65 65 الأيام الستة، والبشر لا يعلمون عنها (بعلومهم الفلكية) شيئا. والصحيح أن نقول أنها أيام ستة استغرقت خلق السماء وبنائها، والأرض وبسطها، وتسوية السماوات السبع، ولا نعلم عن طبيعتها شيئا، ولا يصح أن نقول أنها تعادل ستة آلاف سنة أرضية، فهذا قول بلا علم.
عدد الصفحات ٦٥66 66 المطلب الرابعترتيب الخلق أولاً: آيات ترتيب الخلق: جاء الحديث عن ترتيب الخلق في موضعين، وهي: الموضع الأول في سورة فصلت، قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (5 )وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (61 )ثُم اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (66 )فَقَضَاهُن سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (65).) والموضع الثاني في سورة البقرة، في قوله تعاهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (55).)
عدد الصفحات ٦٦67 67 ثانياً دلالة الاستواء: وفي كلا الموضعين قال (ثم استوى إلى السماء). وقد فسر المفسرون ذلك بالقصد والإقبال، وقال الراغب: بتدبيره، أي: أقبل إلى السماء بتدبيره. غير أن دلالة الاستواء عموما (كما بينت ذلك في بحث: سوى في القرآن الكريم) هي الانتقال إلى حالة لاحقة مثالٍ من حالة سابقة مباينة. والمجيء بـ(إلى)، يحدد مدى الانتقال وقصده، تقول العرب: كان زيد مقبلا على زينب، ثم استوى إليّ فشتمني، أي: انتقل إقباله من زينب إلي، كما يدل على أ ن إقباله على زينب يختلف عن إقباله علي، فحين أقبل علي شتمني، وهذا يدل على أنه كان ودودا مع زينب. فاستخدام الاستواء دل على التباين والانتقال، والمجيء بـ(إلى) دل على الانتهاء، أي انتهى بإقباله علي، ولم يقبل على أحد بعدي. فثمة أربع دلالات في استخدام (استوى إلى )، الأولى: وجود شيئين (حالتين، مرحلتين...)، بينهما تباين، والانتقال من أحدهما إلى الآخر، والانتهاء إليه. وعليه فقوله (استوى إلى السماء)، يقتضي أن ثمة حالتين للفاعل، وأن الحالتين مختلفتان، وأن ما قبل الاستواء كانت حالة، وما بعده حالة أخرى، وأنه بالاستواء إلى السماء: انتهى بإقباله إليها.
عدد الصفحات ٦٧68 68 فما الحالتان المختلفتان؟ تطرد آيات القرآن الكريم في بيان أن الخلق مرحلة والتسوية مرحلة أخرى، (راجع بحثي: سوى في القرآن الكريم )، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى )، وهذا حديث عام عن سنتي: الخلق والتسوية، وقال تعالى (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) يتحدث عن مرحلة التسوية في الإنسان بعد الخلق... وقد اطردت آيات القرآن الكريم ببيان أن الله (خلق السماوات والأرض)، فالخلق هو البدء، وفي سورة الأنبياء : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا )، فهي تبين أن السماوات والأرض التي خلقها الله كانتا رتقا، خلقهما الله فكانتا رتقا. فهذه هي المرحلة الأولى، خلق الله فيها السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، وهما لا زالتا في مرحلة الرتق. والذي تم في المرحلة الثانية (التسوية)، أي: إتمام الخلق وفق ما قدر له أن يكون. وقد بدأت المرحلة الثانية بتحول السماء إلى دخان، وهو قوله (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)، ثم سوى السماء ودحا الأرض، وسوى السماوات السبع. ومن ثم فالفعل الإلهي في المرحلة الأولى هو الخلق، والفعل الإلهي في المرحلة الثانية التي بدأت باستوائه إلى السماء بأمره هو التقدير
عدد الصفحات ٦٨69 69 والتسوية. فخلق السماوات والأرض، وكانتا رتقا،ففتقهما، ثم استوى إلى السماء، وسوى ما خلق سبحانه.
عدد الصفحات ٦٩71 71 ثالثاً الخلق قبل الفتق: والدليل على أن الخلق كان قبل الفتق ما يلي: قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا )، فهما كانتا مخلوقتين، وما زالتا رتقا، والرتق لا يكون إلا لشيئين موجودين وكل منهما له خصائصه المستقلة عن الآخر، ولا يمكن تصور هذا إلا بتصور أنهما قد خلقتا من قبل، وخلق ما فيهما، وهما لا زالتا رتقا. ونحن لا نستبعد أن يكون الخلق كله تم في مرحلة الرتق؛ إذ قد يكون خلق الأرض وخلق ما فيها، وهي لا زالت في حجم ضئيل، داخل رحم السماء، كما يتخلق الجنين داخل رحم أمه، ثم ينمو قبل أن يخرج من بطن أمه، وكما تتخلق البذرة وهي في رحم الأرض قبل أن تنبت، وكذلك الأرض تخلقت وتخلق ما فيها وهي لا زالت في رحم السماء، وتخلقت السماء قبل بنائها وإيساعها وتسويتها. ومما يدل على ذلك أن القرآن الكريم يتحدث في سورة فصلت عن خلق الأرض وخلق ما فيها، قبل أن يستوي إلى السماء وهي دخان، حيث استخدم (ثم) الدالة على الترتيب والتراخي ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (5 )وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً
عدد الصفحات ٧٠70 70 لِلسَّا ئِلِينَ (61 )ثُم اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ )، فخلق الأرض وخلق ما فيها قبل الاستواء إلى السماء وهي دخان. وفي البقرة أيضا: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ )، فالدلالة واضحة على أن خلق ما في الأرض جميعا كان قبل الاستواء إلى السماء. وآية البقرة (خلق لكم ما في الأرض جميعا) تبين آية فصلت (وجعل فيها رواسي من فوقها)، فـ(جعل) هنا أ قرب لمعنى (خلق)، وهذا يختلف عما تم بعد دحو الأرض، كما في سورة النازعات. وسأفصل في دراستي عن الأرض ما تم في الارض في مرحلة الخلق وما تم في مرحلة التسوية. ولذلك نجد القرآن الكريم في الموطنين حين تحدث عن مراحل الخلق، لم يقل (خلق السماوات)، بل قال (فسواهن)، (ف قضاهن)، فالخلق الذي هو الإنشاء الأول كان للسماوات والأرض، وأنشأ فيهما كل شيء، ثم بعد ذلك قصد بأمره إلى السماء وهي دخان، فأخذ ذلك الخلق مداه، فبنى السماء وسواها، ومد الأرض ودحاها... الخ. ومما يدل على ذلك قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَا وَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا )، فهو لم يقل: السماء والأرض، والقرآن بين لنا أن السماوات بعد السماء، ولكنه ذكرها بالجمع، فدل هذا على أن السماوات كانت في رحم السماء الدخانية، مثلها مثل الأرض، فكلاهما
عدد الصفحات ٧١72 72 كانتا في مرحلة الرتق، حتى أذن الله ففتق السماوات (وهن ما زلن في رحم السماء) عن الأرض، وبعد تسوية السماء، سوى السماوات السبع.
عدد الصفحات ٧٢73 73 المطلب الخامسحديث القرآن عن خلق السماوات والأرض: بتتبع حديث القرآن عن خلق السماوات والأرض، تبين أنه يتحدث عنها في مقامات: الامتنان والإنعام، وبيان القدرة والعظمة والاستدلال على الألوهية أو الربوبية، وبيان أن خلْقها كان بالحق. وكذلك في بيان أيام الخلق، وكلها جاءت مجملة، سوى آيتي [ حيث فصل فيهما ذلك. وفي حديثه المفصل عن المراحل (فصلت والبقرة) بين أن مرحلة الخلق أولا ثم التسوية بعد ذلك. ولذلك تجد القرآن الكريم حين يتحدث عن السماء بعد ذلك لا يستخدم لفظ (الخلق)، بل: البناء والتسوية والرفع، وجعل فيها بروجا، وجعل النجوم للهداية، وكذلك الأرض: دحاها ومدها، وألقى فيها الرواسي، وجعلها سبلا... الخ، فلفظ (جعل) يغلب مجيؤه في المرحلة الثانية، مع الألفاظ الأخرى الدالة، ويأتي لفظ (خلق) للدلالة على مطلق الخلق. ولذلك لا تجد في القرآن: خلق الله الجبال أو الرواسي، أو الأنهار، أو الأشجار، أو النجوم، أو الظلمات والنور... بل تقترن بألفاظ أخرى، غالبا (جعل)، وغيرها، نحو: ألقى، أنشأ... الخ. ولم يرد من ذلك إلا: (الليل والنهار والشم س والقمر) في قوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )، وفي قوله: ( لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ )،
عدد الصفحات ٧٣74 74 وقولههُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَ اءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ). أما الآية الأولى فقد جاءت في الأنبياء بعد الحديث عن فتق السماوات والأرض. والآية الثانية لبيان أن السجود لا يكون إلا لمن خَلَق لا لمن خُلق، والثالثة لبيان أن خلق كل شيء كان بالحق. وورد من ذلك أيضا (الأنعام) فقط من سائر ما على الأرض، والإنسان، والقرآن الكريم ير بط بينهما كثيرا، والجان أيضا.
عدد الصفحات ٧٤75 75 المبحث الرابعالمرحلة الثانية: التسوية قال ت عالى: ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 52) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ( 52) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا 55) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ). قال الراغب الأصفهاني: (الاستواء هو اعتدال الشيء في ذاته، كقوله: "فاستوى على سوقه"، وتسوية الشيء جعله سواء في الرفعة أو الضعة). وجاء في تفسير ابن عطية: (وقوله تعالى: فَسَوَّاها ، يحتمل أن يريد جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض، ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ولا يقصد معنى إملاس سطحها). فأهل التفسير نظ روا إلى معنى: كمال الإتقان والإحسان ، فكمال الإتقان في البناء، يعني أنه بناء محكم، لا شقوق فيه ولا فروج ولا صدوع، وكمال الحسن في البناء، يقتضي ألا اعوجاج فيه ولا نتوء ولا انكسار. بل فهم بعضهم منه كروية السماء، فنقل الرازي عن بعضهم قوله: (قوله "فسواها" يدل ع لى كون السماء كرة، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحا، والبعض زاوية، والبعض خطا، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا، والبعض أبعد، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة )؛ وذلك أن الحسن في
عدد الصفحات ٧٥76 76 البناء المرفوع ينصرف بالذهن إلى الشكل الكروي، فلا يكون البناء خاليا من أي اعوجاج أو نتوء أو انكسار إلا إذا كان كرويا. *** إلا أن التحقيق أن تسوية السماء، كما بينته في بحثي: (سوى في القرآن الكريم)، يمثل المرحلة الثانية للخلق. فتسوية السماء: إتمام خلقها وفقا لما قُدّر لها أن تكون، بحيث تأخذ خصائصها التي تميزها عن غيرها . وتسوية السماء هي المرحلة الثانية للخلق، حيث خلق الله السماوات والأرض فكانتا رتقا، ففتقهما الله، وعندئذ استوى إلى السماء وهي دخان، فسواها، حيث أتم خلقها، وفي هذه المرحلة تميزت عن الأرض، وأخذت خصائصها، فبناها، ورفع سمكها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها... الخ. وهي خصائص مميزة لها عن غيرها، وتجد الأفعال المستخدمة معها مختلفة عن تلك المستخدمة مع الأرض (دحاها، طحاها، فرشها...). وبعد اكتمال مرحلة تسوية السماء بدأ دحو الأرض (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ). فهي تسوية خاصة بالأرض. ثم تسوية السماوات السبع.
عدد الصفحات ٧٦77 77 المطلب الأولخلاصة مرحلة التسوية تحدث القرآن الكريم عن السماء الأولية، حين استوى إليها، وحين كانت دخانا، وحين تكلمت، وحين بكت. وتحدث عن بنائها ورفع سمكها. وقد جاء الحديث عن (السماء الأولية) في 63 موضعا عن بداية الخلق وهي الواردة في السور التالية: البقرة: 55، وغافر 13، والنازعات: 52، والشمس2، وق1، والذاريات2، و32. وثلاثة مواضع هي البقرة: 55، وفصلت66، والدخان55. وموضعان: الحج12، والروم52. ويشمل الحديث عنها: 6. (الدخان): كانت السماء دخانا 5. (البناءبنى الله السماء، ورفع سمكها، فسواها، وأوسعها، وأغطش ليلها وأخرج وضحاها، ووضع الميزان. ثم بعد ذلك دحا الأرض، ثم بعد ذلك سوى السماوات السبع. فخلاصة ما تم في مرحلتي الخلق والتسوية، كما يلي: أولا: مرحلة الخلق والرتق (أربعة أيام): 6) خلق الله السماوات والأرض في يومين [
عدد الصفحات ٧٧78 78 5) خلق الله ما في الأرض في يوم قبل أن يستوى إلى السماء، وذلك قوله: (خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء). 4) الفتق، فتقهما الله: (كانتا رتقا ففتقناهما ثانيا: مرحلة التسوية وما بعدها (يومان): 4تح )ولت السماء إلى دخان (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)، 3) رفع السماء وسواها، وأتم خلقها، ودحا الأرض وقدر أقواتهاوهو المراد بقوله (فقال لها وللأرض ائتيا..)، فأتيا بعد الفتق فسواهما. وسوى السماوات السبع – كل ذلك في يومين. بدليل آية فصلت (ثم استوى إلى السماء وهي دخان... في يومين)، فمن حين أن استوى إلى السماء وهي دخان إلى أن خلق السماوات السبع كان في يومين. ومن ثم فما توصلت إليه اكتشافات علماء "الفلك" إنما هو لما حدث في جزء من اليومين الأخيرين بعد أن تحولت السماء إلى دخان، ورفع الله السماء وسواها، وقدر أقوات الأرض. ثم في جزء من اليومين سوى الله السماوات السبع، وهذه في غير مدرك البشر.
عدد الصفحات ٧٨79 79 فالذي يبدو- لي، والله أعلم بمراده -من هذه الآيات أن الله خلق السماوات والأرض في يومين. ثم خلق ما في الأرض جميعا من عناصر تجعلها مهيئة للحياة ولسكن الإنسان في يومين. ثم فتق السماوات والأرض وسواهما، وسوى السماءَ سبع سماوات في يومين. (اليومان الأخيران): وإذا تساءلنا ما الذي حدث في اليومين الأخيرين، فالجواب يتبين لنا في سورة النازعات قال تعالى: ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (52 )رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (52 )وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (55 )وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (41 )أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (46 )وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (45 )مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ )، فالحديث هنا عن بناء السماء وتسويتها، ودحو الأرض، وليس عن الخلق، وهذا تم بعد أن استوى إلى السماء وهي دخان. فالآية تبين أن بناء السماء ورفعها كان قبل دحو الأرض وبسطها. فبنى الله السماء ورفعها وسواها ثم بعد ذلك دحا الأرض وأرسى جبالها، ثم بعد ذلك - كما في سورة فصلت - سوى السماوات السبع، وكل ذلك في يومين، قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (66 )فَقَضَاهُن سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَ ا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )، فهذا كله تم في يومين.
عدد الصفحات ٧٩81 81 راجع المدخل (تسوية السماوات السبع) لبيان الأدلة أن تسوية السماوات السبع كان بعد تسوية السماء والأرض. قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَ هَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 66))، وقال تعا(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ). تقدم الحديث عن قوله (ثم استوى إلى السماء)، في: ترتيب الخلق.
عدد الصفحات ٨٠