المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القول بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف

أحمد فتحي البشير

صفحة ٥ من ٦

www.tafsir.net (66) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) أمَّا كون هذا القياس قد يَدخله مُعارِض راجِح، فلا يَلْزَم منه نسبة الاحتمال والظنية للقاعدة النحوية أو التصريفية الكلية؛ فما زالت الأدلة تَتعارَض، ويُترَك العمل بها للمُعارِض الراجح، ولم يَقُل أحدٌ أنّ ذلك سبب لطرح العمل بالدليل المرجوح رأسًا، ولا أنه بذلك تُلصَق به صفة الدونية دائمًا. وعند وجود هذا المُعارِض يَنبغِي على المجتهد أن يَطَّلِع عليه، ويَعْمَل وَفْقه؛ لوجوب العمل بالراجح بالنسبة له كمَا تقرَّر في فنِّه وأمَّا كلامه عن كون القياس قد يَكُون فيه فرقٌ لم يَتفطَّن له واضِع القياس، فقد مثَّل له ابن تيمية في مَوضِع آخَر من رسائله بدلالة بعض النحاة أن الاستعمال العربي، ولو قَرَن هؤلاء النحاة بهذه العبارة وأشباهها لفظة لكان الأمر قريبًا عند بعض الفضلاء كمَا يقول ابن تيمية فيُقال: إن الاعتراض بهذا الفرق إنما نسبته إلى بعض النحويين، ولا يُنسَب إليهم جميعًا كمَا نصَّ ابن تيمية نفسُه على هذا في أثناء كلامه على يُنسَب الخطأ إلى كلِّ أهل الصناعة في شيء من أصول صناعتهم وأمَّا إن كان الفرق لدلالة عقلية لا تقتضيها صناعة النحو، فيَكُون الأمر خارجًا عن الكلام في أقيسة النحاة، ويَلزَم المجتهد الوقوف على هذه الدلالة العقلية والعمل بمقتضاها. 145/1( 2( 3( .)235/4(

عدد الصفحات ٦٦

www.tafsir.net (67) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) والعَجب كلّ العجب من إيراد شيخ الإسلام كلّ هذه الأوجُه ليُثبِت بها دُنوَّ مرتبة اللغة في معرفة التفسير عن رتبة معرفته من خلال أقوال السَّلَف؛ حتى أضعف من قيمة اللغة نفسِها؛ إذ بَدَت في غاية الضعف من جهة نقلِها ودلالتها، وهذا في غاية الخطورة؛ فإن العلماء مجمعون على أهمية اللغة، وأنها ضرورية لفَهم الكتاب والسنة، وما زال العلماء يَرجِعون إليها في البيان والاستنباط والترجيح بين الأقوال، بل في إظهار ابن تيمية اللغةَ بهذا المَظهَر من الضَّعف فتحُ باب يَلِج منه الملاحدة وأصحاب الملل الباطلة للطعن في القرآن نفسِه. وقد تبيَّن من خلال المناقشة لهذه الأوجُه التي ذكَرها ابن تيمية أن في جميعها نظرًا وبحثًا، وقد بان ممَّا سبَق تقريره أن الصورة التي أَظْهَر ابن تيمية عليها اللغةَ هي نقيض الصورة التي أظهَر النحاة واللغويون والأصوليون اللغة عليها. ولهذه -كمَا سبَق ذِكره- جعَل أبو حيان الأندلسي شرط التصدِّي لتفسير القرآن التبحُّر في علوم اللسان بل قارن بين ما قاله ابن تيمية وقولِ الشاطبي عن حِفظ الله لهذه اللغة رجالاً يَبحثون عن تصاريف هذه اللغات في النطق فيها رفعًا ونصبًا، وجرًّا وجزمًا، وتقديمًا وتأخيرًا، وإبدالاً وقلبًا، وإتباعًا وقطعًا، وإفرادًا وجمعًا، إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الإفراد والتركيب، واستنبَطوا لذلك قواعد ضَبَطُوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان، فسهَّل الله بذلك الفَهم عنه في كتابه، وعن رسول الله ﷺ في خطابه أضف إلى ذلك أن العلماء متّفِقون على أن القرآن لا يُحْمَل إلاَّ على مشهور اللغة الأغلب دُوْن غريبها أو نادرها، ولا يُحْمَل إلا على أقوى وجوه الإعراب دُوْن ضعيفها 27/93/2( 13/447/27/693/3( .)213/وقواعد التفسير، خالد عثمان السبت

عدد الصفحات ٦٧

www.tafsir.net (68) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وإن كانت اللغة على ما يُصوِّره شيخ الإسلام ما قال أحد من العلماء بالاعتماد عليها في التفسير مطلَقًا، ولكن ليس هذا واقع اللغة، ولا يُمكِن أن تَكُون على هذه الصورة وقد جاء التنزيل على معهودها، فعلماؤنا كانوا على بالٍ -وهم يُحرِّرون قواعد العربية- من أن هذه القواعد سيُرجَع إليها في بيان القرآن وتفسيره، فإذا لم تَكُن محرَّرة عادَ ذلك بالفساد على البيان والتفسير. ولعلَّ الذي جعَل ابن تيمية يَرتكب هذا -مع أنه لا يَلِيق بمقامه في العِلم بالعربية وتضلُّعه من علومها- هو أنه أَوْرَده في سياق ردِّه على المعتزلة الذين يَتشبَّثون باللغة المحضة وآرائهم العقلية دُوْن الرجوع إلى الأحاديث النبوية وآثار السَّلَف يُضعِّف العالِم أمورًا هي في الأصل ليست كذلك؛ لأن خصْمه يَتعلَّق بها، فيَنبرِي للردِّ عليه وعلى كلِّ ما يَحتجُّ به -لا سيما إن كان في مسألة من مسائل الأصول لا الفروع- ويُحاوِل تضعيفه، ولو تَعرَّض هذا العالِم لهذه الأمور في غير سياق الردِّ لَمَا قرَّر ما قرَّره حالَ ردِّه. وممَّا يؤكِّد نظرتنا هذه مِن أن السبب في إظهار ابن تيمية اللغة بهذا المظهر هو فقط الردُّ على مذهب المعتزلة، وإرادة دحض كلِّ ما يُمكِن أن يتمسّكوا به -قولُه عن مكانة اللغة من الشَّرع واجب، فإن فَهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهَم إلا بفَهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وعلى ذلك -وبغضّ النظر عن موافقة ابن تيمية أو عدمها في أن طريق أخذ التفسير من طريق اللغة أدنى مرتبةً من أخذه عن طريق أقوال السَّلَف- فإننا لا نَتفِقُّ معه في إظهار رتبة اللغة على هذا النحو؛ فإن حرص شيخ الإسلام على بيان دُنوّ مرتبة اللغة في أخذ التفسير من خلالها عن مرتبة أخذه من خلال أقوال السَّلَف، جعَله يتزيَّد في بيان ذلك والاستدلال له؛ حتى أَظهَر اللغة بهذا المَظهر الضَّعيف كمَا سبَق. 119/1( .)527/2(

عدد الصفحات ٦٨

www.tafsir.net (69) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) نظرة في حصر ابن تيمية أخذ معاني القرآن في أمرين: الحديث والآثار، واللغة المحضة اعتمد شيخ الإسلام في قوله بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلَف على حصر أخذ معاني القرآن من خلال أمرين، وهما أقوال السَّلَف، واللغة المحضة، وأراد كمَا بيَّنَّا أن يُثبِت قوة طريق أخذ المعاني من خلال الآثار، ثم إثبات دنوّ أخذها عن طريق اللغة المحضة، وبهذا يُلْزِم الخصم أحد أمرين: إمَّا قبول قوله بوجوب أخذ التفسير من خلال أقوال السَّلَف وترك اللغة؛ لأنها دُوْن أقوال السَّلَف في القوة والاستقامة، وإمَّا أن يَترُك الأمرين رأسًا، فيَبطُل العِلم بمعناه، فلا يَصحُّ الأمر بتدبُّره وعَقْله، وهذا خِلاف القرآن وقد تبيَّن أن ما استدلَّ به ابن تيمية فيه نظر ومناقشة، ولو أننا سلَّمنا جدلاً أن ما استدلَّ به صحيحٌ ويَثبُت من خلاله ما أراد من إيجاب أخذ معاني القرآن عن طريق أقوال السَّلَف، لكنَّنا نُبطِل مذهبه هذا بأن قِسمته غير حاصرة؛ لأن هذه القِسمة التي ذكَرها قِسمة غير جامِعة؛ إذ ثَبَت بالاستقراء وجود فردٍ آخَر يَدخُل مع هذه القِسمة، إذ زاد العلماء على الأمرين اللذين ذكَرهما ابن تيمية أمرًا ثالثًا، وهو أخذ معاني القرآن عن طريق اللغة وموافقة كلام العرب مع موافقة الكتاب والسُّنة -كما تقدَّم تقريره في التمهيد- وذكَروا أن هذا الأمر لا بدَّ من العمل به وعدم إهماله؛ لأمور يأتي تفصيلها حُكم إحداث تأويل لم يَقُله السَّلَف. وبهذا يَكُون قول ابن تيمية بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلَف لا يَنهَض جُملةً وتفصيلاً. وقول ابن تيمية بوجوب أخذ التفسير عن طريق أقوال السلف، وتوقُّفه على أقوالهم، يَلزَم منه منعُه من إحداث تأويل لم يَقولوا به، وهي مسألة عرَض لها 1( .)280-277/2(

عدد الصفحات ٦٩

www.tafsir.net (70) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) الأصوليون في مَعرِض كلامهم على حكم إحداث قول ثالث إذا اتفق الناس على قولين، وذكَروا ما فيها من الخلاف وأدلة كل فريق. ولمَّا كانت هذه المسألة مترتبة على القول بتوقُّف التفسير على أقوال السلف، وكان قوله ابن تيمية بهذا يَلْزَم منه القول بالمنع من الإحداث، فهي متعلِّقة به، ولا يُتصوَّر قول ابن تيمية بتوقُّف التفسير على أقوال السلف، ولا تُستكمَل أطرافه إلاَّ بعرض هذه المسألة -أفردنا الكلام عليها هنا، وخصَّصنا المطلب التالي -وهو المطلب الثالث- للكلام عليها. sss

عدد الصفحات ٧٠

www.tafsir.net (71) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المطلب الثالث حُكم إحداث تأويل ثالث إذا اختلف الصحابة والتابعون على تأويلَينْ قد بان من خلال المطلبَيْن السابقين أن ابن تيمية يَرَى وجوب أخذ التفسير من خلال أقوال السَّلَف، وأن تفسيره متوقِّف عليها، فكان لازِم مذهبه هذا أن يَقُول بمنع إحداث تأويل إذا اتفق الصحابة على قول أو أقوال، وهذا بالفعل الذي ذهَب إليه؛ فقد نصَّ على عدم جواز ذلك في قوله بتأويل، ونصُّوا على فساد ما عداه، لم يَجُز إحداث تأويل سِواه، وإن لم يَنصُّوا على ذلك؛ فقال بعضهم: يجوز إحداث تأويل ثانٍ إذا لم يَكُن فيه إبطال الأول. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، كمَا لا يجوز إحداث مذهب ثالث. وهذا هو الذي عليه الجمهور، ولا يَحتمِل مذهبُنا غيرَه وقد قرَّر ابن تيمية هذا عمليًّا؛ فمنَعَ تأويلاتٍ بسبب أن السلف لم يقولوا بها، ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ومن ذلك رفضُه تفسيرَ اللقاء في قوله -تعالى-: ﴿ ﴾ﯠ ﯡ ﯢ في قوله : أنه خلاف أحدهابالاضطرار بعد تدبُّر الكتاب والسُّنة يَظهَر فساده من وجوه: التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ وكذلك رفضه تفسير الاستواء في قوله -تعالى-: ﴿ ﴾ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ 1(.)471/2(

عدد الصفحات ٧١

www.tafsir.net (72) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) بالعَمد، فقال ][ من السلف قولهم بخلاف ذلك وقبل أن نَعرِض للمذاهب التي قيلت في هذه المسألة وأدلة كلّ مذهب، نُريد أن ننبِّه على أن ما تكرَّر تنبيهُنا عليه من أن الباعث والمؤثِّر الرئيس فيما ذهَب إليه ابن تيمية هنا من توقُّف التفسير على أقوال السَّلَف، وعدم جواز إحداث تأويل لم يقولوا به؛ هو البُعد الكلامي للمسألة من دفع تأويلات المعتزلة وأضرابهم المخالِفة لمذاهب السَّلَف في نظر ابن تيمية، قد رأيتُ تلميذه شمس الدين ابن مفلح يَنصُّ على ذلك، إذ نقَل كلام شيخه ابن تيمية السابق في عدم جواز إحداث تأويل، ثم علَّق عليه بالتنبيه على ما ذكَرنا، وذلك في قوله ومرادُه: دفعُ تأويل أهل البدع المنكَر يَحتمِل مذهبُنا غيرَ الثاني، وعليه الجمهور. 2(»عند السَّلَف فأمَّا الأقوال في هذه المسألة فثلاثة: : أن ينصّ أهل الإجماع على إبطال هذا التأويل، فلا يَجُوز إحداثه. الأول أن ينصُّوا على صحته، فيجوز إحداثه. الثاني: أن يَسكُتوا عن الأمرين؛ فالجمهور على جواز الإحداث، ومنَع منه الثالث: الأقلُّون. وهذه الصورة الثالثة هي التي حصَل حولها النزاع، فابن تيمية من هؤلاء المانعين، وهم الأقلُّون، والجمهور والأكثرون هُم المجيزون، وهذا هو تقرير الآمدي بخلاف ابن تيمية كمَا في كلامه السابق؛ إذ نسَب المنع إلى الجمهور، وقد تنبَّه ابن 521/1( .)1651/445/2( .)273/3(

عدد الصفحات ٧٢

www.tafsir.net (73) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) مفلح لهذا الأمر، فبعْد أن نقَل كلام ابن تيمية في نسبة المنع إلى الجمهور، قال وتَبِعه بعض أصحابناوذكَر الآمدي الجوازَ عن الجمهور -كذا قال- « والظاهر من صنيع الأصوليين أن نسبة القول بالجواز إلى الجمهور هو الأظهر، لأمرين: : أن غير الآمدي نسَب ذلك إلى الجماهير، ومنهم ابن الحاجب -وتَبِعه الأول على ذلك شُرَّاح مختصره أن الأصوليين عند ذِكر هذه المسألة؛ إمَّا يَنسبون القول بالمنع إلى أصحابه الثاني: بألفاظ تدل على البعضية، كـ: وذهب بعضهم، وذهب بعض أصحابنا... إلخ. أو التضعيف، كـ: قِيل أدلة ابن تيمية التي اعتمد عليها في القول بالمنع: إن ابن تيمية وإن كان لم يَستدِل لقوله بمنع الإحداث استدل لقوله هذا ورَدَّ على المجيزين في مَوضِع آخَر قال فيه كالرازي، والآمدي، وابن الحاجب- إن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين جاز لمَن بعدهم إحداث قول ثالث؛ بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين 445/1( 598/2( .)579/مختصر ابن الحاجب، للبابرتي الحنفي 140/3( .)296/الأصول)، لمظفر الدين الساعا 254/514/4( .)1651/5( .)280/59/6(

عدد الصفحات ٧٣

www.tafsir.net (74) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) ثم أخذ يَرُدُّ على قولهم، وقد انحصر ردُّه في جهتين : أن قولهم هذا فيه جواز أن تجتمع الأمة على ضلالة في تفسير الجهة الأولى القرآن، وأن يكون الله تعالى قد أنزَل الآية وأراد بها معنى لم يَفهَمه الصحابة والتابعون، وهذا ضد مذهبهم في أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا تَقُول قولَيْن كلاهما خطأ، والصواب قول ثالث لم يقولوه فابن تيمية هنا يَرُدُّ عليهم بأن إحداث تأويل ثالث كإحداث قول ثالث، وفيه مخالَفة لإجماعهم، وهُم يَمنَعون منه. وفي كلامه -رضي الله عنه- هذا نظر من أوجُه: : أن إحداث تأويل جديد ليس بمخالِف لِمَا أجمعوا عليه؛ لأنهم لم يَنصوا لأولا على إبطاله : أن المقصود من التأويلات أحكامها لا أعيانهاالثاني في التأويل المُحدَث ألاَّ يُخالف أصلاً من أصول الشريعة، وبيانه في الوجه الثالث. : الوقوع؛ فقد انعقد الإجماع على ذلك،الثالث يزالوا يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة مَن تَقَدَّم وتأويلاته، ولم يُنكِر عليهم أحد؛ فكان ذلك إجماعًا وبهذا الوجه ردَّ أبو حيان الأندلسي على ابن تيمية، فقال 59/1( .)517/2( .)254/3( .)514/4( 273/5( 598/لشمس الدين الأصفها 296/579/1(

عدد الصفحات ٧٤

www.tafsir.net (75) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المعاصِر يَكُون ما استخرجه الناس بعد التابعين من علوم التفسير ومعانيه ودقائقه، وإظهار ما احتوى عليه من علم الفصاحة والبيان والإعجاز، لا يَكُون 1(»وهذا كلام ساقطتفسيرًا حتى يُنْقَل بالسند إلى مجاهد ونحوه، وكلامنا هنا عن المعاني الجديدة التي يُفسَّر بها اللفظ القرآني التي يَرفُض ابن تيمية إحداثها، وليس كلامنا في حُكم استخراج أوجه البيان والإعجاز والفصاحة التي لم يَذكُرها السابقون؛ لأن منع ابن تيمية إحداث المعاني والتأويلات لا يَلْزَم منه المنع من استخراج أوجُه البيان والإعجاز، فكلام أبي حيان في الرد على ابن تيمية مقبول فيما يَتعلَّق بالمعاني الجديدة، أمَّا قوله بأن قول ابن تيمية يَلْزَم منه المنع من استخراج أوجُه الفصاحة والبيان والإعجاز، ففيه نظر؛ لأن ابن تيمية لا يَمْنَع من إظهار أوجه الإعجاز البياني وإن لم يَقُل بها السلف، وتراثه التفسيري التطبيقي خير دليل على ذلك ، وقد سُئلَ: هل خَصَّكم وممَّا يدلُّ على جواز الإحداث قول علي رسولُ الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة، أو فَهمٌ يُؤتاه الرَّجلُ هذافي كتابه ما لم يَكُن منقولاً عن المفسِّرين إذا وافَق أصول الشريعة : أن ابن تيمية لا يُفرِّق بين إحداث التأويلات وإحداث الأقوال، فيَمتنع الرابع إحــداث التأويلات كمَا مُنِع إحــداث الأقــوال، وهو اختيار بعضهم بخلاف الجمهور 17/1( 2( وما بعدها 3( .)124/4( .)1651/5(

عدد الصفحات ٧٥

www.tafsir.net (76) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) من أن المقصود من التأويلات أحكامها لا أعيانها، بخلاف الأقوال، فـ والاختلاف إنما هو في الحُكم على الشيء بكونه كذا، وأمَّا في الاستدلال بالدليل أو العمل بالتأويل فليس من هذا الباب : فالجهة الثانية التي اعتمد عليها ابن تيمية في ردِّ رأي الجمهور، الجهة الثانية هي أن هؤلاء في تأويلاتهم إنما يَعنُون به بيان مطلَق احتمال لفظ الآية أن يُراد به هذا المعنى، وهُم بذلك لم يستشعروا أن المتأوِّل إنما هو مُبِين عن مراد الآية، ومُخبِرٌ عن الله تعالى أنه أراد هذا المعنى المعنى الذي يَصرِف إليه المتأوِّلُ الخطابَ ممَّا يَسُوغ في اللغة، ويَسُوغ إضافتُه إلى الشارع صاحب الخطاب عند أهل العِلم وأُولي الألباب وهذا الذي اشتَرط لا يَخفَى على الشادي في العِلم فضلاً عن أئمة الفقهاء والأصوليين حَمَلة الشرع وناقِلِيه، وكيف يُنسَب إلى جماهير علماء الأمة من الأصوليين والمفسِّرين القولُ بما لا تَدُلُّ عليه أدلة الشرع وهُم المنوط بهم تقرير هذا وحضُّ الناس على العمل به؟! وإنما أجازوا لأنفسهم إيراد هذه التأويلات لمَّا ثبَت عندهم إجازة الشرع لها، وعلِموا أنه بالخطاب شيئًا ما؛ إمَّا هذا، وإمَّا هذا، وإمَّا كِلاهما، وكلُّ ذلك مُخيّر فيه فجاز أن يفسَّر بهذا المعنى الجديد المُراد للمتكلِّم، ولم يَخطِر للعصر الأول؛ لأنهم لم يُكلَّفوا به لعدم حضور سببه، والأمة يَجُوز عليها أن تَشْتَرك في الجهل فيما لم تُكَلَّف به، وإنما المحذور الجهل بما كُلِّفت به، أو تُفتِي بخلاف الواقع، وأمَّا تركُ الواقع مع عدم التكليف، فلا يَقدَح في العصمة؛ فإنه ليس من لوازم 230/1( .)59/2( 3( .)517/4(

عدد الصفحات ٧٦

www.tafsir.net (77) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) العصمة الإحاطة بجميع المعلومات ولمَّا جاء العصر الثاني حضَر سببُ المعني الآخَر، فأَلهَمه الله تعالى للعصر الثا ويزداد ظهور هذا التقرير عند تقرير ما هو متَّفَقٌ عليه بين العلماء من أن القرآن حمَّال ذو وُجوه، وأن هذا من وُجوه إعجازه، قال الشنقيطي تَظْهَر غرائبه وعجائبه متجدِّدة على مرِّ الليالي والأيام، ففي كلِّ حين تُفهَم منه أشياء لم تَكُن مفهومة من قَبلُ تَحتمِل معاني كلَّها صحيحة، تَعيَّن حملُها على الجميع، كمَا حقَّقه بأدلَّته الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية في رسالته في علوم القرآن تنبيه: قول الشنقيطي السابق أن ابن تيمية حقَّق بالأدلة أن الآية إذا كانت تَحتمِل معاني كلَّها صحيحة تعيَّن حملُها على الجميع -قولٌ مخالِف لمَا قرَّرناه سابقًا من مذهبه في رفضِ عدم حمل الآية على كلِّ ما تَحتمِله، وقوله بعدم جواز إحداث تأويل جديد. وإنما أراد ابن تيمية -كمَا في رسالته التي أشار إليها الشنقيطي من حمل اللفظ على جميع معانيه التي يَحتملها- الحملَ المشروط بشرطَيْن : أن يَكُون اللفظ في أصل وضْعه محتمِلاً لهذه المعاني، كأن يَكُون من الأول المشتَرك أو المتواطِئ. 2697/1( 148/2( .)149/3( راجع: مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، ص 4(

عدد الصفحات ٧٧

www.tafsir.net (78) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) : أن تَكُون هذه المعاني المحتمِلة قد قالَها السَّلَف الثاني وبهذا يَترجَّح لنا أنه يَجُوز أن يُحمل القرآن على وجهٍ لم يُنقَل بشرط أن يَكُون له وجهٌ قوي ظاهر في اللغة لا يُصادم نصًّا صريحًا من كتاب أو سُنة، أو أصلاً عامًّا من أصول الشريعة وقواعدها، لا سيما في الآيات التي لا تتضمَّن أحكامًا عقدية أو شرعية؛ وهذا هو سبب تساهل العلماء في التفسير دُوْن أدلة الأحكام كمَا دلَّت عليه أقوالهم، ومنه قول عبد الرحمن بن مهدي (ت عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام، شدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا رَوَينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد يُوثِّقونهم في الحديث أَضِف إلى هذا أنه قد ثبَت أن هناك من السَّلَف من كان يَتورَّع عن تأويل القرآن، ومنهم من كان من كبار المفسرين لكن لم تُنْقَل أقواله في التفسير كابن ، فـ، بخلاف ابن عباسمسعود دُوْنه في التفسير كثرةً؛ ذلك لتقدُّم وفاته، وقِلَّة المعتنِين من أصحابه بالتفسير مقارنةً بابن عباس وأيضًا فإن هناك من السَّلَف من كان يَعتنِي بتفسير نوع من الآيات أكثر من غيره، ولا يَتكلَّم كثيرًا عن غيرها، مِثل الحسن البصري في التفسير في آيات العذاب والوعد والوعيد أكثر من غيره، وتفسيرُه يكاد يخلو من الأحكام 666/1( 35/2( 3( 4(

عدد الصفحات ٧٨

www.tafsir.net (79) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وكذلك فإن التفسيرات المتعلِّقة بالعقائد والأحكام فهي قليلة جدًّا إذا ما قُورنت بالتفسير اللغوي قد أشار البيهقي (ت لأن ما فسَّروا به ألفاظَه تَشْهَد لهُم به لغاتُ العرب، وإنَّما عملُهم في ذلك الجمعُ والتقريب فقط ومَنْ طالَع أقوال السَّلَف في التفسير يَرَى أنهم قد يَحمِلون الآية على عِدة معانٍ تَحتمِلها اللغة مثل ما نُقِل عنهم في تفسير قوله -تعالى- عن سارة زوج ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ : ﴿ إبــراهــيــم .]﴾ﰃ ومعروف اتساع لسان العرب، وتشعُّب تصرُّفات أهله فيه، وكثرة وجوه ألفاظه وتراكيبه وأساليبه، حتى قال الشافعي عن لسان العرب عِلمه إنسان غير نَبي فإذا قرَّرنا ما قرَّره ابن تيمية نفسُه كمَا سبَق بيانه من أن الخلاف بين أقوال السَّلَف إنما هو خلاف تنوع لا تضاد؛ فتَكُون أغلب أقوالهم راجعة إلى معانٍ قريبة محدودة؛ فزاد التأكُّد من عدم الإحاطة بكلِّ ما تحتمله الآية من معانٍ. وإذا كان القول في الفقه على جواز إحداث قول ثالث لا يَرفَع القدر المشترك 1( .)37/2( 457/3( 4(

عدد الصفحات ٧٩

www.tafsir.net (80) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) بين الأقوال فكلُّ هذا ممَّا يؤيِّد قول الجمهور في القول بجواز إحداث تأويل، ما لم يَعُد على التأويل السابق بالإبطال، ولهذا فإن خروج أبي حيان الأندلسي عن أقوال السَّلَف في ، ]﴾ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷتفسير قوله -تعالى-: ﴿ ممَّا لا يُقبَل؛ لأنه عاد على تأويلاتهم بالإبطال؛ إذ تأويلاتهم تعود جميعًا إلى وجود 3( ، أمَّا تأويل أبي حيان ففيه نفيُ الهَم الهَمِّ من يوسف أبا حيان يُبِيح إحداث تأويل جديد يُبطِل التأويلات السابقة؛ لأن هذا يَكُون بعد ثبوت الإجماع عنده، وهو في هذا المثال لم يَثْبُت التمثيل على إحداث تأويل يُبْطِل التأويل السابق، والمثالُ لا يُحتاج فيه إلى المساواة، ولا يُعترَض عليه ما دام قد تَمَّ المقصودُ منه من إفهام المراد. ولهذا فلا بدَّ من التثبُّت والاحتياط في القول بالإجماع التفسيري؛ لأن الإجماع في التفسير لا يَرْقَى إلى درجة الإجماع الفقهي من جهة التثبت والحيطة والاعتناء، ومع ذلك حدث الخِلاف في حُجية بعض صور الإجماع الفقهي بالإجماع التفسيري! تذييل: تابَع ابنَ تيمية في اختياره عدمَ جواز إحداث تأويل تلميذُه ابن عبد الهادي، إذ قال في 518/1( 2( ص 402/77/3( .)77/4( 444/5(

عدد الصفحات ٨٠

www.tafsir.net (81) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) كتابه عرفوه ولا بيَّنوه للأمة، فإن هذا يَتضمَّن أنهم جَهِلوا الحقَّ في هذا وضلُّوا عنه، واهتدى إليه هذا المُعترِض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يُخالِف تأويلهم ويُناقِضه واللافت للنظر هو أن ابن عبد الهادي ذكَر هذا في أثناء ردِّه على التقي السبكي في إحدى المسائل العقدية الطُّبُولِيَّة التي يَتنازَع فيها ابن تيمية وتلامذته مع خصومهم من الأشاعرة والصوفية؛ ممَّا يؤكِّد أن اختيار المنع من إحداث تأويل لدى ابن تيمية وتلامذته كان الباعثُ له في الأساس البُعدَ العقدي الكلامي. وممَّا سبَق يَثبُت لنا أنّ القولَ بعدم جواز إحداث تأويل في آية لا يُبطِل التأويل السابق -مُخالِفٌ لاختيار الأماثل الجماهير، ولا تَنهَض الأدلة وتصرُّفات العلماء والمفسرين لتأييده؛ فلا يُوصَف بالتحرير. وأيضًا فإن ما أراد ابن تيمية إثباته من أن تفسير القرآن مضطر إلى النقل عن السَّلَف لا يَنهَض، وما استدلَّ به -كمَا تبيَّن في المطلب الأول والثاني- فيه مناقشة ونظر، ولا يؤخذ منه ما أراد إثباته، ولهذا قال الألوسي عمَّن يَقُول بقول ابن تيمية هذا كلُّ العَجب ممَّا يَزعُم أن عِلم التفسير مُضطر إلى النقل في فَهم معاني التراكيب ولأبي إسحاق الشاطبي كلام عالٍ نفيس -أشرنا إليه إجمالاً في نهاية المطلب الثاني عند نقْض القسمة الثنائية لابن تيمية لطُرق أخذ معاني القرآن، وهي: أقوال السَّلَف، واللغة المحضة- يُلخِّص ما قرَّرناه في المطالب الثلاثة السابقة، وذلك عندما قرَّر أن التفسير بالرأي الموافق لكلام العرب وموافقة الكتاب والسَّنة، لا يُمكِن إهماله للعاِلم بهما، وليس هو من قَبِيل الرأي المذموم عند السَّلَف، وذلك :الرأي ضربانفي قوله : جارٍ على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يُمكِن أحدهما إهمال مِثله لعالِم بهما، لأمور: 1( .)7/2(

عدد الصفحات ٨١