33 33 4 /العرش في اللغة ما الدلالة اللغوية لـ (ع ر ش)؟ في مقاييس اللغة: ( العين والراء والشين أصل صحيح واحد، يدل على ارتفاع في شيء مبني، ثم يستعار في غير ذلك). والمتتبع لاشتقاقات الجذر، يتبين له أن العرش يدل على: الشيء المرتفع الذي يظلِّ ل ما تحته عرَشَ يَعْرِش: بنى سقفا من خشب يستظل به، ومنه قوله: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )، و(أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِ نَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ). فالعرش يطلق على السقف وهو أرفع ما في البناء، وليس على مطلق البناء. ومنه العرْش الذي يصنع للعنب، وهو سقف من خشب ترفع عليه أغصان العنب، قال تعالى: ( جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ). ويطلق على السقف الذي يبنى ل لاستظلال به: عرش وعريش. وعَرّش يُعَرِّشُ : وفي الأثر: ( فَجَاءَتْ حُمَّرَةٌ فجعَلَت تُعَرِّشُ )، قال ابن الأثير: (التعريش: أن ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها).
عدد الصفحات ٣٣34 34 والعَرْش: سقف البيت؛ لأنه أرفع ما فيه، وهو ظلة البيت، وجمعه: عروش. قال تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا )، وفي الآية تصوير بديع، فإن العرش هو السقف الذي يستظل به وهو أرفع ما في البناء، وحين تصبح القرية خاوية على عروشها، أي تصبح تلك العروش المرتفعة في قاع الأرض، فلم تعد عروشا، بل أصبحت أرضا، وأصبحت الجدران والأعمدة خاوية عليها (أي: ساقطة عليها)، بدلا من أن تكون هي قائمة على الأعمدة والجدران. فهو تصوير بديع للخراب الذي حل بالقرية. ويقال لقوام الرجل: عَرْش، تقول العرب: ثُلّ عَرْشُه، إذا تهدم أساسه وقوامه، كما قال زهير: تداركتما الأحلافَ قد ثُ لّ عرشُ ها. وذلك أخذا من الارتفاع، فالسقف لا يقوم إلا على أساس، فعرش الرجل أو القوم: أساسه الذي يحمل سقفه. وبذلك سمي عرش الملك، لكونه مقام عزه وسلطانه، ولأنه أعلى ما لديه، وأرفع المجالس، وبه تحل الأمور وتعقد، وبه يمارس مهامه وسلطانه، ولو سقط عرشه لما بقي أمره. فالخلاصة أن دلالة العرش في اللغة، تشتمل على ثلاثة عناصر: الارتفاع، (فهو أرفع ما في البناء)، والثاني: السقف، فهو سقف مرتفع، وليس عمودا أو جدارا مرتفعا، وإلا فلا يسمى عرشا. والثالث: التظليل، فهو يظلل ما تحته.
عدد الصفحات ٣٤35 35 وهناك دلالة رابعة، وهي وظيفة العرش، وهذ ه الدلالة مجازية، فعرش الملك (وهو أرفع شيء في المملكة)، يرتبط بما يمارسه الملك من وظائف مملكته فيه. 3 /عرش الرحمن مما سبق – يتبين لنا أن العرش شيء يسقف المخلوقات كلها، ويظللها، فهو أعلاها، وله علاقة بتدبير الأمر للمخلوقات. ولعله المراد بقوله تعالى: (وَا لسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ )، جاء في زاد المسير لابن الجوزي: ("والسقف المرفوع" فيه قولان، أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي الله عنه والجمهور. والثاني: العرش، قاله الربيع)، وفي البحر المحيط: (قال ابن عباس: هو العرش، وهو سقف الجنة)، وقال ابن كثير: (وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع الم خلوقات). فهو سقف لكل المخلوقات، وهو مرفوع لا شيء من المخلوقات أرفع منه. وفي القرآن الكريم جاء وصف المرفوع؛ لأعلى المخلوقات التي رفعها الله، وهي: السقف (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ )، وهو العرش الذي هو أرفع المخلوقات. والصحف المكرمة ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 64) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ )، وهو اللوح المحفوظ. وكذلك سرر الجنة وفرشها، فالله جعلها مرفوعة ( فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ )، (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ )، وهذا يقتضي أنها عالية الارتفاع على ما سواها في الجنة، ويجعل الله أهل الجنة مهيئين لبلوغ هذه الارتفاعات. وكل هذه
عدد الصفحات ٣٥36 36 المرفوعات (العرش واللوح المحفوظ) هي أرفع من السماوات والأرض، وهي خارج مدى السماوات والأرض، فالعرش (على أنه السقف)، واللوح المحفوظ كلها موجودة من قبل خلق السماوات والأرض، والجنة وما فيها يسقفها عرش الرحمن. فحمل السقف على العرش أولى من حمله على السماء. وعليه فالعرش: ظلة فوق المخلوقات كلها، استوى عليه الرحمن، يدبر الأمر. فالآيات والأحاديث السابقة بينت لنا أن العرش: أول المخلوقات وجودا، وأعظمها وأثقلها وأعلاها وأرفعها، وهو مخلوق عظيم كريم، ويرتبط بوظيفة (تدبير الأمر)، وسأتحدث عن هذا الأمر لاحقا.
عدد الصفحات ٣٦37 37 المطلب الثالثالكرسي وأما الكرسي فقد ورد في أعظم آية في القرآن، وهي قوله تعالى: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ). والآية تتحدث عن قيومية الله سبحانه وتعالى، فهو يحيط بخلقه إحاطة مطلقة كاملة، بينما خلقه ليس لهم من الإحاطة بشيء من علمه إلا بما شاء. والسؤال الآن: إلى أين يعود الضمير في قوله (ولا يؤوده)؟ 6/ دلالة آية الكرسي بتدبر الآية نجد أنها تنقسم قسمين، القسم الأول من أولها إ لى قوله (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ )، وهذا القسم يتحدث عن قيومية الله سبحانه. والقسم الثاني قوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) إلى آخرها، وفيه يتحدث عن كرسيه العظيم الذي وسع السماوات والأرض، وبالرغم م ن ذلك فإنه لا يثقله (أي: لا يثقل الكرسي) حفظ السماوات والأرض. فالله قيوم على خلقه، فهو محيط بخلقه، وكرسيه محيط بالسماوات والأرض يحفظها بأمر الله.
عدد الصفحات ٣٧38 38 وبالنسبة إلى ا لقسم الأول من الآية، فه و ي تحدث عن قيوميته سبحانه، فهو الحي القيوم، وقيوميته تتمثل في: الحياة ال كاملة له (الحي الذي لا يموت، هو الأول والآخر)، فهو الحي الذي يهب الحياة لما شاء من خلقه، ويأخذها ممن شاء من خلقه، ( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )، وأما الخلق فيحييهم ربهم ويميتهم. وتتمثل ثانيا في: حفظه لخلقه، فهو لا يغفل عنهم، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فهو الحفيظ الرقيب الذي لا يغفل ولا ينعس ولا ينام، يدبر الأمر بحفظه. وتتمثل ثالثا في: ملكه المطلق فـ(له ما في السماوات وما في الأرض)، فماذا بقي للملوك سواه (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ). وتتمثل رابعا في: قهره وكبريائه، فلا أحد يجرؤ على أن يتقدم بين يديه بشفاعة إلا بإذنه. وتتمثل خامسا في: علمه المطلق بخلقه، فهو ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ). فهذه الخمسة الأمور تمثل أركان قيوميته المطلقة: الحياة، والحفظ، والملك، والقهر، والعلم. وقد ذكر (القيوم) في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، آية الكرسي، وأول آل عمران، وفي سورة طه، وقد اقترن في كل ها بصفة الحياة (الحي القيوم)، فهي أدل الصفات على قيوميته، وفي سورة طه اقترن أيضا بصفة الكبرياء والعلم، قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
عدد الصفحات ٣٨39 39 وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (615 )يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (661 )وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ )، ولم يرد نفي إحاطة الخلق بشيء من علمه إلا بما شاء إلا في موضعين: آية الكرسي، وسورة طه، وكلاهما مقترنان مع قيوميته سبحانه وتعالى. ولعلنا بذلك ندرك بعضا من أسرار هذه الآية، وكونها أعظم آية في القرآن الكريم. أما القسم الثاني من الآية فيتحدث عن الكرسي، وقد بين لنا أمرين بشأنه، هما: سعته، ووظيفته. الأول: أنه وسع السماوات والأرض؛ والآية صريحة في أن الكرسي وسع السماوات والأرض، فهو محيط بهما، جاء في لسان العرب: (الواسع: المحيط بكل شيء)، وقد فهم السدي ذلك فقال – كما نقل عنه الطبري: "السموات والأرض في جوف الكرسي"، فقوله (في جوف) يدل على أنه فهم أن إحاطة الكرسي بالسماوات والأرض كإحاطة الدائرة بما داخلها. والأمر الثاني أن الكرسي لا يثقله حفظ السماوات والأرض، وقد فهم بعض المفسرين أن الضمير في (يؤوده) عائد على الكرسي، فقد قال بذلك الزجاج، وذكر احتمالية عود الضمير إلى الكرسي أكثر من مفسر، كمكي بن أبي طالب، والعز بن عبد السلام. وهو الأنسب – كما يبدو لي؛ فهو أقرب مذكور، وحتى يتسق الكلام، فالسماوات والأرض ذكرت في الآية مع الكرسي، فكان اتس اق النظم أن يرجع الضمير في (يؤوده) إليه حيث
عدد الصفحات ٣٩41 41 ذكرتا معه. كما أن ذكر الكرسي (المرة الوحيدة في القرآن الكريم) في هذا الموطن يفيد أن له صلة بالسماوات والأرض، وليس مجرد أنه وسعها. كما أن ترتيب النظم يفيد ذلك، وإلا قال: ولا يؤوده حفظ السماوات والأرض وسعهما كرسيه. لكن المعنى سيختل؛ فترتيب النظم دال على اعتبار (الكرسي) في حفظهما. ويدل على ذلك أن الآية تتحدث عن قيومية الله على خلقه، والقيومية هي الحفظ، فالله حفيظ على كل شيء، وبينت لنا الآية أنه جعل الكرسي حافظا للسماوات والأرض، فلا يؤوده حفظهما. وعليه فلعل المراد و الله أعلم بمراده أن الله قد أودع في الكرسي من السنن والأمر ما يجعله يحفظ السماوات والأرض، ونحن لا ندري بهذه السنن والقوى المودعة فيه، بل نقول أنها من أمر الله سبحانه وتعالى. 5/ الدلالة اللغوية للكرسي مادة (ك ر س)، في المعاجم العربية كما يلي، وشمس العلوم، ولسان العرب، وتاج العروس الكِرْسُ: كِرْس البناء : أصله الصلب الذي يبنى عليه. وتَكَرَّس أُسُّ البِناء: صَلُبَ واشتدَّ. ... والكِرْس، بِالْكَسْرِ: أَبوال الإِبل والغَنَم وأَبعارُها يتلبَّد بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الدَّارِ ، فيسمى كِرس الحوض : حيث تقف الدواب
عدد الصفحات ٤٠40 40 فيتلبد، ويشتد . كما يطلق على الطين المتلبد: كِرْس.... والكِرْس من أكراس القلائد. يقال: قلادة ذات كِرْسَيْن، وذات أكراس ثلاثة، إذا ضممت بعضها إلى بعض. وَنَظْمٌ مُكَرَّس ومُتَكَرِّس: بعضه فوق بعض. وكل ما جعل بعضه فوق بعض، فَقَدْ كُرِّس وتَكَرَّ س هُوَ . وكَرِس الرَّجُلُ : إذا ازدحم علمه على قلبه؛ والكُرَّاسة من الكتب سميت بذلك لتَكَرُّسِها. والتَكرِيس: ضم الشيء بعضه إلى بعض.... والكَرَوَّس، بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ: الضخم من كل شيء، وقيل: الشديد. وقيل: هو العظيم الرأس والكاهل مع صلابة ، يقال: رجل كَرَوّ س، أي: شديد الرأس والكاهل في جسم. وقال الزجاج: ( الذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض. والكرسي في اللغة والكراسة إنما هو الشيء الذي قد ثبت ولزم بعضه بعضا. وقال قوم: كرسيه: قدرته التي بها يمسك السموات والأرض. قالوا: وهذا كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيا أي اجعل له ما يعتمده ويمسكه، وهذا قريب من قول ابن عباس [ بالعلم، لأن علمه الذي وسع السموات والأرض لا يخرج من هذا، والله أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته أمر عظيم من أمر الله جل وعز).
عدد الصفحات ٤١42 42 والخلاصة أن الكِرْس في لغة العرب يدل على أربعة معاني الأساس الصلب الشديد للبناء، والشيء الثابت الذي يُعتَمد عليه، وانضمام الشيء بعضه إلى بعض، والصلابة والشدة والضخامة. وهذه المعاني واضحة في الكرسي الذي يحفظ السماوات والأرض، فهو أس البن اء (والسماوات والأرض بناء)، والأس هو الشيء الثابت الذي يحفظ البناء، حيث تعتمد عليه السماوات والأ رض في قيامها، والكرسي يضم السماوات والأرض بعضها إلى بعض (فهو يمسكهما أن تزولا)، ولا يقوم بهذه الأمور إلا كرسي شديد عظيم، والله تعالى قد قال عن السماوات التي تقوم عليها أنه مبنية بناء شديدا ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، فكيف بالكرسي الذي يحفظها. وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم – كما ورد عن المصطفى – صلى الله عليه وسلم، فهي تبين لنا عظمة ربنا وقيوميته وإحاطته بما خلق، ومن خلقه الكرسي الذي وسع السماوات والأرض وأودع فيه سنن حفظهما بأمره، فالله يحفظ الكرسي، وقال بعض المفسرين: (إذا كان الكرسي لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض فما بالنا بصاحب الكرسي). ولعل هذا يفسر قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَا لَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )، ونلاحظ أن الضمير جاء بالتثنية (تزولا، أمسكهما)، كما جاء بالتثنية في
عدد الصفحات ٤٢43 43 آية الكرسي (حفظهما). وهو الأمر الوارد في قوله تعاوَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْ ضُ بِأَمْرِهِ ). 4/ (وهو العلي العظيم) وصف للكرسي فآية الكرسي إذن بينت لنا سعة الكرسي والتي تتضمن شكله أيضا (محيط)، وتبين لنا وظيفته. كما وصف الكرسي بأنه علي عظيم، ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ). فالضمير(وهو) يعود إلى الكرسي، يرجع إلى لفظ الجلالة الذي وسع السماوات والأرض، ولا يثقله حفظهما، وهو العلي (فله العلو على السماوات والأرض)، وهو العظيم (وهو الكرسي الذي له العظمة)، فهو أعلى من السماوات وأعظم منها، وهما صفتان يناسبان ما ذكر عن الكرسي، فكون ه أو سع من السماوات والأرض يقتضي أنه أعلى منهما، وكونها يحفظهما، يقتضي أنه أعظم منهما. ويؤيد ما أذهب إليه أن لفظ (العظيم) وردت في القرآن الكريم: 612 مرة41 مرة معرفة: العظيم، و26 مرة نكرة: عظيماً لغير الله سبحانه وتعا فقط، الأولى في الشورى: ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ العلي العظيم)، والثانية في الحاقة: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ]) فمما وصف بها: الفضل، الفوز، الخزي، العرش، القرآن، الكرب، اسم ربك،
عدد الصفحات ٤٣44 44 النبأ. وأما النكرة (عظيم) فكلها جاءت وصفا لغير الله سبحانه وتعالى. و آية الكرسي فإن احتمال أن يكون الوصف للكرسي واردا، ومن الأولى حمله على ذلك؛ فالمعنى لا يرده، واستعمال القرآن الكريم للفظ يؤيده. وأما لفظ (العلي)، فقد ورد ست مرات، مرتين (الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )، وأربع مرات ( الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ). وأما النكرة (عليّ) فقد ورد لله مرة (سورة الشورى)، وورد لغيره، فوصف به القرآن الكريم ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 4) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )، ووصف به المكان الذي رفع الله إليه إدريس (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (21 )وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ). وهنا سؤال: لماذا قال (وسع كرسيه السماوات والأرض)، ولم يقل: أحاط، مثلا؟ قال تعالى (وَالسَّ مَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، فالله ي وسع بناء السماء. فكان لفظ السعة أولى وأنسب بالسماوات والأرض، وأدل على اتساع السماوات باستمرار. فلفظ (وسع) يدل على الإحاطة مهما كانت الزيادة في السعة، أما لفظ الإحاطة فيدل على الإحاطة الثابتة، دون السعة المستمرة. وبذلك دل لفظ (وسع) على هيئة الكرسي (محيط)، وعلى أنه يحيط به مهما زادت في اتساعها. والله أعلى وأعلم.
عدد الصفحات ٤٤45 45 3/ علاقة الكرسي بالعرش والسؤال الآخر: ما علاقة الكرسي بالعرش؟ لم ترد آية في القرآن الكريم تتحدث عن هذه العلاقة– حسب فهمنا –، وقد جاء في السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"6 . فالحديث يبين لنا أن الكرسي هو شيء محيط بالسماوات، ومثله إلى العرش كمثل السماوات إليه. فلعل العرش محيط به كإحاطته بالسماوات، والرحمن على العرش استوى. وفي البخاري ( فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، وقد فهم بعض السلف من الحديث أن العرش مستدير، قال: الأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير. والآية صريحة في أن كرسي الله وسع السماوات والأرض، فهو محيط بها، وقد فهم السدي ذلك فقال – كما نقل عنه الطبري: 0 قال الألباني: الحديث صحيح بطرقه. واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، كما في بعض الروايات أنه موضع القدمين. وأن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه ، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ ، فهذا كله لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعضه أشد ضعفا من بعض.
عدد الصفحات ٤٥46 46 "السموات والأرض في جوف الكرسي"، فقوله (في جوف) يدل على أنه فهم أن إحاطة الكرسي بالسماوات والأرض كإحاطة الدائرة بما داخلها. ويؤيد هذا الرواية الأخرى للحديث: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُ رْس)، والترس تطلقه العرب على القرص المستدير، وبه سمي الترس (السلاح)، و(ترس الباب). والخلاصة التي يمكن لنا أن نقولها في العرش: العرش كان على الماء، من قبل خلق السماوات والأرض، وأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. والعرش أعظم من السماوات السبع، ووصفه الله بأنه عرش عظيم كريم. والعرش أعلى المخلوقات، وهناك من الملائكة من يحمل العرش، وهناك من يحف به. وأما الكرسي فقد وسع السماوات والأرض. هذا ما أخبرنا به القرآن الكريم، ولا نستطيع القول وراء ذلك. وأما الكرسي فنقول أنه شيء خلقه الله محيط بالسماوات والأرض، يحفظها بأمر الله، ومَثَله إلى العرش كمثل ا لسماوات السبع إليه. والله أعلم.
عدد الصفحات ٤٦47 47 المبحث الثالثالمرحلة الأولى: خلق السماوات والأرض المرحلة الأولى بالنسبة للسماوات والأرض، هي الخلق، والمرحلة الثانية: التسوية، والمرحلة الثالثة: التدبير. المطلب الأول: خلق/ فطر السماوات والأرض أولاً: خلق السماوات والأرض وما فيهما يقرر القرآن الكريم أن كل شيء خلقه الله، قال تعالى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ). والسماوات والأرض هما من الأشياء التي خلقها الله سبحانه وتعالى. والمتتبع لآيات القرآن الكريم عن (خلق السماوات والأرض)، يجد أن كل الآيات التي تحدثت عن الخلق اقترنت بالسماوات (جمعا) والأرض، في (41 موضعا)، وكذلك عند الحديث عن (فاطر السماوات والأرض2 مواضع). وهذا يدل على أن خلق السماوات والأرض كلها تمت في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الخلق، فكانتا رتقا، كما قال تعالى، وما تم بعد ذلك إنما هو التسوية. ولم يقترن لفظ الخلق مع (السماء: مفردة) إلا في موضعين، هما قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )، وقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ
عدد الصفحات ٤٧48 48 وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ 61) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ). وكلا الموضعين يتحدثان عن خلقهما ب الحق والحكمة، وليس باطلا، ولا يتحدثان عن الخلق كمرحلة. وقد ذكر القرآن الكريم لفظ (السماوات) في بداية الخلق ونهايته مرتين، مرة في بداية الخلق وهو قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَ ا). ومرة في نهاية الخلق، قال تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ .) التي في نهاية الخلق لاحقا ويتساءل كثيرون: كيف يتحدث القرآن الكريم عن أن السماوات والأرض كانتا رتقا، وما توصل إليه العلماء اليوم يتحدث عن سماء لا عن سماوات. ولذلك تجد تأويلات كثيرة في الآية، كالقول بأنه أطلق السماوات وأراد السماء، ... الخ. غير أن هذه الآية دليل واضح غاية الوضوح أن الله خلق السماوات والأرض، فهو لا يتحدث عن: السماء، وإلا قال: السماء. وهذا يثبت أن خلق السماوات والأرض تم أول الخلق، فكانتا رتقا. وما تم بعد ذلك فإنما هو تسوية السماوات السبع، وليس خلقها، بدليل أن القرآن الكريم حين فصّ ل
عدد الصفحات ٤٨