97 97 وأماالتأسيس والرفع، فقد تحدث القرآن الكريم أنه بنى السماوات فكانت شدادا، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، قال الزمخشري: (محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان)، وقال ابن عطية: (ووصفها بالشدة؛ لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها ). فهو بناء شديد متين وثيق، هيئ لحمل الخلائق التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال تعالى: ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ )، قال ابن عباس: أي: بقوة، وهو تفسير الجمهور، وذكر الرازي في تفسيره وجها آخر، وهو حمل لفظ (بأيد)، على قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَ امًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ). فهو جمع (يد). ولهذا بحث آخر. وقال: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ )، فهي بناء نسيجي، نسجت نسجا شديدا محكما متقنا، كالنسيج الذي شدت خيوطه بإحكام. كما تحدث القرآن الكريم عن أن الله رفع السماء بلا عمد مرئية: (والسماء رفعها)، ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ). فالناس يبنون ويحتاجون إلى وضع الأسس لحفظ المبنى من التصدع والانهيار، ولضمان ثباته على الأرض، فيضعون القواعد ويرفعون الأركان. أما الله سبحانه وتعالى، فقد رفع السماء بلا عمد مرئية، فهي محفوظة، وللكرسي دور في حفظها بإذن الله.
عدد الصفحات ٩٧98 98 كما أخبر القرآن الكريم عن مرونة هذا البناء، فهو بالرغم من شدته ومتانته ووثاقته، فإنه غير جامد، بل يتوسع باستمرار، ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، وهذا ما لا يكون في بنيان الناس، فهم لا يوسعون ما يبن ون إلا بالهدم الجزئي، أما الله فيوسع بناء السماء دون الحاجة إلى هدم أجزاء من ذلك البناء. وأما التركيب، فالقرآن الكريم يتحدث عن أن الله جعل السماء بناء مهيأ للساكنين، ومن ثم فقد زودت بكافة (تمديدات الخدمة)، التي يحتاجها هؤلاء الساكنون، وقد ذكر لنا القرآن شيئا منها، ممتنا علينا، واليوم يتسابق العلماء في كشوفاتهم، وكل يوم يكتشفون لنا مزيدا من هذه (التمديدات)، فمن ذلك قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ )، حيث يتحدث عن الماء الذي ينزل من السماء، وقد يشمل ما علاه أيضا، وهو جزء من السماءأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 52) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا 52) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَ خْرَجَ ضُحَاهَا )، فإغطاش الليل وإخراج الضحى من السماء، هو من هذا القبيل. ولم يتحدث القرآن الكريم عن شيء كما تحدث عن هذا الأمر، وما امتن الله به على الإنسان وسخر له ما في السماوات والأرض، وتهيئة الأرض له أيضا.
عدد الصفحات ٩٨99 99 وأماالتسوية، فقد أخبرنا القرآن الكريم أنه زين السماء (الدنيا)، والسماء الدنيا هي واحدة من السماوات السبع، بمصابيح، وبالكواكب، وجعل فيها النجوم، والبروج، ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ )، وتدبر قوله: (وزيناها للناظرين)؛ فزينتها للناظرين عمل مقصود، واليوم يتحدث المهندسون عن (هندسة المناظر)، أي: تزيين البناء للناظرين. ويَرِد الحديث عن زينة السماء الدنيا، بعد الحديث عن بناء السماء الأولية، وتسويتها، ثم تسوية السماوات السبع، ثم يتحدث عن زينة السماء الدنيا، فالزينة تكون في الأخير، كما قال: ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَ وَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا )، وقال: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ). ويتصل به أيضا ما جعله الله في الأرض من زينة، نباتها وألوانها وأحياؤها، فالأرض جزء من البناء. وأما التشغيل، فقد خلق الله ساكني السماوات والأرض من أحياء، بعد أن بنى لهم السماء، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ). والقرآن الكريم يستخدم لفظ (التدبير)، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّ كُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ )، فهو يدبر أمر المخلوقات. سبحانه وتعالى.
عدد الصفحات ٩٩011 011 وأماالصيانة، فإن القرآن الكريم يتحدث عن أن الله بنى السماء بناء محكما، لا شقوق فيه ولا صدو ع ولا فروج، ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (4) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )، وقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ). و(من تفاوت) كما قال الزمخشري: (أي: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا و لا يلائمه. ومنه قولهم: خلق متفاوت). ومهندسو البناء (وخصوصا ناطحات السحاب) يشيدونه قويا، ويستخدمون أجود المواد التي تتحمل الأحمال الثقيلة والجهد العالي ، ويجعلون أساسه متينا، وواجهاته مقاومة للتلف وتسرب الرطوبة؛ حتى يظل أطول فترة ممكنة دون صيانة. وبالرغم من ذلك فإنه يظل لمدة ما، ثم بعد ذلك تبدأ أعمال الصيانة. والتصدع في البنيان، له ظواهر عديدة، منها: التشققات، أو تآكل المواد، أو الميلان، أو غير ذلك. أما السماء فقد وصف الله بنائها بأنه شديد؛ فلا يتصدع ولا يتشقق، وهو بناء متين محكم، يظل بإذن الله دون حاجة إلى صيانة أو إصلاح، فما فيها من تفاوت، وما لها من فطور، أو شقوق، أو صدوع.
عدد الصفحات ١٠٠010 010 وحين يأذن الله بانتهاء الدنيا، فإن ذلك البناء كله يتفطر ويتشقق ويتصدع. **
عدد الصفحات ١٠١012 012 الفرع الثانيذات الحبك: قال تعالى: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ). في الآية مبحثان، الأول: المقصود بالسماء، والثاني: المقصود بكونها: ذات الحبك. أما السماء فقد قدمت أنه لا قرينة لدينا ترجح هل هي السماء الأولية، أو السماء الدنيا. إلا أن الآية وردت في سورة الذاريات، وقد جاء الحديث فيها عن بناء السماء (والسماء بنيناها بأيد)، والمقصود بها السماء الأولية، وحيث لا قرينة غير هذه، فحملها على السماء الأولية أولى. ويؤيد هذا دلالة (الحبك)، كما سيأتي. أما الحبك، مفهوم (الحُبُك) في اللغة: قال ابن فارس في مقاييس اللغة أن المعنى الأساس للجذر هو: (إحكام الشيء في امتداد واطراد ). وهي عبارة اشتملت على مجموعة خصائص دلالية في مفهوم ( الحبك)، وهي: طبيعة الحبك (الشدّ)، وطريقته (الامتداد والاطراد). إلا أن العبارة ينقصها عنصر أساس، وهو أن الخطوط تكون متكسرة، وقد ذكر ذلك الفراء كما في الصحاح: ( الحُبُكُ تكسُّرُ كل شيء، كالرمل إذا مرت به الريحُ الساكنة، والماءِ القائم إذا مرّت به الريح ).
عدد الصفحات ١٠٢013 013 وبذلك يمكن الوصول إلى المعنى الأساس لجذر (ح ب ك)، وهو: خطوط ممتدة متناسجة محكمة. وهذا التعريف يشتمل على خصيصتين دلاليتين أساسيتين، في مفهوم (الحبك)، وهما: (6) بنية الحبك، فالمادة المحبوكة: خطوط ممتدة، غير مستقيمة، بل متناسجة، أيا كان شكل النسيج، والخطوط النسيجية عبارة عن ألياف يتم غزلها، فتكون مبرومة لولبية. (5) طبيعة الحبك: الشدّ. (فهي محكمة والشد المحكم، يقتضي الجودة في تضفير الخطوط، ونسجها. وكافة استخدامات اللفظ تعود إلى هذه المعاني، ويمكن تلخيصها في مفهوم "الحبيكة"، فكل خطوط ممتدة منسوجة محكمة، تسميها العرب: حبيكة، وجمعه: حُبُك 5. 2 ومن ذلك: ضفائر الشعر، وطرائق الرمل، (وهي آثار مرور الريح على الرمل، فتصنع خطوطا طويلة متكسرة تشبه النسيج)، وكذلك طرائق الماء (آثار الريح على الماء). قال زهير بن أبي سلمى، يصف ماءً: مُكَلَّل بعَمِيم النَّبْت ، تَنْسُجُه ريحٌ خَرِيقٌ، لِضاحي مَائِهِ حُبُكُ
عدد الصفحات ١٠٣014 014 البنية النسيجية الريح الخريق، هي الريح الشديدة، فهي تنسج وجه الماء حين تمر فوقه فتترك آثارها فيه، فتلك الحُبُك، كأنها طرق لولبية. وتسمي الع رب الكساء المنسوج المخطط: محبوكا، (في اللسان: حَبَك الثوبَ: أجاد نسجه وحسّن أثر الصَّنْعة فيه، وحبك الوَتَر كذلك)، ونقل في الصحاح عن ابن الأعرابي: ( كل شيء أحكمته وأحْسنْتَ عملَه فقد احْتبَكتَه )، والمقصود: كل شيء ذي خطوط طويلة، فالحبك ليس مطلق الإحكام. وعبا رة مقاييس اللغة أدق، قال: ( كساء مُ حَبّك، أي : مُخَطّط)، فلا يوصف الشيء بالحبك إلا بمراعاة معنيين، الأول: الشكل، أن يكون ذا خطوط ممتدة منسوجة، والثاني: العلاقة بين هذه الخطوط: الشد بإحكام وإتقان. كذلك تجد الدقة في قول ابن الأثير في النهاية: (وَمِنْهُ الْحَدِ يثُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ «رأسُه حُبُك » أَيْ شَعَرُ رَأسِه مُتَكَسِّر مِنَ الجُعُودة، مِثْلُ الْمَاءِ السَّاكِن، أَوِ الرَّمْل إِذَا هَبَّتْ عَلَيْهِمَا الرِّيحُ، فيَتَجَعَّدانِ ويَصِيرَان طَرَائقَ ). وبهذا يمكننا فهم جميع استعمالات (حبك)، ويمكننا تصويب بعض عبارات المعاجم، فمثلا: (الحِباك)، عرفه ابن دريد في جمهرة اللغة: ( أَن يجمع خشب كالحظيرة ثمَّ يشد فِي وَسطه حَبل يجمعه فَذَلِك الْحَبل الحباك ). أما عبارة الأزهري في تهذيب اللغة: (ربَاطُ الحظيرة بقصبات تُعَرَّضُ ثمَّ تُشَدّ. تَقول: حَبَكْتُ الحَظِيرَةَ كَ مَا تُحْبَك عُرُوش الكرْم بالحِبَالِ. ) فعبارة الأزهري أدق وأدلّ، وقد اشتملت على الدلالتين الأساس. فوصف الرباط بأنه قصبات (وهي: خطوط ممتدة)، (تُعرَّض ثم تشد): فهي قصبات تتداخل، وتشد بإحكام، كما تحبك عروش العنب. وفي ضوء هذا يمكننا فهم قول العرب: (احتبك الرجل)، في جمهرة اللغة: (تحبكت الْمَرْأَة بنطاقها إِذا شدته فِي وَسطهَا . وَكَذَلِكَ تحبك الرجل بثيابه إِذا تلبب بهَا. واحتبكت إزَارِي إِذا شددته عَلَيْك ). وفي اللسان: (احتبك بإزاره: احتبى به وشده إلى يديه). فالمحتبِك عادة ما يشد إزاره بنطاقين متداخلين، حتى يعتمد عليه، ويجعله كالمسند لظهره، فلو كان النطاق خطا واحدا لما أمكنه الاستناد عليه إلا إذا كان عريضاً بحيث يشمل مقدمة الساق من الركبة إلى أسفل الساق. فسميت هذه الهيئة بالاحتباك لأنها اشتملت على دلالتين، الأولى: شكل الرباط الذي يُحتَبَك به، وهو نطاقان يربطان متداخلَين. والثاني: إحكام ربطهما.
عدد الصفحات ١٠٤015 015 نفهم البنية النسيجية بالنظر إ النسيج الذي يصنعه الإنسان، والنسيج الذي ينشئه الخالق سبحانه وتعالى، كالنسيج الحيواني والنباتي، وفتائل الذرة. بالنظر إلى صناعة النسيج فإنها تمر بمجموعة من المراحل، يمكن تلخيصها في ما يلي: ( انظر: الموسوعة العربية العالمية)، أولا: تجميع الألياف والشعيرات، وهي تمثل المادة الخام الأولية. ثانياً: غزلها، وذلك بفتل الألياف لولبياً، وتحويلها إلى خيوط مبرومة جاهزة للحبك. ثالثاً: حياكة الخيوط، ونسجها، لصناعة الأنسجة. كما تشمل الصناعات النسيجية: الأصبغ ة التي تلون الخيوط النسيجية، والمواد المستخدمة في الخصائص الوظيفية للأنسجة... الخ. وإضافة إلى البنية النسيجية فإنه يشمل أداءها ووظيفتها. (والسماء ذات الحبك)، فحُبُك السماء، تعني أنها تتألف من أنسجة ذات أنظمة نسيجية متعددة. وكل نسيج منها يتألف من خيوط طويلة متينة قوية، وكل خيط منها يتألف من ألياف صغيرة ودقيقة (فتائل). وكل خيوط نسيجية لها خصائصها المتميزة، ومن ثم فهي زينة في السماء الدنيا. وهي مشدودة شدا محكما، متقنا. وأما النظر إلى النسيج المخلوق، كالنسيج الحيواني والنباتي فإنه يمكن القول إن التركيب النسيجي يتحقق في كل المخلوقات، فكما ذكرتُ
عدد الصفحات ١٠٥016 016 في بحث الغيب والشهادة، أن خلق الله يتشابه ولكنه لا يتماثل، كذلك البنية النسيجية (ذات الحبك) تتشابه في كل المخلوقات، ولكنها لا تتماثل، فلكل بنية نسيجية نظامها الخاص بها. ويمكن الوصول إلى وصف أدق للبنية النسيجية السماوية من خلال دراسة البنية النسيجية للخلايا النباتية، والحيوانية، ولفتائل الذرة.... فالنسيج (سواء الحيواني أم النباتي)، مجموعة خلايا موحدة البنية والوظيفة، وترتبط الخلايا بعضها ببعض في وسط مادة هلامية. (انظر: الموسوعة العربية)، وكل نوع من الأنسجة له بنية تناسب وظيفته. فتتعدد بنى الأنسجة وأنماطها بحسب وظائفها المختلفة. ولهذه البنية النسيجية خصائص عديدة، كالنمو والتطور والمرونة، والموت والحياة، والصحة والمرض... الخ. فالسماء ذات الحبُك، أي: ذات البناء النسيجي، مثلها مثل سائر المخلوقات (الحيوانات والنباتات وغيرها) كلها ذات بناء نسيجي. فخلق الله يتشابه ولا يتماثل، تشابُهُهُ في أنه يخضع للأنظمة نفسها، وعدم تماثله في أن كل مخلوق يتفرد بصفاته الخاصة به (سواء أكان المخلوق على مستوى الجنس أو النوع أو الفرد)، قال تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ )، أي: م ا ترى فيه اختلافاً، فبعضه يشبه بعضا، فهو خلق متشابه . [
عدد الصفحات ١٠٦017 017 ** البنية النسيجية السماوية مما تقدم يمكن القول أن السماء ذات الحبك، تعني أنها ذات بنية نسيجية. والبنية النسيجية طرائق طويلة ممتدة متناسجة، محكمة الترابط. وقد نقل عن الضحاك في تفسيرها كما في الطبري: (حبكها مثل حبك الرمل، ومثل حبك الدرع، ومثل حبك الماء إذا ضربته الريح، فنسجته طرائق). والحق سبحانه وتعالى يقسم بـالسماء ذات الحبك، على (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ )، فقابل بين الأمرين: السماء المحكمة شديدة الإحكام، المتقنة شديدة الإتقان، بالرغم من طرائقها الطويلة الهائلة، والبشر الذين اختلفوا في القرآن الكريم، بين مكذب ومصدق. والاختلاف ضعف وهلهلة، وكان الأولى بهم أن يتفقوا في تصديقه والإيمان به. تفيد الآية – إذن - أن البنية السماوية بنية نسيجية، تشتمل على: طرائق كثيرة ممتدة منسوجة نسجا محكما متقنا. ونحن نفهم من قوله تعالى: (ذات الحبك) ثلاثة أمور : بنية السماء، وأداء هذه البنية ، ووظيفتها. أما البنية فنسيجية، وأما أداؤها فهي مرنة متينة شديدة الالتحام.
عدد الصفحات ١٠٧018 018 أولا: البنية النسيجية 6 )طبيعة البنية السماوية: بنية نسيجي ة. فهي تشبه البنى النسيجية في سائر المخلوقات، كما أسلفت القول. 5 )وتتألف البنية النسيجية السماوية من خطوط طويلة ممتدة متناسجة، هذه الخطوط تسمى: طرائق، تتشابك هذه الطرائق كتشابك الأنسجة. 4 )كل خط نسيجي يمثل حبيكة، ونقاط التقائها تسمى: عُقْدَة، فالخطوط تتشا بك عن العقدة فتكون تجمعا أكبر. كل تجمع في مستوى ما يمثل حبيكة من الحبك. فالسماء مليئة بالحبك، وكل تجمع بارز يمثل حبيكة بالنظر إلى تجمعات المستوى الأعلى، ومن ثم فقوله (ذات الحبك) يرسم مشهدا مهيبا للتجمعات المجرية والمواقع النجمية التي في السماء، والتي تمثل مستويات متنوعة من التجمعات. ولو قال: (والسماء المحبوكة)، لاحتمل أن تكون ذات حبيكة واحدة، فالثوب المحبوك يمثل حبيكة واحدة. وأما قوله (ذات الحبك)، فهي تدل على أنها مليئة بالحبك، وليست حبيكة واحدة. فكل خطوط متداخلة منسوجة تمثل حبيكة، وتتجمع مع بعضها لتشكل: (حبكا). وهي إشارة إلى التجمعات المجرية الهائلة في السماء، فكل تجمع مجري يمثل حبيكة
عدد الصفحات ١٠٨019 019 بالنسبة للسماء، ثم إن كل تجمع مجري به حبك كثيرة، وكل مجرة كذلك، وكل مجموعة كذلك... وهذا يفسر قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (22 )وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ). فمواقع النجوم هي المواقع التي تتخذها النجوم على تلك الحبك. 3 )تنوع الأنظمة النسيجية، فهو لم يقل: ذات الحبيكة، بل قال (ذات الحُبُك). فالجمع يفيد تعدد الحبك، كما يفيد تنوع أنظمتها، مع اشتراكها في البنية النسيجية المحكمة. فلعل كل مستوى من التجمعات له نظام نسيجي يختلف عن الأنظمة النسيجية الأخرى. فبالرغم من تشابه الأنظمة النسيجية إلا أنها لا تتماثل. كالناس يتشابهون ولا يتماثلون، لكل نظام نسيجي بصمته التي تميزه عن البصمات النسيجية الأخرى. والله أعلم. ثانياً: أداء البنية النسيجية (المرونة والمتانة والإحكام والإتقان... ):
عدد الصفحات ١٠٩001 001 6) الإحكام: فهي أربطة محكمة موثقة، تشد بعضها إلى بعض، فلا تتفكك عراها، ولا تتمزق أنسجتها. قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِ هِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ). وقد وصف الله السماوات بأنهن شدادا، فقال: ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، فهن بناء محكم شديد موثق. وقال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِ عِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (4 )ثُم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )، وقال: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ). فهو بناء محكم لا فطور فيه، ولا فروج. بنى الله السماء فأحكم بناءها، وأوثقه ، فكان بناء محكما موثقا شديداً متينا. 5 )الإتقان فهي طرائق مفصلة أحسن تفصيل، متقنة أحسن إتقان، لا تتصادم رغم كثرتها، ولا تضطرب رغم حركتها، وعلى هذه الطرائق تأخذ النجوم مواقعها، والمجرات مو اضعها، والكواكب مساراتها، والأجرام مداراتها... فالذي بناها قد أحسن بناءها، وأتقن صنعها، وأبدع نسجها، كل شيء مخطط بدقة وإتقان وإحسان، تتبين فيه روعة الصنع، كما قال:
عدد الصفحات ١١٠000 000 (وَكُل فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ). فسبحان الله العظيم (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ). 4 )المرونة والتوسع: هذه البنية النسيجية للسماء كانت متحققة فيها منذ أن فتق الله السماء، ودليل ذلك قوله تعالى: ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، فإيساع السماء هو تمددها بحُبُكها ومواقعها الهائلة على تلك الحبك. فالبناء قد تم للجرم الصغير، الذي توسع ونما وكبر بعد ذلك. كما يتم خلق الإنسان كله وهو جنين في بطن أمه، ثم ينمو، فاليد التي لم تكن تتجاوز مليمترات وهو في بطن أمه تصبح طولها سنتيمترات وتنمو باستمرار. إن عملية الخلق التي نشاهدها في الأجنة تساعدنا على فهم نشأة السماوات والأرض، التي كانت كلها جنينية (في مرحلة الرتق)، وفتقها كعملية الولادة (مرحلة الفتق)، ثم بعد ذلك كان النمو (مرحلة التوسع). وسأتناول التوسع في الفقرات القادمة. 3) جمال النسيج. سأتحدث عن ذلك عند الحديث عن الزينة، فا جعل السماء زينة، وزينها للناظرين. فالبنية النسيجية السماوية بنية تروع الناظرين، وتسحرهم بجمالها، وتأسرهم بزينتها، وتجذبهم بروعتها. **
عدد الصفحات ١١١002 002 ثالثاً: وظيفة البنية النسيجية البنية النسيجية تأخذ شكلها وأداءها بناء على وظيفتها، سواء في ذلك النسيج الحيواني أو النباتي أو السماوي، أو غيره من أنسجة. والوظيفة ا لتي تؤديها (السماء ذات الحبك)، تناولتها سابقا عن الحديث عن البناء السماوي، وسأفردها بالحديث لاحقاً. ومن تلك الوظيفة: تهيئة أسباب المعيشة الآمنة للساكنين، كالرزق، قال تعالى: ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ). والحماية: فالبناء النسيجي للسماء قد صمم ليوفر الأمان لكل الأجرام والنجوم التي بداخله، ولكل الأحياء الذين يسكنون داخل هذا البناء النسيجي، ولكل شيء يحتويه. قال تعالى: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ). وإيجاد مجالات الحركة، والتوازن الطاقي، .... الخ. ** فخلاصة دلالة قوله (ذات الحبك): أن بنية البناء السماوي عبارة عن خطوط طويلة متينة (طرائق) ممتدة عبر صفحة السماء، متداخلة بعضها ببعض، قد نسجت بإحكام وإتقان، وتربط بينها روابط قوية شديدة. وعُقَد التقاء تلك الحُبُك هي مواقع نجمية، وتجمعات مجرية، تتوزع في مستويات متعددة، كل مستوى له نظام نسيجي متميز.
عدد الصفحات ١١٢