003 003 ** وهكذا يتبين لنا أن (ذات الحبك) تكشف لنا عن النظام النسيجي) الذي خلق الله الخلق عليه، وهو نظام يحتاج إلى مزيد من الدراسات للكشف عن بنيته وأدائه ووظيفته، وكيفية الإفادة منه في تطبيقات الحياة المختلفة، سواء التطبيقات العمرانية (النسيج العمراني، وتخطيط الم دن وتصميمها)، أو التطبيقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل حتى ممارسات الإنسان على المستوى الفردي والمستوى الجماعي. ولعل لهذا بحثا آخر إن شاء الله. **
عدد الصفحات ١١٣004 004 الفرع الثالث (وإنا لموسعون): قال تعالى: ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (32) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ( 32) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ). اختلف المفسرون في المراد بقوله (لموسعون) على خمسة أقوال، كما قال ابن الجوزي: (أحدها: لموسِعون الرِّزق بالمطر، والثاني: لموسِعو ن السماء، والثالث: لقادرون، والرابع: لموسِعون ما بين السماء والأرض، والخامس: لذو سعة لا يضيق عمّا يريد ). لفظ (موسع)، يرد عند العرب لازما ومتعديا [دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم ، فأما اللازم نحو: أوسع الرجلُ فهو موسع، أي صار ذا سعة، (غنى، مثلاً)، فالصيغة تفيد الصيرورة، فنحن لا نقول للغني : أوسع، إلا إذا صار إلى الغنى بعد أن لم يكن. وكذلك: أوسع الرجلُ، صار ذا سعة في علمه أو قدرته، فأصبح غنيا قادرا عالما... وعليه فلا يصح حمل هذا المعنى على الله سبحانه وتعالى، فلا نقول: (أوسع اللهُ) بمعنى: أنه صار غنيا أو قادراً... فلفظ (أوسع) يقتضي الصيرورة، وتعالى الله عن ذلك. ومن ثم فنحن لا نرتضي هذا المعنى تفسيرا في قوله (وإنا لموسعون).
عدد الصفحات ١١٤005 005 وأما المعنى الخامس الذي أورده ابن الجوزيلذو سعة لا يضيق عمّا يريد)، فهو غير صحيح، فهذا معنى: واسع، من: وسِع فهو وا سع، أي: ذو سعة، ولو كان هذا المعنى لقال: (لواسعون). وعليه فقوله (وإنا لموسعون) لا يحتمل إلا صيغة المتعدي، أي: وإنا لموسعون السماءَ، أي: نصيرها واسعة. وقد رجح ابن حيان – وهو من أئمة اللغة والتفسير هذا المعنى، قال: (وإنا لموسعون: أي بناءها، فالجملة حالية، أي بنيناها موسعوها، كقوله: جاء زيد وإنه لمسرع، أي مسرعا، فهي بحيث أن الأرض وما يحيط من الماء والهواء كالنقطة وسط الدائرة. وقال ابن زيد قريبا من هذا وهو: أن الوسع راجع إلى السماء). والآية تتحدث عن بناء السماء وإحكام بنائها، ومن ثم فالأنسب حمل قوله (لموسعون)، على البناء لا على شيء آخر، فهو أليق بالسياق، وأنسب بالمقام، فالمعنى: لموسعون بناءها. ذكرت في بحثي: (دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم) أن السعة (طاقة محددة للشيء قابلة للتوسعة)، ومن ثم فتوسيع الشيء يتناسب مع طبيعته، فلو لديك دارٌ تريد توسيعها فإن ك ستضيف حيزا جديداً لها دون أن تغير الحيز الأول، وربما هدمتَ شيئا يسيرا منه؛ إذ لا تستطيع التوسيع دون قليل من الهدم. وفي الجملة فإن التوسعة لا تغير من طبيعة الشيء الموَسّع، بل تتسق مع طبيعته، وتنسجم مع نظامه.
عدد الصفحات ١١٥006 006 والله سبحانه وتعالى أوسع بناءَ السماء، وهو يقتضي التغيير، بل يكون الاتساع في إطار البناء، وهذا يقتضي مرونة البناء وروعته ودقته، بحيث إنه يقبل التوسعة دون أن يغير ذلك منه، وإذا أمكن لنا التمثيل فيمكننا أن نمثل بالبالونة التي يمكنك أن توسعها، فيزداد حجمها، دون أن يغير ذلك من هيئتها. أو تمثيلها بالخبز الذي تضعه في الفرن عجينا فينتفخ ويكبر. فلعل السماء كذلك والله أعلم، بناء ذو مرونة متناهية، يقبل التوسعة، دون أن يؤثر ذلك على بنائه شيئا. والتوسعة تتناسب مع طبيعة البناء، وهذا يقتضي أنها تتم بصورة دقيقة ومنظمة، لا عشوائية فيها، بل بإحكام وإتقان. كما أن توسيع البناء لا يقتضي استمرار التوسعة إلى ما لا نهاية، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا أن للسماوات والأرض وما فيها أجلا مسمى، قال تعالى: (مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى). **
عدد الصفحات ١١٦007 007 الفرع الرابع(رفع سمكها): ورد الحديث عن رفع السماء في أربعة مواطن، في آية النازعات: (رفع سمكها)، وفي سورة الغاشية: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (62 )وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). وفي سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، وفي سورة الرعد متحدثا عن السماوات كلها: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). فالسماء بناء، بناها الله، فرفع سمكها، كما في النازعات. والآيات تخبرنا عن: (رفع السماء)، و(رفع سمكها)، و(رفع السماوات بغير عمد ترونها). أما الرفع، فكما بينته (في بحثي: دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم): تحريك الشيء باتجاه الأعلى، بنقل أو إطالة أو زيادة، وقد يكون ذاتا أو مرتبة. فرفع السماء هو تحريك لها بإطالة، كما ترفع قواعد البيت، ولذا قال تعالى: (رفع سَمْكَها)، فبدأت بناء منخفضا، ثم رفعها الله فأطالها، وجعلها بناء عظيما ( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ). كما أن رفع السماء يعني الزيادة في حجمها، وتوسعتها، كما قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، فالسماء كانت في بدء أمرها جرما صغيرا، فرفعها الله بزيادة حجمها، ومع زيادة الحجم كانت الإطالة أيضا. كما أن رفع السماء يتعلق بالمرتبة أيضا، فالسماء مرفوعة والأرض
عدد الصفحات ١١٧008 008 موضوعة، كما قال تعاوَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 2) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ( 2) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ( 5) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ). (رفع سمكها) - فما السَّمْك؟ فسر بعض المفسرين "السَّمْك" بالسقف، وفسره بعضهم بـ(غلظ السقف)، إلا أن المعنى الأدق له ليس السقف، بل هو كما في تهذيب اللغة: (مَا سمكْتَ بِهِ حَائِ طا أَو سقفاً )، و قال الفراء: (كل شيء حمل شيئا من البناء أو غيره فهو سَ مْك)، والعرب تسمى الأعمدة التي تحمل الخباء وترفعه: المِسْماكُ . وتقول العرب: طويل السَّمْك: إذا كان الشيء مرتفع القامة. وما أجمل ما قاله الإمام الرازي في تفسيره: (واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عُ مْقا، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سَمْكا). فالسَّمْك، هي الجوانب التي تمتد من أسفل البناء إلى أعلاه، ورفعها يقتضي ارتفاع البناء، وإذا كان السمك مرفوعا فإن السقف سيكون مرفوعا أيضا، فقوله (رفع سمكها)، أي رفع امتداد البناء حتى سقفها. (بغير عمد ترونها)
عدد الصفحات ١١٨009 009 وأما الشيء الذي رفعت به، فيبينه قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، فهو قد رفعها (كما رفع السماوات كلها بعد ذلك) بغير عمد مرئية، والوصف (ترونها) في قوله (بغير عمد ترونها) معتبر في النفي كما يقر ر ذلك أهل اللغة، فالمعنى: بعمد لا نراها، فهو لم ينف العمد وإلا قال (بغير عمد) واكتفى بذلك، ولكنه نفى رؤيتنا لها، كما تقول: زيد ليس برجل نزيه، فأنت تنفي النزاهة لا الرجولة، فالمعنى: بغير عمد مرئية، أي فهي عمد غير مرئية. ومثله قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). وقد قال بهذا التأويل - كما في الطبري - ابن عباس ومجاهد وقتادة، وغيرهم من أئمة التفسير بعد ذلك. وهذا كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُ مَا)، أي: لا يثقله حفظهما بأمر الله سبحانه وتعالى. وسأتحدث عن الآية عند الحديث عن الكرسي. وهو كقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ). وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَ ئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا). ** وأما قوله تعالى: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) فقد تقدم أنه العرش.
عدد الصفحات ١١٩021 021 الفرع الخامس (ووضع الميزان): في بحثي: (الغيب والشهادة في القرآن الكريم) تحدثت عن قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 2) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ 2) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ )، وبينت أن الآية تتحدث عن ثلاثة موازين، هي: الميزان الموضوع، والميزان المُنزَل، وميزان المعاملات. والميزان: الميزان: هو الشيء الذي تُوزن به الأشياء، فيحدد مقاديرَها، ويضبطها ضبطا تاما. أما الميزان الموضوع، فهو ميزان الله، والميزان المنزَل هو ميزان النفس. والميزان الموضوع، هو الميزان الذي وضعه الله في خلقه حين خلقهم، فحدد مقدار كل شيء، فكل شيء مضبوط موزون، لا يبغي شيء على آخر. قال تعالى: ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 65) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ( 51) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )، وقا ل: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ )، وقال: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا )، ( وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا )، ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 42) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 45) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )، (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّ هَارَ )، ( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ )، ( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )، ( مَرَجَ
عدد الصفحات ١٢٠020 020 الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ 65) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ )... وهذا هو الميزان الذي يقدر الله به كل شيء، فيقوم عليه حفظا ورعاية وتدبيرا. وتقدير الأشياء بضبط مقاديرها، فهي مقادير مضبوطة موزونة (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) فهو القيوم سبحانه. وهذا الميزان (الذي وضعه الله) يقوم الله به على النفوس، فيقدر لها ما ينفعها، وما يصلح حالها، فالله قائم بالقسط ( قَائِمًا بِالْقِسْطِ )، وبهذا القسط يقضي بين خلقه (وَقُضِ يَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )، فيجازي كل نفس بما كسبت ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ). فهو حسيب على كل شيء، حتى مثقال الذرة من الكسب يحسبه، (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( 2) وَمَنْ يَ عْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )، (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ). فكل مقدار عنده معلوم محسوب، قال تعالى (كِتَابٌ مَرْقُومٌ [ ) الناس، مرقوم أي: مدون فيه كل شيء حتى مثاقيل الذرة من الأعمال، وحتى ما هو أصغر من ذلك مثقال ذرة (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ).
عدد الصفحات ١٢١022 022 وأما ميزان النفس، ف هو الميزا ن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى للنفس، لتزن به كل شيء، فتستقيم حياتها، تدرك به العدل من الظلم، والحق من الباطل، والخير من الشر، والفضيلة من الرذيلة، والهدى من الضلالة، والنافع من الضار، والصحيح من الخطأ... الخ. والميزان الثالث (ميزان المعاملات): ( وَلَا تُخْ سِرُوا الْمِيزَانَ )، فهذا الميزان هو نموذج مادي يزن الناس به الأشياء المحسوسة التي لها ثقل معلوم، يمكنهم من تقديره تقديرا تاما، وضبطه ضبطا صحيحا، دون زيادة أو نقصان. [ تلك الموازين
عدد الصفحات ١٢٢023 023 الفرع السادس: أغطش ليلها وأخرج ضحاها: هذه الآية في سورة النازعات، قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (52 )رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (52 )وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (55 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (41 )أَخْرَجَ مِنْ هَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (46 )وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (45 )مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) . وسياق الآية يبين دلالتين: الأولى: إغطاش الليل وإخراج الضحى، كان قبل مرحلة دحو الأرض، ولذلك قال (والأرض بعد ذلك)، أي: بعد بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها وإغطاش ليلها وإخراج ضحاها، فذلك يعود إلى ما سبق. ومن ثم فمن الخطأ تفسيره بليل الأرض ونهارها، وتعاقبهما. فهو ليل أغطش وضحى أُخرِج قبل أن تُدحَى الأرض. الثانية: الضمير في (ليلها)، و(ضحاها) يعود إلى السماء، كما تعود الضمائر السابقة كلها إلى السماء (بناها، سمكها، سواها، ليلها، ضحاها). (أغطش ليلها): الغَطَش، في العربية ليس الإظلام على إطلاقه، ففي تهذيب اللغة للأزهري: (قال الأصمعي: الأرض الغَطْشَاء: عميّة المسالك، التي لا يُهتدى فيها الطريق. وقال شمر: الغَطش: الضعف في البصر، وقيل: هو الذي لا يفتح عينيه في الشمس).
عدد الصفحات ١٢٣024 024 فدلالة (الغطش) قد تكون في النهار وقد تكون في الليل، ولا ترتبط بأحدهما، فهي تدل على: عمى المسالك، فالفلاة التي لا يهتدي فيها الناس تسمى: غطشاء، إذ عميت مسالكها عليهم، وخفيت معالمها، فلم تستبن لهم، حتى الهداة يضلون طريقها. وضعيف البصر الذي لا يهتدي ببصره رغم وجود الشمس فهو: أغطش. فقوله تعالى: (أغطش ليلها)، أي: جعل ليلها ح الك الظلمة، لا يُهتَدى فيه، ولا يُبصَر فيه شيء. وهو كقوله تعالى: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (63 )لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ )، فقوله (سكرت أبصارنا)، أي: كأنها أغلقت فلا يمكنها الرؤية أو الاهتداء لشيء في ليل السماء. فآية النازعات ترسم الصورة كصفحة مظلمة حالكة، لا إمكانية فيها لرؤية شيء. فليلها أغطش، أي: لا يُهتدى فيه لشيء، كما قالت العرب: فلاة غطشاء: لا يهتدى فيها لشيء. وتفيد الآية أن (ليل السماء) حالة دائمة، وهي حالة من قبل دحو الأرض، فتوسعت السماء وهي في حالة (الليل الأغطش). إذن (أغطش ليلها)، جعله بحالة لا يُهتَدى فيه، ولا يُبصَر فيه شيء. ولا يستلزم أن الليل مظلم، فالعين البشرية مثلا تعجز عن الرؤية في الظلمة الشديدة، وفي الإضاءة الشديدة أيضا... فدلالة الغطش لا تدل على الظلمة، بل تدل على أن الليل جعله الله بحالة لا يُهتَدى فيه، ولا يُبصَر فيه
عدد الصفحات ١٢٤025 025 شيء. قد يكون شديد الإظلام وقد يكون شديد الإضاءة إلى درجة تعجز الأبصار فيه عن الرؤية، كما قالوا (سكرت أبصارنا). (وأخرج ضحاها): (أخرج)، لفظ الإخراج يعني أن ثمة شيئا يقع عليه فعل الإخراج، فيظهر بعد خفاء، ويتضح بعد عماء. والشيء المُخرَج، هو شيء كان مخفيا في شيء آخر، فيظهر، كما يخرج الله الجنين من بطن أمه، فالجنين كان مخفيا في بطن أمه، ثم أظهره الله. فالإخراج لا يعني: الإنشاء، ولكنه يعني: إظهار الشيء المخفي في شيء آخر. والآية تشير إلى أن الضحى كان مخفيا في السماء، فأخرجه الله من شيء كان مخفيا فيه. والذي أفهمه أنه أخرجه من الليل، فبعد أن أغطش الله ليل السماء حتى لم يعد يُهتَدى فيه. أخرج من هذه الحالة: الضحى. فما الضحى؟ مادة ( ض ح و) في العربية كما قال ابن فارس في مقاييس اللغة تدل على: (بروز الشيء ووضوحه، فالضحاء: امتداد النهار، وذلك هو الوقت البارز المنكشف. ثم يقال للطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت: ضحاء. .. ويقال: ضَ حِي الرجلُ يَضْحَى، إذا تعرض للشمس. ويقال: اضْ حَ يا زيد، أي
عدد الصفحات ١٢٥026 026 ابرز للشمس... ويقال: ليلة إضْ حِيانة وضَ حْياء، أي مضيئة لا غيم فيها... وضاحية كل بلدة: ناحيتها البارزة...الخ). وهي دلالة دقيقة تجمع مفردات المادة، و(ض ح و) ذات صلة بـ (و ض ح)، فالوضوح بروز الشيء وظهوره، إلا أن الفارق بينهما أن دلالة (الضحو) ترتبط غالبا بـ(الضياء)، وترتبط بالوضوح الحسي. ومن ثم فـ(الضحى) في العربية لا يقتصر معناه على الساعة المعروفة من ساعات النهار، كما هو شائع، بل معناه: الضياء البارز الواضح. وإذا تتبعنا استخدام القرآن الكريم للفظ الضحى، فسنجد ما يلي: أولاً: قابل بين الضحى والليل في قول ه ( وَالضُّحَى ( 6) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى )، وقابل بين العشية والضحى في قوله: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ). وقابل بين البيات (وهو حدث في الليل) وبين الضحى في قوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُ مْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ( 52) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ). وهذا يعني أن (الضحى) في هذه الآيات مقابل مفهومي لليل، وليس ساعة النهار المعروفة. فالليل هو وقت الظلمة، أما الضحى فهو وقت الضياء.
عدد الصفحات ١٢٦027 027 والقرآن الكريم يقابل بين الليل والنهار، كقولهأَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا )، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا )، فقابل بين النهار والبيات، كما قابل بين الضحى والبيات. فالنهار مقابل زمني لليل يقع على ساعاته كلها. وكذلك الضحى معادل زمني للنهار كله، والنهار يرتبط بضياء الشمس، يوجد حين توجد، ويذهب حين تذهب. ثانيا: ورود الضحى مضافا إلى السماء والشمس. أضاف الضحى إلى السماء، كما في النازعات ( وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ). قال الزجاج: (أظهر نورها بالشمس)، وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أخرج شمسها. وقال الطبري: (وأخرج ضياءها، يعني: أبرز نهارها فأظهره، ونوّر ضحاها ). فالخلاصة أن ضحى السماء فسر بـ: الشمس، والضياء، والنور، والنهار. (كما في الطبري). وسأعقب لاحقاً. وأضاف الضحى إلى الشمس، قال ت عالى: ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا )، واختلف المفسرون في المقصود بضحى الشمس، قال الزجاج ومجاهد: الضياء، وفسرها مقاتل والسدي: حرها، وقال قتادة: النهار كله. ثالثاً: ورود (الضحى) مرادا به الوقت المعروف من النهار، كما في قوله: ( قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى )، فحدد اليوم والوقت (الساعة).
عدد الصفحات ١٢٧028 028 رابعاً: ورود الفعل (يضحى)، في قوله إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ( 662) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ). فالحديث عن الجنة ألا جوع فيها ولا عُري، ولا ظمأ ولا ضَحْو. قال الزجاج: ( ولا تصيبك الشمس )، وقال الطبري: ( لا تظهر للشمس فيؤذيك حرّها )، وقال الزمخشري أن المراد بالنفي إثبات ضده، فالمعنى أنك تكتنّ في ظل دائم. ** مما سبق، يمكن القول أن (الضحى) مفهوم دلالي يرتبط بعنصر: الضياء، فالضياء يكون فيه وضوح الأشياء وبروزها. والضياء كما بينت في بحث (دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم) يجمع بين عنصري: الحرارة والضوء، فهو يُ حدث النور ويُ حدث الحرارة أيضاً. والقرآن الكريم يبين باطراد أن الله جعل الشمس ضياء. فقوله هنا (والشمس وضحاها) يعني: وضيائها (وفي الضياء: ضوء وحرارة). ويضعف تفسيره بالنهار؛ لقوله بعد ذلك: (والنهار إذا جلاها)، فلا يستقيم التفسير لو قلنا: والشمس ونهارها، والنهار إذا جلاها. ومقابلة الضحى بالليل، والليل هو وقت الظلام، فالضحى هو وقت الضياء، سائر النهار، بل أطلقت العرب على الليالي المقمرة: ضحيانة، فوصفتها بالضحو ، وذلك دلالة على أن الضحى: الضياء. وتخصيص
عدد الصفحات ١٢٨