المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٤ من ١٦

49 49 المراحل في سورتي البقرة وفصلت استخدم لفظ (فسواهن)، (فقضاهن)، ولم يقل: فخلقهن؛ إذ هما قد خلقتا من قبل. وهذا دليل قوي يؤكد ما ذهبت إليه من أن خلق السماوات والأرض تم في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الخلق. وسأبين لاحقا أن الله خلق ما في السماوات والأرض في مرحلة الرتق، قبل أن يفتقهما، كما تدل على ذلك الآي ات، وكما يدل عليه استخدام القرآن الكريم لألفاظ: خلق، وجعل، وسوى... مع السماء والأرض. ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما فيهما كان في مرحلة الرتق، هو دلالة الرتق، كما سأبينه بعد قليل، فهو التئام بين شيئين، بمعنى أن كل شيء منهما له وجود مستقل عن الآخر. فمرحلة الرتق تم فيها الخلق كله، ثم في مرحلة التسوية كان إتمام الخلق، بعد الفتق. والخلاصة أن الله خلق السماوات والأرض فكانتا رتقا.

عدد الصفحات ٤٩

51 51 ثانياً فطر السماوات والأرض: قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، وقال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْ هِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ). لم يأت (فطر) في القرآن الكريم مقترنا إلا بالسماوات والأرض (فاطر السماوات والأرض، فطر السماوات والأرض)، أو بالإنسان (فطرني، فطرنا، فطركم). وقد جاء (فاطر السماوات والأرض): 1 مرات، ولم يقترن (فاطر) بغيرها، والفعل (فطر): 2 مرات، (مرتان: مع السماوات والأرض)،3 مع الإنسان متحدثا عن نفسه: فطرني، فطرنا)، (ومرة مع الإنسان يخاطبه الله: فطركم). وجاء الفعل (فطر على) مقترنا بالناس: ( فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ). والفَطْر، كما قررتُه في بح ث الخلق، هو: (البَدْء في خلق الشيء ، مزودا بنظام قابلية الفطرة ). أما الخلق، فهو: (الإنشاء الأول للشيء، في طَورٍ ما). وهناك شرحت دلالة التعريف. فـ(الفَطْر) يطلق على البدء في خلق الشيء، بخلاف الخلق، فهو يطلق على الخلق الجديد للشيء في كل طور من أطواره، كما بينته في بحثي: الخلق. فمعنى: فطر السماوات والأرض، أي: بدأ في خلقهن أول مرة، قال تعالى: ( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )، أي بدأ خلقكم أول مرة. وعليه يأتي بيان المراحل والأطوار مع (الخلق)، ولذلك

عدد الصفحات ٥٠

50 50 تجد القرآن الكريم يتحدث ع ن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يصح أن أقول: فطر الله السماوات والأرض في ستة أيام، بل: فطر الله السماوات والأرض، فهو ينصرف إلى بدء خلقها أول مرة. كما أن الفطر يرتبط بالفطرة، وقد شرحت في بحث: الخلق ، العلاقة بين الفَ طْر والفطرة، وأن الفَ طْر هو خلق الشيء مزودا بنظام قابلية الفطرة، وهذه هي المرحلة الأولى. فالسماوات والأرض والإنسان كلها فطرها الله، أي خلق نظام قابلية الفطرة فيها. فليس كل مخلوق مفطور، فالفطر شيء أخص من الخلق. وما فطره الله من خلقه هو السماوات والأرض والجبال والإنسان، ولم ينص على الجبال، إ لا أن عرض الأمانة عليه يبين ذلك. والمرحلة الثانية هي عرض الأمانة على تلك المفطورات، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَ انَ ظَلُومًا جَهُولًا ). فهذه المخلوقات هي المخلوقات التي (فطرها) الله. والأمانة لن تعرض إلا على مخلوق لديه القابلية لأخذها أو تركها، أو بعبارة أخرى: لديه القابلية للاختيار، إن شاء أخذ وإن شاء ترك. ثم كانت المرحلة الثالثة، وهي مرحلة إنشاء الفطرة في الإنسا ن حين قبل الأمانة، قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي

عدد الصفحات ٥١

52 52 فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ). فلما حمل الإنسان الأمانة تحول "نظام قابلية الفطرة" إلى "نظام الفِطرة"، ففطر الله الناس على هذه الفِطرة. وأص بحت "فطرة الله" خاصة بالإنسان، فلم يفطر شيئا من خلقه عليها سوى الإنسان. ثم سوى الله السماوات والأرض وما فيهما، وما بينهما، لتكون مسخرة للإنسان الذي حمل الأمانة، وزوده الله بنظام الفطرة. فكل شيء هيئ ليكون صالحا لمعاش الإنسان. ولو أن السماوات والأرض اختارتا الأمانة لما كان نظام الخلق على هذه الحال، ولكان على حال يناسب من يستخلفه الله فيهن. قال تعالى: ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (11 )عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ).

عدد الصفحات ٥٢

53 53 ثالثاً أصل السماوات والأرض: في بحثي: الخلق ، بين ت أن القرآن الكريم يستخدم تركيبين في حديثه عن الخلق، الأول: خَ لَقَ الشيءَ، والثاني: خَ لَقَ شيئا من شيء، كخلق الإنسان من طين، وخلق الجان من نار، وخلق كل دابة من ماء. فهذه لها أصول سابقة منها خلقت، ومن ثم فالماء والتراب والنار أصول سابقة، فمم خلقت السماوات والأرض؟ بينت في بحثي عن الخلق والتسوية أنه لم يرد في القرآن الكريم دليل يبين لنا: هل خلقت السماوات والأرض من شيء أو من غير شيء؟ لا نستطيع القول بأن دلالة (خلق) تستلزم الخلق من شيء، فهذا لم يطرد في القرآن الكريم، وقد ورد خلق السماوات والأرض في 41 موضعا، لم يقترن قطّ بـ(من)، كما اقترن مع خلق الإنسان وغيره. وقصارى القول أن لفظ (خَ لَق) يدل غالبا على أن الشيء خلق من شيء آخر. ومن ثم فالسماوات والأرض قد يكونان خُ لقا من شيء آخر، وقد لا يكونان كذلك. وليس في القرآن الكريم دلالة على أحدهما. وهناك أقاويل شتى في الشيء الذي خلقت منه السماء، فقال بعضهم من الماء، وقال بعضهم: من دخان الماء. ولا دليل على هذه الأقوال.

عدد الصفحات ٥٣

54 54 ومن الخطأ القول بأنهما خلقتا من الرتق، فالرتق حالة اتصال تقابلها الفتق وهي حالة انفصال، وليس مادة، كالتراب، وهو توهم، فالقرآن قال (كانتا رتقا) ولم يقل خلقتا من الرتق. فالله خلقهما فكانتا رتقا، حتى فتقهما. وراجع كتابي (من أفعال الخلق – دراسة معجمية وموضوعية)، وما ورد في الحديث عن الماء والتراب.

عدد الصفحات ٥٤

55 55 المطلب الثانيكانتا رتقا ففتقناهما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَ تَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ). ذكر القرآن الكريم لفظ (السماوات) في بداية الخلق ونهايته مرتين، مرة في بداية الخلق وهو قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ). ومرة في نهاية الخلق، قال تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ .) التي في نهاية الخلق لاحقا كما أشرت إليه. فأما التي في بداية الخلق فإنه يتحدث عن السماوات المخلوقة، والتي كانت في رحم السماء الأولية، قبل أن يسويها الله سبع سماوات. وهذه الآية تعادل الآية التي تحدثت عن نهاية السماوات، حيث تطوى فتعود سماء واحدة. وتبين الآية أن الله خلق السماوات والأرض فكانتا رتقا، فما الرتق؟ ثم فتقهما، فما الفتق؟

عدد الصفحات ٥٥

56 56 تحدثت في كتابي: (من أفعال الخلق دراسة معجمية موضوعية عن دلالة الفتق والرتق. وسأكتفي هنا بخلاصة ما ذكرته هناك. أولاً: الرتق الدلالة الدقيقة للفظ (الرتق)، تبين أنهما كانتا: ملتصقتين التصاقا تاما، قال ابن كثير: بعضه متراكم فوق بعض، وقال البقاعي: زبدة واحدة. وعليه فالرتق هو حالة وليس مادة، كما توهم بعض المعاصرين، وقالوا بأن السماوات والأرض خلقتا من كتلة الرتق، والله لم يقل ذلك، بل قال: (كانتا رتقا ففتقناهما)، أي كانتا في حالة الرتق، وهي الالتئام الشديد، فففتقهما الله: فصلهما. فقابل بين الحالتين: الرتق والفتق. وأما خلق السماوات والأرض فلم يذكر لنا القرآن مم خلقتا، وهل خلقتا من شيء أو من غير شيء. وما أقوله هنا أن الله خلق السماوات والأرض كلها فكانتا رتقا، ثم فتقهما الله. وهذا يعني أن السماوات والأرض كانتا معا في ج رم واحد، ملتصقتين، متصلتين، ولم تحدد الآية حجم الجرم، وإنما حددت طبيعته (رتقا)، غير أن ذكر لفظ (السماوات) يفيد ضآلة حجم الجرم إلى حد لا يمكن تصوره، فالسماوات كانت في رحم السماء الأولية (لم تسوّ بعد)، وهذا يعني أن المدى الذي تسوت إليه السماء الأولية فأصبحت سبع سماوات هو

عدد الصفحات ٥٦

57 57 مدى هائل، كما أن الحجم الذي كانت فيه السماء الأولية والأرض ضئيل جدا، ذلك الحجم هو الذي أصبح السموات والأرض، وضآلة ما كان عليه إلى ما أصبح عليه كضآلة السماء بالنسبة للسماوات. ولعل هذا يكشف عن سر ذكر لفظ (السماوات) بصيغة الجمع. ويؤيد هذا قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، فثمة إيساع، وإيساع الشيء يدل على أن جرمه كان أصغر وأضيق، فهو يتوسع رويدا رويدا. كما يدل مفهوم الرتق، على أن الشيء كان بحالة لا يستفاد منها، فالرتقاء هي التي لا يستطيع الذكر وطأها؛ لانضمام فر جها. وهذا ما فهمه أهل التفسير حين قالوا أن السماء كانت رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت. وهو فهم صحيح، غير أن دلالته لا تقتصر على هذا، بل دلالته أن السماوات والأرض في حالة الرتق لم تكن مهيئة لحياة الكائنات عليها، وما خلقت الكائنات الحية إلا بعد الفتق، ولعل هذا ما يفسر قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، فذكر الح ياة بعد الفتق.

عدد الصفحات ٥٧

58 58 ثانياً الفتق من النصوص اللغوية يتبين أن (فتق) يتميز بثلاث دلالات تبين ثلاثة أمور: الأول: طبيعة الشيء المفتوق، والثاني: طبيعة الفتق نفسه، والثالث: بم يكون الفتق؟ أ: الشيء المفتوق الشيء المفتوق قد يكون شيئا واحدا، وقد يكونان شيئين التحما فأصبحا في حكم الشيء الواحد. خلافا لما ذكره العسكري من أن الفتق لا يكون إلا بين شيئين، فالنصوص التي في المعاجم اللغوية، تبين أن الفتق يكون للشيء الواحد أو للشيئين، بل إن الشيء الواحد هو الأصل في إيقاع الفتق عليه، ويحمل عليه الشيئان إذا اتصلا واستويا وأصبحا في حكم الشيء الواحد. ثم إن الشيء المفتوق، يكون في إحدى حالتين، أو فيهما معا: (6) الحالة الأولى: أن يكون شديد الالتئام، إذا كانا شيئين، فيكون التئامهما شديدا كما لو كانا شيئا واحدا، والشيء الواحد يكون متصلا مستويا، كالثوب. وقد يكون التئامه أشبه بالنسيج (الليف)، والشق الذي يكون فتقا، يشبه حالة تشقق النسيج، ولذ لك سمت العرب: الليف بالفِتاق،

عدد الصفحات ٥٨

59 59 حيث يتشقق تدريجيا، ويتسع الشق اتساعا كبيرا. فيكون الف تق تشقيقا له، كما تشقق النسيج. (5) الحالة الثانية: أن يكون شديد الامتلاء، فالفتق لا يكون إلا إثر امتلاء مفرط، فالشيء إذا امتلأ حتى بلغ غاية الامتلاء، ثم بدأ يتشقق، فهذا هو الفتق. كفتق المثانة بعد امتلائها، أو فتق الجمل بعد سمنته، أو فتق العجين بعد انتفاخه. ب: طبيعة الفتق: أما الفتق فهو: شق متدرج، يبدأ بإحداث فرجة ضيقة، تتسع شيئا فشيئا، حتى تصبح شديدة الاتساع. وعليه فبداية الفتق يكون بالتشقق، وهو لا يكون إلا عن حالة الامتلاء الش ديد، فيبدأ يتشقق شيئا فشيئا، فهو ليس فصلا يتم مرة واحدة، بل هو انشقاق تدريجي يتم شيئا فشيئا. وكما ينفتق الفجر من الليل، فهو لا يظهر فجأة، بل يبدو تدريجيا، فيتسع ضوء الفجر، وتضيق الظلمة، شيئا فشيئا، حتى يصبح الفتق واسعا شديد الاتساع. ثم حين يأخذ الفتق مداه، فإنه يصبح واسعا شديد الاتساع، وتتصدع بنيته الأساسية، حتى تختفي المعالم الأولى للشيء المفتوق.

عدد الصفحات ٥٩

61 61 كما أن الفتق يختص بحالة نقض عرى الشيء الملتئم، فهو ليس مجرد تفريق عشوائي، بل عادة ما يكون نقضا لما تم حبكه، أو فتقا لما تم رتقه، وهذا يشبه تشقيق النسيج، أو نقض خياطة الثوب. ج: بم يكون الفتق؟ ورد فعل الفتق في اللغة العربية، على وجهين: (فتق، وفتق بـ)، الأول نحو: فتقت الثوب، والثاني: نحو فتقت المسك با لعنبر، أو فتق العقول بمعرفته.. والفتق إذا كان لشيء شديد الالتئام، كالثوب، فلا يؤتى بالباء؛ لأن الفتق يتعلق بالنقض، فتقول: فتقت الثوب، أما إذا كان لشيء شديد الامتلاء، فيتعلق غالبا بالباء، نحو: فتقت العجين، وتفتق بالشحم... الخ. **

عدد الصفحات ٦٠

60 60 ثالثاً بيان الآية (كانتا رتقا ففتقناهما): قوله (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَا هُمَا)، (كانتا رتقا)، أي: كانتا ملتحمتين واتسمتا بثلاث خصائص: الأولى: شدة الالتئام بينهما، كأنهما شيء واحد، والثانية: شدة الامتلاء، وهذا يشير إلى الكثافة الهائلة للجرم الصغير الذي حوى السماوات والأرض، فهو جرم ممتلئ بهما. والثالثة: الحالة النسيجية لهذا ا لجرم. فهو شيء ملتئم ممتلئ محبوك شديد الحبك. (ففتقناهما)، أي: شققنا ذلك الجرم، كما يشق النسيج، وهذا الشق بدأ بفرجة تتسع شيئا فشيئا، حتى أصبحت شديدة الاتساع. (وإنا لموسعون). وفتقهما أشبه بنقض عرى الشيء المحبوك، بتوسيعها والتفريق بينها، وتباعدها باستمرار، كما تتباعد خيوط الثوب المشقق، بعد أن كانت شديدة التماسك والتقارب (في حالة الرتق). ودلالة الفتق الدقيقة

عدد الصفحات ٦١

62 62 شَق متدرج، يبدأ بإحداث فرجة ضيقة، تتسع شيئا فشيئا، حتى تصبح شديدة الاتساع. (بم فتقتا؟): قال الزجاج: فتقهما الله بالهواء، و قال ابن عباس: فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات. وقال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطتهما ففتقهما بها ، ونقل الرازي عن بعضهم: فتقهما الله بإظهار النهار المبصر. وإذا عدنا إلى الدلالة اللغوية، فسنجد أن الشيء الممتلئ يتفتق بما امتلأ به، حيث إنه لشدة امتلائه يبدأ بالتشقق، وكأن ما داخله بحث له عن مدى أوسع، بعد أن ضاق به حاله الأول. وكذلك السماوات والأرض، خلقهما الله وخلق ما فيهما، وكانتا رتقا، وكان الجرم الذي هما فيه ممتلئ بهما وبالمخلوقات التي فيهما، ففتق الله ذلك الجرم، فأخذ ما كان فيه بالتوسع والامتداد. فالله فتقهما بما امتلآ به من خلق، وبعد الفتق بدأ كل جرم يكبر ويتسع، ويتباعد عن الأجرام الأخرى، وما بينهما مخلوقات خلقها الله، وليست فراغا، كما قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا).

عدد الصفحات ٦٢

63 63 وبهذا نعلم أن السماوات والأرض كانتا معا في الرتق، ولا نعلم ضآلة حجم الجرم الذي كانتا فيه، ولا نعلم نسبة ضآلة الأرض وهي في ذلك الجرم إلى السماء، وحين يتحدث العلماء اليوم أن الأرض خلقت بعد السماء، فإنما يتحدثون بحسب علمهم، وحسب ما توصلت إليه آخر التطورات الممكنة، وقد يأتي غدا بأجهزة أكثر تطورا ودقة، فتكون أدق في تحديداتها، وفي أحكامها، وهكذا تتطور علوم البشرية باستمرار. وما أقوله هنا أن الأرض كانت بحجم من الضآلة لا يمكن حتى الآن تصوره، فتخلقت هي والسماء في رحم واحدة، وانفتقا، واستمر تخلقها وتخلق ما فيها، ونمت حتى أصبحت بالحجم الذي رصدته أ جهزة البشرية لأول مرة . والله أعلى وأعلم.

عدد الصفحات ٦٣

64 64 المطلب الثالثمدة الخلق أخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ونحن لا نعرف الحقيقة الزمنية لهذه الأيام ولا مداها الزمني. وهو يخبرنا دائما عن المدة مقترنة بلفظ (السماوات)؛ إذ تشمل مرحلة خلق السماء ومرحلة تسوية السماوات. قال تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ )، وقال تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّ امٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ). وقد تحدث القرآن الكريم عن النسبية الزمانية، حيث تختلف دلالات اليوم زمانيا، فيوم كيوم من أيامنا، ويوم كألف سنة، ويوم كخمسين ألف سنة، ويوم لا نعرف مداه ...إلخ. قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، وقال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، وقال تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ). ومن غير الصحيح تفسير الأيام الستة بست مراحل، فلا دليل على ذلك، ثم تسوية السماوات السبع كان في

عدد الصفحات ٦٤