98 الحرب الناعمة: قراءة في اأ وسط هذه الرؤية ثمة افتراض كامن بأن المجتمع الأميركي، الذي حقق أعلى مستويات الإنتاجية والاستهلاكية لأعضائه، لا بد أن يصبح القدوة والمثل الأعلى. ولكن كل هذه الآليات والأهداف تصب في هدف واحد هو ضرب الخصوصيات القومية ، والمرجعية الأخلاقية حتى يفقد الجميع أية خصوصية وأية منظومة قيمية ليصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية لا تكف عن الإنتاج والاستهلاك دون أية تساؤلات، وليظهر إنسان استهلاكي أحادي البعد يحدد أهداف كل يوم، ويغير قيمه بعد إشعار قصير يأتيه من الإعلانات والإعلام، إنسان عالم الاستهلاكية العالية الذي ينتج بكفاءة ويستهلك بكفاءة ، ويعظّم لذته بكفاءة حسب ما يأتيه من إشارات وأنماط، هذا هو الحل النهائي في عصر التسوية، الذي حل محل الحل .1النهائي لعصر التفاوت، فبدلاً من الإبادة يظهر التفكيك من الداخل .174 - م.س: د. عبد الوهاب المسيري، ص1
عدد الصفحات ٩٩99 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ مقارنة بين الحرب النف_3 استناداً إلى أحد التعريفات الواردة حول الحرب النفسية انطلاقاً من هدفها وهو التأثير على مواقف وعواطف وسلوك المجموعات العدوة والصديقة، نجد أن عملية التأثير تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار مداخل ثلاثة هي: الموقف ومدخله العقل، العواطف ومدخلها الوجدان والشعور، والسلوك ومدخله الجسد. كذلك فإن القوة الناعمة أو الحرب الناعمة بوصفها تعتمد على قوة الجذب فإن مداخلها أيضاً هي العقل والوجدان والسلوك، مع وجود فارق بأن هذه المداخل وسيلتها في الحرب النفسية الترغيب والترهيب خصوصاً، في حين أن القوة الناعمة وسيلتها الترغيب فقط، ومن الأمثلة على ذلك: ـ العقل في الحرب النفسية: يتم الأخذ بعين الاعتبار مركوزاته وطبيعة وظيفته في الحكم على الأمور ومقارنة مصلحة الذات ومصلحة الجماعة. فخوض الحرب الدفاعية على سبيل المثال وبحكم منطق العقل يجب خوضها للدفاع عن الكرامة وعن المكتسبات والمقدسات. والحرب النفسية الموجهة نحو مركوزات العقل تستهدف جعله عقلاً تبريرياً جراء الإحساس بالضعف وعدم جدوائية المواجهة جراء تأثره بالدعاية والركون إلى الاعتراف بقدرة العدو حتى ولو كانت وهمية.
عدد الصفحات ١٠٠100 الحرب الناعمة: قراءة في اأ أما العقل كمستهدف في الحرب الناعمة فإنها تنطلق في تحفيز مركوزاته القيمية من مورد الجذب وليس التهديد واستعراض القوة وجعله عقلاً تبريرياً يهدف إلى تبرير عدم القدرة على المواجهة، فنشر الديمقراطية، والسلام والعدل والرفاه والخير مفردات يركن إليها العقل. لذا فإن استخدامها استخداماً جاذباً يستهدف الاعتراف بالخصم ليس كعدو وإنما كآخر يريد الخير العام، فلا بد والحال كذلك من دفع المستهدفين نحو الانشداد الطوعي والإرادي المفعم بالإقدام والتحفز الإيجابي وليس السلبي. ينطبق الأمر على الاستهلاك الذي غالباً ما يعتمد على قوة الجذب فالمستهلك، حذف مستهلك رشيد، ينفق على السلع وفق المنفعة التي يريدها من السلعة وبأقل كلفة في حين أنه بقوة الجذب عن طريق الترويج والإعلان الذي يدفع الإنسان إلى محاكاة العصر والانتماء للحداثة لا يصده عقله والحال كذلك بالنسبة إلى إنفاق المال الوفير في اقتناء السلع انطلاقاً من مردودها العصري والاجتماعي وليس وفق المنفعة أو القيمة التبادلية. الوجدان وهو مستوى المشاعر والأحاسيس كالمحبة والكره والخوف والقلق والرعب. الحرب النفسية غالباً ما تستهدف إثارة الخوف والقلق والرعب بهدف شل الإرادة والإحساس بعدم القدرة والعجز والتسليم. بينما الحرب الناعمة لا تستهدف غريزة الخوف والرعب والقلق بقدر ما تستهدف التبديد الواهم لهذه المشاعر؛ فالتركيز على الوئام
عدد الصفحات ١٠١101 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ والديمقراطية والسلام والعدل تثير مشاعر سارة في النفوس، ولأنها كذلك فهي تدخل في مضامين هذه الحرب. وفي عالم الاستهلاك فالترويج للسلعة لا يستهدف الدافع البيولوجي للإنسان الذي ينفق وفق حاجته بل عليه أن ينفق وفق ما يروجه المنتجون، ولذلك تعتمد العملية الترويجية للسلع على الدوافع النفسية كالتقبل الاجتماعي، وإرضاء الذات إرضاءً نفسياً يثير مشاعر سارة تتجاوز الحاجة البيولوجية وتتجاوز المنفعة لأن الناس لا يستهلكون دوماً ما ينفعهم وما يوفر عليهم من المال وهو ما يُروج له في عالم الموضة والملابس وحتى في الطعام والشراب وأساليب الرفاه بل حتى المضرة منها كالكحول والدخان وغيرها. ـ الجسد: وهو مستودع الحركات والسلوك الظاهري الناتج عن العقل والوجدان؛ فالمحارب الذي تشل يده قبل الذهاب إلى الحرب والقائد المنكفئ في ساحة الحرب يتحدد سلوكهما قد ينبع من تأثير الحرب النفسية كتعبير عما اعتمل في العقل والوجدان. في الحرب الناعمة يراد للجسد أن يكون منمطاً في سلوكه كما الآخرين تنميطاً يحاكي الحداثة وفق النمط الأميركي، تنميطاً مشفوعاً بالإقدام وليس الانكفاء، وبالطلب وليس بعامل الضرورات. نموذجه نوعية الطعام واللباس وتسريحة الشعر وأنواع العطور وقواعد الرشاقة والموضة التي لا تنتمي إلى روح العصر بقدر ما تنتمي إلى عالم الربح والمال
عدد الصفحات ١٠٢102 الحرب الناعمة: قراءة في اأ وعالم التنميط في ثقافة الجسد وفق النموذج الحضاري الغربي انطلاقاً من مفاهيم الحق والحرية كحقوق طبيعية وليس كحقوق متعالية مصدرها الدين والوحي لا سيما في المجتمعات التي لا تزال تدمج بين الحقوق والأخلاق، بما ينعكس على سلوك أفرادها. مثالاً لا حــصراً الإجهاض، وكشف الجسد، والــزواج المدني والإسراف والقمار، وغيرها التي تنتمي وفق الحضارة الغربية إلى عالم الحقوق الطبيعية في حين تكون غير ذلك في المجتمعات الدينية لكونها تصطدم مع الأخلاق كقيمية متعالية. استناداً إلى التعريف الذي أدلى به جوزف ناي حول الحرب الناعمة أو القوة الناعمة نستطيع القول إن القوة الناعمة هي أحدى وسائل الحرب النفسية غير أنه نظراً لإعطاء القوة الناعمة هذا البعد كأحد الخيارات المهمة وكاستراتيجية يتعين على السياسة الأميركية اتباعها في بلوغ الأهداف عن طريق القوة الجاذبة تحديداً، يمكن إدخالها في نطاق محدد باعتبار أن الحرب النفسية وإن كانت حرباً بلا حراب، ولكنها تستخدم أساليب ناعمة وقذرة في آن معاً كالتهديد والحصار الاقتصادي، وبث الإشاعات وغالباً ما تستهدف التأثير على المعنويات. في حين أن القوة الناعمة تستخدم أساليب لا ينبغي لها أن تواجه بالرفض والاستنكار بل تعمل على استمالة الجماعات المستهدفة واندفاعها نحو الأهداف المطلوب تحقيقها.
عدد الصفحات ١٠٣103 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ وهي تستخدم في هذه الحال نفس الوسائل المستخدمة في الحرب الناعمة مع اختلاف الأساليب المتبعة في هذا المجال، انطلاقاً من مراعاتها قوة الجذب حتى ولو عن طريق الخداع. فكما للحرب الكلاسيكية أدواتها متمثلة بمختلف أنواع الأسلحة الحربية كذلك للحرب الناعمة أدواتها ونجومها وهي الشركات الصناعية الكبرى ورجال الإعلام وشركات الإعلان والتسويق ومراكز المال والبحوث ورجالات المخابرات وهؤلاء هم الذين يسيطرون على مراكز القوة في العالم. الهدف النهائي لهؤلاء هو الفرد العادي يسعى الجميع إليه بالإقناع حيناً وبالخداع حيناً آخر والمهم الحصول على موافقته وضمان رضائه مدفوعاً إلى أهدافها دفعاً عبر إخضاعه لمظاهر التأثير والغواية والتضليل من صنّاع المال والإعلام ووسائل الاتصال.
عدد الصفحات ١٠٤104 الحرب الناعمة: قراءة في اأ التغيير � -4 تستقر لم التاريخ فجر ومنذ التي البشرية المجتمعات سنة هو التغيير تعقيدات مواجهة بظروف ترتبط التغيير عوامل أن ومع. حال على من بات أنه إلا، وأخر شعب بين يختلف وشدته التغيير مسار وأن، الحياة السياسية الأنظمة يطال ما أول التغيير أن الاجتماع علماء لدى البارز فيً إبطاء إقل بوتيرة يحدث ولكنه. القانونية والجوانب والاقتصادية القيمية والمعايير والتقاليد العادات ترسخت التي الاجتماعي النظام ولأهمية. والاتصال التكنولوجيا عالم ثورة قبل حدث ذلك كل .السائدة للأنبياء المريرة التجارب كانت السائدة والثقافة والتقاليد العادات ثبات بحجة وتخلفها جمودها في السائدة الأعراف ثبات تحدي إزاء والرسل .الآباء وتقاليد عادات أنها منظومتها في التغيير تطلب من هي الناس الراهن عصرنا في نجد ثقافي غزو بوجود تقول التي الشعوب حتى انه نلاحظ. الاجتماعية صورة وإن. الجديدة الصيغ تمثل إلى تبادر التي هي ذاتها الشعوب هذه أن أحد في طويل طابور في التسعينات مطلع في يقف وهو يلتسين الرئيس فرع أول افتتاح حفل في هامبرغر فطيرة على يحصل كي موسكو شوارع الرياض في تتكرر سوف صورة وهي ، روسيا في ماكدونالدز لمطاعم في الناس وكأن، نفسه المطعم لافتتاح الأول اليوم مع البيضاء الدار وفي
عدد الصفحات ١٠٥105 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ يماثل ولا. الجديد العصر لدخول كإعلان فيه يشاركون تاريخي عرس أحر على وهم وجاكرتا القاهرة شوارع في الناس صورة إلا الصورة هذه وبكين باريس في آخرين مثل مثلهم أميركي فيلم لمشاهدةً شوقا الجمر من .المعمورة بلاد من وغيرها وطوكيو وتخصص المال لها وتدفع إليها وتسعى الثقافة هذه الناس تطلب لماذا ثقافي غزو ثمة ليس انه القول بالإمكان هل الانتظار؟ وطول الوقت لها ذلك؟ تطلب الناس لأن ثمة أن غير الصورة لثقافة ما إثبات مجال في الحال تقدم لقد الإسلامي العربي عالمنا فيً وخصوصا نامية تعد التي للبلدان خصوصيات حقيقته تنمية تحقيق في الإخفاق حال منً أولا نابعة الخصوصيات هذه الوعود زمن من قرن نصف من أكثر على يزيد ما لمدى انتظارها طال ، والرقي العمل ومجالات الحرية مستويات من أفضل حياة إلى بالعبور بلا يدفع المجتمعات بهذه الخاص الحضاري النموذج تقديم في الفشل إن غيرها دون الغربية الحياة نمط في وجدتها أخرى نماذج استلهام إلى شك أخرى وشعوب حضارات لدى موجودة أخرى نماذج تقلد لم لماذا وإلا الاستهلاكي التملكي للنموذج والتعميم النجاح هذا كل لماذا بمرجعية الأخلاقية قيمها ارتباط عن تعلن تنفك لا التي مجتمعاتنا في . متجاوزة
عدد الصفحات ١٠٦106 الحرب الناعمة: قراءة في اأ :وال للتملك النف البعداأ - إدراج من بداية بد لا والاستهلاك التملك طبيعة فهم أجل من تعكس التي الحقيقة هذه على خلاله نقف الذي الوجودي التملك عن النظر بغض ويستهلك يملك ما مع الإنسان لتعاطي الأولى الطبيعة في لاحقةً سطورا له سنفرد حيث الوجودي للتملك المتجاوز التملك المجتمعات إلى الناعم انتقاله وفي الحضاري المعطى منً انطلاقا مقاربته .والإسلامية العربية البشري الوجود حاجة مع ينسجم الوجودي والاستهلاك التملك وكساء ومأوى غذاء من البقاء أجل من يستخدمها معينة أشياء اقتناء إلى الإنساني الوجود في جذوره له النوع وهذا. للإنتاج ضرورية وأدوات الدوافع مقاربة من إليه نرمي ما خلاف وهو، البقاء بدافع لارتباطه الاجتماعية الظروف جراء ينشأ الذي والاستهلاك للتملك الأخرى .التطور ومستجدات في الطفل مثال مَّ يقدُ التملك أشكال وكأقدم الوجودي المعطى في يرغب التي الأشياء كل فمه في يضع أن يميل، نموه مراحل من مرحلة التملك من أشكال توجد باتت والنفسي الاجتماعي المعطى وفي. فيها . بأسره العالم لابتلاع نزوع هو اليوم للاستهلاك النزوع. إنسان لدى لا الذي الأبدي الرضيع هو الراهن عصرنا في الاستهلاكي الإنسان حاجة عن تعبر باتت التي الرضاعة زجاجة طلب في الصياح عن يكف
عدد الصفحات ١٠٧107 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ السيارات باستهلاك تتصل التي كتلك الوجودية لحاجته متجاوزة عملية في القلق من يخفف مما ذلك وغير.........والجنس والسياحة سابق استهلاك كل لأن الاستهلاك عملية من مزيد إلى الاستهلاك تدفع . الاشباعي تأثيره يفقد مرجعية الأخلاق: - ب في عصر العولمة قد لا تختلف مظاهر الاستهلاك بين نمط حداثي أوروبي وبين مجتمعاتنا قيد التحول للدخول إلى العصر الجديد. ولكن في معرض المقارنة والمفارقة، التساؤل المطروح أن المجتمعات الغربية في نمطها الاستهلاكي تنسجم مع الرؤية الكونية التي قدمها فلاسفة عصر النهضة وعصر الحداثة وما بعدها. تلك الرؤية التي تحيل إلى المنظور المادي حيث الإنسان في بعده المادي غير المتجاوز للطبيعة المادية ، وحيث ليس ثمة غاية متجاوزة لوجوده المادي ، وبذلك سادت قيم اللذة ، والمنفعة، وحيث ليس للأخلاق المادية من مرجعية روحية متجاوز للإنسان ( أعنى الوحي). في مجتمعاتنا الإسلامية لا تزال مرجعية القيم الأخلاقية مستندة في معظمها إلى نصوصها الدينية. كذلك تقدم هذه المجتمعات في تجربتها التاريخية تأكيدها لقيم العمل من أجل الذات والآخرين وليس الذات الفردية وحدها، وتأكيدها لقيم الكرم والإنفاق المتجاوز للذات نحو الفقراء والمعوزين واستنكارها للجشع والبخل والإسراف والتبذير.
عدد الصفحات ١٠٨108 الحرب الناعمة: قراءة في اأ بمعنى آخر ليست قيمة الإنسان بما يملك أو غايته الاستهلاك الجشع خلا ما يبرر لدى رجالات السلطة والمحظيين وأولئك المترفين. في المجتمع الأوروبي لم يكن نمط الاستهلاك والتملك الجشع ليحدث إلا بعد أن غادرت هذه المجتمعات قيمها المسيحية الحقة. لم ينبذ الأوروبيون والأميركيون المسيحية باعتبارها لم تعد تتماشى مع روح العصر في التملك والمتعة والجشع والفردانية والمرجعية المادية للأخلاق، وإنما لأن الإيمان الديني يبقى مطلوباً للمحافظة على روح الانضباط وكتعويض عن المحبة التي يعجز عنها الشخص بتحويل المسيحي إلى وثن كأعظم من أحب عن الآخرين وبما يعوض عن عدم القدرة على استلهامه كنموذج. ثمة فارق بين أن يكون الغرب مسيحياً وبين المرجعية الأخلاقية غير المتجاوزة للمادة. ولقد كان الغرب وما يزال في نزوعه نحو التملك والاستهلاك أميناً لقيمه المادية بعدما استطاع الفصل بين الإيمان الديني وبين القيم المادية كمرجعية للسلوك. أما في العالم الإسلامي ومع أنه لا يمكننا الجزم بأن المسلمين يمارسون علاقاتهم وتعاطيهم مع ظروف الحياة انطلاقاً من العقيدة ومن التشريع الديني بما ينبغي أن يكون، مع ذلك فلا مناص من القول إنه من الصعوبة بمجال القول أن مرجعية القيم والأخلاق لا تنطلق من مرجعية متعالية . رغم ذلك لماذا هذا النزوع الكبير والمتسارع نحو استلهام الغرب في نزوعه الاستهلاكي التملكي؟
عدد الصفحات ١٠٩109 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ بما أن الغرب لم يفرض علينا أن نكون مستهلكين وفق نموذجه المشبع بالقوة وبالإكراه وإنما بالتزيين والدعاية والوعود وبالرفاه والسعادة ما يعني بالأساليب الناعمة التي توسلها في مجتمعاته وفي مجتمعاتنا في آنٍ معاً. الوعود بالرفاه والسعادة ترافقت في الغرب مع الانعتاق من العصور الوسطى ومع جشع الشركات الإنتاجية لتحقيق المزيد من الربح والثروة. وهذه الأخيرة تصح على محاولة استحواذه على مستهلكي العالم برمته مع فارق حضاري هو الرغبة في السيطرة وإخضاع العالم لتأكيد نموذجه الحضاري النموذج الرأسمالي كنهاية لتاريخ التطور البشري. بوج - اللبا اللباس من أقدم الصور البشرية التي استخدمها الإنسان في وظائف عديدة. قد لا نتخيل ولو لمرّة واحدة لماذا يرتدي الإنسان اللباس. لماذا لا يمشي الناس عراة؟ لماذا كل هذا الاستهجان الذي يظهر من الناس إزاء رؤية الآخر يرتدي لباساً يكشف من الجسد أكثر مما يستر؟ وبالتالي لماذا كل هذا التفنن بارتداء اللباس؟ وما هي القيمة الثقافية والحضارية للباس في عالم ما بعد الحداثة ، وفي عالم الاستهلاك، والدعاية الناعمة؟ حين نقرأ اللباس في منظور علم الاجتماع وعلم النفس لا نقرأه بوصفه قيمة معاشية ضرورية، وإنما بوصفه صورة ثقافية لها معانيها ودلالاتها بعضها جمالي تزيني وبعضها حربي لإحداث الرعب بين الأعداء وبعضها ديني أو ثقافي يعبر عن انتماء ما وعن هوية ما حيث
عدد الصفحات ١١٠110 الحرب الناعمة: قراءة في اأ يكشف عن اللابس وجنسه وطبقته الاجتماعية وبلده وعن حاله الثقافية والمادية والحضارية، وقد يستعمل للإيهام ويكون حينذاك مجازاً أو خداعاً أو مواراة ومواربة. صحيح أنه في التفسير الدلالي المقرون بالنصوص الدينية أن آدم وحواء وضعا ورق التوت على عورتيهما بعد ارتكاب الخطيئة بعد ما علما معنى الاستحياء وهما زوجان ولم يقيد لأحد من البشر أن يراهما بعد. كذلك في النصوص الدينية يلعب اللباس دور إعطاء الجسد قداسة ما عبر الستر، ويضطلع بدور تحصيني للمجتمع إزاء الجنس الآخر ولو كان محرماً. لقد كان للباس وحتى في عشرات القرون التي خلت، وظائف ذات دلالات اجتماعية. فعند العرب لم تكن العمائم على رؤوس الرجال ترتبط بأحوال المناخ فحسب وإنما تتجاوز وظيفة الحماية من حر الشمس إلى معانٍ رمزية أخرى ترتبط بحجم العمامة ولونها إنها نوع من الخطاب الرمزي التواصلي مع الآخر في تقديم الذات. كان للباس وما زال معانٍ تتجاوز البعد التواصلي مع الآخر ،كذلك بالذات نفسها جراء الإحساس الذي يرتد على الذات بغض النظر عن الآخر، هذه الذات التي لا تكون واحدة في واقعها اليومي المحسوس. لنا في هذا المجال المثال في تأثير لباس الرياضة في الإحساس بالتحفيز نحو النشاط كذلك يصح الأمر نفسه لدى العامل الميكانيكي، والجندي، ورجل الدين والقاضي وغيرهم...
عدد الصفحات ١١١111 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ يصح هذا الأمر في محايثة اللباس للمهنة أو العمل في حين أنه ثمة شيوعاً ومماثلة ومشابهة في زي ما، يعد زياً وطنياً يرتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية لدى شعب من الشعوب مع بعض التنوع الذي يحيل إلى موقعية الفرد ودون أن يلاقي الاستهجان لعدم خروجه عن منظومة القيم. في عصر العولمة وبفعل ثورة عالم الاتصالات وثقافة الصورة وأدوات الدعاية الناعمة في الدعوة إلى التحرر والانعتاق من نير التقاليد واللحاق بركب الحداثة وما بعد الحداثة، أصبح للباس بعد عالمي سمته البارزة أنه لا يستقر على حال أي مع عالم الموضة الذي يتجدد فيه اللباس في ساعات النهار ومع فصول السنة، ومع كل مناسبة بعينها. صار هناك لباس للمنزل وآخر للعمل وآخر للسهرات حيث للمرأة خصوصية في هذا المجال ، تعنى بلباسها شركات متخصصة في عالم الموضة. البنية الجتماعية القتد - التنميط السلوكي غايته الفرد.غير أن الدعاية لم تكن لتقتصر على استهداف الفرد وحسب وإنما تستهدف أيضاً البيئة الاجتماعية والاقتصادية لأن ثمة اعتماداً متبادلاً بين البنية الشخصية للإنسان العادي والبيئة التي يعيش في وسطها وهي علاقة لا يمكن أن تكون ساكنة على الدوام. وأي تغيير يطرأ على أحد طرفيهما يعني تغييراً فيهما معاً. وهذه الرؤية تقف بمقابل آخرين يذهبون إلى أنه يجب أولاً التغيير في طبائع البشر، في وعيهم وقيمهم وشخصيتهم وبعدئذٍ يمكن بناء مجتمع
عدد الصفحات ١١٢112 الحرب الناعمة: قراءة في اأ إنساني حقيقي. وقد تقدم الحديث في أساليب الدعاية ووسائل الإعلام التي تستهدف طبائع الأفراد . ما يعني أن الذهاب في المقاربة نحو طريقة العمل الدعائي الذي يستهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية سنفرد لها عناوين فرعية وفق الآتي: الديني الجانب * نحو عميقة دوافع فيه يرضي الإنسان حياة من أصيل جزء هو الدين . الاجتماعي سلوكه ويوجه الأخروي العالم الذي للفكر وكنظام الاعتقادي بعده ليس هنا ها بالدين المقصود الدعاية. أجله من حياته الإنسان ويكرس للتوجهً أطارا اعتناقه يشكل الدين من النابع الاجتماعي السلوك تستهدف، المجال هذا في المقصودة تعبد قد فالناس. الأخروي للخلاصً طريقا بوصفه الدين وليس يعبدون قد أو الذهب من مصنوعة آلهة أو طبيعية مظاهر أو حيوانات تغيير نحو الهادف الدعاية. نفسه الشيطان أو المال حتى أو، أسلافهم من نوع أي هي المشكلة. الجانب هذا تستهدف لا الاجتماعية البيئة ويدفع السلوك ويحرك الطاقات يفجر الذي الدين إنه. يعبدون الدين . ومعناها الحياة هدف ولخدمة والتكامل التضامن نحو إلى الدعوة كانت عشر التاسع القرن في الاستعمار عهود مطلع في هي والدولة الدين بين الفصل أن أساس على تقوم بوصفها العلمنة
عدد الصفحات ١١٣113 الحرب الناعمة (لقوة الجاذبة واأ بوصفه الدين . الإسلامي العالم يستهدف الذي الدعائي للعمل المحرك حين غايته الاستهداف وإنما، المستهدف هو ليس الاعتقادات منً نظاما صار وقد. الأخلاقية وللقيم للتشريعً مصدرا كونه عن الدين يكف ناقدة مواقف يقابلها الإسلامي والعالم الغرب في منظروها للعلمانية .وجوهره الدين حقيقية عن للدفاع ومتحفزة الفذة للدعواتً أفولا وليسً ضمورا نشهد الحداثة بعد ما عصر في بوصفه الدين تطال أخرى عناوين أمام المجال مفسحة العلمانية نحو فكرة الدعوات هذه قبيل من. للقيمً موجها وبوصفه للسلوكً محركا أوسطية الشرق. الأوسط الشرق منطقة في والسلام أوسطية الشرق تعنيه بما أوسطية الشرق وإنما حضارية كهوية الغرب بمقابل ليست الثلاثة للأديان بل للدين متجاوزة قيمية ومنظومة هوية استحداث من يلعب الدين أن من الأمر هذا يعنيه بما واليهودية والمسيحية الإسلام وهو تعايشيه طبيعية من ليست إمكانات ويختزن للتعارضً محفزاً دورا تلك تعنى أوسطية الشرق . وجوهره الدين حقيقة إلى النظرة خلاف هو ليس فيها الدين. المنطقة تلك في الأديان لصراع التجاوزية الفكرة الأرض اغتصاب تجاه والممانعة المقاومة في المحرك دوره وإنما المستهدف أصحاب بوصفهم وإنما دين أتباع بوصفهم اليهود من ليس والمقدسات .فلسطين في الأولى حلقته كانت استعماري مشروع
عدد الصفحات ١١٤