www.tafsir.net (50) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) في الفَهم، بالإضافة إلى أنه يتفاوَت مع غيره في معرفته باللغة، لكان ذِكر هذه الآيات عبثًا، وهو ما يَتنزَّه عنه القرآن. وقد تقدَّم قول أبي عبيدة من أن الصحابة لم يسألوا النبي ﷺ عن كلِّ ما في القرآن؛ لأنهم عَرَبٌ لا يَحتاجون إلى ذلك؛ لأن القرآن قد نزَل بلُغتهم وعلى معهود خطابهم. فـ معرفته؛ لأن الكلَّ إذا اشتركوا في معرفة اللغة لم يَجُز أن يختص بعضهم بأن يعرف المراد بالكلام دُوْن بعض؛ لأن طريق المعرفة واحد فيما يرجع إلى اللغة، وفيما يُمكِن أن يُعْرَف به مراد الله -تعالى-، فلا يصحُّ إذا شارَك العالِم بالأمرين السَّلَفَ، أن لا يَتمكَّن من معرفة المراد بالقرآن كتمكنِّهم، كمَا لا يَصحُّ ذلك في سائر الطُّرق التي يُوصَل بها إلى المعارف، ويَقَع الاشتراك فيها وبهذا رَدَّ أبو حيان على ابن تيمية، فقال مَن عاصَرَنا، فكان يَزعُم أن عِلم التفسير مضطر إلى النقل في فَهم معاني تراكيبه بالإسناد إلى مجاهد، وطاوس، وعكرمة، وأضرابهم، وأن فَهم الآيات متوقِّف ونظيرُ ما ذكَره هذا المعاصِر أنه لو تَعلَّم أحدُنا مثلاً لُغة التُّرك إفرادًا على ذلك...، وتركيبًا حتى صار يَتكلَّم بتلك اللغة، ويَتصرَّف فيها نثرًا ونظمًا، ويَعرِض ما تعلَّمه على كلامهم فيجده مطابِقًا للُغتهم، قد شارَك فيها فصحاءهم، ثُمَّ جاءه كتابٌ بلسان التُّرك فيُحجِم عن تدبُّره وعن فَهم ما تضمَّنه من المعاني حتى يسأل عن ذلك 3(»التُّركى أو سَنْجَرَ. أَتُرَى مثل هذا يُعَدُّ من العقلاء؟ ((( سُنْقُرَ 362/1( 2( الإدراك للسان الأتراك، لأبي حيان الأندلسي، ص 16/3(
عدد الصفحات ٥٠www.tafsir.net (51) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) ولهذا قال أبو حيان تنبيهًا منه على ما قرَّرناه وأحكامها قبل التركيب، وعَلِم كيفية تركيبها في تلك اللغة، وارتقَى إلى تمييز حُسن تركيبها وقُبحه، فلن يَحتاج في فَهم ما تَركَّب من تلك الألفاظ إلى مُفَهِّم ولا مُعَلِّم، وإنما تفاوت الناسُ في إدراك هذا الذي ذكَرناه؛ فلذلك اختلفت أفهامُهم، وتباينت أقوالُهم ولا يُدرَك هذا الذي ذكَره أبو حيان بمجرَّد الاطلاع على كتاب أو كتابين في كلّ فنٍّ من فنون العربية، بل ولا حفظها وفَهمها حقَّ الحفظ والفَهم، بل لا بُدَّ أن يَقْتُل كلام العرب عِلمًا، حتى يُوصَف بالتبحُّر فيه، وهذا لا يَكُون إلا بالتفرُّغ والانقطاع، ولهذا قال أبو حيان ولا يَمتطِي منه صَهوته، إلاَّ مَن كان متبحِّرًا في عِلم اللسان، مُترقِّيًا منه إلى رتبة الإحسان، قد جُبِلَ طبعُه على إنشاء النَّثر والنَّظم دُوْن اكتساب، وإبداء ما اخترعته فكرتُه السليمة في أَبْدَعِ صورة وأجمل جِلباب، واستفرغ في ذلك زمانَه النَّفيس، وهجَر الأهل والولَد والأَنيس فَهم غوامض الكتاب، وعن إدراك لطائف ما تَضمَّنه من العَجَب العُجاب، وحظُّه من عِلم التفسير إنما هو نَقْل أسطار، وتَكرارُ محفوظ على مَرِّ أَعْصار ولا يُفهَم من كلام أبي حيان أنه ممَّن يقولون بالاكتفاء بلغة العرب في تفسير القرآن، كمَا فَهِمه بعضُهم، وفسَّر موقفه هذا بأن تخصُّصَه العلميَّ قد أثَّر عليه في هذه النَّظريَّة التي تبنَّاها اعتبار التفسير، دُوْن النظر إلى أسباب النزول، وقصص الآي وسياقها، والناسخ 15/1( .)27/2( 3( 4(
عدد الصفحات ٥١www.tafsir.net (52) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) والمنسوخ، وغيرها ممَّا يَحتاج إليه المفسِّر، كمَا نصَّ عليه المعترِض على أبي حيان نفسِه وفصَّل فيه القول والسبب في اعتراض المعترِض على أبي حيان أنه اعتمد على كلامه السابق من أن الممتلِك لناصية اللغة غير محتاج في فَهم القرآن إلى مُفهِّم ولا مُعلِّم، وهو صواب؛ لأن اللغة -كمَا سبَق- هي آلة الفَهم من جِهة الأصالة كمَا دلَّت عليه الآيات السابقة التي تَنصُّ على أن القرآن نزَل وَفق العربية ليُفهَم من جهتها، فأبو حيان يتكَّلم على الآلة الأُولى لفَهم القرآن، وهذا الذي دلَّت عليه آيات القرآن نفسها؛ وذلك لأن القرآنُ يُخْرِج الألفاظ عن دلالتها ولذلك فقد رفَض أبو حيان نفسُه حمْل المعنَى على التفسير اللغوي المحض إذا خالَف قاعدةً من القواعد الشرعية العقدية الشارع، لا يَتِمُّ على وجه الصواب إلاَّ إذا جُمِعت أطرافه جميعًا؛ فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والمُجمل على المبيَّن، والعام على الخاص، كمَا يَدُل عليه صنيعُ العلماء في شتَّى الفنون في مصنَّفاتهم. وكذلك لا يَعنِي تقلُّد أبي حيان هذا المذهب أنه يَرَى أن أقوال السَّلَف لا فائدة من ورائها؛ لأنه يَنُصُّ على أن أقوال الصحابة في بعض المواضع ضرورية في فَهم القرآن، ومنها ما يلتبس من جهة العموم والخصوص 1( .)27-17/2( 3( .)507/4( .)162/5(
عدد الصفحات ٥٢www.tafsir.net (53) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وكذلك نَصَّ على أنه في تناوله لتفسير القرآن سيَعتنِي بنقل أقاويل السَّلَف، فقال عن منهجه في التفسير والخلف في فَهم معانيها فينبغي الوقوف عليه؛ حتى تُتَصوَّر المسألة ابتداءً على الوجه الصحيح، لأن أية مسألة لا تُتصوَّر جيِّدًا إلا بالوقوف على ما قِيل فيها وأدلة كلِّ قول، لا سيما كلام السَّلَف المتقدِّمين، لمكانتهم العالية في كلّ فنٍّ وعِلم. وقد سبَق ذِكر كلام أبي حيان في أهمية كلام السَّلَف في التفسير. فبان بذلك أن القول بعدم ضرورة الرجوع إلى أقوال السَّلَف في التفسير لا يعنِي اطِّراحها وعدم النظر فيها. أدلة تؤيِّد هذا الوجه السابق في مناقشة ابن تيمية في أصل قوله: وهذا الوجه الذي ردَّ به أبو حيان على ابن تيمية في أصل الرجوع إلى أقوال السَّلَف، قد أيَّده بأوجُه أخرى تؤيِّد قوله بأن اللغة هي أصل فَهم القرآن، وأنه لا معنى لمَن أَحكَمها أن يَرجِع إلى غيره في فَهم ما يُفهَم بها. وقد أيَّد ذلك بوجهين: : أن الصحابة عَرَب فصحاء قد نزَل القرآن وَفق لغتهم، من أجل أن الأول يَفهموه من خلالها، وقد قرَّر ابن تيمية هذا نفسه كمَا سبق، فلا يَحتاجون في ذلك إلى أحد، ممَّا يؤِّيد ما قرَّرناه من أن مَن امتلك ناصية اللغة فلا يحتاج إلى غيره لفَهم القرآن : أن الصحابة في تفسيرهم القرآن كانوا مجتهدين، يرجعون في ذلك إلى الثاني أفهامهم وما وصل إليه عِلمهم، وهو مترتِّب على ما قرَّرناه من قَبل من أن النبي ﷺ 12/1( .)17/2(
عدد الصفحات ٥٣www.tafsir.net (54) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) لم يُفسِّر القرآن كلَّه آيةً آية، وبالتالي فأقوال الصحابة ليست منقولة عنه ﷺ، حتى يَلْزَم الأخذ بها وعدم تعدِّيها، ولا أن كلَّها ممَّا يَجِب التسليم به من أمور الغيبيات وأسباب النزول ومثل هذه الأشياء التي يجب اتباعهم فيها، بل كانت كثير من أقوالهم التفسيرية اجتهادية. ، وقد سُئِلَ: وقد استدلَّ أبو حيان على أن أقوالهم اجتهادية بقول علي هل خَصَّكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة، أو فَهْمٌ يُؤتاه الرَّجلُ في كتابه 2(»بقوله وممَّا يدلُّ على أن أقوالهم اجتهادية وجود الاختلاف والتعارُض بينها، وهو ما عبَّر عنه أبو حيان بقوله في الردّ على ابن تيمية في هذا هؤلاء كثيرة الاختلاف، متباينة الأوصاف، متعارِضة، يَنقُض بعضها بعضًا وهذا الذي قرَّره أبو حيان من جهة الأصل صحيح، لكن لا بدَّ من التنبيه على أن جماعة من العلماء ذكَروا أن الاختلاف الوارد عن السَّلَف في التفسير هو في كثير منه من باب اختلاف التنوُّع؛ لأمور ذكَروها، وإن كانوا لم يَنفوا وقوع اختلاف التضاد، ولكنه قليل والقول الذي قرَّره ابن تيمية وغيره من أن الاختلاف بين أقوال السَّلَف هو في كثير منه اختلاف تنوُّع سنستثمره في الردّ على ابن تيمية في قوله بعدم جواز إحداث تأويل لم يَقُله السَّلَف، كمَا سيأتي بحَوْل الله -تعالى- في المطلب الثالث. 1( .)17/2( 3( 159/4( 203/علوم القرآن، للسيوطي
عدد الصفحات ٥٤www.tafsir.net (55) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المطلب الثاني ضعف أخذ التفسير عن طريق اللغة إذا قُورن بأخذه عن طريق أقوال السَّلَف وفي مسائل هذا المطلب نَعْرِض للأوجُه التي احتَجَّ بها ابن تيمية على أنّ أخذ التفسير عن طريق اللغة وقوانين النحاة لا يَبْلُغ في الاستقامة والقوة مبلغَ أخذه عن طريق أقوال السَّلَف من الصحابة والتابعين وَفق رؤيته، وقد تبيَّن لك ممَّا سبَق أن الأوجُه التي استدلَّ بها ابن تيمية على ضرورة الرجوع إلى أقوال السَّلَف لا تخلو من مناقشة ونظر، ولا يؤخذ منها ما يريد إثباته من خلالها. ويُرِيد ابن تيمية من إثبات ضعف أخذ التفسير من خلال اللغة بعد إثبات قوة طريق أخذه عن طريق أقوال السَّلَف -أن يُلْزِم المخالِف له في القول بوجوب أخذ التفسير من خلال أقوال السَّلَف؛ لأن عدم أخذه من خلال أقوالهم مع ضعف أخذ التفسير من طريق اللغة -كما يَرَى ابن تيمية- مُفْضٍ إلى إسقاط فَهم القرآن وتدبُّره رأسًا، وهو ضد مراد الله -تعالى- من إنزال القرآن والحث على تدبُّره. فطريق تفسير القرآن وأخذ معانيه لا يَكُون إلا عن طريقَين في نظر ابن تيمية: : مرويات السَّلَف من الصحابة والتابعين. لأولا : اللغة وقوانين النحويين، والثاني معلومًا، بطلت دلالة الكتاب والسنة، وسقَط الاستدلال به وفَهمُ معانيه، واللهُ أمرَنا بتدبُّره وعَقْلِه ولا بُدَّ هنا من استحضار ما نبَّهْنا عليه في المطلب الثالث من التمهيد، وهو أن ابن تيمية قصَر الخلاف في أخذ التفسير بين أخذه من خلال أقوال السلف وبين 1(
عدد الصفحات ٥٥www.tafsir.net (56) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) أخذه من خلال اللغة، وقد علِمت أن ثمة طريقًا أُخرَى، وهي أخذ التفسير من خلال اللغة مع عدم مخالَفة دلالات الكتاب والسُّنة. وقَبل أن نعرض لهذه الأوجُه التي يُقرِّر ابن تيمية من خلالها عدم نُهُوض طريق تفسير القرآن من طريق اللغة إذا قُورنت بالاعتماد على أقوال السَّلَف، نذكُر تمهيدًا يبيِّن مكانة اللغة من التفسير من خلال أقوال العلماء. إن المتتبِّع كلام العلماء عن اللغة ودورها في فهم نصوص الشرع يَعْلَم بيُسر وسهولة اتفاقهم على أهميتها وأنها سبيل الفَهم الذي حضَّ على تعلُّمه الشرعُ الشريفُ، وحذَّر من الولوج إلى ساحة فَهم نصوص الكتاب والسُّنة دُوْن التضلع من اللغة وعلومها. ومن أقوالهم قولُ الإمام الشافعي نزَل بلسان العرب دُوْن غيره: لأنه لا يَعْلَم مِن إيضاح جُمَل عِلم الكتاب أحدٌ جَهِل سَعة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجِمَاعَ معانيه، وتفرقَها. ومَن علِمه انتفَتْ عنه الشُّبه التي دخلَت على من جهِل لسانَها ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ وكذلك قول الطبري في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ ، أي]﴾ﮮ لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه وكذلك قول ابن حزم ﴾ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﴿ القرآن على نبيه ﷺ بلسان عربي مبين؛ فمَن لم يَعْرِف النحو واللغة فلم يَعْلَم اللسان الذي به بيَّن الله لنا ديننا وخاطبَنا به...، ولو سقَط علم النحو لسقَط فَهم القرآن وفَهم حديث النبي ﷺ، ولو سقَط لسقَط الإسلام 1(.)6/2( 3(
عدد الصفحات ٥٦www.tafsir.net (57) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وقال ابن تيمية نفسه في ذلك وجَعَل رسوله مُبَلِّغًا عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي، وَجَعَل السابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به؛ لم يَكُن سبيلٌ إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت معرفته من الدين وهذا القول من ابن تيمية في أهمية اللغة في فَهم الكتاب يُخالف في ظاهره ما سيأتي من وجوه كلامه على ضعف أخذ التفسير من طريق اللغة، وسيأتي أيضًا توجيه صنيعه هذا. فبان من خلال النقول السابقة أهمية اللغة ومركزيتها في فَهم القرآن وتفسيره، من خلال نصوص العلماء على اختلاف أزمانهم. والآن نشرع في عرض الوجوه التي استدلَّ بها ابن تيمية في ضعف أخذ التفسير من اللغة عند مقارنة أخذه عن طريق أقوال السَّلَف. فابن تيمية من خلال هذه الوجوه يُرِيد أن يثبت أن الاعتماد على اللغة في أخذ التفسير وترك أخذه من خلال أقوال السَّلَف، يعتريه من الضعف ما يُنقص من الثقة به. وأوَّلُ ما يَستدِلُّ به ابن تيمية هو أن عدم الرجوع إلى أقوال السَّلَف لأخذ معاني القرآن كمَا تم الرجوع إليهم في نقل حروفه وإلى معهود لُغتهم في خطابهم الذي نزَل عليه القرآن -يَعنِي أنه لا سبيل إلاَّ أن نَرجِع في أخذ اللغة التي يُفْهَم بها القرآن إلى غيرهم، فنَعرِف لُغتهم ومقاصدهم، ثم نَقيس ألفاظ القرآن على ألفاظ تلك اللغة، وهذا يُشترَط فيه اتحاد اللفظين، وسلامته من المجاز والاشتراك فيهما، وإلاَّ فمتى كان اللفظ من أحدهما دُوْن الآخر دالاًّ على معنى آخَر بطريق الاشتراك والمجاز لم يَكُن المراد من أحد المتكلِّمين به مِثل المراد به من المتكلِّم الآخَر. 450/1(
عدد الصفحات ٥٧www.tafsir.net (58) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) بالإضافة إلى أن ابن تيمية يُورِد على اللغة المرجوع إليها اعتراضات من جهة النقل والدلالة، فيقول إنَّها من جهة النقل آحاد، وإنها من جهة الدلالة على المعاني ظنية، وقد يَكُون أخذُ المعنى عن طريق قياس نحوي دخَله مُعارِض راجِح، أو أن ثمة فرقًا لم يَتفطَّن له واضِع القياس، فكلُّ هذه الإيــرادات ممَّا يُضعِف من أخذِ التفسير عن طريق اللغة في نظر ابن تيمية. ونحن نَعرِض لهذه الأوجُه التي اعترض بها ابن تيمية، ونحاول أن نتبيَّن مدى قوتها واستقامتها من جهة النظر والاستدلال. الوجه الأول: ويقرِّر فيه ابن تيمية أن وما يُراد بها كمَا رجَع إليهم في نقلِ حروفه وإلى لُغتهم وعادتهم في خطابهم، فلا بُدَّ أن يَرجِع في ذلك إلى لُغة مأخوذة عن غيرهم، لأن فَهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، وغايته أن يُباشِر عربًا غيرهم، فيَسمَع لُغتهم ويَعرِف مقاصدهم، ويقيس معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ. وهذا إنما يَصِحُّ إذا سَلِم اللفظ من كلام العربي هذا، ويَسْلَم في القرآن -أيضًا- من احتمال المعاني المختلفة لمجازٍ واشتراك، وإلاَّ فمتى كان اللفظ من أحدهما دُوْن الآخَر دالاًّ على معنى آخَر بطريق الاشتراك والمجاز لم يَكُن المراد من أحد المتكلِّمين به مِثل المراد به من المتكلِّم الآخَر، فغايتُه فيه القياس، وهو موقوف على اتحاد معنى اللفظين فابن تيمية في كلامه السابق قد أَوْرَد إشكالين على اللغة التي سيُرجَع إليها في فَهم القرآن: : أن مَن لم يَرجِع إلى أقوال السَّلَف فلا بدَّ أن يَرجِع إلى عرب غيرهم لأخذ الأول غايته أن يباشر عربًا غيرهم، فيسمع لغتهم ويَعرِف اللغة، وهو ما عبَّر عنه بقوله »مقاصدهم 1(
عدد الصفحات ٥٨www.tafsir.net (59) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وقوله هذا يُوهِم أن اللغة المأخوذة من غيرهم مختلِفة عن لُغتهم، وكمَا تبيَّن لك في الوجه الرابع من على لُغة قريش لُغة النبي ﷺ والصحابة للاستعانة بها على فَهم القرآن. وكذلك فإن اللغويين والنحاة وأهل الاشتقاق وغيرهم من أهل علوم اللغة قد اجتهدوا في بيان مقاصد العرب في لُغتها وتصرُّفاتها فيها المحتاج إليها في فَهم كلام العرب على وجهِه، وقد جاء القرآن وَفق هذه المقاصد والتصرُّفات، ولهذا نبَّه الإمام الشافعيُّ على اشتراط معرفة ذلك على المجتهد؛ لأن الله قد خاطَب الناس في كلامه وَفق هذه التصرُّفات والمقاصد غير مَوْضِع من كتبه في بيان ذلك والاستدلال عليه : وهو اشتراط اتحاد معنى اللفظين وعدم المجاز والاشتراك.الثاني وهذا الذي ذكَره ممَّا لا خلاف فيه، لكن الوقوف عليه لا يُقال إنه ليس بمقدور عليه، بل مَن قَتَل كلام العرب عِلمًا، وكان من أهل الاستقراء التام له، يَستطِيع الوقوف على هذا وتمييزه، ولهذا اشترطوا في المفسِّر والفقيه وكلِّ ناظر في نصوص الكتاب والسنة؛ لفَهمها حقَّ الفَهم والاستنباط منها -الاجتهادَ في العربية، حتى يَصِير في فَهمها كمَا يَفهَم العربيُّ الذي نزَل عليه القرآن وبعد هذين الإشكالين رأينا ابن تيمية يُورِد إشكالاً آخَر، وهو أن ثَمَّة فرقًا بين اللغة التي جاء بها القرآن واللغة التي يَتخاطَب بها الناس، فإنه مشترَك، فإن الرسول جاءهم بمعانٍ غيبية لم يكونوا يَعرِفونها، وأمرَهم بأفعالٍ لم يكونوا يَعرِفونها، فإذا عبَّر عنها بلُغتهم كان بين ما عَناه وبين معاني تلك الألفاظ 1( .)256-253/54/2( 27/53/3( .)375-283/القرآن، للزركشي
عدد الصفحات ٥٩www.tafsir.net (60) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) قدرٌ مشترَك، ولم تكن مساويةً لها، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تُعْرَف إلاَّ منه. فعُلِمَ أن عامّة مَن يأخذ معاني القرآن من اللغة التي سمِعها من العرب العرباء وباشرَهم فيها أن يكون قائسًا قياسًا يَحتِمل الضدَّ، وأن يكون ما فاتَه مِن الفارق أعظمَ ممَّا أدركَه بالجامع، وهذا برهان واضح وهو كمَا قال؛ فإن المعاني التي ثبَت أنها ممَّا اختُصَّ الشرع بها دُوْن معهود كلام العرب، فإن مِثل هذا لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي، أو ما يَقُوم مقامه من آثار الصحابة التي عُلِم أنهم لا يقولونها إلا بالتوقيف، وما دُوْن ذلك يَكْفِي في تحصيله التفقُّه على الوجه المعتبَر، وهو اللغة ويَدخُل تحت هذا المأخذ ما استَدلَّ به ابن تيمية من كلام أبي عبيد (ت « في الحديث على خلاف ما فسَّر به الفقهاء، قال ابن تيمية في بيان هذا عبيد -وعلمُه باللغة في الطبقة العُليا، مع ما له من البراعة في بقية العلوم- لمَّا ذكَر تنازُعَ بعض أهل اللغة وعلماء الفقه والحديث في تفسير نهي النبي ﷺ عن اشتمال الصمَّاء، وأن بعض أهل الغريب فسَّره بالتجليل، وأن علماء الدين فسَّروه بإبداء المنكب، قال أبو عبيد وهو حقيقة المراد. يعني أن الفقهاء يعلمون ما عُنِي بالأمر والنهي، لأن ذلك مطلوبُهم، وأهل الغريب يَتكلمون فيه من جهة اللفظ فقط وما تُرِيده به العربُ كمَا قدَّمناه 1( 551/24-22/82/2( .)171/علوم القرآن 118/3( 4(
عدد الصفحات ٦٠www.tafsir.net (61) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وهذا -أيضًا- داخِل فيما ذكَرناه من أن الأمر إذا كان ممَّا اختُصَّ به الشرع دُوْن اللغة فالرجوع فيه حينئذٍ إلى الشرع، وقول الفقهاء هنا مُنبئ عن أن هذه اللفظة في لُغة الشرع على نحو ما قرَّروه من مخالفتها في الدلالة عُرْفَ أهل اللغة. لكن يجب التنبُّه إلى أمر هنا، وهو أنه ينبغي التثبُّت من هذا الذي يقال فيه إنه ممَّا لا يُدرَك إلا من خلال الوحي أو ما يَقوم مقامه؛ بحيث نَعْلَم أنه على هذا الوجه يقينًا؛ لأن ابن تيمية يَقصِد بذلك من جهة الأصالة نصوص الصفات التي يُخالِف في تقريرها المعتزلةَ وغيرهم، وهُم يُخالِفونه في جعلِ هذه الآيات من الذي لا يُدرَك إلا بالوحي أو ما يَقُوم مقامه، وهي أقوال السَّلَف كمَا يريد ابن تيمية التوصُّل إليه، وهو مبحث كلامي قد سبَق التنبيه على أنه الكلام عليه في كُتب أهل الكلام. وبهذا يتبيَّن أن هذا الوجه الذي اتكأ عليه ابن تيمية هنا للوصول إلى ما يَرمِي إليه من ضرورة الرجوع إلى أقوال السَّلَف لأخذ معاني القرآن منها بإطلاق، لا يَنهَض، وإنما يَصحُّ فقط في هذه الآيات التي لا تُعْلَم إلا عن طريق الوحي أو ما يقوم مقامه من أقوال الصحابة والتابعين التي نَعْلَم أنهم لا يقولونها إلاَّ عن طريق النقل عن المعصوم ﷺ، أمَّا ما كان سبيله الاجتهاد منهم، فليس واجبًا على المجتهد في اللغة أن يَرجِع إليهم فيه. والمخالِفون لابن تيمية لا يُنازِعونه في أن ما لم يَكُن سبيله اللغة والأدلة الشرعية، فإنه يُرجَع فيه إلى النقل المحض، ولكن السبب في إيراد ابن تيمية هذا هو ما نبَّهْنا عليه من أنه حَصَر طُرُق التفسير في طريقَين فقط: أقوال السلف، واللغة المحضة. وغفَل عن ذِكر الطريق الثالث الذي يقول به جماهير المفسرين، كما سبقت الإشارة إليه في أكثر من موضع.
عدد الصفحات ٦١www.tafsir.net (62) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) الوجه الثاني ونحن نَجمَع هنا الكلام عن الوجه الثاني والثالث والرابع؛ لاشتراكها في الغرض الذي أَورَدهــا ابن تيمية من أجْله، فهي من باب واحد، ولذلك ستَكُون مناقشتنا لها مجتمِعةً. فقال فيهأما الوجه الثاني العرب نظمًا ونثرًا، وكلُّ ما تَعتري نقلَ الحديث من الآفات فهو هنا أكثر، وهذا أمر معلومٌ لمن كان خبيرًا بالواقع، فيكون نقل ألفاظ اللغة ثُمَّ معرفة مرادِهم من تلك الألفاظ يَرِدُ عليه أكثر ممَّا يَرِدُ على معرفة مراد الرسول؛ لأن معرفة مراد الرسول توفَّرت عليها الهِمَمُ والدواعي، وصانَه الله فهو محفوظٌ بحفظ الله ثُمَّ بالعادة العامّة والخاصّة، أكثر من معرفة مراد شاعرٍ مادحٍ، أو رَاثٍ، أو هاجٍ، أو مُشبِّبٍ، أو واصفِ ناقةٍ أو امرأةٍ أو فلاةٍ، أو مفتخرٍ الوجه الثالث: « قال فيه من العرب، كالأصمعي فيما سمِعه من الأعراب، وذكَر أنه فَهِم معناه. ومن هذا الباب كُتُب اللغة التي يَذكُرون فيها معاني كلامِ العرب بألفاظ المصنِّفِين، ومعلومٌ أن هذا يَرِدُ عليه أكثر ممَّا يَرِدُ على مَن سَمِع الكلام النبوي مِن صاحبه وقال: إنه فَهِم معناه، وبيَّنه لنا بعبارته الوجه الرابع: « يَرِدُ على هذا من الأسولة أكثر ممَّا يَرِدُ على نقل الحديث 2( 3(
عدد الصفحات ٦٢www.tafsir.net (63) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) إن ابن تيمية يَتكلَّم في هذه الأوجُــه عن الآفات التي تَعترِي نقل الحديث، ويَقصِد بها الاعتراضات التي يوجِّهها المتكلِّمون إلى الأحاديث؛ لئلاَّ يُحتج بها في باب العقائد؛ مِن أنها آحاد، وليست نصوصًا في إثبات المراد، وغير ذلك ممَّا ذكَره عنهم ابن تيمية الاعتراضات نفسها على اللغة التي سيرجِعون إليها لفَهم القرآن من خلالها. بل يَجعَل ابن تيمية هذه الاعتراضات لازِمة للُّغة من باب أولى؛ لأن معرفة مراد الله ورسوله من خطابهما قد توافرت عليه الدواعي، وهذا ما لم يتهيأ لكلام العرب من شعر أو نثر، فإن معاني القرآن قد تم نقلها ممَّن نزَل عليهم القرآن بعباراتهم! ونحن نُجِيب على ما أَورَده شيخ الإسلام بمِثل ما ردَّ به على المتكلِّمين فيما يتعلَّق بالحديث النبوي التي قرَّرها عليها، أو أنه قرَّر ذلك فقط من باب إلزام الخصم بما يَعتقِد، وإن كنَّا نَمِيل إلى الأول، وعليه سنَبنِي نقاشنا معه. فنقول: إن اللغة المنقولة قد تَكُون متواترة، وقد تكون آحادًا، فأمَّا المتواترة فإنها تفيد العِلم أو قد تُفيد غلبة الظن الكافي في القطع بالمراد منها، لا سيما وإنّ دواعي الكذب في نقلها غير متوفرة، مثلها مثل كتب الفقه المشهورة المعتمد عليها، ولذلك وُجِد في السُّنة موضوعات كثيرة لتوافر دواعي الكذب؛ ولهذا أَفرَد المحدِّثون 1( 2( 216/3( .)92/ص
عدد الصفحات ٦٣www.tafsir.net (64) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) الكلام عليها بالتصنيف، وليس كذلك اللغة وكتب الفقه، والكذب في اللغة وغيرها في غاية الندرة، اكتفى العلماء فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة، فإن شهرتها وتداولها يمنعانِ ذلك مع ضعف الداعية له بل فقليل جدًّا فاللغة التي سيُرْجَع إليها في فَهم القرآن متواترة كمَا نصّ على ذلك الأصوليون، وهو خلاف ما قرَّره ابن تيمية هنا. لكن الذي يَظهَر لنا أن ابن تيمية إنما قرَّر ذلك بسبب استحضاره مخالَفة المعتزلة وأضرابهم من المتكلِّمين لتفسيرات السَّلَف باللغة من خلال أبيات يعتمدون عليها في تأويلاتهم المخالِفة لتأويلات السَّلَف -كما تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في التمهيد- وهي في نظره لم تُرو بإسناد صحيح عن قائليها، بل كثير من أهل الصنعة يُكذِّبها فهذا البُعد العقدي الكلامي الظاهر أنه كان المحرِّك لابن تيمية في تقريره هذه القاعدة التفسيرية؛ من توقُّف التفسير على أقوال السَّلَف، وعدم العدول عنها، وإظهار اللغة بهذا المظهر الضعيف، ولو كان ابن تيمية قد خصَّ كلامه بهذا النوع الذي يُورِده المعتزلة والمتكلِّمون -مع كوننا لا نُسَّلِم بأن اعتمادهم كان على هذا النمط الواهي من اللغة، كما تقدَّم التنبيه عليه في التمهيد- لكان كلامه مقبولاً، ولكنه عمَّم لكي تَسْلَم له قاعدته من وجوب أخذ التفسير من خلال أقوال السَّلَف، وأن عدم الرجوع إليها يَلْزَم منه أخذ التفسير عن طريق ضعيف واهٍ. 530/1( 216/2( 3(
عدد الصفحات ٦٤www.tafsir.net (65) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) الوجه الخامس وأمَّا الوجه الخامس الذي اعتمد عليه ابن تيمية فهو زعزعة الثقة في أَخْذِ المعاني القرآنية عن طريق قياس نحوي أو تصريفي، فإن هذا عنده ممَّا يَدْخُله الاحتمال والظن؛ فلا يَرْقَى في القوة إلى رتبة أخذ التفسير من خلال أقوال السَّلَف، وذلك لأن هذا القياس قد يَدخلُه تخصيصٌ لمُعارِضٍ راجح، وقد يكون فيه فرقٌ لم يَتفطَّن له واضع القياس القانو فشيخ الإسلام يَعتمِد في هذا الوجه على إظهار ظنية الاعتماد على أخذ التفسير من خلال القياس النحوي أو الصرفي، وسبب هذه الظنية في نظر ابن تيمية أن هذا القياس قد يكون مخصَّصًا بسبب المعارِض الراجح، أو أن هناك فرقًا معنويًّا فيه لم يَتفطَّن إليه واضِع القياس؛ لأن كلام العرب متشعِّب، وهي كثيرة التصرُّفات فيه يَشمَل كلَّ الجزئيات التي تَتعلَّق به. هذا وجهُ كلام ابن تيمية هنا، لكنَّا نقول: إن في هذا الذي قرَّره نظرًا؛ لأن القياس النحوي أو التصريفي القائم على الاستقراء التام، يُفيد اليقين أو غلبة الظن الكافيَيْن للبناء عليه الاستقراء؛ لأنه لا يَنتظِم من هذه الجزئيات المتخلِّفة كُلِّيٌّ يُعارِض هذا الكُلِّيَّ المأخوذ من الجزئيات الكثيرة المستقرأة، وهذا شأن الكليات الاستقرائية تَقدَّم أن أكثر لُغة القرآن ونحوه وتصريفه من هذا الباب. 1( .)315/2( .)323/3( 84/4( َّ
عدد الصفحات ٦٥