجر �� تفعلون ناب كذا وكذا وكذا، فكأنما رق لها عمر وقال لها: صحبتكم الس يا أم ف فلما رجع زوجها وحكت له ما كان من عمر ورقته عليهم، قال اله: أطمعتِ في إس! والله �� يسلم عمر حتى يسلم حمار الخطاب ٥١ ..هكذا كانت نظرة الصحابة إلى عمر في جاهليته حينما كان يفعل ما يفعل بالصحابة، ويعارض رسول الله ﷺ، بل يسعى يوماً ما إلى أن يقتله ضيقاً وعبثاً إذ ذهب إلى الخمار ربليش الخمر فلم يجده، فبحث عن عملٍ اآخر يعمله، قال: أذهب إذن �� محمدا ..ذلك الذي فرق جماعتنا وسب اآلهتنا ..فيكون في هذا هالتوج الخير الكبير له، إذ يلقاه أحد الصحابة الذين أسلموا ولم يعرف إس فيقول له: إلى أين يا عمر، فيقول له: أذهب �� مدا،مح �� يخشى و يلتوي، بل يقول ما عنده بصراحة، فيقول له: ويحك عمر، لقد غرتك نفسك، اذهب إلى ختنك وإلى أختك فإنهما قد بئاص واتبعا محمداً ..فيوجهه الصحابي ليغير طريقه عن رسول الله ﷺ إلى هؤ ويفدي رسول الله ﷺ بأخت عمر وزوجها، فيذهب عمر، كلناو يعرف بقية القصة؛ كيف أسلم وانشرح صدره ل فيقول لهما: ماذا يفعل من أراد أن يدخل في هذا الدين، فيقو هل: تغتسل وتشهد شهادة الحق، ففعل وذهب إلى رسول الله ٦١ ﷺ ..هذا عمر في جاهليته، ثم إذا به حينما يؤمن يصبح في هذا الموقف العظيم وفي هذا المكان الكبير حتى قال عنه رسول الله ﷺ: "لو كان نبي بعدي لكان عمر .." لعلنا نستطيع من هذه المواقف أن نستشف لماذا استحق الصحابة ذلك المكان الرفيع وتلك الحظوة العظيمة حتى يقال همل أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم خير ا على ا.. لنحاول أن نعبر الفجوة الهائلة، و نكتفي بمجرد ا بهم الحقيقة التي نهتدي إليها هي أنهم كانوا يعيشون مع الله بكل قلوبهم وفي كل جنبات حياتهم، ويستشرفون ذلك الم �� فيعيشون مشتاقين إليه، وكانوا من الصدق والنقاء والرفعة وا والقوة بحيث أنهم كانوا يتحولون بكلمة .وكانوا يعيشون مع الله يلهمل ونهارهم يتغيرون ويبدلون من حياتهم ومن مشاعرهم لتتوافق توافقاً كام مع ما يريده الله وما يريده الرسول ﷺ، وما يريده منهم اهذ الدين ..لم يكونوا يقفون موقف المتفرج، أو موقف ا حينما يعرفون تلك الحقائق ..كان ا في حسهم أعمق من هذا وأروع ،وأصدق كانوا يتغيرون، وكانوا يتحولون من موقف إلى موقف مع ما يسمعونه من قراآن، ومن كلمات ومن أفعالٍ يرونها من خ شخص رسول هالل ﷺ . ٤١ ١السيرة النبوية ٧٢٦ص. ٥١ ١المصدر السابق ج ٣٤٣ص. ٦١ ١المصدر السابق ج ٣٤٣ص-٤٤٣.

عدد الصفحات ٤٥

جيل قراآني فريد ١١ فموقف ا والنظر هذا �� يكفي ..نعم ..هذا بداية ا أن يُعجب المرء بالحق، وأن يحب الحق، وأن يستشعر عظمة حق،ال ولكن عندما يقف عند هذه النقطة فقط فهذا منتهى الخسران، �� ا �� يكون صادقاً و منطقياً مع نفسه إذا ا يءبش واعتقد أنه حق وأنه عظيم ثم �� يتغير مع مقتضيات ذلك الحق و مقتضيات ذلك ا.. ذلك هو الفارق بين جيل الصحابة وبين من جاء بعدهم من ا ..كان الصحابي يقول للتابعي: إنكم تعملون أعما هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات ٧١ ..هذه فجوة ضخمة جداً بين موقف الصحابي وموقف التابعي، مع ما بينهما من فروقٍ بسيطة �� نكاد نراها ..فنحن حينما نتصفح التاريخ ونقرأ تاريخ التابعين: الحسن البصري يوالنخع والشعبي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ..نراهم قمما ضخمة جداً، ف نحس بفارق بينهم وبين الصحابة ..ولكن كان الصحابة يرون هذا الفارق ائ �� يعملون أعما هي في أعينهم أدق من الشعر كان الصحابة يرونها في عهد رسول الله ﷺ من الموبقات ..كيف كان الفارق إذن ينب الصحابة وبين تابعي التابعين؟! وبينهم وبين تابعي تابعي التابعين؟! وبينهم وبين الجيل العاشر ..أو الجيل الذي نعيشه ا ! الفجوة إذن من الضخامة بحيث تضعنا في أسفل السلم.. �� شك أن ا يحتاج منا أن نستعيد وعينا، ونستعيد إدراكنا، ونحاول أن نتعرف لماذا كان الصحابة كذلك، ولماذا نحن ؟كذلك فا أخطر مما نتصور.. وإذا كنا نريد أن نكون جي على قدم الصحابة، وإذا كنا نريد أن نكون نحن الجيل الذي يعيش غربة ا الثانية، ويعيد �� مرةً أخرى؛ فإنه �� بد أن نتحسس ذلك السر، وأن نعيشه، وأن نحاول أن نرتفع إلى ذلك المستوى .�� أن نقف عند نقطة ا عندو نقطة التملي لهذا المنظر الجميل، ثم نقف مكتوفي ا �� نحاول أن نعبر عباب ذلك البحر الهائل لكي نكون ةكالصحاب ..ا يحتاج منا جهداً هائ ومجاهدةً كبيرة، ومنطقاً أشد صدقاً، ونفوساً أشد نظافةً وطهارة، ويقيناً أشد عمقاً، وقوةً أكبر مما نحن هفي ..فا كبير جداً .. تنزل الوحي غضا وأثره في تعميق صلة الصحابة بالله نريد أن نقرأ تاريخ الصحابة مرة أخرى ..نريد أن نعرف كيف كان كلٌ منهم يصر حياته ..لقد استفادوا من القراآن، وعاشوا رحلةً م لم تعشها البشرية بعد ذلك ..كانوا يعيشون مع الله من خ وحيه الذي ظل يتنـزل عليهم قرابة ث وعشرين عاماً ..اكانو يعيشون انفتاحاً مع السماء" ..كان هناك خط ساخن" بين السماء وا ..كان يبيت أحدهم وينتظر بفارغ الصبر أن يأتي الصباح ليعرف ام الذي نزل في تلك الليلة من السماء ..كانوا يرون رسول الله ﷺ وقد تلبسه الوحي وينتظرون ما سيأتي به ذلك الوحي، وترتجف لوبهمق: ماذا عساه أن يقول لهم ربهم؟ ما الذي سيتنـزل في هذه اللحظة من تشريعٍ أو توجيه أو تأنيب أو ثناء؟ فكانوا ينتظرون هذه اللحظة همو مرتجفو القلوب، خائفون مما يأتي به الوحي، أو متشوفون لما سيأتي به ..كانوا يعيشون بقلوبٍ كقلوب الطير من الخفة والخوف والشوق أيضاً لما ٧١ عن أنس -رضي الله عنه -قال: )إنكم لتعملون أعماﷺ من الموبقات( رواه البخاري \ ٩ \ ١٨٢ ١٦٧٢ومسلم )(.

عدد الصفحات ٤٦

الفصل ا ٢١ يأتيهم من الله ..كان هناك لقاءات يومية بينهم وبين الله ..كان هناك خط ساخن بينهم وبين السماء، ينتظرون كل يوم ما يأتيس به الملك على قلب رسول الله ﷺ ليخبر هؤ العباد ماذا يريد منهم ربهم.. هذه المشاعر التي كانت تصاحبهم، وكانوا يعيشونها ليل نهار على مدى ث وعشرين عاماً هيَ التي صنعت ذلك الجيل، صنعتو منهم تلك القلوب المرهفة، وم قلوبهم بذلك ا واليقين ..فإذا كنا نريد أن نكون على قدم هؤ الصحابة �� بد أن يراجع كلٌ منا نفسه، ويقف الليالي يتفكر كيف يستطيع أن يرتفع إلى ذلك المستوى، أو قريب من ذلك المستوى الذي كان فيه لصحابةا ..�� أن نقيس أنفسنا بما بيننا وبين هذه الجاهلية التي نعيشها. إذا قسنا أنفسنا بذلك المستنقع الذي تعيشه الجاهلية سوف نُخدع خداعاً كبيراً، وسوف نرى أننا من أطهر الناس وأعظم اسالن .ولكن إذا قسنا أنفسنا بذلك الجيل فسوف نكتشف حقيقتنا، وسوف نكتشف أننا في السفح بالنسبة لتلك القمم ةالسامق التي كان يتربع عليها الصحابة ..سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه -الذي عميَ في اآخر أيامه؛ يقف بين الناس يأتونه ليدعو لهم �� كان مُجاب الدعوة، وقد دعا له رسول الله ﷺ) اللهم سدد رميته وأجب دعوته( ٨١ ..كان �� يرمي بسهم إ ويصيب، وكان �� يدعو بدعوة إ ويستجاب له ..فكان سالنا يأتونه ليسألوه ويدعو لهم فيستجاب له .قال عبد الله بن السائب: "فأتيته وأنا غ فتعرفت إليه فعرفني، لتفق: يا عم! أنت تدعو للناس فيشفون، فلو دعوت لنفسك لردّ الله عليك بصرك" فتبسّم سعدٌ ثم قال: "يا بني! قضاء الله أحبّ إلي من بصري" ٩١ ..هذه القمة التي يعيشها سعد- رضي الله عنه -لو أن أحدنا له دعوة واحدة مستجابة وقد فقد بصره لدعا بهذه الدعوة" اللهم رد إليّ بصري"، لكنو سعدا يدعو لكل الناس ويرضى ويقنع ويفرح ويسعد بأن يقف عند قضاء الله، فمادام الله قد اختار له اختياراً ف يجوز أن دير اختيار الله عز وجل؛ حتى ولو كان هذ ا مؤلماً وب في ظاهره . وكان عمران بن الحصين- رضي الله عنه -أيضاً مجاب الدعوة؛ فمرض بمرض ا وكانت بطنه منتفخة ويدخل الناس يسلمونو عليه فيجدونه سعيداً راضياً مشرقاً فيتعجبون" .دخل عليه مطرف وأخوه الع فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال: لم تبكي؟ قال: �� أراك على هذه الحالة العظيمة .قال: �� تبك فإن أحبه إلى الله تعالى، أحبه إلي .ثم قال: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفع به، واكتم علي حتى أموت، إن الم تزورني فاآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم بذلك أن هذا الب ليس بعقوبة، إذ هو ببس هذه النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في ب كيف �� يكون راضياً به؟!" ٠٢ ..فيبلغ هذا الرجل هذا المبلغ من اليقين والرضا والطمأنينة، تحقفيس أن يزول ذلك الحجاب بينه وبين الم فيدخلون يسلمون عليه، لماذا؟ هل لمجرد أنه كان يحفظ القراآن؟ لمجرد أن كان حفظي أحاديث رسول الله ﷺ؟ لمجرد أنه كان يصلي الصلوات المكتوبة؟ ا أكبر من ذلك بكثير.. في حادثةٍ أخرى، حينما كان رسول الله ﷺ يجلس مع أصحابه؛ فقال لهم" يخرج عليكم رجلٌ من أهل الجنة"، فيخرج رجل من امةع المسلمين، من عامة الصحابة، رجلٌ رث الثياب، يقطر ماء الوضوء من لحيته، ويمسك خُفّيه بيديه .ويأتي اليوم التالي، يقولف لهم رسول ٨١ أخرجه الحاكم من حديث سعد -رضي الله عنه -وقال صحيح على شرط مسلم. ٩١ ٧٢٢. ص٢مدارج السالكين. ج. ٠٢ إحياء ٩٤٣. ص٤علوم الدين. ج.

عدد الصفحات ٤٧

جيل قراآني فريد ٣١ الله ﷺ" يخرج عليكم رجل من أهل الجنة"، فإذا بنفس الرجل وبنفس الهيئة يخرج عليهم ..ويأتي اليوم الثالث، ليقول همل رسول الله ﷺ نفس الك ويخرج نفس الرجل ..فيتعجبون، فيذهب عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان ما زال صغيراً، يذهب إلى لكذ الرجل فيقول له" يا عم، لقد �� أبي- أي خاصمت أبي -فأردت أن أبيت عندك ث أيام"، فيبيت عنده ث أيام، ف يجد الرجل يفعل شيئا ذا بال ..يصلي العشاء ويأوي إلى النوم، حتى إذا أذن الفجر قام ..وراآه يكرر نفس العمل كل يوم ..فتعجب! لماذا خليد هذا الجنة، أو ما الذي فاقهم فيه- وعبد الله بن عمرو بن العاص كان من أكثر المسلمين قياماً ومن أكثر المسلمين عبادةً وتنسكاً وصوماً -فسأله" يا عم، لم يكن بيني وبين أبي م ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول على مدى ث أيام كذا وكذا وكذا، فما الذي بلّغك هذه المنـزلة؟"، فقال" �� شيء إ ما رأيت"، فمضى عبدالله، فناداه الرجل وقال له" ما عندي غير ما قلت لك غير أني أبيت سولي في قلبي غش على مسلم و أحسد أحداً من المسلمين على خير ساقه الله إليه"، فقال عبد الله" تلك التي بلغت بك ما بلغت، تلكو التي نعجز عنها"١٢. فا إذن ليس كثرة ص و صيام و عمل، بقدر ما يكون القلب أو نظيفاً .فالعبرة إذن هي في القلب وليس في اهرظ العمل ..ليس في الكم ولكن في الكيف .فنريد أن نبحث عن قلوبنا، ما الذي يسكن فيها من ا ومن النقاء ومن الخلوص ومن ؟اليقين هذا هو الذي جعل الصحابة يستحقون تلك الصفات وذلك المقام وذلك الثناء وذلك القرب من رب العالمين، وجعل كل واحدٍ هممن بهذا الوزن الثقيل بالنسبة لمن جاء بعدهم من ا .فليست العبرة إذن بكم نقرأ أو نحفظ من القراآن، و كم نصلي نم الركعات . كل هذا حسن، ولكن ليست العبرة به .العبرة بما يسكن قلوبنا ..ما هو مقدار اليقين، وما هو قدر صفاء هذا اليقين، وخلوص ذاه اليقين، وعمق هذا اليقين في قلوبنا، كيف نعيش مع الله، كيف نحس بالله، كيف نستشعر ألوهية الله، كيف نستشعر نظر للها عز وجل ...هذا هو الذي ينبغي أن نبحث عنه .نبحث عن ذلك الشعور في قلوبنا، والذي يكون منبعه ذلك اليقين وذلك ا العميق بالله وتلك المصاحبة لله، هذا هو الشعور الذي نريد أن نصل إليه ونتذوقه .ولن نتذوقه إ من خ المجاهدة ومن خ المعايشة مع كتاب للها الكريم، ومن خ الحياة مع الله، ومن خ المراقبة الدائمة لله، ومن خ ا والعيش مع نظر الله في كل لحظة ..عْلَمُ يَ ﴿ خَائِنَةَ ا وَمَا تُخْفِي الص ﴾]غافر: ٩١[ وَمَا﴿ تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْاآنٍ وَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِ كُن عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَب مِنْ مِثْقَالِ ذَر فِي ا وَ فِي الس وَ ا مِنْ ذَلِكَ وَ ا إِ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ۞ ا إِن ا الل � خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ هُمْ يَحْزَنُونَ ال اآمَنُوا وَكَانُوا يَت لَهُمُ ۞ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الد وَفِي ا � لَ تَبْدِي لِكَلِمَاتِ الل ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۞ ﴾]يونس: ١٦-٤٦[ فهذا هو الذي نريد ..نريد أن نعرف أن الله قريب: وَلَقَدْ ﴿ خَلَقْنَا ا وَنَعْلَمُ امَ تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ ا إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾]ق: ٦١[ فهذا هو المعني الذي نريد أن نقف عنده ...ونعلم من خ السر الذي جعل ذلك الجيل بهذا الشكل، ونعرف ما الذي فعله فيهم القراآن .وَقُرْاآنًا﴿ فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَا عَلَى الن عَلَى مُكْثٍ وَنَز نْزِي ﴾ ]ا: ٦٠١[ هذا القراآن الذي عاش مع الصحابة ذلك الوقت الطويل يتنـزل عليهم منجّما مفرّقاً، فعاشوا معه لحظةُ بلحظة اً نَفَسو بنفس، تتغير قلوبهم ومشاعرهم وخ وعقولهم وكيانهم مع إيقاعات القراآن ومع تنـز القراآن ..وبذلك استحالوا اتكيان جديدة تماماً

عدد الصفحات ٤٨

ل عليهم منجّما مفرّقاً، فعاشوا معه لحظةُ بلحظة اً نَفَسو بنفس، تتغير قلوبهم ومشاعرهم وخ وعقولهم وكيانهم مع إيقاعات القراآن ومع تنـز القراآن ..وبذلك استحالوا اتكيان جديدة تماماً �� صلة لها بذلك الكيان الذي كان قبل أن يتلقوا ذلك القراآن ويتنـزل عليهم . ١٢ ٩٥٥٠٢أخرجه عبد الرزاق حديث رقم ٧٩٦٢١عن معمر عن الزهري عن أنس وعنه ا وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.

عدد الصفحات ٤٨

الفصل ا ٤١ عوامل نشأة الجيل ا نريد ا بعد أن حاولنا أن نتلمس أطرافاً من ذلك السر الذي عاش به الصحابة وتعاملوا فيه مع القراآن، والتي أنتجت اأيض مشاعر خاصة بالله سبحانه وتعالى، وتصرفات وسلوكيات تتألق مع تألق ا وتوهج اليقين، والتي استحقوا بسببها ذلك ثناءال العطر من الله ورسوله، ومن الم ا ومن الناس أجمعين .نريد أن نقف مع القراآن وقفات لنحاول أن نتلمس المجا القراآنية التي عاشها ة،الصحاب كما نتلمس بقية العوامل التي أثرت في نشأة الجيل ا. فبجانب القراآن الذي يعتبر أهم مصدر وأهم عامل من عوامل النشأة، كانت هناك سنة النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته .كانتو لشخصية رسول الله ﷺ ووجودها بين الصحابة وحركتها بينهم ورؤيتهم لها أثر كبير أيضاً في رفع هؤ الصحابة إلى تلك القمم لعاليةا من الحياة مع الله سبحانه وتعالى .كما كان لعامل الغربة- غربتهم با وجدة هذه الرسالة في حياتهم -أيضاً أثرٌ في أن يكون ا متوهجاً ونضراً وغضاً عا في حياة ذلك الجيل. ونحن حينما نحاول أن نتعرف على هذه العوامل؛ فإنما هي محاولة أيضاً لنسأل أنفسنا: هل هذه العوامل مازالت قادرة على أن علتف ما فعلت أول مرة؟ وما هي أسباب هذا التأثير الذي أنشأته هذه العوامل في نفوس الصحابة؟ العامل ا: القراآن الكريم الذي هو ك الله القديم المتنـزل على قلب رسول الله ﷺ بواسطة جبريل- عليه الس-، المبدوء بسورة الفاتحة، وموالمخت بسورة الناس، والمُتحد به، والذي يعتبر معجزة الرسول ا بالنسبة لقومه وللبشرية جميعاً، وهو الكتاب الذي خلده الله وحفظه نم التحريف والتبديل والتغيير؛ فالله عز وجل يقول إِن نَحْنُ نَز الذ وَإِن لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾]الحجر: ٩[. و شك أن كون هذا الكتاب ك الله، ينبغي أن يجعل ا ذا الشعور المرهف وا المتوهج يحس بثقل وبحرمة � هذه الكلمات .و شك أن الصحابة- رضي الله عنهم -عاشوا هذه المعاني بأعمق ما يكون، وكانوا يتعاملون مع القراآن ومع كلمات الله يهف بهذه الحساسية الشديدة ا والشديدة الشفافية. ولعل ا والعادة التي تلقينا نحن بها القراآن دون أن تصاحبه تلك المشاعر التي تجل القراآن وتستشعر عظمته، هي لتيا تسببت في أن يكون هذا القراآن ب تأثير وب بصمات في حياتنا كما كانت في حياة الصحابة، فالصحابة كانوا يعيشون مع القراآن هوو يتنـزل لحظة بلحظة ...يعيشون مي القراآن في حياتهم ..ويسيرون معه خطوة خطوة ..وينتظرون ويترصدون ا المنـزلة لكي روايحو حياتهم وفق مدلو فكانت تلك الحياة الحية- التي تماثل نمو الجنين ونمو ا في مراحله المختلفة -تستمد من القراآن تها،حيا وتستمد منه عوامل نموها وعوامل تشكيلها كذلك.

عدد الصفحات ٤٩