المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٦ من ١٦

80 80 المطلب الثانيالدخان قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 66))، وقال تعا(هُوَ الَّذِي خَلَ قَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فهو استوى إلى السماء التي خلقها مع الأرض. وقال تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِي نَ ( 55).) وقد سبق الحديث عن مرحلة الدخان، وأن السماء كانت دخانا وبينت المرحلة التي كانت فيها السماء دخانا. وبينت دلالة (استوى إلى السماء وهي دخان)، وأن ذلك يعني أن تحول السماء إلى دخان كان فاصلا بين مرحلتين: مرحلة الخلق وما تم فيها، ومرحلة التسوية وما تلاها، وأن تحول السماء إلى دخان تلاه تسويتها ودحو الأرض، حيث قال الله لهما (ائتيا طوعا أو كرها). والدخان في اللغة العربية، له مجموعة من الدلالات والخصائص: الأولى: أنه مادة تنشأ عن احتراق النار، (قال ابن فارس في مقاييس اللغة: وهو الذي يكون عن الوقود )، وقال ا لأزهري في تهذيب اللغة: دَخِنَتْ النار تَدْخَنُ : إذا ألقيتَ عليها حَطَبا حتى يَهيجَ لذلك دُخان يشتَد )، ولذلك فالشُّواظ، كما في المعاجم: لهب لا دخان فيه، وقد ميزت العرب بين

عدد الصفحات ٨١

82 82 المادة التي تسطع من النار، والتي تسطع من الماء الحار، قال في لسان العرب (وكل دخان يسطع من ماء حار، فهو بخار). الثانية: الارتفاع، فالدخان يظل يرتفع، حتى إن العرب تشبه الغبار به إذا أرادوا الدلالة على ارتفاعه، فيقولون: (دَخَنَ الْغُبَارُ )، أي: ارتفع. الثالثة: السطوع، وقد ورد في المعاجم العربية: (دَخَنَ النَّارُ والدُّخَانُ دُخُوناً : إِذا سَ طَعَ ). الرابعة: شدة الحرارة، تقول العرب: ليلةٌ دَخْنَانَةٌ : شديدة الحر ، كَأَنَّمَا تغَشَّاها دُخَانٌ من شِدَّة حرِّها. الخامسة: الشدة والكثافة، قال الأزهري في تهذيب اللغة: دَخِنَتْ النار تَدْخَنُ : إذا ألقيتَ عليها حَطَبا حتى يَهيجَ لذلك دُخان يشتَد . وقوله يدل على أن الكثافة والشدة في الدخان لا تكون إلا إذا عظم الاتقاد. وتقول العرب: تغشاه دخان، فيستخدمون لفظ التغشي، وذلك لكثافة الدخان. السادسة: لون الكدرة في سواد، وهو لون الدخان. وقد جاء في الموسوعة العربية: ( الدخان مادة على هيئة جسيمات صلبة، وسائلة، مجزأة على نحو دقيق، ومعلقة في وسط غازي)، وهذه الحالة تشبه حالة السماء وهي دخان، حيث إنها حالة أعقبت خلق السماوات

عدد الصفحات ٨٢

83 83 والأرض، فكانتا رتقا، ففتقهما الله، وأصبحت السماء دخانا، والمواد ال كانت في الجرم (الرتق) مواد مختلفة: صلبة وسائلة وغازية، ومن ثم فكلها ستكون معلقة في الوسط الغازي. وهذه الخصائص والدلالات تبين حالة السماء عندما كانت دخانا، فقد نشأ الدخان عن اتقاد عظيم، (وهذا الاتقاد يكون قد صاحب الفتق، حيث أدى فتقهما إلى اتقاد عظيم نشأ عنه دخان، كثيف شديد، وارتفع ارتفاعا عظيما، وكان ذا سطوع بيِّن، وكانت الحرارة هائلة جدا تناسب هذه الحالة الهائلة. كذلك يتبين لنا لون السماء عندما كانت في هذه الحالة (لون الدخان: كدرة في سواد). وكان الدخان – كما بينت – بداية مرحلة التسوية، وهي مرحلة فارقة في تاريخ السماوات والأرض، مرحلة فرقت بين الخلق وإتمام الخلق ، ولذلك استخدم القرآن ال كريم قوله ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) مرتين للدلالة على بداية هذه المرحلة، ولم يستخدم ذلك في غير هذا الموطن. ثم إن المتدبر يجد أن الله يقول: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ..)، فلم يقل: ثم استوى إلى السماء والأرض وهما دخان، بالرغم من أنه وجه القول بعد ذلك إليهما معا. وهذا يشير – والله أعلم – إلى أن الأرض في تلك المرحلة كانت بحجم ضئيل جدا حتى إنها لم تذكر، وحتى إنها لا تبدو للراصدين، واليوم – كما أشرت – لم تتبين

عدد الصفحات ٨٣

84 84 الأرض لعلماء الفلك، أثناء خلقها إلا بعد مرور مليارات السنوات من البدء (كما يقدرون). كما يدل ذلك على أن الأرض قد انفتقت عن السماوات، وهذه السماء الأولية هي أم السماوات أو أصلها، فالدخان حالة خاصة بالسماء، وليس بالسماوات والأرض. وفي آية فصلت أثبت القول للسماء والأرض في هذه المرحلة (قالتا أتينا طائعين)، كما إن الله أثبت لهما فعلا صوتيا آخر وهو البكاء، ولم يثبت لهما ذلك إلا في موضع واحد في القرآن الكريم، وهو قوله (فما بكت عليهم السماء والأرض)، وهي في سورة الدخان. فلعل ذلك والله أعلم إشارة إلى ما حدث من السماء والأرض في تلك المرحلة، مرحلة الدخان، من قول خاضع وبكاء. وآية سورة الدخان تثبت البكاء ولا تنفيه، وتثبته لشيء غير مسمى، وتنفيه عن الشيء المسمى، فهو ينفي أن يكون بكاء السماء والأرض (عليهم)، وهذا يعني أن بكاءهما كان على (أو لـ ) شيء آخر، ولعل ما في سورة فصلت يفسر هذا الشيء. ومجيء آية الدخان بعد قصة فرعون، يفيد أن بكاءهما عندما فتقهما الله كان لاستعظام أن يُعصى الله عليهما، فهو ربهما العظيم، وقد أتي تا إليه طائعتين خاضعتين، فبكتا تعظيما له أن يُعصى عليهما، وإشفاقاً منه أن يعصيه بعض خلقه عليهما. والله أعلم.

عدد الصفحات ٨٤

85 85 (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها، أي: بعد الخلق والفتق، وتحول السماء إلى دخان، ناداها الله والأرضَ، فأتيتا فسواهما، فبنى السماء ورفع سمكها، ودحا الأرض ومدها.

عدد الصفحات ٨٥

86 86 المطلب الثالثالبناء الآيات الواردة، التي فيها لفظ البناء، صنفان: الأول: (آيات إخبارية)، تخبرنا عن فعل الله سبحانه وتعالى: بنى السماء، ودحا الأرض. قال تعالى: (سورة النازعات): (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (52 ) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (52 )وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (55 )وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (41 )أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (46 )وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَ ا (45 ) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (44)). وقال تعالى: (سورة الشمس : (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (2 )وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ). وقال تعالى: (سورة الذاريات): (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (32) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ). وقد جاء لفظ البناء في هذه المواطن الثلاثة فعلا: (بناها، بنيناها)، وكذلك ما تعلق بالأرض: (دحاها، طحاها، فرشناها ). وفي هذه المواطن يلاحظ الترتيب، فبناء السماء أولا، ثم دحو الأرض ثانيا، وآية النازعات صريحة في الترتيب.

عدد الصفحات ٨٦

87 87 الصنف الثاني (آيات امتنانية)، تمتن على الخلق بأن جعل الله السماء بناء والأرض فراشا، قال تعالى: (سورة البقرة): (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ). وقال تعالى: (سورة غافر): (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ). وفي هذين الموضعين، جاء الفعل (جعل)، واستخدم الاسم لا الفعل (فراشا، قرارا، بناء)، بخلاف المواطن السابقة: بناها، بنيناها، فرشناها...إلخ، فذكرهما كان في مقام الامتنان (جعل لكم)، ويدل على ذلك المعطوفات الأخرى في الآيتين، فكلها دالة على الامتنان [فر (وصوركم.. ورزقكم..)، وفي البقرة: (رزقا لكم وبالتدبر في هذه الآيات الكريمة نجد أن القرآن الكريم يقرر ما يلي: أولاً : آيات الصنف الأول واضحة الدلالة على الترتيب، فهي إخبارية، بينما آيات الصنف الثاني امتنانية لا تدل على الترتيب.

عدد الصفحات ٨٧

88 88 ثانياً : هذه الآيات كلها تتحدث عن بناء السماء الأولية، والمراحل التي تمت فيها، ولم يستخدم القرآ ن الكريم لفظ البناء إلا مع السماء الأولية، التي كانت قبل تسوية السماوات السبع؛ فبناء السماء ورفع سمكها وتسويتها، كان قبل دحو الأرض (كما في سورة النازعات)، وقد قدمت الأدلة على ذلك، عند الح ديث عن ترتيب المخلوقات، فأكتفي بذكرها. وما أقرره هنا أن البناء ورد مع السماء الأولية، ونلاحظ في الآيات السابقة كلها، اقتران دحو الأرض ببناء السماء، مما يدل على أن ذلك كان قبل تسوية السماوات. هنا إشكالية قد تبدو، وهي أن آية سورة ق: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَ ى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)، ذكر فيها لفظ البناء، مع أن الحديث عن السماء الدنيا، لا السماء الأولية، بدليل قوله (فوقهم)، وقوله (وزيناها)، وقوله (ينظروا إلى)، فكلها تبين أنها السماء الدنيا. والسؤال: لماذا ذكر لفظ (البناء) هنا مع السماء الدنيا؟ فالجواب والله أعلم أن الآية جاءت في مقام النظر والاعتبار، ولذلك تم توجيه أنظارهم إلى السماء المبنية فوقهم، المزينة، والآية ليست إخبارية، وإنما تحفيزية تحفز على التفكر، ولذلك استخدم لفظ (كيف)، فقال: (كيف بنيناها)، أي: كيف كان بناؤها، فالنظر في السماء الدنيا سيكون دليلا لهم يرشدهم إلى كيفية بناء الله للسماء الأولية، فهي الدليل عليها، ولا سبيل

عدد الصفحات ٨٨

89 89 للوصول إليها إلا بالنظر إلى السماء الدنيا. ويدل على هذا أيضا ما جاء سورة الغاشية: (( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَ يْفَ خُلِقَتْ ( 62) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 62) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ 65) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ )، فاقترن لفظ النظر بالكيفية، مع أن الرفع أولا كان للسماء الأولية. ثالثاً: لم يستخدم لفظ البناء مع الأرض قط، بل استخدم مع السماء فقط، وفي كل المواطن التي ذكر فيها السماء يستخدم لفظ (البناء)، فعلا أو اسما. وقد تعددت الألفاظ التي استخدمت مع الأرض: (دحاها، طحاها، فرشناها، فراشا، قرارا). وقد التفت الإمام الرازي لهذا، فقال في تفسيره عند قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْ دٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (32 )وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ): ( كرر ذكر البناء في السموات، فما الحكمة فيه؟ نقول فيه وجوه، أحدها: أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي كالفرش الذي يبسط ويطوى وينقل، والسماء كالبناء المبني الثابت، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (سبعا شدادا )، وأما الأراضي فكم من ها ما صار بحرا وعاد أرضا من وقت حدوثها. ثانيها: أن السماء ترى كالقبة المبنية فوق الرؤوس، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء بالمرفوع أليق، كما قال تعا لى: (رفع سمكها ).

عدد الصفحات ٨٩

91 91 ثالثها: قال بعض الحكماء: السماء مسكن الأرواح والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناء والله أعلم). والأولى أن نبحث عن الفرق من حيث التسوية، التي أعقبت الخلق، فالله سبحانه وتعالى يبين أنه بنى السماء، فالسماء بناء محكم، له خصائص البناء، أما الأرض فهي ليست بناء، بل فراش، لها خصائص الفراش. وسأبين ذلك. رابعاً: الأفعال التي تمت في هذه المرحلة، كما تبينه لنا آيات النازعات، هي: بناء السماء، ورفع سمكها، وتسويتها، وإغطاش ليلها، وإخراج ضحاها. والأرض بعد ذلك: دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبا ل أرساها

عدد الصفحات ٩٠

90 90 الفرع الأولبناء السماء: حديث القرآن الكريم عن بناء السماء يبين مجموعة من الأمور: إذا نظرنا إلى عناصر عملية بناء الإنسان فهي ثلاثة: الوظيفة، والهيئة، ومراحل البناء. الوظيفة: كما تسمى عنصر الخدمة؛ فالمبنى يصمم لغرض معين، وو ظيفة المبنى هي أول عنصر يحدد تصميم المبنى، وبناءه بعد ذلك، والعناصر اللازم توفرها فيه لتحقيق ذلك الغرض، وتلبية حاجة مستخدميه، فبناء مسكن غير بناء مستشفى، غير بناء جراج... الخ. فوظيفة المبنى تحدد توزيع الاتجاهات والغرف والإضاءات والتهوية والحركة وغيرها. وفي القرآن أكثر من عشرة مواضع تحدد المنحى الوظيفي للسماوات والأرض، فالله لم يخلقهما باطلا، بل خلقهما بالحق، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )، وقال: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( 42) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَق )... فالله خلق السماء بالحق، لحكمة بينها في كتابه.

عدد الصفحات ٩١

92 92 ومن تلك الحكمة أن السماوات والأرض جعلهن الله مسكنا للأحياء الذين خلقهم، في الحياة الدنيا، ثم يطويهن الله (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ )، ( وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ). فهيأها الله لتكون مسكنا صالحا للساكنين، وأنشطتهم المختلفة. الهيئة: أي هيئة المبنى، فالمصمم يحدد هيئة المبنى: شكله، وحجمه، والمواد المستخدمة فيه، ونسبها ومقاديرها، ومدى تحقق الأمان فيه، ومدى ملاءمته مع البيئة، وفق عوامل كثيرة، منها وظيفته، ومنها عوامل بيئية، وعوامل سكنية واجتماعية وثقافية... الخ. وعليه يأخذ المبنى شكله وحجمه مسبقا، وما يتم بعد ذلك إنما هو تنفيذ البناء. فالتصميم هو أهم أعمال البناء. وقد حدد القرآن الكريم هيئة السماء – كما نفهمه ، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )، والفَلَك الشيء المستدير الكروي، قال الطبري: ( وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مج اهد كحديدة الرحى، وكما ذُكر عن الحسن كطاحونة الرحى، وجائز أن يكون موجا مكفوفا، وأن يكون قطب السماء، وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر )، وقال القرطبي: (وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل، لاستدارتها. ومنه قيل: فلك

عدد الصفحات ٩٢

93 93 ثدي المرأة تفليكا، وتفلك است دار. وفي حديث ابن مسعود: تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم). وقال ابن تيمية: ( والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن لفظ " الفَ لَك " يدل على الاستدارة، ومنه قوله تعالى "وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "، قال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل. ومنه قولهم: تَ فَلّك ثدي الجارية إذا استدار). وهناك آيات أخرى تبين هذا، كما أشرت إليه. وأما الحجم، فمن ذا الذي يعلمه من البشر، وكل ما علمه البشر مما قدروه بملايين السنين الضوئية ليس إلا جزءا من السماء الدنيا. وقد قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، فهو حجم غير ثابت، بل في توسع مستمر، وسأتحدث عن هذا لاحقا. والناس لا يمكنهم توسعة شيء مبني إلا بهدم أجزاء منه. أما السماء فهي بناء يتوسع باستمرار، دون الحاجة إلى هدم أو نقض. وأما المواد المستخدمة في بناء السماء، فليس في القرآن الكريم - والله أعلم – بيان لهذه المواد. ومقتضى بنائها أنها مبنية من مواد معينة، عرفنا بعضا وما زلنا نجهل كثيرا منها، وما عرفه الإنسان منها يظهر منتهى الدقة وروعة التوازن وجمال الوحدة في بناء لبنات هذه السماء من الذرة إلى المج رة، وحدة في مواد البناء وأنظمته وسننه، تحكمه بإحكام وإتقان، وانتظام.

عدد الصفحات ٩٣

94 94 مراحل البناء: تمر مراحل البناء، بالنسبة للإنسان، بثلاث مراحل، المرحلة الأولى: دراسة جدوى المشروع، والمرحلة الثانية: إعداد المخططات والرسومات، والمرحلة الثالثة: تنفيذ المشروع. ففي المرح لة الأولى، يتم دراسة جدوى المشروع، ودراسة الظروف البيئية والاجتماعية والثقافية، ومعرفة مدى ملائمة البناء في المنطقة، ومناسبة التكلفة... الخ. وهذه المرحلة يقوم بها الإنسان؛ لينتقل من جهل بالشيء إلى علم به، ومن ثم يصدر حكمه عن جدوى المشروع. أما الله سبحانه وتعالى فله العلم المطلق، وله الخبرة الكاملة، وله الحكمة المثلى، هو الذي يخلق الظروف وينشئها، سبحانه وتعالى. وأما المرحلة الثانية، فهي مرحلة التخطيط، حيث يتم إعداد المخططات والرسومات الأولية والنهائية، ويشترك في ذلك المهندس المعماري والمدني وغيرهما، بحيث يت م ضمان اشتمالها على كافة عناصر البناء: الوظيفة والخدمة (توزيع الاتجاهات والغرف والفضاءات والتهوية والحركة وغيرها)، والجمال (الألوان والمواد والتكسيات والواجهات وشكل البناء وغيرها)، والأمان والاقتصاد (وذلك بحساب كميات المواد اللازمة

عدد الصفحات ٩٤

95 95 لإقامة هيكل البناء الإنش ائي من حديد وخرسانة وغيرها، بحيث يضمن تحقيق عنصري الأمان والاقتصاد). وبناء السماء، يبين الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق السماء والأرض إلا بالحق، كما تبين آيات القرآن الكريم أن السماء بنيت بدقة وإتقان وإحكام، لا مثيل له، وقد جعلها الله آمنة للساكنين، وهيأ لهم فيها كل ما يحتاجون إليه. واليوم يبين علماء الفلك الحسابات المتناهية الدقة في هذا البناء، والتوازن الدقيق في نسب المواد والطاقات والقوى ووظائفها، وترابطها الوثيق بعضها ببعض... ثم المرحلة الثالثة: التنفيذ، ويمكن توزيعها على الخطوات التالية، وهي: (أعمال ما قبل البناء)، و(التأسيس والرفع)، و(التركيب)، و(التسوية)، و(التشغيل والصيانة). فأعمال ما قبل البناء: تشمل استكشاف التربة، ودراستها، ومعرفة مدى متانتها وتوازنها وثباتها واستقرارها، وتجهيز المكان. وأعمال التأسيس والرفع: التأسيس إشارة إلى الجزء القاعدي من البناء، والرفع إشارة إلى الجزء العلوي منه، وتشمل: الحفر، وبناء القواعد، ثم رفع البناء العلوي من أعمدة وجدران وأسقف.

عدد الصفحات ٩٥

96 96 والتركيب يشمل تمديدات الخدمة، كتغذية المبنى بالماء، وتمديد خطوط الكهرباء، ومد أنابيب الغاز والماء والصرف الصحي، والعزل، وتزويد المبنى بنظام التدفئة، فالتركيب بمثابة تزويد البناء بالأعصاب. والتسوية، وتشمل التكسية المعمارية (وتمثل كساء العظم بالجلد)، كما تشمل إعداد الوجه الظاهر في داخل المبنى، من طلاء، وديكور، وتلميع، وصقل الأرضيات، وأعمال الزخرفة، والتزيين، والتشجير، وغيرها. وأخيرا تشغيل المبنى، والصيانة الدورية للمبنى، والمحافظة عليه. هذه باختصار أهم خطوات تنفيذ البناء، مع وجود كثير من التفصيلات في كل خطوة. وسنتدبر حديث القرآن الكريم عن بناء السماء، في ضوء هذه العناصر. بالنسبة لما قبل البناء، فإن الله سبحانه وتعالى بين أنه الذي خلق السماوات والأ رض، فكانتا رتقا، أي: متضامتين ملتصقتين. ثم لما أذن فتقهما، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، وبناها. فالله هو خالق المكان، وهو خالق كل شيء، وهو الذي خلق كل شيء مهيأ لما سيكون عليه، خلق كل شيء فقدره تقديرا.

عدد الصفحات ٩٦