المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٩ من ١٦

029 029 بعض وقت النهار بالتسمية (وقت الضحى) لأمرين أنه أشد أوقات النهار إضاءة، وأشدها حرارة. وقوله تعالى: (وأغطش ليلها وأخرج ضحاها)، يدل على أمر آخر إضافة إلى ما سبق، وهو أن الضحى لا يكون إلا بعد ليل. فقوله (وأخرج ضحاها)، أي: أخرج الضحى من رحم ذلك الليل البهيم، ويدل عليه أيضا الآيات السابقة التي تقرن بين الضحى والليل، أو الضحى والبيات. فالدلالة بين الضحى والليل دلالة تضايف، لا يفهم أحدهما إلا بالآخر، كالعلاقة بين (الأب والابن)، فلا يسمى أحد ابنا، إلا ويفهم منه أن ثمة أبا له. وهكذا فلا يطلق: الضحى إلا ويفهم أن ثمة ليلا له. وقوله تعالى: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى)، أي: لا تتعرض للحرارة، ولا للضياء، بل تكون في ظلال دائمة لا حر ولا قر، ولا ظلام ولا ضياء. فالجنة لا شمس فيها، كما قال تعالى: ( لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا )، وأهلها في ظلال دائمة (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ). ونفي الضحو في الجنة، يبينه ما قلته أن دلال ة الضحى إضافية بالنسبة لليل، فالجنة لا ليل فيها ولا نهار (ضحى)، فهي حالة خاصة لا علاقة لها بالمفاهيم الزمنية التي في الدنيا، ولا بالتعاقب الزمني، ولا الحالات الطبيعية الناشئة عن هذا التعاقب من حرارة وبرودة، ومن ضياء

عدد الصفحات ١٢٩

031 031 وظلام، ولا الحالات الجسمية الناشئة عن ذل ك كالنمو والهرم، ولا الحالات النفسية من خوف أو أمن، أو فرح أو حزن.... فالأمن في الدنيا مثلا، هو أمن مرتبط بمخاوف كثيرة، وسعي الإنسان إلى الحصول على الأمن من تلك المخاوف، ويظل أمنا نسبيا، مرتبطا بأضداده. فهي حالة تفهم بضدها، وهو الخوف. أما الأمن في الجنة فهو مختلف عن ذلك، فلا يرتبط بخوف مطلقا، بل هو حالة مطلقة خاصة، لا يمكن للإنسان تصورها في الدنيا؛ لأن تصوره يرتبط بأضدادها. بينما هي حالة مطلقة في الجنة. وكذلك الحالات الأخرى، كالفرح والرضا... كما أن نفي الجوع والظمأ والخوف والحزن ... عن أهل الجنة، لا يمكن ت صوره على حقيقته المطلقة؛ لأن تصوره في الدنيا يرتبط بضده. وعلى ذلك يمكن فهم الآية. والله أعلم. فالخلاصة أن الضحى إذا أطلق فإنه يدل على: الضياء المنبعث بعد ظلمة، فكأنه أخرج من رحم ظلمة الليل البهيم، وهو أول ضحى كان في السماء (وأخرج ضحاها). وإذا قيد فإنه يدل على ما قيد به، كالوقت المعروف، أو الدلالة على البروز (ويرتبط بالبروز الحسي). **

عدد الصفحات ١٣٠

030 030 (وأخرج ضحاها فالمعنى إذن: أن الله سبحانه وتعالى خلق السماء وبناها، وكانت في ظلمة تامة لا هداية فيها، وأغطش الله ليلها، فأصبح ليلا بهيما. ومِ نْ رَحِم ذلك الليل البهيم أخرج الله ضحى السماء، وضحاها ضياؤها . وليس المقصود بالضحى هنا: الشمس، فالآية تتحدث عن ضحى السماء الذي أخرجه الله من ليلها المدلهم. قد يكون الضياء هو النيرات الهائلة التي في السماء، فأنشأها الله ووضع فيها سنن الإضاءة، فتضيء، وجعل فيها سنن الهداية فتهدي الساكنين بالرغم من الليل الأغطش للسماء، فالشمس والنجوم والمصابيح كلها من ضحى السماء، كما قال تعالى: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ )، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )، (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ). فهذه النيرات أخرجها الله من وسط الليل الأغطش، لتستقيم حياة المخلوقات، وحياة الإنسان. فالضحى الذي أخرجه الله يشتمل على أمرين، الأول: النيرات والأجرام المنيرة والهادية، كالشمس والنجوم والمصابيح. والثاني: سنن الإضاءة والهداية التي قدرها ا لله في خلقه، ومن هذه السنن: تعاقب الليل والنهار، وسنن الحرارة، وما قدره الله ليكون علامات هداية تهتدي به

عدد الصفحات ١٣١

032 032 الكائنات في البر والبحر والجو. فكل ذلك من الضحى الذي أخرجه ا ليضيء ويُهتَدَى به. الآية تبين أيضاً الزمن الذي تم فيه إخراج الضحى، وهو قبل دحو الأرض، فالأرض لم تُدْحَ إلا وقد أخرج الله من السماء الضحى. وهي مرحلة باكرة من إنشاء السماء. والله أعلم. ** دحو الأرض: قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (52 )رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (52 )وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَ ا (55 )وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (41 )أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (46 )وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (45 )مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) . فدحو الأرض وتقدير أقواتها تم (بعد ذلك)، أي بعد رفع السماء وتسويتها. وسأخصص بحثا آخر للحديث عن الأرض وما يتعلق بها.

عدد الصفحات ١٣٢

033 033 المطلب الرابعتسوية السماوات السبع: الفرع الأول: فسواهن سبع سماوات: قال تعالى في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِ يمٌ )، وفي سورة فصلت: ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (5 )وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَ ةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (61 )ثُم اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (66 ) فَقَضَاهُن سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْ رَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ). بينت سابقا أن خلق السماوات والأرض تم في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الخلق، فخلقهن الله، ولكنه لم يسوه ن إلا بعد أن سوى السماء الأولية ودحا الأرض. وتسوية ا لسماوات: إتمام خلقها وفقا لما قُدّر لها أن تكون، بحيث تأخذ خصائصها التي تميزها عن غيرها. وكما تبين آيات القرآن الكريم أن الله خلق السماوات والأرض بادئ الأمر (في مرحلة الخلق)، فكانتا رتقا، وفي أول مرحلة التسوية فتق الله السماوات والأرض، فانفصلت الأرض، وظلت

عدد الصفحات ١٣٣

034 034 السماوات في رحم السماء الأولية، ثم سوى الله السماء الأولية، وبعد ذلك دحا الأرض، ثم سوى السماوات السبع، فاستقلت كل سماء عن الأخرى، وأصبحت السماء التي تحيط بالأرض هي السماء الدنيا. فتسوية السماوات السبع، هو إتمام لخلقهن، بحيث تمايزت السماء الأولية إلى سبع سماوات، أدناهن السماء الدنيا، فبناهن الله (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، فلا فروج فيهن ولا فطور: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ )، ورفعهن بغير عمد مرئية: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وجعلهن طباقا، أي: متطابقة بعضها فوق بعض، كل سماء تحيط بالتي تحتها، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ). وفي آية فصلت قال (فقضاهن): (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ )، القضاء – كما في معاجم اللغة: الفصل في الأمر. والمعنى: بعد أن استوى الرحمن إلى السماء وهي دخان، سواهن سبع سماوات. وفي هذه الآية يشير إلى أنه أتم تلك التسوية، سواهن سبع سماوات فقضاهن، أي: أتمهن كما أراد وأمر. وكما تبين آية فصلت، فإن الله سواهن سبع سماوات، وأوحى في كل سماء (أمرها)، وإضافة (أمر) إلى كل سماء يفيد تخصيصها بأمر

عدد الصفحات ١٣٤

035 035 يختلف عن غيرها، ثم ذكر لنا ما يخص السماء الدنيا، فقالوَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا )، فهذه الزينة من الأمر الذي يخص السماء الدنيا، فحيث ذكرت الزينة اقترنت بالسماء الدنيا. وكانت تسوية السماوات السبع هي الجزء الأخير في مرحلة التسوية، وهي الجزء الأخير في الأيام الستة. ثم بعد ذلك كما قال تعالى: (ثم استوى على العرش)، فدخل الخلق في مرحلة التدبير. ** والله ذكر خلق سبع سماوات في سبع آيات، هاتان آيتان تبينان أن تسوية السبع كان بعد الأرض (آيتا البقرة وفصلت). وفي آيتين ذكر السماوات السبع دون ذكر الأرض؛ مما يدل على أنها مرحلة مستقلة عن دحو الأرض، قال تعالى: (الَّذِ ي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (4 )ثُم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا). وفي كلا الآيتين تحدث عن كونهن طباقا، ولم يتحدث في غيرهن عن ذلك، فأفردهن عن الأرض حين تحدث عن شيء يخصهن، كما أفرد السماوات في قوله: (خَلَقَ

عدد الصفحات ١٣٥

036 036 السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا )، حين تحدث عن رفعها بغير عمد مرئية، وهو شيء لا يتعلق بالأرض. وفي آيتين تحدث عن خضوعهن له وربوبيته لهن، وليس عن خلقهن، قال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، وقال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ). فحيث يأتي ذكر السماوات السبع فإنما تذكر بلفظ الخلق، ولم يذكر الله أنه سواهن (قضاهن) إلا في مواطن الحديث عن ترتيب الخلق، بلفظي التسوية والقضاء (فقضاهن)، (فسواهن)، فهو قد خلقهن من قبل، وإنما الجديد هو التسوية. الفرع الثاني: ومن الأرض مثلهن: وفي آية الطلاق تحدث عن المثلية، قال تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ). وهناك تكلف كبير من قبل بعض المعاصرين في تأويل الآية، فبعضهم يحاول أن يفترض وجود سبع طبقات أرضية، وهذا أمر لا يسلم به الجيولوجيون ويخ تلفون في عد الطبقات... وبعضهم أولها بالسبع القارات، وهذا هراء لا يحتاج إلى رد. وكما تكلف بعضهم التأويل هنا فقد تكلفوا تأويل السماوات السبع، فعدها بعضهم سبع طبقات من الغلاف الجوي، وعدها بعضهم الكواكب السلعة (قبل ظهور الكوكب الثامن والتاسع)... وكل هذا بعيد عن دلالة القرآن

عدد الصفحات ١٣٦

037 037 الكريم، والقرآن بريء من هذه التأويلات التي ينبري آخرون للطعن القرآن الكريم من خلالها. وصفوة القول، أن السماوات السبع خارج مدى الإدراك البشري، وكل ما يدركه البشر إنما هو جزء من السماء الدنيا، وهي واحدة من هذه السماوات السبع. أما الأرض، فقوله (ومن الأرض مثلهن)، لا ندري ما حقيقة المثلية!! هل مثلية في العدد، أو مثلية في الطبقية، أو مثلية في الخلق، أو مثلية في ماذا؟؟ ولا يصح القول أن القرآن يشير إلى سبع أرضين. فليس هنالك أي دليل على ذلك، وحيثما ذكرت الأرض في القرآن فإنها تذكر مفردة (الأرض)، لم تذكر أبدا مجموعة. بخلاف السماوات التي ذكرت مجموعة وبين القرآن أنهن سبع سماوات. فلا زالت هذه الآية خارج الفهم البشري حتى الآن، وربما يفتح الله على أحد خلقه بفهم بيّن لها. الفرع الثالث: وأوحى في كل سماء أمرها: كل ما علمه البشر اليوم، وما انتهت إليه علومه م الفلكية فإنما يتعلق بما حدث في جزء من اليومين الأخيرين (تسوية السماء والأرض)، أما ما تم في الجزء الأخير من اليومين (تسوية السماء إلى سبع سماوات)، فلم

عدد الصفحات ١٣٧

038 038 تصل إليه علومهم، وليس لنا من علم بها إلا ما أخبرنا خالقها بها، فسبحان ربي العظيم. والله أخبرنا عنها بما يلي: أنها سبع سماوات، ويذكر القرآن الكريم أن الله (سواهن)، وقد تحدثت آنفا عن الفرق بين التسوية والخلق. ويذكر القرآن الكريم أن الله سواهن وأوحى في كل سماء أمرها. و(الأمر) المقترن بالخلق في القرآن الكريم: هو التدبير، أي: السنن التي يدبر الله بها خلقه، كما قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )، وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ )، وقال تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ). فلكل سماء أمرها، الذي يدبرها الله به، فما الأمر الذي في السماوات؟ أو ما السنن التي يدبر الله بها أمر السماوات؟ كل السن ن التي تحدثت عنها في بناء السماء الأولية، هي من السنن التي في السماوات كلها، فالله سوى السماوات بعد أن خلق السماء،

عدد الصفحات ١٣٨

039 039 فهي كانت في رحمها، قال تعالى (ثم استوى إلى السماء فقضاهن سبع سماوات). فمن تلك السنن أنها كلها مبنية شديدة البناء، قال تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، وأنه لا فطور فيها، فخلق الرحمن محكم لا تفاوت فيه، ولا فروج . وأنهن طباق، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ )، وأنها مرفوعة بغير عمد مرئية (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ). وتخصيص السماء الدنيا بعد ذلك (في آيات فصلت) بالحديث عن الزينة، يفيد أن الزينة بالمصابيح فيها دون سائر السماوات. كما سأوضح هذا. (وسماؤنا الدنيا واحدة منها)، والسماء الدنيا هي واحدة من هذه السماوات السبع، وهي التي زينت بالمصابيح والكواكب، وهي التي زينت للناظرين، قال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ )، وقد سميت بالدنيا لأنها أدنى السماوات، فهي السماء الأولى. وسأتحدث عن السماء الدنيا لاحقا. والمتدبر في القرآن الكريم يجد أنه سبحانه وتعالى تحدث في سورة فصلت عن تزيين السماء الدنيا بعد حديثه عن السماوات السبع، قال

عدد الصفحات ١٣٩

041 041 تعافَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِ يحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )، وكذلك في سورة الملك: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (4 )ثُم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَ لِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (3 )وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ). فالسياق يقول: سوى الله سبع سماوات، والسماء الدنيا منهن مزينة بالمصابي ح. فلا ندري هل بقية السماوات مزينة كذلك أو لا، ولكن السياق يفهم منه الجواب بالنفي، وإلا لما كان لتخصيص السماء الدنيا بالذكر فائدة، فكان يقول: ولقد زيناهن، أو زينا السماوات، ولكنه يذكرها مقترنة بالسماء الدنيا. كما يذكر سبحانه وتعالى في الآيات نفسه أن السماء الدنيا مع تزيينها بالمصابيح جعلها الله حفظا، وفي سورة الملك بين أنه جعلها رجوما للشياطين، والذي أفهمه من ذلك والله أعلم بمراده أن الحفظ من الشياطين خاص بالسماء الدنيا دون بقية السماوات؛ ذلك أنهم لا يمكنهم تجاوز السماء الدنيا، ومن ثم فلن يبلغوا السماوات الأخرى. ولذلك قالت الجن: ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 2) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا )، فهم

عدد الصفحات ١٤٠

040 040 لمسوا السماء لا السماوات، وحرستمنهم بالحرس الشديد والشهب. ولهذا بيان في مكان آخر. والسماء الدنيا هي السماء التي فوقنا، ويمكن للإنسان أن ينظر فيها ويتفكر في خلقها وبنائها، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُ وجٍ )، وحين تحدث عن السماوات لم يقل: انظروا إلى السماوات، بل قال: انظروا ماذا في السماوات والأرض، قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ )، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ )، وقال تعالى: ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ). وسيتبين لنا بعد قليل دلالة هذه الآيات. وهذا يعني أن السماوات الأخرى ليست في المجال المدرك للإ نسان، فهي فوق السماء الدنيا. ويؤيد هذا الحديث النبوي الصحيح المتفق عليه (حديث المعراج، ومروره بالسماوات السبع). الفرع الرابع: سبع طباق ومما علمناه أنه خلق السماوات السبع طباقا، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا )، وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ وْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (62 )وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ). إن ضم هاتين الآيتين إلى الآيات الأخرى التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض،

عدد الصفحات ١٤١

042 042 يدلنا على أن السماوات متطابقة، بعضها فوق بعض، والله أعلم بالمسافات الشاسعة التي تفصل بين كل سماءين. قال ابن تيمية: (وإذا كانت سماء الدنيا فوق الأرض محيطة بها فالثانية كروية وكذا الباقي. والكرسي فوق الأفلاك كلها والعرش فوق الكرسي ونسبة الأفلاك وما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة. والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن لفظ " الفَ لَك " يدل على الاستدارة ، ومنه قوله تعالى { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } قال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل ومنه قولهم: تَ فَلّك ثدي الجارية إذا استدار). فالأرض كروية، والكواكب والمجموعات الشمسية والمجرات كلها كذلك. والسماء الدنيا تحيط بما فيها، فهي دائرة كل ما فيها يقع داخلها. وكل سماء تحيط بالسماء التي تحتها، حتى السماء السابعة. التي يحيط بها الكرسي، قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، أي أحاط بها، والعرش فوق ذلك يحي ط بسائر المخلوقات، ويؤيد ذلك ما فهمه بعض السلف من الحديث الذي في البخاري (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن )، قال: الأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير.

عدد الصفحات ١٤٢

043 043 كما أن ه يذكر خلق السماوات والأرض مقترنين باستمرار، وورد قوله (السماوات والأرض وما بينهما) ثمانية عشر مرة، وقوله (السماء والأرض وما بينهما) مرتين، وقوله (يتنزل الأمر بينهن)، وذلك كله يفيد أن الأرض تقع في مركز دائرة السماء الدنيا، كموقع النواة بالنسبة للذرة، والسماء الدنيا تقع في مركز دائرة السماء الثانية... وهكذا. فالأرض تقع في مركز دائرة السماوات كلها. فلو أخذت قطرا من الأرض إلى السماء في أي جهة من الجهات لكانت مسافة (ما بين السماء والأرض) متساوية، ولو كان شيء غير الأرض يقع في مركز السماء لكان الاقتران به مع السماء لا بالأرض، ولعل هذا ما تفيده الإشارة في قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا )، أي: من أي جهة كانت تلك الأقطار، وهذا يفيد كون الشكل كرويا لها كلها، وكون الأرض في مركزها كلها. وعلى هذا يجوز القول: الأرض في ال سماوات، بهذا الاعتبار، وهذا المعنى يتأيد بقوله تعالى في سورة نوح: ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (62 )وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا )، فقال: (فيهن)، أي في السماوات، وذلك بهذا المعنى. وإلا فالشم س والقمر في السماء الدنيا كما قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ). فشرف الأرض وكرمها لشرف الإنسان وكرمه،

عدد الصفحات ١٤٣

044 044 فالإنسان هو أوسط (أفضل) مخلوقات الله، وقد استقر على الأرض ال جعلها الله وسط المخلوقات كلها. وهذا يفسر قوله تعالى أيضا: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)، وقوله تعالى: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَ نْهَا مُعْرِضُونَ )، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ )، وقوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقوله (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). فما في السماء هو بالضرورة في السماوات كلها، وليس العكس. كما يفسر قوله تعالى: ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، فالسماوات كلها فوقنا بالضرورة، فما كان في مركز الدائرة فكل ما أحاط بها هو محيط به. الفرع الخامس: (المسافات بين السماوات) تحدث القرآن الكريم عن النسبي ة الزمانية، حيث تختلف دلالات اليوم زمانيا، فيوم كيوم من أيامنا، ويوم كألف سنة، ويوم كخمسين ألف سنة، وكلها لا نعرف مداها، كما ذكرنا من قبل. إلا أن ما أريد قوله هنا أن التدبر في آيتين قد يكشف لنا المسافات الشاسعة بين السماوات، وهما قوله تعالى في سورة السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، والثانية قوله تعالى في

عدد الصفحات ١٤٤