المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٠ من ١٦

045 045 سورة المعارجتَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِ ينَ أَلْفَ سَنَةٍ ). فالتدبر فيهما يبين لنا ما يلي: لقد ورد قوله (مما تعدون)، مرتين، وكلاهما حين ذكر اليوم (كألف سنة)، في سورة السجدة وفي سورة الحج ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَ ةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ). ولم يذكر ذلك مع قوله (خمسين ألف سنة)، وسأبين الآن لماذا. يكاد المفسرون قديما وحديثا يقولون أن المراد بالسماء في آية السجدة، هي السماوات العلى، أو أعلى السماوات، بالرغم من أن الآية صريحة (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)، ولو شاء لقال (السماوات)، أو كما قال في سورة الطلاق (يتنزل الأمر بينهن). ولكنه قال (من السماء إلى الأرض)، والسماء في القرآن الكريم عرفنا دلالاتها، فيراد بها هنا: السماء الدنيا، ومن ثم فهو يتحدث عن تدبير خاص، وليس عن التدبير الذي يتم من فوق السماوات، الذي تحدث عنه في مواطن أخرى، كآية سورة الطلاق. فهذه الآية كقوله (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا )، أي: من السماء الدنيا. ومن ثم فالتدبير الذي من السماء إلى الأرض ثم العروج إليه يكون في يوم مقداره ألف سنة مما نعد. وهذا هو مقدار اليوم عند ربنا، كما ورد في سورة الحج.

عدد الصفحات ١٤٥

046 046 أما الآية الأخرى التي في سورة المعارج، فإنها تتحدث عن مقدار اليوم الذي تعرج فيه الملائكة والروح. والآية لم تذكر النزول والعروج (كما في آية السجدة)، وإنما ذكرت العروج فقط، كما أن الآية لم تحدد مكان الابتداء (لا نعرف من أين)، وإنما حددت مكان الانتهاء إليه (بخلاف آية السجدة التي حددت الابتداء والانتهاء (تدبير الأمر: من السماء إلى الأرض، ثم العروج إليه). ولعل نقطة الابتداء هي الأرض أيضا، أي تعرج من الأرض إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وربما تكون السماء الدنيا، والله أعلم. والذي أفهمه من هذه الآيات أن المسافة بين السماء (الدنيا) إلى الأرض هي الواردة في سورة السجدة، فاليوم فيها مقداره ألف سنة مما يعد البشر. وقد ذكر لفظ (مما تعدون)؛ لأن السماء الدنيا داخلة في مدرك البشر فكان لهم اعتبار في الخطاب. أما الآية الأخرى (خمسين ألف سنة)، فإنها مقدار المسافة بين الأرض (أو السماء الدنيا)، وبين منتهى عروج الملائكة، وهو فوق السماوات السبع، ولا نعلم أين، ولكنه منتهى عروجهم (قد يكون عند العرش). وفي هذا لم يقل (خمسين ألف سنة مما تعدون)؛ لأنه يتحدث عن مسافا ت وأزمنة خارج مدارك البشر، فهي متعلقة بالسماوات السبع وما فوقها. وبذلك فنسبة المسافة بين الأرض والسماء الدنيا تعادل نسبة (6 :21) مقدار المسافة بين السماء الدنيا ومنتهى عروج الملائكة فوق

عدد الصفحات ١٤٦

047 047 السماوات السبع، أي أن منتهى العروج (فوق السماوات السبع) يبعد عن السماء الدنيا بمقدار 21 ضعفا ما تبعد أقصى السماء الدنيا عن الأرض وهي مسافات شاسعة، لا يمكن تصورها، فآخر ما عرفه العلماء وجود مجرات تبعد عنا بثلاثين مليار سنة ضوئية، وهذه داخل السماء الدنيا، فهي داخل اليوم الذي يمثل المسافة بين السماء والأرض. ولا نستطيع أن نحد د مقدار اليوم، فبأي حساب نحسب اليوم، فالبشر بالأمس كانوا يحسبون اليوم بالساعة والثواني (اليوم القمري)... ثم ها هم اليوم يحسبون بالساعات والسنين الضوئية (اليوم الضوئي)... ولا ندري غدا ما الذي يمكنهم أن يصلوا إليه، وبأي حساب يحسبون.

عدد الصفحات ١٤٧

048 048 المبحث الخامس: السماء الدنيا المطلب الأول: مفهوم السماء الدنيا كما بينت سابقا، فإنه لا يمكن لنا أن نتصور السماء الدنيا إلا إذا تصورنا السماوات السبع، والسماء الدنيا هي أدناهن، ومن ثم فلا يصح أن نطلق لفظ السماء الدنيا على السماء التي كانت مخلوقة من قبل تسوية سبع سماوات، وقد سميتها (السماء الأولية)، وتحدثت عنها بما فتح الله علي به. والآن سأتحدث عن السماء الدنيا. وقد جاء الحديث عن السماء الدنيا في عشرة مواضع. واقترن بالحديث عن: زينتها، وحفظها، والبروج التي جعلها الله فيها، وكذلك المصابيح والنجوم والسراج والقمر، والليل والنهار. وعليه يكون ذكر (السماء الدنيا) في 61 مواضع، هي: الحجر: 61، والفرقان: 16، والبروج6، والأنبياء45، والصافات1، وفصلت65، والملك 2، والجن2، والطارق6، و66. وهذه الآيات تبين لنا حقيقة السماء الدنيا، وذلك كما يلي 6- السماء الدنيا هي إحدى السماوات السبع، وهي أ دناهن، كما تبين لنا سورة فصلت ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي

عدد الصفحات ١٤٨

049 049 يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ). 5- كون السماء الدنيا زينة، زينها الله بالكواكب، وبالمصابيح. وجعلها زينة للناظرين. 4- ما جعله الله في السماء من: البروج، والسراج والقمر، والنجوم، والليل والنهار . (كما في سورتي الحجر والفرقان). 3- كون السماء سقفا محفوظا. حفظها الله من كل شيطان رجيم، وملأها بالحرس الشديد والشهب، وجعلها رجوما للشياطين. فكونها محفوظا أي أنها ضد الاختراق، بل هي مؤمنة محمية من جهتين، الأولى: من حيث الأجرام والأشياء التي فيها، فهي محفوظة لا تتطاير ولا تقع على الأرض ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ). والجهة الثانية: حفظ المعلومات والبيانات التي تقع في نطاقها، فلا يستطيع (الهاكرز الأرضي) اختراق هذه البيانات، ومن حاول التسلل منهم إلى هذا (النظام المعلوماتي) قذفته الشهب. فهي حماية ذاتية. 2- امتداد السماء الدنيا من محيط الأرض إلى ما لا نعلمه من الآفاق، أما كونها تمتد من غلاف الأرض فلقول الجن (وَأَنَّا لَمَ سْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا )، وهنا الحديث عن السماء الدنيا، وهي المنطقة التي تنشط

عدد الصفحات ١٤٩

051 051 فيها الشهب، ويستطيع الجن لمسها. وأما امتدادها إ لى الآفاق الواسعة التي تضم داخلها كل النجوم والبروج التي اكتشفها الإنسان حتى الآن، فلآي ة سورة الحجر: ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (61 )وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (62 )إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ )، فهو يتحدث عن السماء التي جعلها الله محفوظة من الشياطين، وجعلها زينة، وجعل فيها بروجا. وسيأتي الحديث عن (السماء) بمعنى: الغلاف الجوي للأرض. أما لفظ (السماء الدنيا) فلم يذكر إلا في ثلاثة مواضع: الصافات (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (1 )وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ )، وفصلت ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِ يم)، والملك (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَ عَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ). ففي الثلاثة المواضع اقترن الحديث عنها بكونها مزينة بالمصابيح (وبالكواكب)، وكونها محفوظة من الشياطين. **

عدد الصفحات ١٥٠

050 050 وعليه فـ(السماء الدنيا) هي السقف المحفوظ الذي يمتد من نهاية غلاف الأرض ، وتشمل الكواكب والنجوم والمجرات وغيرها مما هو بين السماء والأرض. أما (السماء) التي هي بمعنى: الغلاف الجوي للأرض، فلا تسمى: السماء الدنيا، بل يبدأ حدود السماء الدنيا بنهاية الغلاف الجوي المباشر للأرض.

عدد الصفحات ١٥١

052 052 المطلبالثاني: ما في السماء الدنيا سأحرر في هذا المطلب دلالات الألفاظ التالية: المصابيح، والكواكب، والبروج، والسراج، والشهب. 6 /المصابيح حققت دلالة المصابيح في كتابي (الظلمات والنور في القرآن الكريم)، وخلاصته (مع بعض الزيادات والتحرير هنا): كل مواد الجذر (ص ب ح)، تدل على اللون المشرق في ظلمة، وعلى إضاءة الظلمة بذلك اللون. في القرآن الكريم جاء لفظ الم صباح في آية النور ، و(مصابيح) في آيتين، قوله: ( وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ )، ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ )، فالمصباح دلالته اللغوية: الشيء الذي يضيء الظلمة بلون مشرق. وفي القرآن الكريم تبين الآيات أن المصابيح زينة السماء الدنيا. وذلك أنها تضيئها بلون مشرق متلألئ، فهي تزين السماء الدنيا بإضاءتها وتلألؤها. فالمصابيح هي زينة السماء الدنيا، حيث تضيئها بلونها المشرق المتلألئ. وهذا بخلاف الكواكب، وقد فرق القرآن بينهما في قوله: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِ زِينَةٍ الْكَوَاكِبِ )، فلم يقل: زينا السماء الدنيا بالكواكب،

عدد الصفحات ١٥٢

053 053 كما قال بالمصابيح، بل قال: بزينةٍ الكواكب، وقد احتار المفسرون في المجيء بلفظ (زينة) هنا، وعدها أكثرهم للتأكيد، فكأنه قال: بالكواكب. وقال بعض المعاصرين: المصابيح زينة بذواتها للسماء الدنيا، وهي النجوم، فهي تضيئها، أما الكواكب فهي زينة للسماء الدنيا، ولكن زينتها مستمدة من إضاءة المصابيح لها، فهي تعكس أضواء (المصابيح)، فاختلف اللفظ باختلاف الصفات. وعندي أن الآية ليست للتأكيد، كما قال المتقدمون، فكل كلمة في القرآن الكريم لها دلالتها الخاصة بها . وأيض ا فإن الآية لا تحتمل ما يقوله المعاصرون، فهم يحملون الآية دلالة لا يحتملها التركيب. والدلالة التي يفترضونها هي من خارج اللفظ والسياق القرآني. تركيب الآية: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب زينةً وحفظاً. فقوله (وحفظا) معطوف على موقع (زينة)، وموقع: زينة: النصب على أنه مفعول لأجله، ولكنه قدم فجُرّ ، وبقي قوله (وحفظا) منصوبا لأنه معطوف على موقع النصب. قال الزمخشري ( وَحِفْظاً مما حمل على المعنى لأنّ المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين). وعليه فالمعنى أن الله جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا، وجع ل الكواكب حفظا للسماء الدنيا من كل شيطان مارد.

عدد الصفحات ١٥٣

054 054 وآية سورة النور تبين أن الكواكب أجرام غير مضيئة بذاتها، ولكنها تعكس إضاءة غيرها، فهي زينة للسماء الدنيا. (راجع بحثي: الظلمات والنور في القرآن الكريم، عند تفسير آية النور، حيث فرق بين الكوكب الدري والمصباح). وأما كون الكواكب حفظا، فهو مثل كون المصابيح حفظا (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ). فخلاصة دلالة المصابيح ما يلي: أجرام مضيئة، تزين السماء الدنيا ليلاً بلونها المشرق المتلألئ، وإضاءتها. كما أنها تحفظ السماء الدنيا من الشياطين. *** 5 /النجوم ولكن هل المصابيح هي النجوم؟ بتدبر الآيات التي ذكر فيها (النجم)، (النجوم)، نتبين ما يلي: 6- النجوم مضيئةفحين يتحدث عن قيام الساعة يتحدث عن ذهاب ضوء النجوم (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ )، أي: ذهب ضوءها، (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )، أي: تغيرت أل وانها المشرقة المتلألئة،

عدد الصفحات ١٥٤

055 055 التي كانت تزين السماء وتضيئها، وانكدارها بسبب ذهاب ضوئها. 5- النجوم هداية القرآن الكريم يتحدث عن النجوم كونها هادية للناس، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )، ( وَبِالنَّجْ مِ هُمْ يَهْتَدُونَ ). فهي هادية لهم يهتدون بها في ظلمات البر والبحر، ويحددون بها مواقعهم ومواسمهم على الأرض، كما أنها هادية لمن في السماء، فالنجوم مصدر هداية لكل من يمر عبر السماء الدنيا. 4- التسخير: بين القرآن الكريم أن النجوم مثلها مثل الشمس والقمر مسخرات بأمر الله ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ). 3- النجوم ذات مواقع فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (22 )وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ). فتبين الآية أن للنجوم مواقع في السماء الدنيا، هناك مليارات مليارات النجوم في السماء الدنيا، وهي ذات أحجام هائلة، وكل نجم له موقعه، فلا يبغي نجم على نجم آخر، بل يأخذ موقعه في السماء الدنيا، ومداره الذي يسبح فيه، وهي مواقع تتحرك فيها النجوم ولا تظل ساكنة، وتحتفظ بعلاقات متوازنة. 2- وقتإدبار النجوم طلوع الفجر : قال تعالى: ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (32 )

عدد الصفحات ١٥٥

056 056 وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ). وهذه الآية نفهمها بالموازنة مع الآيات الأخرى التي تتحدث عن الصلوات الخمس، صلوات النهار (الظهر والعصر)، وصلوات الليل (المغرب والعشاء)، وصلاة الفجر والشهادة في القرآن أي: حين تكون مستيقظا في النهار، وذلك في صلاتي الظهر والعصر. (ومن الليل فسبحه)، أي: صلاتي المغرب والعشاء. و(إدبار النجوم)، أي: وقت صلاة الفجر. فالنجوم تدبر حين يقبل الفجر. 1- النجم يسجد الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (2 )وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ). 2- وصفالدورة النجمية: النجم الثاقب ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (6 )وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (5 )النَّجْمُ الثَّاقِبُ ). والنجم يهوي ويسقط: قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (6 )مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى). وبالعودة إلى المعاجم اللغوية، (نجم الشيء)، أي: طلع وظهر، يقال: نجم السن: طلع وظهر. فالنجوم التي في السماء هي الأجرام المضيئة التي تظهر للناس في الليل، وتدبر حين يأتي النهار. فالنجوم تت ميز بالخواص التالية، كما تبين الآيات: أجرام مضيئة تطلع في الليل، وتختفي مع طلوع

عدد الصفحات ١٥٦

057 057 الفجر (وهذا بالنسبة إلى الإدراك البصري لأهل الأرض) ، وتكون في الليل هادية للناس. والنجوم ذات حركة ومدارات في السماء، ولكل نجم موقعه الذي لا يبغي به على نجم آخر. وتبين الآيات بعض الخواص النجمية، ومن ذلك (النجم الهاوي)، هوى الشيء: إذا سقط في انحدار، فكأن القُوَى التي كانت تمسكه تخلت في تلك اللحظة عن إمساكه، فسقط منحدراً، ولذلك يقال للرجل إذا سقط من قمة الجبل أو أي مرتفع: هوى الرجلُ، أي سقط في مجال لا يناسب أن تكون حركته فيه، فلو وقع على الأرض لقلت: وقع على الأرض، ولا تقول: هوى على الأرض، إلا إذا كان السقوط من مرتفع فيمر بمجال جوي لم يهيأ الإنسان لأن يكون فيه. فهُوِيّ النجم إشارة إلى لحظة خروجه عن مداره، أو انتهاء عمره، بحيث لم يعد يتحرك في موقعه الذي كان يسبح فيه، فهي لحظة ترسم تهالك النجم وسقوطه وانتهاء عمره. والنجم يهوي بعد أن يفقد وظيفته في الإضاءة والهداية، فيهوي ليرتطم بجسم آخر، كما يهوي الرجل من قمة الجبل فيرتطم بالأرض. ويتحدث القرآن الكريم عن انتهاء النجم، ببيان ثلاث خواص: الضوء، واللون، والحركة. أما الضوء فيطمس ( فَإِذَا النُّ جُومُ طُمِسَتْ )، وطمس الضوء يبين أن وقود الإضاءة ينتهي فلا يعود مصدرا للضوء. ثم

عدد الصفحات ١٥٧

058 058 يحدث أن يتكدر لونه وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )، فلا يراه الناظر، وقد كان مشرقا متلألئا. ثم يهوي الجرم (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ). وكذلك (الطارق: النجم الثاقب)، فذكرت الآ يات خاصتين للنجم، إحداهما صوتية والأخرى بصرية، أما الصوتية فهو أن له صوتا يطرق كالمطرقة، والخاصة الثانية أن ضوءه ثاقب، أي شديد اللمعان، كما أنه يثقب أي جسم أمامه. ** والآن هل النجوم هي المصابيح؟ المصابيح كما سبق: أجرام مضيئة، وظيفتها تزيين السماء الدنيا. والقرآن الكريم لم يذكر عن المصابيح سوى هاتين الصفتين: زينة السماء الدنيا، تضيئها بلونها المشرق المتلألئ. وحفظها للسماء الدنيا من الشياطين. أما النجوم فتبين من القرآن الكريم أنها أجرام مضيئة، هادية للناس، تظهر لهم في الليل، وتختفي مع النهار. وتحدث القرآن الكريم عن حركتها ومداراتها ومواقعها، وانتهائها. ولم تذكر الآيات أن النجوم تحفظ السماء الدنيا من الشياطين.

عدد الصفحات ١٥٨

059 059 وعليه فالشمس لا تسمى نجماً؛ فالشمس تظهر للناس نهارا وتختفي ليلا، بخلاف النجوم. وكذلك لا تسمى الشمس مصباحا؛ فالمصباح لا يزيل الظلمة التي في السماء، بل تكون إضاءته زينة لها، ومع ظلمتها تتبين إشراقة لونه. ثم إن الله بين أنه جعل المصابيح زينة للناظرين، والشمس لا يستطيع الناس أن ينظروا إليها. فالزينة إذن أن تكون هناك إضاءة متلألئة وسط ظلمة، وبذلك يتبين جمال الزينة وإشراقها. وعليه فالزينة تكون ليلا لا نهارا. والكواكب ليست نجوما، فالكواكب أجرام غير مضيئة، أما النجوم فأجرام مضيئة. وكلها تشترك في أنها تظهر ليلا وتختفي نهارا، وذلك بسبب اختفاء ضوء الشمس ليلا، مما يمكن العين البشرية المجردة أن ترصد النجوم والكواكب (التي تعكس ضوء النجوم). مما سبق يتبين أن المصابيح: أجرام مضيئة، تزين السماء الدنيا ليلاً ، وتحفظها من الشياطين. ووصف الإضاءة والزينة ينطبق على النجوم وعلى أي أجرام سماوية ينبعث منها الضوء الذاتي فيراه أهل الأرض.

عدد الصفحات ١٥٩

061 061 وبهذا فالمصابيح هي الأجرام المضيئة التي تزين السماء الدنيا. أما النجوم فهي الأجرام المضيئة ليلا ، وأما الشمس فهي الجرم المضيء نهارا، وأما الكواكب فهي الأجرام غير المضيئة التي تظهر ليلا. (من منظور أهل الأرض) فما الفرق بين المصابيح والنجوم؟ النجم يسمى مصباحا في حال إضاءته، وإشراق لونه في السماء الدنيا، وحين يفقد صفتي الإضاءة (بالطمس) والإشراق (بالا نكدار)، فلا يسمى مصباحا، بل يحتفظ باسمه: النجم. فالمصابيح هي الأجرام السماوية في حال إضاءتها وإشراق ألوانها، فهي تكون زينة للسماء الدنيا ما دامت متصفة بهاتين الصفتين: الإضاءة وإشراق اللون. وعليه فبين النجم والمصباح عموم وخصوص وجهي، فالنجم يسمى مصباحا في حال إضاءته وإشراقه. ولا يسمى مصباحا في الحالات الأخرى. والمصباح يشتمل على النجم وغيرها من الأجرام في حال إضاءتها وإشراقها. والذي يجعلنا نفرق بين المصباح والكوكب: آية سورة النور ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّ جَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ

عدد الصفحات ١٦٠